المحافظون يواجهون صعوبة في الحصول على غالبية في الانتخابات الأسترالية

النتائج الأولية تظهر توجهًا نحو حزب العمال بنسبة 3 %

المحافظون يواجهون صعوبة في الحصول على غالبية في الانتخابات الأسترالية
TT

المحافظون يواجهون صعوبة في الحصول على غالبية في الانتخابات الأسترالية

المحافظون يواجهون صعوبة في الحصول على غالبية في الانتخابات الأسترالية

ساد الترقب أمس إثر انتهاء التصويت في الانتخابات التشريعية الأسترالية، وبدا أن الائتلاف المحافظ المنتهية ولايته يواجه صعوبة في الحصول على الغالبية المطلقة من المقاعد الضرورية لتشكيل حكومة.
لكن رئيس الوزراء المنتهية ولايته مالكوم ترنبول، قال: إنه واثق بأنه سيكون قادرا على تشكيل حكومة جديدة، رغم عجز ائتلافه المحافظ عن تحقيق فوز واضح. وأضاف لمناصريه صباح اليوم «بناء على نصائح مسؤولي الحزب، لدينا كامل الثقة بأننا سنشكل ائتلافا مكونا من الغالبية في البرلمان الجديد».
ومن أجل الفوز في هذه الانتخابات، يجب أن يحصل ترنبول (61 عاما) على 76 مقعدا من أصل 150 مقعدا في مجلس النواب. لكن بعد فرز أكثر من نصف الأصوات، أظهرت النتائج الأولية أن جزءا من الناخبين لم يصوتوا لصالح الائتلاف المحافظ، ليصبح البرلمان بذلك من دون غالبية واضحة، فيما استمرت عملية الفرز في وقت متأخر ليلا.
وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات العامة في أستراليا أمس توجّها واضحا تجاه حزب العمال المعارض، مما يعزز المخاوف من نتيجة متقاربة ستحرم رئيس الوزراء الحالي مالكولم ترنبول من أغلبية يحتاجها لتنفيذ إصلاحات اقتصادية كبرى. وحل ترنبول، رئيس الائتلاف الحاكم المحافظ في أستراليا الذي يتزعمه حزب الأحرار، مجلسي البرلمان في مايو (أيار) في محاولة للإطاحة بالمستقلين الذين حالوا دون تنفيذ جدول أعماله الذي يتضمن خفض ضرائب الشركات.
إلا أن المقامرة التي أقدم عليها تنطوي على مجازفة بأن تأتي بنتيجة عكسية، إذ أن الائتلاف يواجه تحديا قويا ليس فقط من حزب العمال المعارض الرئيسي، وإنّما أيضا من المستقلين الذين يمكنهم الحصول على مقاعد كافية تتيح لهم الإمساك بميزان القوى في مجلس الشيوخ أو التسبب في تشكيل حكومة أقلية في مجلس النواب.
ومع إغلاق مراكز الاقتراع في أنحاء البلاد ذكرت اللجنة الانتخابية الأسترالية تحولا بنسبة ثلاثة في المائة تجاه حزب العمال، وتكهنت بحصول الائتلاف الحاكم على 63 مقعدا مقابل 62 مقعدا لحزب العمال. وحزب العمال بحاجة إلى تحول الأصوات إليه بنسبة أربعة في المائة تقريبا ليفوز على الحكومة، لكن إذا حدث تحول بنسبة أقل، فسيترك ذلك الائتلاف الحاكم بحكومة أقلية على الأرجح.
وفي مقر حزب العمال الانتخابي في «موني فالي ريسكورس» في ملبورن، كانت الأجواء هادئة في بادئ الأمر، ثم بدأت الهتافات تتعالى مع فوز الحزب بمقاعد رئيسية. وأوضحت النتائج الأولية حصول كل من الطرفين على 16 مقعدا في ولاية فكتوريا. ويحتاج الائتلاف إلى 76 مقعدا في مجلس النواب المؤلف من 150 مقعدا ليحتفظ بسلطته المطلقة، وإلا سيكون بحاجة لتشكيل تحالف مع أحزاب أصغر ومع مستقلين لتحقيق أغلبية.
وكان ترنبول قال للصحافيين بعد الإدلاء بصوته في لجنته الانتخابية في سيدني: «لم يكن هناك وقت أفضل من هذا للتصويت لصالح ائتلاف حكومي مستقر ويتمتع بالأغلبية ولوضع خطة اقتصادية تؤمن مستقبلنا». وأثار ترنبول خلال حملته الانتخابية مخاوف متعلقة بتصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقال ترنبول بأن الأحزاب الصغيرة التي يمكن أن تشكل ائتلافا مع حزب العمال المنتمي لتيار يسار الوسط، لا يمكن ائتمانها على إدارة اقتصاد تعثر مع أول انكماش في قطاع التعدين منذ قرن، وعلى القضاء على عجز دام سنوات في الموازنات العامة.
وفي مقر الائتلاف في سيدني كانت الأجواء متوترة، ثم هدأت مع وصول وزير المالية ماتياس كورمان. وعلى النقيض، تعالت الهتافات في مقر فريق نيك زينوفون المستقل في أديليد، والممثل لتيار الوسط والمتوقع أن يظهر كقوة في مجلس الشيوخ لتحية المرشحة ريبكا شاركي. وتتجه شاركي للفوز بمقعد في مجلس النواب عن منطقة مايو بولاية جنوب أستراليا، موجهة هزيمة أخرى محتملة لحكومة ترنبول.
والتصويت إجباري في أستراليا ويجري التعامل مع يوم الانتخابات على أنه احتفال في مراكز الاقتراع بالبلاد، وتقام الأكشاك التي توزع الكعك والمشويات. ووزع زعيم المعارضة بيل شورتن، الكعك الأسترالي التقليدي المغطى بالشوكولاته وجوز الهند، وهو يحذر من إعادة انتخاب الائتلاف الحاكم. وقال للصحافيين مشيرا إلى سياسة الائتلاف المتعلقة بالصحة والتعليم «التراجع حاد وحقيقي».
ومنذ تولي العمالي كيفن راد رئاسة الحكومة في 2007 بعد عقد من حكم الليبرالي جون هاورد، شهدت الحياة السياسية في أستراليا تقلبات كبيرة. فقد أطاحت العمالية جوليا غيلارد براد في 2010. قبل أن يعود إلى السلطة في 2013. ثم الخروج منها على أثر انتخابات تشريعية بعد أشهر فاز فيها توني أبوت الذي أطاح به مالكولم ترنبول في سبتمبر (أيلول).
وكان يفترض أن تجري الانتخابات التشريعية المقبلة في يناير (كانون الثاني) 2017. لكن ترنبول اختار تقديم موعدها لترسيخ أغلبيته في مجلس الشيوخ. وتوازن السلطة في مجلس الشيوخ مرتبط حاليا بعدد من الأعضاء المستقلين أو القادمين من أحزاب تشكل أقلية، لكنهم عرقلوا تبني مشاريعه الإصلاحية.
ويمكن أن يشعر ترنبول بالندم على قرار تقديم الانتخابات، حيث إن بعض استطلاعات الرأي توحي بأن عددا من المستقلين أو القادمين من أحزاب أقلية، مثل دعاة حماية البيئة (الخضر)، يمكن أن يرتفع بسبب ملل متزايد من تناوب الليبراليين والعماليين على السلطة بلا انقطاع.
وليفوز بالأغلبية المحددة بـ76 مقعدا، يجب أن يحصد حزب العمال 19 مقعدا إضافيا على الأقل. وخاض العماليون حملة تقليدية وعدوا خلالها بتوظيف إثمارات في قطاعي الصحة والتعليم، وبمزيد من العدالة الضريبية وتطوير طاقات متجددة. وقال بيل شورتن في محاولة أخيرة لكسب ناخبين بأن «ما سيحسم هذه الانتخابات هو مصالح الطبقتين العمالية والوسطى». بينما ركّز ترنبول خلال حملته على الخبرة الاقتصادية التي يتمتع بها فريقه، في الوقت الذي تشهد أستراليا انكماشا منذ 25 عاما. وقد وعد بخفض الضرائب المفروضة على الأفراد والشركات ودافع عن سياسة الهجرة المثيرة للجدل التي يتبعها.
وتصد أستراليا بشكل منهجي أفواجا من المهاجرين السريين الذين يقتربون من سواحلها. وتحتجز الذين يتمكنون من النزول على أرضها إلى مخيمات في عرض البحر، من دون أي أمل في الحصول على لجوء.
وتؤكد كانبيرا أن هذه السياسة التي تواجه انتقادات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، ضرورية لمنع المهاجرين من القيام برحلات خطيرة ولن تتغير في حال فاز العماليون.
والقضية الأساسية الثانية هي ارتفاع حرارة الأرض، التي انعكست هذه السنة بشكل خطير على الشعب المرجانية في منطقة «الحاجز الكبير». وكان ترنبول يوصف بأنه أكثر حساسية حيال قضايا البيئة من سلفه. لكن البرنامج الذي قدمه لا يختلف نقطة واحدة عن سياسة المحافظين في هذا المجال، إذ تؤكد على أهداف لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحترار، غير كافية باعتراف الهيئة الاستشارية الأسترالية للمناخ نفسها.
ويقترح بيل شورتن خفض هذه الانبعاثات بنسبة 45 في المائة (بالمقارنة مع 2005)، بينما يتحدث ترنبول عن 26 في المائة فقط.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...