لا ثبات في العلم.. وقوته تكمن في تكذيبه

نظرية التطور هي ابنة القرن التاسع عشر المسكون بالبحث عن جذور الأشياء

تشارلز داروين
تشارلز داروين
TT

لا ثبات في العلم.. وقوته تكمن في تكذيبه

تشارلز داروين
تشارلز داروين

يستحضر المرء بمجرد سماعه نظرية التطور، تشارلز داروين (1809 - 1809) مباشرة، ويعتقد أن الفكرة فكرته وحده، وأنه هو من اكتشفها كإشراقة خاطفة أو كحدس شبيه بوحي من السماء. غير أن عالم الأفكار لا يتحرك بهذه الطريقة. بل يسير وفق سياقات تحدد لهؤلاء «العباقرة» ما سيفكرون فيه، وما سيطرحونه من إشكالات. بل تحدد لهم حتى سقف الأجوبة المحتملة، أو بتعبير أكثر دقة، نستخدم مفهوم توماس كون «الباراديم»، الذي يعني به الإطار، أو النموذج الذهني الموجه للرؤية في حقبة زمنية معينة، فهو من له الكلمة الفصل، إذ يتجاوز هذا «الباراديم» الأفراد، ليصبحوا مجرد خدام له.
ولفهم الأمر أكثر، لنعش التجربة الذهنية الآتية: تصور معي، أن تشارلز داروين بلحمه ودمه، وبشفرته الوراثية نفسها، قد ولد قبل القرن التاسع عشر، ولنقل الخامس عشر مثلاً. فهل كان سيفكر في نظرية التطور؟ الجواب طبعًا لا، بل هو مستحيل. إذ إن لكل فكرة تاريخًا وزمنًا ومستقرًا محددًا. بل لنفترض أيضًا، أن داروين المفترض، الذي يعيش في القرن الخامس عشر للميلاد، منح ذكاء عاليًا، بحيث استطاع أن يحدس فكرة التطور، فلن تكون فكرته بغد مشرق، ولن يعبأ بها أحد، وسترمى جانبًا في الهامش إلى حين.
إن الأفكار تحتاج لكي تعيش، إلى السياق الذي يتقبلها ويسمح لها بالظهور. فالعبرة ليست بالجزء بل بالكل. فكم من الأفكار سبقت زمانها وأجهضت مباشرة، ليست لأنها خاطئة، بل لأن الإطار النظري لا يسمح لها بالبروز، وهذا ما يشهد عليه التاريخ. ففكرة دوران الأرض مثلاً، قد قال بها الفيثاغورثيون اليونانيون. وقال بها أيضًا، أرسطرخس، وحتى العالم المسلم البيروني، تحدث عن إمكانية القول بالدوران. لكن كلامهم لم يكن له معنى أو يجد قبولاً، لأن الإطار النظري الأرسطي/ البطلمي (نسبة إلى عالم الفلك بطليموس الذي هيمن على القرون القديمة فلكيًا)، والقائل بثبات الأرض، كان مهيمنًا وطاردًا لكل ما يشوش عليه تماسكه. فالقول بدوران الأرض آنذاك، هو قول نشاز وغير متحمل، وسوف تنتظر هذه الفكرة، مجيء القرن السادس عشر مع كوبيرنيكوس، لتظهر من جديد، لأن شروطًا نظرية قد نضجت.. وعلى غرار ذلك، نتحدث عن الجاذبية مع نيوتن، فهل كان ظهورها قبل القرن السابع عشر ممكنًا؟ الإجابة: قطعًا لا.
إن أي فكرة، تحتاج إلى إطارها النظري الذي ستسبح فيه بأمان. وهو من يقدم لها جواز المرور للقبول والظهور، بل الذيوع.
في مقالنا هذا، سنتوقف عند نظرية التطور كمثال، ونسأل عن الإطار الذي سمح بظهورها في القرن التاسع عشر بالضبط؟

قرن التاريخ والبحث عن الجذور

يعد القرن التاسع عشر قرن البحث عن تكوين الأشياء لا خلقها. إنه قرن التاريخ بامتياز. فهاجس أن لكل شيء جذورًا، وأن لا شيء ثابت، ولا شيء يبقى كما كان، كان الكلمة العامة للعصر. إنها بمثابة الإطار الذهني الموجه للرؤية. فالجبل مثلاً في علم الجيولوجيا، قد تشكل عبر التاريخ، والوديان تبدأ نشيطة قوية فتهرم مع الزمن، وتكثر التواءاتها. بل نجد أن اليابسة لم تكن متصدعة ومفرقة كما نشهدها اليوم، بل كانت كتلة واحدة متراصة. وهذا ما حاول العالم ألفريد فاغنر (1880 - 1930)، إثباته، بنظريته المشهورة «زحزحة القارات». وأكثر من ذلك، فالمرض النفسي له جذور في الطفولة. فالإنسان عندما يكبر، يكون صدى لرواسب طفولته. وهو ما راج مع المحلل النفسي سيغموند فرويد (1859 - 1939)، ناهيك بأن القرن التاسع عشر، قد أفرز لنا توجهات فلسفية كبرى، كالهيغيلية، والماركسية، وكانت كلها مرهونة، كما هو معلوم، بالهواجس التاريخية، زيادة على تنامي الفلسفة الوضعية، التي ترى أن الفكر البشري مر بمراحل تدل على الارتقاء والنمو والتبدل من حال إلى حال. وما آخر هذه المراحل، كما زعم أوغست كونت (1798 - 1857)، إلا المرحلة العلمية. هذه الأجواء، هي التي حكمت تشارلز داروين، وشكلت له الأفق الذهني الذي سيوجهه، وبقوة. لكن هذه المرة، نحو الكائنات الحية، ليؤكد أنها هي أيضًا لم تكن كما هي. بل تعرّضت بدورها، إلى تحولات عبر التاريخ، مقترحًا نظرية في ذلك، سميت نظرية التطور أو التحول البيولوجي. وهي النظرية التي أسالت المداد، وكانت محطة نقاش محتدم، منذ صدور كتاب «أصل الأنواع» سنة 1859 حتى الآن، نظرًا لما تخلقه من توترات تمس قيمة الإنسان في الكون. لأن داروين يقر بأنه ما دام أن الإنسان ينتمي إلى الطبيعة، فهو لا محالة، قد تعرض لتغير عبر مساره الطويل، مثله في ذلك مثل كل الكائنات الأخرى. فأصله يتقاطع ويمت بصلة لمملكة الحيوان، وهذا ما يربك صورة الإنسان عن نفسه، إلى درجة أن سماها فرويد، بالصفعة التي تذكر الإنسان بأصوله الحيوانية، وتبرز له أنه، في نهاية المطاف، مجرد مصارع من أجل البقاء. وما العقل عنده سوى سلاح كالناب والمخلب.. فما هي ملامح نظرية التطور؟

سفينة المسح الجغرافي «بيغل»

يقول داروين: «في أحد الأيام، عندما كنت أنزع لحاء شجرة قديمًا، رأيت زوجًا نادرًا من الخنافس، وأمسكت بواحد منهما في كل يد. عندئذ رأيت (جعلاً) ثالثًا من نوع جديد لا أحتمل أن أفقده، فما كان مني إلا أن وضعت (الجعل) الذي كان في يدي اليمنى في فمي».
قدمت كلام داروين لأظهر عشقه، بل هوسه بتجميع الحشرات، والعمل على تصنيفها، والمقارنة بينها. وهذا كله قبل قيامه بتلك الرحلة المشهورة إلى أميركا الجنوبية، التي ستقلب كيان فكره رأسًا على عقب، وستعطيه الفرصة لإعلان نظرية التطور.
كان داروين في بداية العقد الثالث من عمره، حين قررت البحرية الملكية البريطانية إرسال سفينة «بيغل»، لغرض مسح وتخطيط ساحل أميركا الجنوبية، ووضع خريطة له. وقد عرض عليه أن يرافق هذه الرحلة بوظيفة «رجل طبيعة» من دون أجر. وفي الحقيقة، يعود الفضل في هذه الدعوة، إلى أحد أصدقائه، وهو أستاذ لعلم النبات في جامعة كمبردج، على الرغم من أن داروين نفسه، لم يكن مولعًا بالنبات، بل بجمع الخنافس كما قلنا.
أبحرت السفينة سنة 1831 لمدة 5 سنوات. وعاد داروين ليس داروينًا، إذ اقتنع بأن الأنواع حينما تعزل في جهة، فإنها تختلف في الصفات والميزات عن التي تعزل في جهات أخرى، وأن هذه الأنواع قابلة للتغير. وكاد ألا يكتب عن نظريته التطورية، لولا أنه سمع بخبر أن هناك من ينافسه في الأطروحة، وهو الرجل المغمور والمنسي في التاريخ، المسمى ألفرد رسل والاس، الذي توصل إلى النتائج نفسها، مما أثار داروين، فسارع إلى إصدار كتابه «أصل الأنواع» فكتبت النظرية باسمه وضاع اسم والاس، وهو ما يُظهر ظلم التاريخ أحيانًا. فما بعض الحجج وبعض الاعتراضات على نظرية داروين؟

المستندات الداعمة لـ«الداروينية»

1- تتابع أنواع الحفريات: اللافقاريات، والأسماك، والزواحف والطيور، والثدييات، والإنسان.
2- وجود بعض الأعضاء بلا وظائف: كالزائدة الدودية، وبعض الزوائد لدى الحيوانات، كالندوب في الثعابين التي تدل على أطراف قد اندثرت. وهو ما تفسره «الداروينية»، بكون أن هذه الحيوانات قد انحدرت من أسلاف كانت مجهزة بأعضاء كاملة، لكنها فقدتها بالتدريج، جراء التكيف مع طرق الحياة الجديدة.
3- في القرن التاسع عشر، قام علماء التشريح المقارن، بالإعلان عن أن الكائنات الحية، لها بنية أساسية ضمنية متطابقة. وهو ما يفسر حسب «الداروينية»، كون السلف مشتركًا، وأن النموذج البدائي قد تعرض لتحولات.
4- تشابه الأجنة عند الكائنات الحية.
5- وقائع تهجين الحيوان والنبات: إذ يمكن أن نحصل على سلالات معينة لحيوانات جرى تدجينها. فبمجرد رسوخ هذه الصفات الجديدة، فإنها تظل باقية، إلى حد ما، في السلالات التالية. هذه التحولات سينظر لها داروين على أنها نموذج تجريبي لما يحدث في الطبيعة طوال الوقت. فالحيوانات ليست ثابتة بل تتغير.

اعتراضات جادة أقلقت داروين

1- إذا قبلنا بالانتخاب الطبيعي، فالعين تزداد حدة مثلاً، لكن كيف ظهرت أول عين؟ وإذا ما كانت وظيفة الريش البدائي لدى الطائر، كونه عازلاً للحرارة، وتطورت لاحقًا فقط، لكي تكون ميزة تُسهّل عملية الطيران، فمن العبث الملغز، افتراض أن الريش قد ظهر لكي يحقق احتمالات خفية للطيران. هذه أمور أزعجت فكرة الانتخاب الطبيعي طوال حياة داروين.
2- عدم وجود حفريات تثبت الأنواع الوسيطة بين الأنواع. وهذا أمر مقلق حتى بالنسبة للإنسان. فليس هناك أثر للوسيط بينه وبين مملكة الحيوان.
نخلص إلى أن النظرية الداروينية، هي بنت زمانها، أي القرن التاسع عشر، وبنت لحظة حمى البحث عن جذور وتاريخ وتكوين الأشياء. كما تبين لنا أن التطور افتراض له مؤيدات ومكذبات. والمهم هو أنها نظرية مغامرة أدت إلى البحث، ويكفي أنها جرّت العلماء وفي جميع أنحاء العالم، إلى القيام بحفريات، سعيًا وراء إيجاد ﺫلك الرابط بين الإنسان الحالي والإنسان القديم. وسواء وجدوه أو لا، فالأساس يكمن في كون الافتراض الدارويني، لعب دور المحرك لعجلة التنقيب. فقد كان بمثابة مهماز للبحث. فإذا ما نسفت الداروينية جدلاً وبحجج دامغة، فالربح حاصل على الدوام، لأنك حينما تكذب نظرية معينة، فأنت تكون مطالبًا بتعويضها بواحدة أقوى منها، بكلمة واحدة نقول: لا ثبات في العلم، فالعلم قوته في تكذيبه.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.