قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

التكتل الهندي العملاق تبلغ قيمته 104 مليارات دولار

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»
TT

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

في خطوة سلبية لشركة كبرى، تمت إقالة الرئيس التنفيذي وفق أقصر إشعار ممكن، أعلن التكتل الهندي العملاق، الذي تبلغ قيمته السوقية 103.51 مليار دولار، الإطاحة المفاجئة برئيس مجلس الإدارة سايروس ميستري.
وفي الأثناء ذاتها، تسلم راتان تاتا، الحفيد الأكبر لصاحب التكتل الهندي العملاق الذي يبلغ عمره 150 عاما ويتألف من 100 شركة موزعة على القارات الست، المنصب المؤقت لرئيس مجلس إدارة المجموعة.
يبلغ عمر راتان تاتا 78 عاما من عمره، وهو الحفيد الأكبر لجامستجي تاتا المؤسس الأول للشركة، ويترأس في الوقت نفسه الصناديق المالية التي تشكل ثلثي رأسمال المجموعة، وفي عهد راتان تاتا استطاعت المجموعة تحقيق أكبر استحواذ استثماري في تاريخها بالتوقيع على صفقة شراء شركة كورس الأوروبية العملاقة لصناعات الحديد والصلب بمبلغ 12.9 مليار دولار في عام 2007، ثم الاستحواذ الثاني والأهم في تاريخها على شركة جاجوار لاند روفر البريطانية في صفقة بلغت قيمتها 2.3 مليار دولار في عام 2008.
وبين عامي 2005 و2008 تمكنت المجموعة من الاستحواذ على أكثر من 40 شركة تعمل في مختلف المجالات والأعمال مثل الحديد والصلب، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والفنادق، والمشروبات؛ وذلك وفقا للبيانات التي نشرتها مجموعة «تاتا» الهندية العملاقة على موقعها الرسمي.
ولا تزال أسباب استبعاد ثم استبدال ميستري غير معروفة، حيث أثار خبر الإطاحة به، السريع والمفاجئ للغاية، الكثير من التكهنات والنظريات، غير أن الكلمة المشتركة التي يتداولها الجميع الآن تفيد بأن ميستري لم يكن مديرا تنفيذيا ناجحا.
وفي حين أن مختلف غرف الأخبار وصفحات «تويتر» باتت تناقش الأسباب المحتملة لمثل هذا القرار المفاجئ، وتعول على الأداء والكفاءة، والالتزام الشديد بالقيم العليا التي تمثلها مجموعة «تاتا» الهندية، حيث اندلعت معركة في قاعة الاجتماعات الكبرى بالمجموعة بين اثنين من كبار المساهمين، أو مجموعة متنوعة ومعقدة من المساهمين وأصحاب المصالح في المجموعة، ومن غير المتوقع الوقوف على الحقيقة الواضحة بشأن هكذا قضية في المستقبل القريب.
كان ميستري البالغ من العمر 48 عاما لا ينتمي بصلة القرابة إلى العائلة المؤسسة لشركة «تاتا»، ولقد انضم إلى مجلس إدارة المجموعة في عام 2006، ووقع الاختيار عليه من جانب راتان تاتا ليخلفه على رئاسة مجلس إدارة المجموعة عند تقاعده في عام 2012. ويمتلك بالونجي شابورجي ميستري، والد سايروس ميستري، ما نسبته 18.5 في المائة من أسهم مجموعة «تاتا»؛ مما يجعله أكبر المساهمين المفردين في المجموعة وتمتلك عائلته الأسهم المشار إليها في صورة صناديق التمويل العائلية، وشقيقته الوو متزوجة من الأخ غير الشقيق لراتان تاتا ويدعى نويل.
كانت إقالة سايروس ميستري خطوة غير معتادة من قبل مجموعة «تاتا» غير المعروفة بنشوب المعارك داخل غرف الاجتماعات، تلك التي تردد صداها خارج مبنى بومباي هاوس المقر الرئيسي للتكتل الهندي العملاق، ومن المثير للاهتمام، أن أسهم الكثير من الشركات المملوكة لمجموعة «تاتا» قد ارتفعت بصورة كبيرة منذ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وهو تاريخ تولي ميستري مهام منصبه الجديد، وحققت شركة «تاتا للخدمات الاستشارية»، وشركة «تاتا موتورز» أرباحا بنسبة 91 في المائة و81 في المائة على التوالي، وارتفعت أسهم شركة «تاتا للاتصالات» بنسبة 183 في المائة، ومع ذلك، انخفضت أسهم شركة «تاتا باور» بنسبة 23 في المائة، وأسهم شركة «تاتا العالمية للمشروبات» بنسبة 4 في المائة، وهبطت أسهم شركة «تاتا للصلب» أيضا بنسبة 0.50 في المائة خلال الفترة نفسها. وتضاعفت القيمة السوقية الإجمالية لمجموع أسهم الشركات المدرجة على قوائم مجموعة «تاتا» تقريبا خلال السنوات الأربع التالية على تولي ميستري مهام منصبه رئيسا لمجلس إدارة المجموعة، محققة رقما إجماليا يبلغ 125 مليار دولار الآن.
كان ميستري يتصف بالحزم الشديد في أداء الأعمال، وربما أنه دخل في حالة من التحدي الصريح في مواجهة الإرث التاريخي لشركات «تاتا» في أسلوب إدارة الأعمال، حيث إنهم لا يتمتعون بالكثير من الحس التجاري.
وكانت إحدى الاستراتيجيات التي يعتمدها ميستري تقوم على خفض الديون عن طريق بيع الأصول، وهي في غالب الأحيان من استراتيجيات الملاذ الأخير لدى الشركات كافة.
كانت الكثير من القرارات التي اتخذها ميستري، ومن بينها التخلص من بعض الممتلكات العقارية الفندقية المملوكة للمجموعة الهندية في الخارج، وعلى وجه الخصوص الخطوة التي اتخذها لإغلاق عمليات الصلب في المملكة المتحدة، والتي تعرضت لانتقادات شديدة بين صناديق «تاتا» وبريطانيا.
قالت إحدى الشخصيات القريبة من مجموعة «تاتا»: «كانت هناك أيضا حالة من القلق المستمر داخل أروقة المجموعة بأن ميستري يتعمد بيع (مجوهرات العائلة)، و(يفكك كل ما شيدته الشركة) عن طريق قراراته ببيع مقتنياتها الراقية، لقد أراد للمجموعة أن تبدو وأنها تخسر في مجال الأعمال بدلا من بيعها بصورة مباشرة».
ولقد واجه ميستري كذلك الاتهامات بالفشل في تنمية «جاجوار لاند روفر» وهي العلامة التجارية المرموقة، التي تمكنت مجموعة «تاتا» من الاستحواذ عليها في عام 2008.
على نحو مماثل، جاء قرار التورط في المعركة القانونية الشهيرة والكبيرة ضد شركة «إن تي تي دوكومو» اليابانية، وهي من أكبر شركات الهواتف في اليابان، بمثابة المسمار الأخير في نعش ميستري، حيث لم يوافق راتان تاتا شخصيا على هذه القضية، وذلك وفقا لبعض التقارير الإخبارية التي أفادت بذلك.
وكانت هناك شراكة قد انعقدت بين شركة «إن تي تي دوكومو» وبين مجموعة «تاتا» في عام 2009 لإنشاء شركة للاتصالات، التي فشلت بسبب اللوائح الصارمة للشركات الأجنبية والمنافسة الشديدة من شركات أخرى. وسعت الشركة اليابانية لرفع الأمر إلى التحكيم الدولي وحصلت على تسوية بمقدار 1.2 مليار دولار. وتشير بعض التقارير الإخبارية إلى أن مجموعة «تاتا» كانت ملتزمة بحماية استثمارات شركة «إن تي تي دوكومو» اليابانية، وعندما اتخذ ميستري قراره بإنهاء علاقة الشراكة بين الشركتين، لم يتمكن راتان تاتا من إصلاح الأمر في حينه.
وظهرت مقالة على صفحات مجلة «الإيكونيميست» مؤخرا تشير إلى فشل ميستري في إعادة تنظيم الإمبراطورية مترامية الأطراف للمجموعة العملاقة، التي تضم شركات تعمل في مختلف المجالات من صناعة الساعات وحتى استشارات تكنولوجيا المعلومات، التي نادرا ما تتواصل مع بعضها بعضا. وعلى الرغم من أنه أظهر بعض المؤشرات الواعدة، كما قالت مجلة «الإيكونيميست» الشهر الماضي: «يبدو أنه لديه قناعة لدرجة خطيرة بالبقاء على رأس الشركة التي تحولت إلى فيل ضخم ومثير للإعجاب، ولكنه يتحرك بخطى متثاقلة جدا».
اتخذ مجلس إدارة مجموعة «تاتا» قراره بإبعاد ميستري عقب اجتماع مطول، مع ستة من أصل تسعة أعضاء صوتوا لصالح إقالته، وامتنع عضوان عن التصويت. ولا يزال ميستري، الذي لم يتمكن من التصويت، رئيسا للمجلس خلال تلك الجلسة المطولة.
وفقا لبعض المصادر المطلعة على تلك التطورات، يبدو أن اهتمامات ميستري بالمشروعات العقارية صب في صالح شركة شابورجي بالونجي وشركاه «مجموعة إس بي»، التي يديرها والده بالونجي ميستري وشقيقه الأكبر شابر ميستري، وهو السبب الرئيسي وراء استبعاده من مجموعة «تاتا».
قال تي. في. موهانداس باي، العضو الأسبق في مجلس إدارة شركة «إنفوسيس»، لشبكة «إي تي ناو» الإخبارية، إن عودة راتان تاتا إلى مجلس إدارة المجموعة تعكس أن هناك أمرا خاطئا يجري داخل مجموعة «تاتا».
إن محاولة تغيير الثقافة الاستراتيجية داخل مجموعة عملاقة مثل مجموعة «تاتا» الهندية يعد من التحديات الكبرى. ولقد تولى ميستري منصبه بهدف لم شمل المجموعة وتوحيد صفوفها وقيادة التحول فيها، ولكننا لم نر أي شيء يحدث من ذلك على الإطلاق وبدا الرجل وأنه يصنع ما كان يصنعه من قبل من دون أي تغيير يُذكر. وقال المؤلف غوروتشاران داس، إن المساهمين في المجموعة كانوا في حالة عصبية شديدة عندما باغتتهم مفاجأة كهذه. وليس من الجيد وقوع مفاجآت كهذه في مجموعة استثمارية كبيرة مثل «تاتا»، حيث يصاب المساهمون بعصبية متزايدة. ولكنني أعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك نوع من التوضيح من قبل المجموعة حول اتخاذ هذه الخطوة.
وقال إيه. كيه. برابهاكار، الذي يترأس مؤسسة «آي دي بي آي كابيتال» الاستثمارية: «كان لسايروس منهج مختلف في التعامل مع الأشياء. حيث كان يعزز من أعمال مجموعة (تاتا) عن طريق التخلص من الشركات غير الأساسية، وكان يركز على الشركات ذات هوامش الربح الكبيرة. والناس في مجموعة (تاتا) يتمتعون بخصال طيبة كالبشر، ولكن من ناحية المال والأعمال، أراهم مسرفين بعض الشيء».
انتقد الكثيرون الطريقة التي أقيل بها ميستري من منصبه. حيث يقول المهندس باي رئيس مجلس إدارة مؤسسة «مانيبال العالمية للتعليم»، إن مجلس إدارة مجموعة «تاتا» تعامل مع الموقف برمته بطريقة سيئة. وإن إقالة ميستري تعتبر إدانة من جانب المجموعة حياله وليس هناك من وسيلة يدافع بها الرجل عن نفسه، وكان يمكن تجنب الموقف المحتمل من خلال بعض المعاملات الإدارية التي تليق بمنصب رئيس مجلس الإدارة. وأضاف باي يقول في تعليقه: «تصرف مجلس إدارة المجموعة بطريقة تعسفية، لكنه عصف أيضا بشخصية تترأس المجلس نفسه. ولقد قرر ستة من الأعضاء التصويت وامتنع اثنان. ومن المثير للفضول أن نعرف من امتنع عن التصويت. وأشعر بأنهم من كبار الأعضاء سنا الذين لم يرغبوا في التصويت ضد ميستري».
وحقيقة أن المجلس اعتبر أن إعادة راتان تاتا من التقاعد لإدارة المجموعة على نحو مؤقت في هذه الظروف ينم عن أمور غير جيدة بالنسبة للمجموعة.
حيث يقول شريرام سوبرأمانيان، وهو مستشار الوكلاء في شركة «إن - جوفرن»: «يدل ذلك على عدم وجود خطة للخلافة في المجموعة.



البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

شهد عام 2025 محطة تاريخية فارقة للبنوك السعودية التي سجلت أرباحاً قياسية بلغت 24.5 مليار دولار (ما يعادل 92 مليار ريال)، وبنمو سنوي نسبته 16 في المائة، وبفارق 3.46 مليار دولار (13 مليار ريال) مقارنةً بعام 2024. وفي وقت تترقب الأسواق أداء القطاع خلال العام الجاري، تشير التوقعات إلى نمو أكثر اعتدالاً واستقراراً، وسط رهانات على استمرار الإنفاق الحكومي في دعم المشاريع الكبرى بوصفها ركائز أساسية تحافظ على زخم الطلب الائتماني.

وقد جاء هذا الأداء القوي ثمرةً لتضافر عوامل استراتيجية، بدءاً من قوة الملاءة المالية للبنوك، وصولاً إلى توسع مَحافظ الإقراض. كما أن الأرقام المسجَّلة لم تكن بمعزل عن التقييمات الدولية؛ إذ يؤكد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي السعودي يتمتع بمرونة عالية، ومستويات رسملة قوية، وسيولة وفيرة، مع انخفاض ملحوظ في القروض المتعثرة لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2016. ويشير إلى أن البنوك السعودية أثبتت قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط بفضل اختبارات الضغط الصارمة، وأن القطاع المصرفي السعودي يمتلك أساسات صلبة تمكّنه من مواصلة دعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

العاصمة السعودية (واس)

ما البنوك؟

شمل هذا الأداء القوي المصارف العشرة المدرجة في السوق السعودية، وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، وبنك «البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

تصدر «البنك الأهلي السعودي» قائمة البنوك من حيث صافي الأرباح، مسجلاً 25 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 18 في المائة. وجاء «مصرف الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح، لكنه حقق أعلى نسبة نمو بين المصارف المدرجة، تجاوزت 26 في المائة، لتصل أرباحه إلى أكثر من 24.7 مليار ريال. في حين حل «بنك الرياض» ثالثاً بأرباح بلغت 10.4 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 12 في المائة.

مبنى «الراجحي» في العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

هيمنة البنوك الكبرى

وفي تعليق على النتائج المالية، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن نتائج القطاع البنكي خلال عام 2025 تظهر أداءً استثنائياً، وهو نمو يعكس قوة القطاع المصرفي ومتانته، حيث تصدر البنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي المشهد، مما يؤكد استمرار هيمنة البنوك الكبرى المدعومة بقاعدة رأسمالية قوية وانتشار واسع.

وأضاف أن هذا النمو جاء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة خلال معظم فترات العام، مما عزَّز صافي دخل العمولات الخاصة، كما أسهم التوسع في الإقراض، خصوصاً التمويل العقاري وتمويل الشركات المرتبطة بمشاريع «رؤية السعودية 2030»، في زيادة حجم الأصول المدرّة للدخل، كذلك استفادت البنوك من تحسن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنةً بفترات سابقة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية التي رفعت كفاءة التشغيل وخفضت التكاليف.

ويتوقع الخالدي أن يشهد القطاع المصرفي السعودي نمواً أكثر اعتدالاً خلال 2026، مع احتمالية استقرار أو تراجع أسعار الفائدة، مما قد يضغط نسبياً على الهوامش الربحية، مضيفاً أن استمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى نمو القطاع غير النفطي، سيُبقي الطلب على التمويل عند مستويات قوية.

ويُرجِّح أن تركز البنوك على تنويع مصادر الدخل عبر الرسوم والخدمات الاستثمارية، وتعزيز التحول الرقمي لرفع الكفاءة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي السعودي سيبقى في موقع قوي، مدعوماً ببيئة اقتصادية مستقرة وإصلاحات هيكلية، مما يجعله قادراً على الحفاظ على مستويات ربحية جيدة رغم التحديات المحتملة.

أرباح «تاريخية»

من جهته، وصف المحلل المالي ناصر الرشيد، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أرباح القطاع لعام 2025 بأنها «تاريخية»، وتأتي مدفوعةً بالنمو المستمر في الأعمال بالاقتصاد السعودي والنمو السنوي للميزانية الحكومية، مضيفاً أن البنوك جزء من المنظومة المالية، كما أن القطاع البنكي هو القطاع الأكثر دعماً لمؤشر السوق السعودية.

وفي تحليل لنمو أرباح البنوك، أرجع الرشيد ذلك إلى نمو صافي الدخل من الفوائد والعمليات التشغيلية، الناتج من توسع محفظة الإقراض المصرفي، ونمو الدخل من الرسوم المصرفية والعمولات، وكذلك التوسع القوي في محفظة الإقراض وارتفاع حجم القروض البنكية وزيادة الطلب على التمويل من الشركات والأفراد، مما أسهم في زيادة الأرباح.

مبنى بنك الرياض (الشرق الأوسط)

نمو الطلب على الائتمان

وأشار إلى أن تحسن البيئة الاقتصادية وتشغيل بعض المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030» عزَّزا الطلب على التمويل المصرفي وزادا الطلب على الائتمان، بالإضافة إلى تحسن مستويات الربحية التشغيلية وانخفاض تكاليف المخاطر في بعض البنوك وارتفاع الطلب على التمويل، كما حقق بعض البنوك أرباحاً رأسمالية من بيع الأصول والاستثمارات، مما أسهم في زيادة صافي الربح السنوي للقطاع البنكي.

وأضاف أن غالبية البنوك استفادت من تنوع مصادر الدخل وحققت مكاسب من الأدوات المالية المتنوعة، كالصكوك، والاستثمارات الأخرى، بالإضافة إلى استفادتها من الاستقرار والتخفيض النسبي في أسعار الفائدة، مما أسهم في تحسين الهوامش الربحية لدى بعض البنوك.

ورغم هذا الأداء الاستثنائي، يرى محللون أن القطاع المصرفي يواجه عدداً من التحديات في عام 2026؛ لعل أبرزها احتمال ضغوط الهوامش الربحية الناتجة عن اتجاهات أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التسارع الرقمي استثمارات مستمرة في الأمن السيبراني لمواكبة التهديدات المتطورة، إلى جانب التحدي المتمثل في الحفاظ على جودة الأصول في ظل بيئة ائتمانية متسارعة، وهو ما يفرض على البنوك انتهاج سياسات تحوطية مرنة تضمن استدامة الربحية والنمو في آن واحد.


انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
TT

انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)

يواجه القطاع المصرفي العالمي حالة من الترقب المشوب بالحذر عقب الانهيار المفاجئ لشركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز (MFS)»، وهي شركة بريطانية متخصصة في تقديم الرهن العقاري، وسط مزاعم خطيرة بالاحتيال وتضليل المستثمرين.

هذا الانهيار لم يقتصر تأثيره على الشركة ذاتها، بل امتد ليشكل تهديداً مباشراً لمؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت» ولندن، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن ضعف معايير الاكتتاب التي سبقت الأزمات المالية الكبرى، وجسّد تحذيرات المدير التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، بشأن وجود «صراصير» كامنة في أسواق الائتمان تنتظر الظهور مع تراجع السيولة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

خيوط الأزمة

بدأت فصول الأزمة عندما تقدمت شركتا «أمبر بريدجينغ» و«زيركون بريدجينغ» بطلب قضائي ضد شركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز»، كاشفتين عن «مخالفات جسيمة» في إدارة حسابات الشركة المالية. وبناءً على هذه المعطيات، وافق رئيس محكمة الإعسار والشركات في لندن، القاضي نيكولاس بريغز، على وضع الشركة تحت الإدارة القضائية، واصفاً مزاعم الاحتيال الموجهة ضدها بأنها «بالغة الخطورة».

ويكمن جوهر الاتهامات في ممارسة «الرهن المزدوج»، حيث يُزعم أن الشركة استخدمت الأصول العقارية ذاتها ضمانات للحصول على قروض متعددة، مما أدى إلى «عجز كبير» في الضمانات العقارية التي تغطي قروض المقرضين. هذا التلاعب، الذي يتطلب تحقيقاً عاجلاً، يعني أن المؤسسات المالية التي ضخت مليارات الجنيهات في الشركة وجدت نفسها أمام أصول متضخمة القيمة أو غير موجودة في الواقع، مما دفع القضاء البريطاني إلى تعيين خبراء من شركة «أليكس بارتنرز» لإدارة عملية التصفية والبحث في حجم الخسائر التي قد تصل إلى 930 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

هيكلية السيطرة

لم يكن انهيار «إم إف إس» نتيجة سوء إدارة مؤسسي فحسب، بل سلّط الضوء على نموذج «الملكية المطلقة». فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد باريش رجا، الذي كان يدير الشركة بصفته المدير الوحيد والمسيطر المطلق على الأقسام كافة، بمشاركة زوجته براثيبا رجا بصفتها عضو مجلس إدارة، حيث كان الزوجان هما المساهمين الوحيدين. ورغم أن الشركة كانت تدّعي في منشوراتها الترويجية أنها تمتلك فِرقاً لإجراء «العناية الواجبة المعززة»، فإن تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد أتاح تمرير عمليات تمويل مشبوهة بعيداً عن الرقابة الداخلية الفعالة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر رجا بياناً زعم فيه أن الأزمة هي «مأزق تقني وإجرائي» وليست فشلاً في جودة الأصول، وهي تصريحات قوبلت بتشكيك واسع من الدائنين والمحللين القانونيين.

شعار «باركليز» (رويترز)

ارتدادات عالمية

أحدث هذا السقوط صدمة في أروقة المال، خصوصاً مع انكشاف حجم تعرض المؤسسات المالية الكبرى. ويَبرز بنك «باركليز» بوصفه أحد أكثر المتضررين بحجم تعرض يقدَّر بنحو 600 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى تراجع أسهم البنك في بورصة لندن، وفق صحيفة «التايمز».

ولم تكن المؤسسات الأميركية بمنأى عن هذا الزلزال؛ إذ يواجه بنك «جيفريز» (الذي تعرض سابقاً لخسائر من انهيار «فيرست براندز»)، وشركة «أطلس إس بي بارتنرز» التابعة لـ«أبولو غلوبال مانجمنت»، إلى جانب «ويلز فارغو» و«سانتاندير» و«تي بي جي»، ضغوطاً متزايدة لتقييم خسائرها. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمتها هذه المؤسسات للشركة المنهارة تجاوزت ملياري جنيه إسترليني، مما دفع صناديق التحوط الائتماني للبدء بتحليل دفاتر الشركة، متوقعةً عمليات بيع قسرية لديون الشركة بخصومات حادة لاسترداد ما يمكن استرداده.

صلات مشبوهة

كشفت التحقيقات التي تحدثت عنها «فاينانشال تايمز» عن أن جزءاً كبيراً من أعمال «إم إف إس» كان مرتبطاً بتمويل عقارات مرتبطة بوزير بنغلاديشي سابق. فقد كانت الشركة تمول استثمارات ضخمة مرتبطة به منذ عام 2019، وشمل ذلك مئات العقارات في إنجلترا وويلز. أثار هذا الملف تساؤلات حادة حول مدى امتثال الشركة لقوانين مكافحة غسيل الأموال، خصوصاً أن الأصول المعلنة للسياسي في بلاده كانت لا تتناسب مطلقاً مع حجم ثروته العقارية في بريطانيا، التي جمدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة جزءاً كبيراً منها في وقت سابق.

وقد عززت هذه القضية من الانتقادات الموجَّهة إلى شركات الائتمان التي تلهث خلف عوائد مرتفعة دون التدقيق الكافي في جودة الأصول، وهو ما وصفه جيمي ديمون مؤخراً بـ«الأفعال الغبية» التي تعيد تذكير المحللين بما حدث في عام 2008.

شعار شركة «جيفريز فاينانشال غروب» معروض على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

أزمة ثقة تتجاوز «إم إف إس»

لا يمثل انهيار «إم إف إس» حالة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة من الإخفاقات التي ضربت شركات أميركية مؤخراً، مثل «فيرست براندز» و«تريكولور هولدينغز»، اللتين تواجهان بدورهما تحقيقات بتهم احتيال وتزييف فواتير. وتؤكد هذه الوقائع المتسارعة أن ثقافة «التوسع السريع» و«النمو غير المدروس» في سوق الإقراض المدعوم بأصول قد خلقت بيئة هشة. ومع استمرار التحقيقات، يظل السؤال الأهم الذي يطرحه المستثمرون حالياً: هل يعد انهيار «إم إف إس» جرس إنذار أخير قبل ظهور حالات احتيال أخرى في أسواق الائتمان الخاص، أم أنه مجرد فصل آخر من تداعيات السيولة الرخيصة التي تلاشت في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟

في ظل هذه المعطيات، تجد البنوك الدولية نفسها اليوم في موقف دفاعي، مطالبةً بتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانهيار سيقود إلى موجة من الملاحقات القضائية التي قد تغير قواعد اللعبة في سوق الإقراض العقاري الموازي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
TT

أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

سجّلت أسعار الجملة في الولايات المتحدة ارتفاعاً فاق التوقعات، خلال الشهر الماضي، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تفوق ما كان يُنتظر.

وأعلنت وزارة العمل، الجمعة، أن مؤشر أسعار المنتجين – الذي يقيس التضخم عند بوابة الإنتاج قبل انتقاله إلى المستهلكين – ارتفع بنسبة 0.5 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول)، وبنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي حتى يناير (كانون الثاني) 2025. وكانت توقعات الاقتصاديين، وفقًا لمسح أجرته شركة «فاكت سيت»، تشير إلى زيادة شهرية قدرها 0.3 في المائة، وسنوية بنحو 1.6 في المائة.

وعند استثناء أسعار الغذاء والطاقة شديدة التقلب، ارتفعت أسعار الجملة الأساسية بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري و3.6 في المائة على أساس سنوي، متجاوزةً بدورها تقديرات المحللين.

في المقابل، تراجعت أسعار الطاقة؛ إذ انخفضت أسعار البنزين بالجملة بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بديسمبر، وبنسبة حادة بلغت 15.7 في المائة على أساس سنوي.

وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الخدمات بالجملة، نتيجة اتساع هوامش الربح لدى تجار التجزئة والجملة.

ويأتي تقرير أسعار المنتجين بعد أسبوعين من إعلان وزارة العمل أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 2.4 في المائة فقط على أساس سنوي، الشهر الماضي، لتقترب بذلك من هدف التضخم البالغ 2 في المائة الذي يسعى إليه الاحتياطي الفيدرالي.

وكان عدد من الاقتصاديين قد أبدوا مخاوف من أن تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات إلى تسريع وتيرة التضخم، إلا أن تأثيرها حتى الآن جاء أقل من المتوقع، رغم بقاء معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وتُعدّ أسعار الجملة مؤشراً استباقياً لمسار تضخم المستهلكين، كما تحظى بمتابعة دقيقة من قبل الاقتصاديين نظراً إلى أن بعض مكوناتها - لا سيما مؤشرات الرعاية الصحية والخدمات المالية - تدخل ضمن حساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى «الاحتياطي الفيدرالي» لرصد التضخم.