برلين، وليس فينيسيا أو «كان»، هو أفضل مهرجان دولي يمكن فيه بحث ما يجري في العالم العربي من نشاط سينمائي، أو - ربما - ما لا يجري.
المناسبة الـ67 لمهرجان برلين السينمائي (من 9 إلى 19 الجاري) وكما ورد هنا قبل يومين، يشهد قدرًا كبيرًا من الوجود العربي معبّرًا عنه بالسينمائيين الوافدين، أكثر مما هو معبّر عنه بالأفلام المشتركة.
مستقبل السينما العربية الجادة وغير التجارية، تشير التقارير الواردة وتؤكد الدلائل والظواهر، أنه يكمن في أوروبا وليس في العالم العربي. في ذلك الجزء الذي استقبل مئات ألوف اللاجئين ويشهد تصاعد المواقف اليمينية المتطرفة في مواجهة ما يراه البعض غزوًا غير ناعم تدعمه الآيديولوجية المتطرفة. أوروبا التي تواجه تحديات الانتخابات المقبلة في ألمانيا وفرنسا والتي ما زالت تترقب الضغط غير المباشر الذي فرضه وصول دونالد ترمب للحكم وتأثيره المحلي، كما التي لديها مشكلات التكيّف مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
أما العالم العربي، فإن حالته المتشرذمة بين حروب هنا وحروب هناك، وبين سيطرة رجال الأعمال على الأسواق التجارية وتغييب فرص عروض الأفلام الجادة تحد من قدرته على استيعاب كل هذا العدد من الراغبين في العمل في السينما. قلة قليلة باتت تجد من التمويل المعتمد من قِبل مؤسسة «سند» ومؤسسة «دوحة فيلم إنستتيوت» ما يكفي لتحقيق ما تريد تحقيقه، علما بأن المؤسستين الإماراتية والقطرية حققتا خطوات كبيرة في مجال المساهمة في إنتاج الأفلام الصعبة عبر تمويل جزئي، أحيانًا ما يقتصر على التشجيع أكثر مما يعرف الاحتواء والإنتاج الفعلي.
مسار صعب
الوضع التسويقي هو في أسوأ حالاته بالنسبة للكم الكبير من الأفلام العربية التسجيلية والروائية القصيرة منها والطويلة. كل فيلم عربي تبلور وضعه العالمي في العام الماضي وحتى الآن، استفاد أولاً من تواجده في مهرجان دولي، سواء كان ذلك في نطاق فيلم محمد دياب «اشتباك» أو في نطاق فيلم محمود الصباغ «بركة يقابل بركة» أو في نطاق فيلم محمد بن عطية «نحبك هادي» أو أي من سواها. هذه الأفلام عرضت في أكثر من مهرجان عربي، لكن المهرجانات العربية لا تطلق، بعد، الأفلام التي تعرضها دوليًا.
هذا يعني أن الأفلام العربية التي يعرضها أقوى المهرجانات العربية (دبي) أو تلك التي تقف مباشرة في الصف الثاني (مراكش، القاهرة، قرطاج) منقسمة - إجمالاً - إلى أفلام سبق عرضها في مهرجانات حول العالم، أو أفلام لم تخرج بعد للعالم. حين تفعل، فإن المسار الصعب لفرض حضورها على المهرجانات الأخرى أو على الجمهور المهتم بمتابعة ما يأتي من الدول العربية من أفلام، هو المسار الصعب ذاته الذي تشهده الأفلام التي لا تشترك في هذه المهرجانات أو لا تشترك إلا بعد عروضها العالمية.
وهذا الوضع ليس جديدًا، تؤكده أفلام اللبنانية نادين لبكي وأفلام هاني أبو أسعد، كما فيلم «وجدة» للسعودية هيفاء المنصور، فكلها أنجزت حول العالم على أصعدة نقدية وإعلامية وجماهيرية ما لم تستطع تحقيقه في الدول العربية إلا في حدود الإقبال الكبير الذي شهدته في مهرجان دبي على الأخص. المعنى المباشر في هذا الصدد يؤكده الحضور العربي المتزايد في هذا المهرجان الشاسع. هذا الحضور يتمدد بين «مؤسسة السينما العربية» التي باتت محط ثقة السينمائيين أفرادًا ومؤسسات، وبين هؤلاء المخرجين الذين يستثمرون في حقيقة أن مهرجان برلين عرض نحو 150 فيلما لمخرج عربي ومن إنتاج محلي أو محلي مشترك منذ مطلع الخمسينات وحتى اليوم، ومعظم هذه النسبة هي في السنوات العشر الأخيرة، عندما تبين، أكثر مما مضى، أن مهرجان برلين جاد في مسألة البحث عن مواهب جديدة وتقديمها.
لا يعني ذلك أن كل فيلم عربي خرج إلى عروض مهرجاناتية دولية حظي بالاهتمام والنجاح ذاته. «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (مصر) و«3000 ليلة» للفلسطينية مي المصري و«روحي» للبنانية جيهان شعيب، من بين كثير من الأفلام الحديثة التي شهدت عروضها في لوكارنو وتورونتو وكان وبرلين وفينيسيا، لكنها لم تحظ بالنجاح ذاته.
نجاح أوروبي
إذ تدخلنا هذه الحقيقة في موضوعات أخرى، لا مجال واسعًا لها هنا، تؤكد أنه على الرغم من هذه الصعوبة فإن الطريق المفضل للسينمائيين العرب هو البحث عن تمويل أجنبي (جزئي أو كامل) لأجل ضمان الوصول إلى مهرجان عالمي، في مقابل غياب صندوق دعم عربي أو مؤسسة إنتاجية كبيرة لا تضمن هذا الوصول فقط، بل تفتح أساسًا السوق المغلقة في وجه معظم هذه الأفلام بفضل عناد معظم الموزعين للقيام بلعبة منفعية واضحة مفادها الاكتفاء بالأفلام التي (قد) تجلب إيرادات ما (مهما قلّت) عن إتاحة العرض لأفلام جيدة لا يؤمنون بأن هناك فائدة تجنى من وراء تشجيعها.
«مولانا»، فيلم مجدي أحمد علي الجديد، هو واحد من عدّة أفلام عربية سيشاهدها الجمهور الألماني خارج المسابقة الرسمية. والسؤال المرتسم هنا هو: إذا ما كان سينجح في اتخاذ «برلين» نقطة انطلاق عالمية كما حدث عندما عرض محمد دياب «اشتباك» في مهرجان «كان». إذا فعل، تأكدت الحقائق التي تشير إلى أن دور المهرجانات الغربية صار حتميًا في تنشيط الدورة الدموية للسينما العربية. إن لم يفعل، فإن إخفاقه لن يقلل من قيمة هذه المهرجانات بسبب النجاحات السابقة التي حققتها أفلام أخرى في هذه المهرجانات.
الأفلام المتسابقة في هذه الدورة تروي حكايات مختلفة. الدول الأوروبية المتقدّمة مثل ألمانيا وفرنسا تزيد من المنح، ترفع دعمها، ترى في السينما مستقبلاً متجددًا على الدوام، ولديها نحو 30 مهرجانًا أوروبيًا يعمل على إنجاح هذه المبادرات وامتصاص رحيق الأفلام الأوروبية قبيل وصولها إلى جمهور متعطش نجم عنه نجاح كبير لأفلام خارج الإطار التجاري، من آخرها «توني إردمان» الذي سجل حتى التاسع من هذا الشهر، اليوم الذي تم افتتاح المهرجان فيه، 556 مليونا و616 ألف دولار، وذلك من السوق الأوروبية فقط، حيث تأتي السوق الألمانية بالنصيب الأكبر (4 ملايين و832 ألف دولار) تليها فرنسا (مليونان و425 دولار) ثم هولندا (697 مليونا و777 ألف دولار).
8:3 دقيقه
«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (3): مهرجان برلين يكشف النقاب عن أزمة السينما العربية
https://aawsat.com/home/article/853076/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-3-%E2%80%AC%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9
«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (3): مهرجان برلين يكشف النقاب عن أزمة السينما العربية
الفيلم العربي يبحث عن «الاعتراف» في المهرجانات الدولية
فيلم «مولانا» يجرب حظه في برلين في دورة هذا العام
- برلين: محمد رُضا
- برلين: محمد رُضا
«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (3): مهرجان برلين يكشف النقاب عن أزمة السينما العربية
فيلم «مولانا» يجرب حظه في برلين في دورة هذا العام
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

