تفاهم روسي ـ تركي يتيح لـ«درع الفرات» الوصول إلى «الباب» لتحقيق المنطقة الآمنة

مصادر: روسيا تسعى لتمدد النظام شرقًا لمنع تماس «الحر» مع القوات الكردية

مقاتل من «درع الفرات» في لحظة استراحة أول من أمس وقد ربط كاميرا إلى رأسه قبل التوجه إلى تل رفعت بريف حلب حيث تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الأكراد (رويترز)
مقاتل من «درع الفرات» في لحظة استراحة أول من أمس وقد ربط كاميرا إلى رأسه قبل التوجه إلى تل رفعت بريف حلب حيث تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الأكراد (رويترز)
TT

تفاهم روسي ـ تركي يتيح لـ«درع الفرات» الوصول إلى «الباب» لتحقيق المنطقة الآمنة

مقاتل من «درع الفرات» في لحظة استراحة أول من أمس وقد ربط كاميرا إلى رأسه قبل التوجه إلى تل رفعت بريف حلب حيث تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الأكراد (رويترز)
مقاتل من «درع الفرات» في لحظة استراحة أول من أمس وقد ربط كاميرا إلى رأسه قبل التوجه إلى تل رفعت بريف حلب حيث تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الأكراد (رويترز)

تنحسر منطقة نفوذ «داعش» في الريف الشمالي لحلب، أمام تقدم قوات «درع الفرات» المدعومة من تركيا والتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وسط معلومات عن «اتفاقات بين روسيا وأنقرة» تقضي بوصول قوات «درع الفرات» إلى مدينة الباب فقط (30 كيلومترًا شرق مدينة حلب)، فيما قالت مصادر في المعارضة السورية إن الجبهة التي تمتد إلى جنوب شرقي الباب، باتجاه معقل التنظيم في الرقة «مؤجلة» إلى حين نضوج «تفاهمات جديدة» حولها.
وتتحدث مصادر بارزة في المعارضة السورية عن أن المخطط التركي «طويل الأمد»، ويستهدف القتال في داخل سوريا على ثلاث مراحل: «الأولى ضد (داعش) وصولاً إلى مدينة الباب»، والثانية «التمدد شرقًا من الباب إلى حدود منبج الإدارية»، والثالثة «طرد القوات الكردية من ريف منبج باتجاه الضفة الشرقية لنهر الفرات»، وذلك بهدف «إنشاء المنطقة الآمنة التي تطمح تركيا لتنفيذها في داخل الأراضي السورية لاستضافة اللاجئين»، وهي تمتد من جرابلس إلى أعزاز على الحدود التركية، وإلى العمق مسافة 50 كيلومترًا.
وقالت مصادر قريبة من أجواء التفاهمات لـ«الشرق الأوسط»، إن المنطقة الآمنة «أولوية بالنسبة لتركيا»، بينما يعد «طرد التنظيم من كامل الريف الشرقي، في جنوب شرقي مدينة الباب لجهة مسكنة ودير حافر وصولاً إلى الرقة، ثاني الأولويات، ويحتاج إلى تفاهمات جديدة بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية»، مشددة على أن تلك المرحلة «مؤجلة في ظل انشغال درع الفرات بمعارك (داعش) بالريف الشمالي، والتزام النظام بعدم القيام بأي حركة عسكرية ضد (داعش) هناك»، ما يعني «ألا مؤشرات على قرب المعركة هناك».
وتنقسم خريطة النفوذ في محافظة حلب الآن، بنسب متقاربة بين القوى العسكرية الفاعلة، تتصدرها قوات الجيش السوري الحر والقوات المدعومة من تركيا بنحو 30 في المائة من المحافظة، تليها القوات الكردية التي تسيطر على ما نسبته 27 في المائة، ثم تنظيم داعش الذي يسيطر على نحو 25 في المائة من المحافظة بعد انحسار نفوذه، بينما تأتي في أسفل القائمة قوات النظام التي تسيطر على نحو 18 في المائة من المحافظة، بحسب أحدث الخرائط التي قدمتها قوى الثورة السورية في الشمال.
وتشير الخريطة عينها، إلى أن نفوذ قوات المعارضة، يتوزع بين الريف الشمالي والريفين الغربي والجنوبي لمدينة حلب، ويقطعها نفوذ النظام الذي يمتد من الريف الجنوبي الشرقي للمحافظة، باتجاه المدينة، وإلى مسافة تناهز 8 كيلومترات عن مدينة الباب شرقًا.
هذا، وأفاد مركز «جسور» للدراسات، بأن الأراضي التي سيطرت عليها قوات «درع الفرات»، بلغت، حتى 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، 1300 كيلومتر مربع، على امتداد الشريط الحدودي.
وفيما تجمدت عمليات قوات «سوريا الديمقراطية» التي يشكل المقاتلون الأكراد رأس الحربة فيها، إثر المطالب التركية والأميركية بانسحابها إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات، لا يبدو أن نسبة سيطرتها ستتضاعف، في وقت أخذت قوات «درع الفرات» الدور الريادي الذي لعبته القوات الكردية في محاربة التنظيم بالريف الشرقي والشمالي لمحافظة حلب، في حين ينحسر نفوذ «داعش» تدريجيًا، وعلى نحو مستمر. لكن أبرز الأسئلة تدور حول الجهة التي ستتمدد إلى باقي الريف الشرقي لمدينة حلب، وصولاً إلى معقل التنظيم في الرقة، وسط معلومات متضاربة بين تولي قوات «درع الفرات» العملية، أو قوات النظام، على ضوء معلومات عن «اتفاقات بين روسيا وأنقرة» تقضي بوصول قوات «درع الفرات» إلى مدينة الباب فقط.
وفي حين تحدثت مصادر مطلعة على الموقف التركي لـ«الشرق الأوسط» عن أن المخطط التركي يقضي بالوصول إلى مدينة الباب فقط، خلافًا للتصريحات التركية التي تحدثت في وقت سابق عن مساعٍ للوصول إلى مدينة الرقة، نقل مصدر قريب من المعارضة السورية عن معلومات غربية، ترجيحها أن تحرك روسيا قوات النظام للتقدم إلى شرق مدينة الباب، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن روسيا «تسعى ليتمدد النظام شرقًا باتجاه مناطق نفوذ الأكراد في ريف منبج (18 كيلومترًا شرق الباب) منعًا لأن تكون قوات الجيش السوري الحر على تماس مع القوات الكردية في شرق حلب».
وتبدو معركة «درع الفرات» في غرب الفرات ضد الأكراد «مؤجلة» بالنظر إلى أن الأولوية الآن «هي لقتال (داعش)»، بحسب ما قال المصدر المعارض لـ«الشرق الأوسط»، رغم أنها ستشكل «تتمة للمنطقة الآمنة التي تسعى أنقرة لتثبيتها»، ضمن خطة «الاتساع والعمق للمنطقة الآمنة».
ويوحي التفاهم الروسي – التركي، بالسماح لتركيا بالتمدد لإنشاء منطقة آمنة تتسع لنحو 3 ملايين لاجئ سوري، تستضيفهم الآن على أراضيها، وكان معدًا لأن تُقام تلك المنطقة، بحسب التصريحات التركية القديمة، بعمق 50 كيلومترًا. وهو يعني حكمًا، الوصول إلى مشارف مدينة حلب بدءًا من أعزاز على الحدود التركية. لكن التفاهم الروسي – التركي، لا يبدو أنه سيحقق الخطة القديمة التي أعلن عنها قبل التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015. كون التمدد التركي لن يتجاوز مدينة الباب التي تبعد عن أعزاز 30 كيلومترًا. ويقول المصدر: «التفاهم التركي الروسي، غيَّر طبيعة العملية، بالنظر إلى أن كل طرف منهما بحاجة للآخر، وليس لمصلحته التقدم إلى نفوذ الآخر»، وهي التفاهمات التي سمحت لتركيا بالتمدد إلى العمق السوري. ويقول: «التفاهم نفسه يقضي المحافظة على قوة النظام وتحقيق مصالح تركيا، وبعدم صدام النظام مع القوات المدعومة من أنقرة، وبالمقابل، لا بد من إرضاء تركيا بإخلاء منطقة غرب الفرات من قبل الأكراد الذين لا يحتلون أهمية بالنسبة للروس».
وعلى الرغم من أن الموضوع السوري لا يزال خلافيا بين البلدين، فإن روسيا، وبحسب مركز «جسور»، تحتاج إلى تمتين علاقاتها مع تركيا، وبخاصة فيما يتعلق بقضايا الطاقة ونقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا. وهو ما تأكد خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إسطنبول في 10 أكتوبر الحالي.
أما فيما يخص التنسيق مع الولايات المتحدة، فيرى المركز أن الحديث عن أن العملية تمت دون تنسيق مع الأميركيين «غير دقيق.. لكن من الواضح أنه تم دون رضا كامل من واشنطن». وقال: «تبدو تركيا اليوم أقرب كثيرا إلى تحقيق ما كانت تنادي به منذ فترة طويلة، وهي المنطقة الآمنة في الشمال السوري بطول 100 كيلومتر، وبعمق 50 كيلومترًا تقريبا، ولكن حتى تصل تركيا إلى نتائج ملموسة فإنها ينبغي أن تكون على استعداد لتقديم الدور والثمن المطلوبين، وهذا هو التحدي الذي تواجهه، وبخاصة مع مطالبها القائمة اليوم بالمشاركة في عمليات تحرير كل من الرقة في سوريا والموصل في العراق».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.