السعودية تدخل مرحلة ما بعد النفط.. عبر رؤية داخلية ومجالس دولية

الرؤية الجديدة يدعمها امتلاك أضخم صندوق سيادي وإنشاء مجالس تنسيق دولية

المهندس خالد الفالح رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية خلال متابعته ميدانياً إنشاء مصفاة جازان ومشروع المدينة الاقتصادية (الشرق الأوسط)
المهندس خالد الفالح رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية خلال متابعته ميدانياً إنشاء مصفاة جازان ومشروع المدينة الاقتصادية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تدخل مرحلة ما بعد النفط.. عبر رؤية داخلية ومجالس دولية

المهندس خالد الفالح رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية خلال متابعته ميدانياً إنشاء مصفاة جازان ومشروع المدينة الاقتصادية (الشرق الأوسط)
المهندس خالد الفالح رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية خلال متابعته ميدانياً إنشاء مصفاة جازان ومشروع المدينة الاقتصادية (الشرق الأوسط)

عندما تمتلك صندوقا سياديا سيكون هو الأضخم على مستوى العالم، مدعوما بمجالس تنسيق مشتركة مع كبرى الدول العربية والعالمية، اعلم حينها أنك ترسم بثبات ملامح مهمة لمرحلة ما بعد النفط، وهي الملامح التي تقترب المملكة العربية السعودية من الإعلان عنها في رؤيتها المستقبلية خلال الأسبوع المقبل، وسط إرادة كبرى، وريادة تعد هي الأولى من نوعها على مستوى دول العالم.
المجالس التنسيقية المشتركة التي شكلتها السعودية مع كل من مصر، وتركيا، والأردن، خلال الفترة الماضية تؤسس لمرحلة جديدة، حيث تفتح هذه المجالس بشكل واسع آفاق تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، لتدعم بذلك رؤية البلاد التي تنوي الإعلان عنها لمرحلة ما بعد النفط، وهي المرحلة التي باتت أكثر حيوية ومرونة.
وتمتلك السعودية اليوم، رؤية اقتصادية متعمقة، تدفعها للاستمرار كأكبر اقتصادات دول العالم من حيث القوة والمتانة، وهي الرؤية التي تتشكل تحت مظلة رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي قرر تشكيل مجلس خاص بالشؤون الاقتصادية والتنموية، وهو المجلس الذي يرأسه الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع.
ويرتكز الاقتصاد السعودي خلال المرحلة الراهنة على مفاصل قوية، ستجعله أكثر ثباتا وتطورا خلال الفترة المقبلة، حيث تمثل المجالس التنسيقية المشتركة مع الدول الأخرى، رافدا مهما للاقتصاد الوطني، إذ ستنجح المملكة خلال الفترة المقبلة في اقتناص الفرص الاستثمارية الواعدة في هذه الدول، وزيادة معدلات التبادل التجاري، وتحفيز اقتصادها على التنوع والنمو.
في هذا الشأن، أكد الدكتور سالم باعجاجة، أستاذ المحاسبة في جامعة الطائف لـ«الشرق الأوسط»، أن الاقتصاد السعودي يسير بخطى ثابتة نحو مرحلة مهمة، باتت تعتمد بشكل أكبر على تنويع قاعدة الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، مضيفا: «المملكة ستنجح بإذن الله في تحقيق رؤية مرحلة ما بعد النفط، لما تمتلكه من عقول وطاقات بشرية مميزة».
ولفت الدكتور باعجاجة إلى أن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي، أحدث خلال فترة وجيزة تغيرات إيجابية على خريطة مستقبل الاقتصاد السعودي، محققا بذلك رؤية البلاد لمرحلة ما بعد النفط، وهي المرحلة التي تتطلب حراكا اقتصاديا كبيرا، يدفع اقتصاد السعودية للاستمرار قويا، لقرن جديد من الزمان.
وأوضح الدكتور باعجاجة أن تشكيل المجالس التنسيقية المشتركة مع كبرى الدول العربية والعالمية، يساهم بشكل فعال في دعم توجه المملكة العربية السعودية نحو تقليل الاعتماد على النفط، وتنويع اقتصادها، مضيفا: «السعودية تقترب من امتلاك أكبر صندوق سيادي عالمي، وبالتالي ستصبح المملكة ضمن أقوى الدول العالمية على خريطة الاستثمار، كما أن تشكيل المجالس التنسيقية مع الدول الأخرى، يعطي ميزة إضافية لمرحلة ما بعد النفط».
وشدد الدكتور باعجاجة على حيوية قرارات السعودية بفتح الاستثمار المباشر في سوق الأسهم السعودية أمام المستثمرين الأجانب، إضافة إلى فتح المجال في سوق التجزئة أمام الشركات العالمية، وقال: «هذه الخطوات المهمة ستعزز من حضور المملكة عالميا، كأحد أهم الوجهات الاستثمارية، كما أنها سترفع من مستويات تأهيل القوى البشرية الوطنية، وتأهيلهم بالشكل الأمثل، إضافة إلى أن فتح المنافسة في سوق التجزئة سيرفع من مستويات المنافسة، مما يحسن من معدلات الجودة، ويقدم المنتجات للمستهلك بأسعار أكثر تنافسية».
وبالحديث عن المجالس التنسيقية بين السعودية والدول الأخرى، فقد عزز مجلس التنسيق السعودي المصري الذي يرأسه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ورئيس مجلس الوزراء المصري المهندس شريف إسماعيل، من قوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وفي هذا الاتجاه، قادت التحركات النوعية لمجلس التنسيق السعودي المصري، إلى إبرام نحو 17 اتفاقية جديدة في القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية، وسط قدرات هائلة وتنسيق اقتصادي متقدم للمجلس المشترك، والذي أنهى خلال وقت قياسي ملامح مهمة لخريطة طريق التعاون الاقتصادي بين المملكة ومصر.
ووضعت الرؤية الاقتصادية المميزة لولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ملامح مهمة لعمل مجلس التنسيق السعودي المصري، وهو المجلس الذي عقد خلال وقت قياسي أكثر من 5 جلسات على مستوى عال، بالإضافة إلى استمرار اللجان المنبثقة منه في أعمالها المنوطة بها، عبر اجتماعات متواصلة ومكثفة.
ويُعد مجلس التنسيق السعودي المصري، نموذجا يحتذى به على مستوى المنطقة العربية، إلا أن سرعته في الإنجاز، ودقته في الأداء، وقدرته على ترجمة رؤية القيادة السياسية في البلدين خلال وقت قياسي، تجعله مثالا نوعيا مهما للعالم أجمع.
ويمثّل المجلس التنسيقي السعودي المصري، برئاسة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ورئيس مجلس الوزراء المصري المهندس شريف إسماعيل، مركزا مهما لتطوير العلاقات الاقتصادية بين المملكة ومصر، كما أنه يعمل على زيادة عمق العلاقات السعودية المصرية، في الوقت الذي يعتبر فيه هذا المجلس مركزا مهما لاقتصاد البلدين.
وعلى الصعيد ذاته، وقعت السعودية وتركيا الأسبوع المنصرم، بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والرئيس رجب طيب إردوغان رئيس تركيا، على محضر إنشاء مجلس التنسيق السعودي - التركي.
ويعنى المجلس بالتنسيق بين البلدين في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصاد والتجارة والبنوك والمال والملاحة البحرية، والصناعة والطاقة والزراعة والثقافة والتربية والتكنولوجيا والمجالات العسكرية والصناعات العسكرية والأمن، والإعلام والصحافة والتلفزيون، والشؤون القنصلية.
ويعتبر مجلس التنسيق السعودي التركي، نقلة نوعية جديدة على صعيد توجه المملكة نحو مرحلة ما بعد النفط، حيث سيشكل هذا المجلس قيمة مضافة جديدة، تساهم في بلورة تدفقات الاستثمار، وتعزيز حركة التجارة البينية، وتطوير الأدوات الاقتصادية، من خلال حزمة من الإجراءات الجديدة.
في الوقت ذاته، شهدت زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز إلى الأردن الأسبوع المنصرم، توصل البلدين إلى اتفاق جديد، ينص على تعزيز التعاون القائم بينهما في المجال العسكري والتجاري والاستثماري والطاقة والنقل، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم تتعلق بتأسيس صندوق استثماري مشترك، بناء على توجيه قيادة البلدين، وذلك وفقا لبيان مشترك صدر حينها في مدينة العقبة الأردنية، في ختام زيارة قصيرة للأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي للأردن.
ولفت البيان إلى اتفاق الجانبين على تعزيز التعاون القائم بينهما، بناء على توجيه خادم الحرمين الشريفين والملك الأردني، في المجالات التالية: «تطوير التعاون العسكري القائم بين البلدين بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة، والتنقيب عن اليورانيوم، وإنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة النووية، والتعاون في مجال التجارة، وتعزيز الجهود لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، وفتح المزيد من الفرص أمام الصادرات الأردنية إلى السوق السعودية».
كما أوضح البيان، أن الجانبين اتفقا على تعزيز دور رجال الأعمال في مجال التعاون التجاري بين البلدين، وتعزيز الاستثمارات المشتركة في المشروعات التنموية والاستثمارية، التي يمكن تنفيذها مع القطاع الخاص، وتوقيع مذكرة تفاهم بخصوص تأسيس صندوق استثماري مشترك بين البلدين، والتعاون في مجال النقل، وخصوصا فيما يتعلق بنقل البضائع بين البلدين ووضع الخطط المناسبة لتحقيق ذلك، واختتم البيان بتأكيد عزم الجانبين السعي للتواصل المستمر، بغية تحقيق ما توصل إليه من تفاهم بهذا الشأن.



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.