د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

الناقد العراقي عمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس
TT

د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس

مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي - الغربي في أبريل (نيسان) 2003، اكتشف الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم، معنى مختلفًا لـ«الآخر»، الذي ظلّ يدرسه باعتبار وجوده ضروريًا للوجود الإنساني برمته «من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر»، هكذا يقول، لكن بعد الغزو أصبح مهتمًا أكثر بدراسة الآخر وصوره علميًا وأكاديميًا ونقديًا، وذلك في الأدب، وبشكل خاص في الرواية. وتمخض مشروعه في دراسة الآخر في الأدب عن أربعة مؤلفات وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، التي تصب في هذا الموضوع، من بين كتبه: «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، و«الآخر في الشعر العربي الحديث».
مشروعه الآخر، كان العمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام، عبر مؤلفه «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» ضمن مشروع غير مكتمل لـ«الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019».

> درستَ موضوع «الآخر» في الأدب والشعر، وحصلتْ بعضُ دراساتكَ عن هذا الموضوع على جوائز عربية.. ماذا يعني لك «الآخر»؟
- بعيدًا عن تمثّله في الأدب والإبداع، يمثّل «الآخر» لي مكمِّلاً، بل أشعر بأن ليس من وجود إنساني حقيقي لي دونه، ولهذا تراني أريد الآخر دومًا، فأكون قريبًا منه بكل أنواعه؛ الآخر طائفيًا أو دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو جنسًا. بل إني لأستغرب أنْ أجد الكثيرين لا يتقبلون إلا المشابه لهم، ولا أفهم لماذا يكتفون به بينما من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر. ولكن لأعترف بأنّ هناك نوعًا من الحيرة في الموقف الذي يجب أن نتخذه من الآخر أحيانًا، وهي عندي نشأت من رؤيتي لاحتلال الآخر - الأميركي وإلى حد ما الأوروبي - لبغداد، ورؤيتي لها في أعقاب عودتي إليها بعد غربة سبع سنوات، محتلّةً منه، ورؤية قسوته وهمجيته، مع تواصل حضور هذا الآخر - عينه تقريبًا، أعني الأوروبي والأميركي - في ذاكرتي بشكل أصدقاء وأحبة عشت وإياهم في بلدانهم وخبِرت تحضرهم ورقيّهم، بل تعلّمت منهم وتطورت بهم.
> لكن هذه الحيرة كانت حافزًا..
- نعم، هذه الحيرة إزاء هاتين الصورتين المتناقضتين جعلت دراسة الآخر وصوره موضوعي الأثير الذي أهتم به، ولكن في الأدب، وبشكل خاص في الرواية، أي علميًا وأكاديميًا ونقديًا، محاولاً حل إشكالات هذا التناقض، والإجابة عن أسئلة كثيرة تُثار فيها، وربما، على العكس، إثارة أسئلة أخرى. وهكذا جاءت أربعة من كتبي، وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، تصب في هذا الموضوع.
> وما سمات هذا «الآخر» في الأدب؟
- قد تشتبك مجموعة صور للآخر مع بعضها، وقد تحضر واحدة منها في هذا العمل وتحضر أخرى في عمل آخر. وكل ذلك يعتمد، بظني، على مجموعة عوامل، لعل أهمها اثنان، الأول تجربة الكاتب العملية والحقيقية، وأعني هنا تجربي أنا الشخصية مع الآخر، والثاني الرؤية الثقافية والفكرية وربما السياسية له التي تجعل الفرد باحثًا أو مفكرًا أو دارسًا أو قارئًا أو حتى إنسانًا عاديًا يرى الآخر، ولا سيما الغربي، بهذا الشكل أو ذلك، أو تسهم في صياغة هذه الرؤية وبالتالي رسم صورته.
> ومن أين يستمد وجوده؟
- في الأدب وفي الفن، يستمد وجوده من تجربة الكاتب ومن رؤيته الفكرية، وقد يمكن إضافة عوامل كثيرة تلعب دورًا أو أدوارًا في هذا الوجود وطبيعته، كما تطرقت إلى هذا فعلاً في دراساتي.
> هل تعريف الآخر معتمد على تعريف الذات؟
- بشكل أدق أقول: معرفتك بالآخر تنطلق في بدايتها على معرفتك لنفسك، بتعبير آخر تعتمد معرفة الآخر، في كثير منها، على معرفة الذات، والعكس صحيح، لتعرف نفسك يجب أن تعرف الآخر. وكلامي هنا يخرج عن حدود الآخر الذي أُعنى به، فالآخر هنا كل من هو ليس أنت، على مستوى الشخص والعائلة والملّة أو الشعب والديانة والطائفة.. إلخ.
> على الصعيد الأدبي، كتبتَ «الرواية العربية والآخر»، كيف عالجتْ الرواية العربية هذا الموضوع؟
- الحقيقة أن لدي كتابين: الكتاب الأول، هو الذي تشير إليه، وهو عبارة عن مجموعة دراسات، واحدة منها فقط تُعنى بالآخر حضورًا وصورةً في الرواية العربية وموقف العربي منه وعلاقته به. أما بقية دراسات هذا الكتاب فهي عن الرواية والآخر من حيث علاقتها به وبأدبه والتأثير والتأثّر بينهما، أحدها عن «كافكا» في الرواية العربية. الكتاب الثاني هو «الآخر في الرواية العربية المعاصرة» أحد أسسه الدراسة التي ضمها الكتاب الأول عن الآخر في الرواية العربية، وهو الفائز بجائزة الإبداع العربية التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي المعروفة. فضلاً عن دراسات كثيرة عالجت جوانب مختلفة من هذا الموضوع في الرواية العربية، مثل المرأة الغربية في الرواية العربية، ونحن والآخر إلى أين؟ وغيرها، إضافة إلى كتاب خرجت فيه عن الرواية إلى الشعر، وهو «الآخر في الشعر العربي الحديث».
> بعيدًا عن موضوع «الآخر»، لك كتاب «مشكلة الحوار في الرواية العربية»، الذي قد يكون الكتاب الوحيد عربيًا الذي قام على موضوع «الحوار في الرواية العربية». ما هذه المشكلة؟
- الواقع (مشكلات) وليست مشكلة واحدة، وبظني أن الكثير من العرب، كتّابًا وروائيين وقاصين ومؤلفي أفلام ودراما وكتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين، يُخفقون في الحوار. ولكي تعي هذا وتتلمسه تلمّس اليد، إن لم تكن منتبهًا إلى هذا أصلاً، يمكنك أن ترجع إلى كثير من الأفلام والأعمال الدرامية العربية، التي لا تكاد تسلم من الضعف في الحوار، ولهذا بدأتُ كتابي، في المقدمة، بأمثلة مضحكة من أفلام عربية، بوصفها جزءًا من مبررات تأليف كتابي، وكنت أتمنى أن أتناول الفيلم والدراما، ولكن لأن تخصصي واهتمامي بالرواية، فقد جاء الكتاب عن هذه المشكلة في الرواية العربية، وهي مشكلة موجودة، على أية حال، فيها. ومن أهم جوانب الضعف والخطأ اللذين يجعلان من القضية مشكلة، التعامل مع العربية من حيث فصحاها وعاميّاتها، وطول الحوار والجملة الحوارية، وتناسب وعدم تناسب الحوار مع الشخصية المتكلمة به، واستخدام الحوار بوصفه تقنية فنية، وغير ذلك.

الرواية العراقية

> لديك دراسات توثيقية وبيلوغرافيا عن الرواية العراقية في 100 عام، ما نتائج هذه الدراسة؟
- نعم، أصبتَ، والعمل المركزي فيها هو «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» وهو في بعض حقيقته طبعة لمشروع غير مكتمل كما أريده وهو «الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019» أنوي أن أنشره، إذا أمدّ الله في عمري، سنة 2020، وعليه يكون المنشور حاليًا هو بمثابة «الفهرست غير الكامل للرواية العراقية في مائة عام». أما عن النتائج التي تسألني عنها، فهي كثيرة، لكن النتيجة الأساسية أو الرئيسية أو المركزية فهي بالطبع عدد العناوين التي ضمها، التي زادت على 1200 عنوان رواية عراقية صدرت خلال 95 سنة. ومن النتائج الأخرى ما قدمته في فهارس فرعية، وملاحق. من ذلك مثلاً «فهرست الرواية النسوية في العراق»، وضمّ أكثر من 150 رواية، و«فهرست رواية الفتيان في القرن العشرين» وضم 50 رواية، وملحق «أرقام وإحصاءات».
> كيف تفسر غياب العراقيين عن الرواية سنوات طويلة، هل للأمر علاقة بهيمنة الشعر؟
- عدم توجه العراقيين نحو الرواية هو من عدم توجه العرب عمومًا نحوها إلا بعد ظهورها في العالم بعد أكثر من مائتي سنة، ولهذا أسباب كثيرة قد يكون بعضها حقائق، بينما يبقى بعضها الآخر اجتهادات نظرية، قد نتفق معها وقد لا نتفق، وفي كل الأحوال لا بد أن يكون لذلك علاقة بطبيعة الشخصية العربية من جهة، وتعلّقًا بذلك بطبيعة الثقافة العربية المتوارثة.
> ماذا عن الطفرة الروائية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، هل للأمر علاقة بالتحول السياسي الناجم عن تغير نظام وصعود قوى أخرى؟
- نعم، قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون محقًا في أن لهيمنة الشعر علاقة بتأخر الطفرة التي تشير إليها. البداية الحقيقة للرواية الفنية العراقية التي نستطيع أن نسميها إنجازًا، تعود إلى منتصف الستينات، وجاءت الطفرة في العقدين الأخيرين تقريبًا، ومرة أخرى لأسباب كثيرة منها ما تشير إليه. نعم للتحولات التي شهدها العراق في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، سلبيّها وإيجابيّها، دور في ذلك. ولعل بعض مؤشرات هذه الطفرة تعبّر عن ذلك، ومنها: أولاً ازدياد عدد الروايات، فبعد أن كان عدد الروايات التي تصدر كل عام قبل عقدين أو ثلاثة يتراوح ما بين 10 و20 صار العدد في السنوات الأخيرة عادة ما يتعدى الستين، وثانيًا ازدياد عدد الروائيات والروايات النسوية، وثالثًا حصول الروائيين العراقيين على جوائز كثيرة، وغير ذلك.

سيرة ذاتية

> ولد في بلدة بهرز بمحافظة ديالى عام 1951. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1973، ثم الدبلوم العالي في التربية من الجامعة نفسها. وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة إكستر في بريطانيا، عام 1984.
>عمل أستاذًا في جامعات العراق وليبيا والأردن وسلطنة عمان، وأستاذًا زائرًا في بريطانيا. وهو حاليًا أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد، في كلية الآداب بجامعة بغداد.
> حصل على كثير من الجوائز، بينها جائزة خليفة التربوية في الإمارات، لسنة 2015، عن كتاب «رواية الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات». وجائزة الإبداع العربي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، لسنة 2014، عن كتاب «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة». جائزة يوسف بن أحمد كانو في البحرين لسنة 2009، عن كتاب «الآخر في الشعر العربي الحديث».
ألَّف أكثر من ثلاثين كتابًا، من بينها:
> «الرواية العربية في القرن العشرين» (تحرير واشتراك في التأليف)، الدوحة، 2016.
> أميركا والأميركي في الرواية العربية، بيروت، 2016.
> «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014»، بغداد، 2015.
> رواية «الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات»، بيروت، 2014.
> «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، بيروت، 2013.
> «أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، عمّان، 2011.
> «الآخر في الشعر العربي الحديث.. تمثُّل وتوظيف وتأثير»، بيروت، 2010.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.