شركات حجز الطائرات الخاصة.. قصص يتوج أغلبها بالفشل

انطلقت على غرار «أوبر».. ومجموعة كبيرة منها أغلقت أبوابها

حازت شركة «بلاك جيت» سمعة واسعة قبل أن تعلن توقف عملياتها تمامًا وعدم قدرتها على الاستمرار
حازت شركة «بلاك جيت» سمعة واسعة قبل أن تعلن توقف عملياتها تمامًا وعدم قدرتها على الاستمرار
TT

شركات حجز الطائرات الخاصة.. قصص يتوج أغلبها بالفشل

حازت شركة «بلاك جيت» سمعة واسعة قبل أن تعلن توقف عملياتها تمامًا وعدم قدرتها على الاستمرار
حازت شركة «بلاك جيت» سمعة واسعة قبل أن تعلن توقف عملياتها تمامًا وعدم قدرتها على الاستمرار

كان السيد دانيل شوارتز يفكر مليًا في هدية يوم ميلاد زوجته الـ60 عندما اقترحت عليه زوجته الفكرة ذاتها.
يقول السيد شوارتز، وهو حاخام متقاعد يقسم وقته بين فلوريدا ومين: «قالت زوجتي، هل تعرف، أنا لا أريد الانتظار مرة أخرى في صفوف إدارة أمن النقل. إنني أريد طائرة خاصة، ولقد ضحكنا معًا. ثم وصلت لنا رسالة بالبريد الإلكتروني حول التكاليف التي سوف تبلغ 4 دولارات للرحلة».
ولقد ذُهِل الزوجان من نموذج كل رحلات الطيران الذي توفره شركة «بلاك جيت»، ولقد سدد الزوجان في مارس (آذار) مبلغ 15 ألف دولار رسوم العضوية التي تسمح لهما بمقاعد رخيصة السعر على متن الطائرات الخاصة، مع الوجهات التي من اختيارهما، وأولى الرحلات كانت مقررة في عطلة نهاية الأسبوع من شهر أبريل (نيسان) الماضي.
ولكن سرعان ما اتضح أن عائلة السيد شوارتز لن تتمكن من الذهاب في الرحلة المتجهة إلى مدينة نيويورك. فلقد توقفت الشركة عن العمل عندما حاول السيد شوارتز تأكيد حجز الرحلة قبل بضعة أيام من جدول الطيران المقرر.
وبعد عدة أيام قليلة جاءت أسوأ الأنباء في صورة رسالة بريد إلكتروني من شركة «بلاك جيت». فقد كتب دين روتشين المدير التنفيذي للشركة يقول في رسالته: «إنه مع الأسف الشديد وخيبة الأمل الشخصية أنني أود الإبلاغ عما يلي: أن الأحداث الأخيرة تسببت في توقف عمليات شركة (بلاك جيت) تمامًا».
ومن ثم فقدت عائلة شوارتز مبلغ 15 ألف دولار بين عشية وضحاها. وقالوا إنهم أرسلوا الأموال إلى الشركة، التي أخبرت العائلة أنها لا تقبل المدفوعات بطريق البطاقات الائتمانية.
يقول السيد شوارتز البالغ من العمر 70 عامًا: «ولا حتى رحلة واحدة، إنه أمر شديد الإحراج أن يحدث معك ذلك».
تعد تجربة عائلة شوارتز بمثابة التحذير للمسافرين الذين يفكرون في الاستفادة من عروض شركات الطيران الناشئة وغير المكلفة نسبيًا من أجل الوصول إلى الطائرات الخاصة، التي ليست في متناول العميل العادي. تطفو الكثير من الشركات الناشئة على سطح الأحداث في كثير من الأحيان، والكثير منها يصمم تطبيقات إلكترونية تسمح للمسافرين بحجز المقاعد في غضون دقائق. ولكن القليل من هذه الشركات الذي يبقى ويستمر.
تأسست شركة «بلاك جيت» في عام 2012 بهدف تطبيق نموذج «أوبر» للسيارات على الطائرات الخاصة. وكانت الشركة مدعومة من قبل مؤسس خدمات «أوبر»، غاريت كامب، وبعض من المشاهير على غرار أشتون كوتشر. ولكن بعد مرور عام على تأسيس الشركة، بدأت في تسريح الموظفين وأوقفت الخدمات. ثم تحولت في وقت لاحق إلى نموذج العضوية، الذي يسمح لعملاء بالعثور على مقاعد غير مستخدمة في الطائرات القريبة. وتلك الخدمة هي التي جذبت عائلة شوارتز، الذين وجدوا أن المسافرين الذين يشتركون في الخدمة يمكن أن يستمتعوا بخدمات خطوط الطيران لقاء بضعة آلاف من الدولارات.
وفي رسالة التي أرسلها إلى العملاء الشهر الماضي قال السيد روتشين: «إن الصحافة السيئة وغير الدقيقة» هي التي كانت سببا في الإغلاق المفاجئ لأعمال شركة «بلاك جيت»، في إشارة إلى مقال نشر على صفحات «تك تشرتش» في أبريل قيل فيه وبشكل غير صحيح إن أعمال الشركة قد توقفت تمامًا، مما أدى إلى انخفاض كبير في مبيعات العضوية. كما ألقى الرجل باللائمة على التأخير في التمويل قصير الأجل وطويل الأجل لشركته.
ولكن في مقابلة أجريت معه في أواخر الشهر الماضي، قال إن السبب الرئيسي في انهيار الشركة يرجع بالأساس إلى استقالة ذلك المسؤول بالشركة، الذي كان مسؤولا مسؤولية مباشرة عن العمليات، على الرغم من أنه لم يذكر هوية ذلك المسؤول قط.
واعترف السيد روتشين أن أعمال الطائرات الخاصة كانت محفوفة بالمخاطر، وقال إن الشركة امتنعت عن قبول المدفوعات بالبطاقات الائتمانية خلال العام الماضي بسبب ارتفاع الرسوم. وأضاف يقول: «كان الجميع يعلمون عندما اشتركوا في خدماتنا أنه قد لا تكون هناك أموال مستردة. فهناك قدر من المخاطرة عندما تدفع مقدما لشراء أي شيء».
وهناك شركة أخرى، هي شركة «بيكون»، والتي أغلقت أبوابها بعد أن اكتشفت أن نموذج أعمالها المستند على العضوية المباشرة بالنسبة لمقاعد الطائرات الخاصة بين نيويورك وبوسطن غير مستدام.
بالنسبة للمسافرين الذين يبحثون عن خدمات الطائرات الخاصة، يقترح روبرت مان، وهو محلل ومستشار في مجال صناعة الطيران، اعتبار الشركات التي تتمتع بتاريخ جيد وتمتلك طائراتها الخاصة، على النقيض من شركة «بلاك جيت»، التي كانت تقوم مقام الوسيط من حيث مطابقة المسافرين مع المقاعد الفارغة بالطائرات الخاصة. الكثير من الكبار اللاعبين أو بعض من الناشئين في هذا المجال - وبعض منهم تطورت أعماله بوتيرة جيدة منذ التأسيس - يمتلكون أساطيلهم الجوية الخاصة، بما في ذلك الطائرة طراز «أو إكس جيت» البالغة من العمر 10 سنوات وشركة «سيرف إير» الناشئة التي تأسست في عام 2013.
يقول السيد مان إن الكثير من الشركات الناشئة تراوغ فيما يتعلق باعتبارات السلامة والتمويل، مستشهدا بحادثة سقوط طائرة «بلاتينوم» الخاصة في مطار تيتيربورو في ولاية نيوجيرسي. وقالت السلطات الفيدرالية إن الحادثة، التي أدت إلى كثير من الإدانات الجنائية، عكست الحاجة الماسة إلى درجة أفضل من الإشراف على الطائرات المستأجرة.
وقال السيد مان في إشارة إلى حوادث الطائرات المستأجرة الأخيرة في ولايتي ماساتشوستس وأوهايو: «إن الأمر أشبه بالغرب المتوحش».
إن المديرين التنفيذيين الذين حاولوا (وأحيانا فشلوا) في «دمقرطة» أعمال الطيران الخاص لن يتخلوا عن مساعيهم. ولقد حاول السيد روتشين في أول الأمر تطبيق مفهوم استئجار الطائرات مع شركة «غرين جيت»، التي واجهتها صعوبات مالية جمة ومن ثم أعيد تنظيمها لتصبح شركة «بلاك جيت» باسمها الجديد. وهو ينظر الآن في خطوته التالية، ولكنه قال إنه أدرك أن حالات الفشل مثل التي مني بها تثير شكوك المستثمرين كثيرا وتزيد من صعوبة جمع الأموال لصالح الشركات الناشئة.
يعمل السيد وايد ايرلي، الذي أسس شركة «بيكون»، لدى شركة «ويلز أب» الآن، التي تضم لاعبة التنس الشهيرة سيرينا ويليامز والمذيعة الرياضية ايرين أندروز بين أعضائها. ويقر السيد ايرلي الذي يشغل منصب المدير التنفيذي للشركة بأن شركة «بيكون» قد أخطأت حساب الطلب على رحلات الطيران بين نيويورك وبوسطن.
وأضاف السيد ايرلي: «كانت شركة بيكون فاشلة بدرجة كبيرة وعصية على الإدارة. ولم تكن هناك من وسيلة للتخفيف من ذلك».
ولكنه لا يزال متفائلًا حول رغبة المستهلكين في رحلات الطيران الخاصة. وشركة «ويلز أب»، كما أشار، توفر مجموعة متنوعة من العضوية والمزيد من وجهات السفر، كما أنها تعمل بأسطول طائراتها الخاصة ومن خلال المقاولين. كما أنه ينصح العملاء بإجراء بحث شامل قبل اختيار الاستفادة من خدمات الشركة.
ويقول السيد ايرلي، الذي ساعد في تأسيس شركة «سيرف إير»: «في العالم الذي تحركه التكنولوجيا، يمكن للشركات العملاقة والشركات الصغيرة أن تبدو متشابهة».
وفي ظل العدد الهائل من المنافسين في مجال الطيران الخاص، يمكن للمسافرين مواجهة بعض الصعوبات في تحديد الفارق بين الشركات التي تتمتع بالاستقرار وتلك التي تعاني من عدم الاستقرار. ويقول السيد شوارتز، على سبيل المثال، إنه بحث عن شركة «بلاك جيت» قبل شراء العضوية، ولكن لا شيء مما وجده كان يدل على أن الشركة سوف تنهار سريعًا.
وأضاف السيد شوارتز: «كان يجب على الشركة أن ترفع رايات الإنذار الحمراء، ولكنهم لم يفعلوا ذلك»، مضيفًا أنه كان يجب عليه إجراء المزيد من البحوث حول الشركة قبل أن يسدد إليهم الأموال.
يقول اليكس ويلكوكش، المدير التنفيذي لشركة «جيت سويت»، وهي من شركات تأجير الطائرات التي تبلغ من العمر سبع سنوات في ذلك المجال وتتخذ من كاليفورنيا مقرًا لها وتملك أسطول طائراتها الخاصة: «تهدد حالات الفشل كتلك بالتآكل في الثقة لدى العملاء في صناعة الطائرات المستأجرة».
وأضاف يقول: «لسوف نكتسي جميعًا بلون الفرشاة نفسه. ولكنني أعتقد أن الناس يدركون الفارق بين شركة (سبيريت للطيران) والخطوط الجوية لدولة سنغافورة. ونأمل جميعًا أننا يمكننا تمييز أنفسنا بين مختلف الخدمات بالطريقة نفسها».
وقال السيد ويلكوكس والسيد ايرلي وغيرهما في صناعة الطائرات المستأجرة إنه ينبغي على العملاء المحتملين البحث بعناية أكبر حول الدعم المالي للشركة المختارة قبل سداد أية أموال. وينصحون بالتحدث مع المديرين التنفيذيين وتوجيه أسئلة صعبة وصارمة، وهو أمر يسهل إنجازه بسهولة، كما يقولون، في الشركات الناشئة.
يقول سيرغي بيتروسوف، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «جيت سمارتر»، التي يقول عنها كثير من المحللين إنها تعتبر نموذجًا ناجحًا لشركات الطيران الناشئة، إن كثيرًا من الشركات الجديدة لا تتاح لها فرص البقاء على قيد الحياة بسبب أن تكاليف التشغيل في مجال الطيران مرتفعة للغاية. وتسمح «جيت سمارتر» للأعضاء بحجز المقاعد على الطائرات المستأجرة وغيرها من الطائرات الخاصة باستخدام تطبيق يشبه تطبيق «أوبر» للسيارات. وعلى الرغم من أن الشركة سمحت لغير الأعضاء بحجز المقاعد حتى الأسبوع الماضي، فإن الأعضاء فقط هم من يمكنهم الاستفادة من الخدمات في الوقت الحالي.
ويقول السيد سيرغي أخيرًا: «إن هذه الصناعة بأكملها تعمل بطريقة غير متطورة. وكل من لا يهتم بالرياضيات المعقدة وإدارة العائدات لن يستمر في العمل في هذه الصناعة».

* خدمة «نيويورك تايمز»



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.