نظم الواقع الافتراضي.. تتطلع إلى عروض الخيال العلمي

شركات التقنية تخطو باتجاه توليد أفكار جديدة له

نظام «غير» للواقع الافتراضي من سامسونغ
نظام «غير» للواقع الافتراضي من سامسونغ
TT

نظم الواقع الافتراضي.. تتطلع إلى عروض الخيال العلمي

نظام «غير» للواقع الافتراضي من سامسونغ
نظام «غير» للواقع الافتراضي من سامسونغ

قطعت شركات التقنية أعواما طويلة في تطوير أفضل وأرخص الأجهزة لإغراق الناس في العالم الرقمي الحديث. ومع ذلك، فتلك الشركات لا تزال تبحث عن مختلف السبل لكي تجعل الواقع الافتراضي نوعًا من التكنولوجيا التي لا يمكن للناس الحياة من دونها.

أفكار إبداعية

لذا، ومن أجل الإلهام والأفكار الجديدة، تتوجه تلك الشركات صوب الخيال العلمي. وفي شركة أوكولوس، وهي من الشركات الرائدة في مجال تكنولوجيا الواقع الافتراضي، يتلقى الموظفون الجدد نسخة من رواية الخيال العلمي الشهيرة «اللاعب الأول مستعد». كما عينت شركة ماجيك ليب، وهي من الشركات الناشئة في نفس المجال ولكن بكثير من السرية حول أبحاثها الجديدة، كتابا ومؤلفين لروايات الخيال العلمي. وأخيرا تعتبر سماعة الرأس «هولو لينز» من إنتاج مايكروسوفت بمثابة تحية رقيقة مقارنة بـ«هولو ديك»، وهي غرفة المحاكاة الجديدة لسلسلة «ستار تريك».
يقول بالمر لاكي (23 عاما)، وهو المؤسس المشارك في شركة أوكولوس، والتي اشترتها شركة «فيسبوك» لقاء مبلغ ملياري دولار في عام 2014: «احتذاء بمثال كثير من الناس الآخرين الذين يعملون في تكنولوجيا الفضاء، فإنني أعتبر نفسي شخصا مبدعًا. من اللطيف وجود شيء مثل الخيال العلمي، بسبب وجود أولئك المبدعين الذين يفكرون في أفضل الاستخدامات للتكنولوجيا الحالية والمستقبلية. إنهم يخرجون علينا بكثير من الأفكار الرائعة والمذهلة».
تعتبر مقل تلك الأفكار ذات صلة حقيقية بالواقع الآن، حيث تستعد بعض من كبريات شركات التكنولوجيا للانتقال إلى جيل جديد من منتجات الواقع الافتراضي. خلال الأشهر القليلة المقبلة، سوف تكون منتجات الواقع الافتراضي من شركات «أوكولوس»، و«سوني»، و«إتش تي سي» متاحة للبيع. وتتدفق رؤوس الأموال الاستثمارية إلى تلك الصناعة في الوقت الحالي.

تفاعل مع الخيال

ولكن كيف سوف يتفاعل الناس مع العوالم الخيالية والتي تعد من المجالات المجهولة أو غير المطروقة بالنسبة لكثيرين منهم. وهنا يأتي دور الخيال العلمي. حيث يعمل الخيال العلمي على صياغة اللغة التي تستخدمها شركات التكنولوجيا في تسويق المنتجات الجديدة، والتأثير على أنواع الخبرات المقدمة في صناعة سماعات الرأس، وحتى تحديد الأهداف طويلة الأجل بالنسبة للمطورين.
يقول رالف أوسترهاوت، المدير التنفيذي لمجموعة أوسترهاوت للتصاميم والتي تعمل في صناعة نظارات الواقع المعزز: «إن الخيال العلمي، في أبسط معانيه، يطلق لنفسك ولفكرك العنان».
ربما لا يوجد عمل روائي حظي بردود فعل كبيرة في جميع أنحاء صناعة الواقع الافتراضي هذه الأيام أكثر من رواية «اللاعب الأول مستعد» «Ready Player One من تأليف أرنست كلاين والتي يجري الإعداد لتصويرها كفيلم روائي من إخراج ستيفن سبيلبرغ.
تقع معظم أحداث الرواية في داخل «الواحة»، والتي هي عبارة عن شبكة عالمية من الواقع الافتراضي. تذهب الشخصيات في تلك الشبكة إلى الكليات، وتتواصل اجتماعيا وتشارك في رحلات عالية المخاطر للبحث عن الكنوز. ومن خلال الواقع الافتراضي، يمكنهم «تجسيد» وجهات نظر الممثلين في الأفلام الكلاسيكية.
نشرت الرواية في عام 2011، وهو تقريبا الوقت الذي أسس فيه السيد لاكي النموذج الأولي من سماعة الرأس أوكولوس. وقال السيد لاكي إنه يقدر تصوير السيد كلاين للشخصيات التي تسيطر على تجسيداتها الافتراضية من خلال سترات جسدية كاملة بدلا من توصيل كابلات من شاكلة «ماتريكس» الكثيرة إلى أدمغتهم.
ويقول السيد لاكي عن ذلك: «أحد أهم الأشياء التي أفضلها في رواية (اللاعب الأول مستعد) أن كل الأوصاف المذكورة في الرواية يمكن تجسيدها في الواقع. وليس شيء منها يدعو للجنون، أو من التقنيات البعيدة عن متناول الجميع».
سلمت شركة «أوكولوس» 3 آلاف نسخة من الرواية للحاضرين في مؤتمر مطوري الشركة العام الماضي. ومن حسن التدبير، غيرت شركة أوكولوس أسماء غرف الاجتماعات في مقرات الشركة إلى أسماء الإصدارات الخيالية الشهيرة من الواقع الافتراضي، بما في ذلك هولوديك، والواحة، وماتريكس، من الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، وقبل ذلك منحت اسم «Neuromancer» من تأليف ويليام غيبسون على إحدى غرف الاجتماعات.
قال السيد كلاين إنه كتب رواية «اللاعب الأول مستعد» في جزء منها بسبب أنه لا يمكنه معرفة السبب وراء عدم هيمنة الواقع الافتراضي على العالم الحقيقي. وأضاف كلاين الذي زار شركة «أوكولوس» مرات كثيرة للحديث مع الموظفين: «أعتقد أنه نفس الدافع الذي كان لدى بالمر. النشأة مع (Neuromancer) وشخصية ماكس هيدروم الافتراضية، كان لهما التأثير نفسه على شخصيتي كما كان على أصحاب الأعمال».

عوالم افتراضية

لا يحتاج التقنيون إلى أي تشجيع من أرباب الأعمال لقراءة أو مشاهدة أفلام الخيال العلمي، فهما من دعامات ثقافة المهووسين بالتكنولوجيات الحديثة ولفترة طويلة. وأينما تمشيت في وادي السيلكون فسوف تلقى مهندس برمجيات يمكنه أن يقول لك كم من الوقت استغرق الأمر من سفينة «Millennium Falcon» لتمهيد طريق كيسيل في «حرب النجوم». (أقل من 12 فرسخا، وفقًا إلى هان سولو، والذي كان استخدامه المصطلح لقياس المسافة - فرسخ واحد يساوي 3.26 سنة ضوئية - بدلا من الوقت كان السبب في كتابة الكثير من المقالات). أثرت تلك الفكرة على كثير من زوايا التكنولوجيا، من الهواتف الذكية والروبوتات وحتى استكشاف الفضاء.
ولكن هناك شيء فريد بخصوص التفاعل ما بين الخيال العلمي والواقع الافتراضي، وهي التكنولوجيا التي تعتبر في الأساس وسيلة من وسائل خداع الناس حتى الاعتقاد بأنهم في مكان آخر وغالبا أنهم أنفسهم صاروا أناسًا آخرين. إن الواقع الافتراضي ليس إلا وسيط، مثل التلفاز أو ألعاب الفيديو، والذي يمكنه الاقتراض بحرية من العوالم الافتراضية التي مرت بها الشخصيات الخيالية.
وانطلقت شركة «ماجيك ليب»، التي يقع مقرها في داينا بيتش بولاية فلوريدا، وتعتبر شركة «غوغل» من أكبر المستثمرين فيها، إلى ما هو أبعد من أغلب الشركات عندما عينت ثلاثة كتاب ومؤلفين لروايات الخيال العلمي. ويعتبر نيل ستيفنسون من أبرز الموظفين في اختيار مؤلفي روايات الخيال العلمي بالشركة، والذي يصور العالم الافتراضي في روايته الشهيرة «الارتطام الجليدي» المنشورة عام 1992.
ورفض السيد ستيفنسون، والذي يحمل لقب كبير المستقبليين، الحديث عما كان يعمل عليه في شركة ماجيك ليب، واصفا إياه بأنه أحد «مشاريع المحتوى» الكثيرة والحالية في الشركة حاليا.
وعلى نطاق أوسع، يقول السيد ستيفنسون إن كتب وأفلام الخيال العلمي تعتبر مفيدة في كثير من الأحيان داخل شركات التكنولوجيا في حشد الموظفين حول رؤية الشركة وأهدافها.
وأضاف: «نظريتي هي أن الخيال العلمي يمكن أن تكون له قيمة فعلية من حيث إنه يضم الجميع على نفس الهدف من دون النزوع إلى عملية معقدة ومكلفة ومرهقة لعروض باور بوينت». ولكن تأثير هذا النوع من الأفكار داخل شركات التكنولوجيا هو تأثير «مثير للدهشة والاستغراب والغموض بالنسبة لي أيضًا».

جوانب سيئة

هناك تيمة معتادة في مجال الخيال العلمي، وهي أن المعجبين به في عالم التكنولوجيا يتحدثون قليلا حول الجانب البائس من الواقع الافتراضي. مثالا بالإدمان، والانفصال عن العلاقة مع العالم الحقيقي، والاغتراب عن البيئة الحقيقية، هي من بين الآثار الجانبية السيئة في روايات الواقع الافتراضي. ومن الصعب أن يكون ذلك هو نقطة الترويج الأساسية في التكنولوجيا.
يقول السيد ستيفنسون إن «رجال الأعمال سعداء ومتفائلون بطبيعتهم، وهو السبب وراء استمتاعي بالعمل معهم في كثير من الأوقات. فلديهم قدرة عجيبة على التجاهل التام للجوانب البائسة التي نتحدث عنها والتركيز على الجوانب الجيدة والإمكانات الإيجابية وإلى أين يمكن أن تقودنا».
بطبيعة الحال، يحاول المؤلفون ومخرجو الأفلام التغاضي عن تفاصيل كثيرة - مثل التحديات التكنولوجية العسيرة التي تواجهها شركات التقنية في العالم الحقيقي.
تقول جينيفيف بيل، عالمة الإنسانيات الثقافية التي تعمل في شركة «أنتل»، التي كتبت مقالات حول التفاعل بين التكنولوجيا والخيال العلمي «إنك لست مضطرا أبدا لإعادة تشغيل النظام السيئ. إن الماكينات هي أقل إثارة لاهتمام أغلب كتاب الخيال العلمي من الخبرة والتجربة نفسها».
يزرع الخيال العلمي في بعض الأحيان الأفكار في أذهان المخترعين تلك التي تستغرق أعواما طويلة حتى تزدهر، حيث كانت لعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد التي كان تشوباكا يلعبها عل متن السفينة «Millennium Falcon» غير متصورة بالمرة في فترة السبعينات، عندما شاهدها جيري الزوورث في نسخة «حرب النجوم» الأصلية. لقد استغرق الأمر عقودا بالنسبة للتكنولوجيا لتنفيذ ذلك في الواقع.
وفي عام 2013، عرضت شركة كاستار المملوكة للسيد الزوورث أول عرض حقيقي للجمهور لنظارات الواقع المعزز من إنتاج الشركة، والتي تراكب الصور الرقمية على رؤية المستخدم للعالم الحقيقي.
والآن، لم تكن التجربة المبينة في العرض الترويجي من قبيل المفاجأة - تُمكن النظارات الشخص من لعب الشطرنج ثلاثي الأبعاد على الطاولة، ويقول السيد الزوورث «كان أمرا ظللت أحلم به طيلة حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.