بوغبا يفشل مجددًا في تبرير صفقة شرائه الخيالية

أغلى لاعب في العالم يواصل الأداء المخيب للآمال.. والمنتقدون مستمرون في حملاتهم الشرسة

أداء بوغبا مع منتخب فرنسا ما زال يحمل بعض الجماليات («الشرق الأوسط») - واصل بوغبا أداءه غير المقنع في مواجهة ليفربول الأخيرة (إ.ب.أ)
أداء بوغبا مع منتخب فرنسا ما زال يحمل بعض الجماليات («الشرق الأوسط») - واصل بوغبا أداءه غير المقنع في مواجهة ليفربول الأخيرة (إ.ب.أ)
TT

بوغبا يفشل مجددًا في تبرير صفقة شرائه الخيالية

أداء بوغبا مع منتخب فرنسا ما زال يحمل بعض الجماليات («الشرق الأوسط») - واصل بوغبا أداءه غير المقنع في مواجهة ليفربول الأخيرة (إ.ب.أ)
أداء بوغبا مع منتخب فرنسا ما زال يحمل بعض الجماليات («الشرق الأوسط») - واصل بوغبا أداءه غير المقنع في مواجهة ليفربول الأخيرة (إ.ب.أ)

مع انطلاق المواجهة الأخيرة بين ليفربول ومانشستر يونايتد في الدوري الإنجليزي في «المجيء الثاني» لبول بوغبا إلى صفوف مانشستر يونايتد، استقر مستوى مشاركات اللاعب مع النادي عند 10 مباريات وهدف واحد، مع غياب تام للأداء المتألق القادر على حسم نتائج المباريات. ورغم ظهور ومضات من الأداء المتألق خلال المباراة بالفعل، فإن هذه الومضات المعدودة كانت المؤشر الوحيد على أن أغلى لاعب في العالم قادر على تقديم أداء يرقى لمستوى السعر الضخم الذي يحظى به اللاعب. بعد مرور قرابة شهرين على اليوم الذي شهد أولى مشاركات بوغبا مع مانشستر يونايتد في الموسم الجديد - وجاء أداؤه واعدًا خلال المباراة التي انتهت بفوز ناديه بهدفين دون مقابل على ساوثهامبتون - كان بوغبا في المواجهة أمام ليفربول أمام خصم مثالي لإثبات مهاراته أمامه.
في الواقع، إن ظهور بوغبا المفترض كعامل حاسم لصالح مانشستر يونايتد أمام ليفربول على استاد أنفيلد كان سيبرر مبلغ الـ93.2 مليون جنيه إسترليني التي دفعها النادي مقابل ضم اللاعب، والتفسير الوحيد المقنع للحرص البالغ الذي أبداه جوزيه مدرب يونايتد مورينهو لضم اللاعب، ما جعله يتصدر عناوين الصحف باعتباره صاحب أهم صفقة انتقال خلال الصيف. وتسبب انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتد في إثارة خلاف بسيط بين المدرب البرتغالي والألماني يورغين كلوب. كان مدرب ليفربول قد أثار التساؤلات حول السعر الضخم الذي تكبده النادي مقابل ضم بوغبا، وأعرب عن قلقه من أن يتحول ذلك إلى العرف السائد في أسعار اللاعبين. وقال كلوب: «في اليوم الذي سيصبح هذا العرف السائد على صعيد كرة القدم، سأعتزل كرة القدم. أنا أود المشاركة في كرة القدم على نحو مختلف. وكنت سأبقى على نهجي المختلف حتى لو توافر لدي هذا المال لإنفاقه».
من ناحية أخرى، أعرب أرسين فينغر، مدرب آرسنال، عن مخاوف مشابهة، الأمر الذي استثار استجابة كلاسيكية معهودة من مورينهو جاءت على النحو التالي: «عندما استمعت إلى بعض التعليقات والانتقادات التي صدرت عن بعض المدربين، أصبح لدي شعور بأنه لم يسبق لهم مجابهة مثل هذه المشكلة من قبل، خاصة وأنه كي تواجه كمدرب مثل هذه المشكلة ينبغي أن تكون على رأس واحد من أعظم أندية العالم. وعليه، فإنه داخل مانشستر يونايتد يمكن لمثل هذه الأمور أن تحدث».
لقد أنجزت الصفقة بالفعل وانتهى الأمر، لكن العائد من وراء هذا الاستثمار جاء مخيبًا للآمال حتى الآن. وارتبط جزء من المشكلة بالمركز الذي ينبغي أن يشارك به اللاعب الفرنسي. لقد لعب بوغبا دورًا في ثنائي خط الوسط على الجانب الأيسر في إطار خطة 4 - 2 - 3 - 1، ثم لعب على الجانب الأيسر من ثلاثي وسط الملعب في إطار خطة 4 - 3 - 3، وفي المواجهة أمام ليفربول جرى تبديل مركزه من جديد، حيث اختار المدرب له أن يلعب على مسافة معقولة من مركز قلب الهجوم الذي يحمل شاغله القميص رقم 10 في إطار التشكيل السابق. ويعني ذلك أنه لم يكن هناك مكان لخوان ماتا، صانع الألعاب الذي فضله مورينهو على واين روني والذي لعب دورًا محوريًا في اللقاء أمام ليستر سيتي والذي انتهى بأربعة أهداف مقابل هدف واحد في واحد من أفضل المباريات التي قدمها مانشستر يونايتد تحت قيادة مدربه الجديد.
وإذا كان ذلك يعني أن روني أصبح فعليًا اختيارًا ثالثًا لهذا المركز، فإن ما بدا لروني وهو على مقعد البدلاء ليس سوى لاعب متردد غير قادر على ملء مركزه هو بوغبا. كانت هناك كرة رائعة موجهة إلى أندير هيريرا، لكن من دون هدف، بجانب عدوه بالقرب من نصف الملعب الخاص بليفربول دون تحقيق شيء يذكر، وركلة قوية من مسافة 25 ياردة، وبعض اللمسات الخشنة التي وضعت نهاية لاستحواذ مانشستر يونايتد على الكرة. أما بالنسبة للجانب الإيجابي من أداء بوغبا، فإنه تمثل في تبادل الكرة مع زلاتان إبراهيموفيتش والاشتباك لاستخلاص الكرة.
في الواقع، يعتبر بوغبا كلاعب بعيد تمامًا عن كونه فنانًا في التعامل مع الكرة قادر على شق صفوف الخصم، والحقيقة أن غياب ماتا ترك تأثيرًا سلبيًا على أداء مانشستر يونايتد وجعل حركته بطيئة، الأمر الذي قد تعمد مورينهو في حدوثه. وبالفعل، نجد أن لاعبي مانشستر يونايتد نجحوا في إعاقة حركة خصومهم في ليفربول على مدار الجزء الأكبر من الشوط الأول من المباراة، حتى نجح رجال كلوب في ترسيخ سيطرتهم والاستحواذ على الكرة خلال الدقائق الـ10 الأخيرة.
بيد أن هذا تحديدًا ما أخفق بوغبا في إنجازه مع بداية الشوط الثاني - ترسيخ وجوده. حقيقة الأمر كل ما فعله بوغبا (23 عاما) كان تأكيد صحة تقييم أسطور ليفربول السابق والناقد الرياضي حاليا غرايم سونيس لبوغبا. كان اللاعب الاسكوتلندي السابق، والذي يتمتع بمسيرة كروية متألقة (بشكل أساسي داخل ليفربول) تؤهله لتقييم أداء لاعبي خط الوسط، قد صرح في وقت سابق بأن: «قد يصل سعر بوغبا نهاية الأمر إلى 100 مليون جنيه إسترليني، لكن في الوقت الراهن لا أراه قريبًا من هذا المستوى على الإطلاق. إنني لا أرى فيه سوى لاعب شاب يناضل لتحديد أفضل المراكز التي يتألق بها وأفضل مستوى في إطار فريق يناضل هو الآخر للوصول إلى أفضل مستوياته».
ومع ذلك، كان مورينهو راضيًا بالتأكيد خلال الاستراحة بين الشوطين، فقد نجح في إخماد صوت ليفربول - ومشجعيهم - ولم يكن هناك تهديد يذكر لمرماه. إلا أن الحقيقة تبقى أن الدور الذي اضطلع به بوغبا على هذا الصعيد ضئيل للغاية، الأمر الذي ربما لا يصبح مقبولاً للمدرب، ذلك أن بوغبا لاعب جرى استقدامه ليكون حاضر ومستقبل مانشستر يونايتد. ولا بد أنه وضع غريب أن يكون البطل القادم في صفوف نادي جرى بناؤه على أكتاف نجوم متلألئة مثل جورج بيست وإريك كانتونا وروني، بهذه الدرجة من الشحوب داخل الملعب. يرى البعض أن بوغبا يشعر براحة أكبر في مركز لاعب الوسط المهاجم لكنه عازم على العمل على الشق الدفاعي في أدائه ليتأقلم على خطط مورينهو. ووظف مورينهو بوغبا - الذي انضم إلى يونايتد من يوفنتوس في أغسطس (آب) الماضي في صفقة قياسية على مستوى العالم - في عمق وسط الملعب ولم يقدم اللاعب أفضل مستوياته حتى الآن باستاد أولد ترافورد. وقال بوغبا مؤخرًا: «أحاول التأقلم. أنا لاعب يفضل التقدم إلى الأمام. أعطاني المدرب تعليمات.. وأحاول تنفيذها». ولعب بوغبا كواحد من لاعبي وسط مدافعين مع يونايتد وسجل هدفا واحدا في ثماني مباريات وأخفق في السيطرة على مجريات الأمور على النحو الذي ينشده مورينهو بعدما دفع النادي مبلغًا قياسيًا للتعاقد معه. وقال: «يجب علي استعادة الكرة والقيام بعمل دفاعي. أواجه صعوبة بعض الشيء في اللعب بطريقة مختلفة.. مثل دور (زميله السابق في يوفنتوس أندريا بيرلو). يجب علي أن ألعب.. وأستعيد الكرة وألعب بصورة أكبر لصالح الفريق».
إن أفضل اللاعبين هم أولئك القادرون على خلق اختلاف داخل الملعب لصالح فريقهم. من جانبه، قال سونيس في تقييمه لبوغبا: «لا أرى أنه يملك إدراكًا جيدًا للمباراة». ورغم أن هذا النقد قد يبدو قاسيًا، لكن بالنظر إلى هذه المباراة تبدو وجهة نظره معقولة. والآن، يكمن التحدي الأكبر أمام بوغبا في إثبات خطأها.



«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.