اختبار حقيقي أمام تطبيقات المساعد الصوتي الافتراضي

مقارنة لأداء أفضل أنواعها المتوافرة

المساعد الصوتي «إيكو» بصوت «أليكسا»
المساعد الصوتي «إيكو» بصوت «أليكسا»
TT

اختبار حقيقي أمام تطبيقات المساعد الصوتي الافتراضي

المساعد الصوتي «إيكو» بصوت «أليكسا»
المساعد الصوتي «إيكو» بصوت «أليكسا»

عندما سألت نظام المساعد الصوتي «أليكسا» في وقت سابق من هذا الأسبوع عن الأندية المشاركة في بطولة «سوبر بول» الأخيرة، أجابت: «الفائز بالبطولة رقم 49 للسوبر بول نادي نيو إنغلاند باتريوتس». وهنا لم أتمالك نفسي، وصحت فيها: «أنت تتحدثين عن العام الماضي. حتى أنا بإمكاني تقديم مستوى أداء أفضل من ذلك!».
في واقع الأمر، كنت في تلك اللحظة بمفردي داخل غرفة المعيشة. أما حديثي فكان موجهًا إلى صديقتي الافتراضية المتمثلة في برنامج «أمازون» اللاسلكي المعروف باسم «إيكو» (Echo)، الذي أطلقته الشركة في يونيو (حزيران) الماضي. يحمل الصوت المتحدث اسم «أليكسا» (Alexa)، وقد أثارت موجة اهتمام واسعة النطاق داخل وادي السليكون، وأصبحت واحدة من أحدث الأعضاء المنضمين لنادي أدوات المساعدة الافتراضية.

مساعد صوتي

يذكر أن جميع الشركات الخمس العملاقة بمجال التقنيات الحديثة - «آبل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«فيسبوك» و«غوغل»، التي أصبحت الآن جزءًا من «ألفابيت» - تطرح الآن بالأسواق تطبيقات المساعدة الافتراضية، وبإمكانها الاضطلاع بالمهام الرتيبة استجابة لأوامر شفهية توجه إليها أو نقرات على أزرار بعينها. ويعتبر «سيري» (Siri)، من إنتاج «آبل»، أشهر هذه التطبيقات، وقد طرح بالأسواق منذ عام 2011. ومع ذلك، فإن «مايكروسوفت» طرحت بالأسواق الآن «كورتانا» (Cortana)، بينما تجري «فيسبوك» اختبارات على آخر يدعى «إم» (M). أما «غوغل» فقد أعادت بناء المساعد الصوتي الخاص بها لتحوله إلى تطبيقات بحث.
وبينما تقيم هذه الشركات حجم التقدم الذي أحرزته على هذا الصعيد من خلال تقارير العائدات ربع السنوية، فقد قمت من جانبي بصياغة اختبارات لتطبيقات المساعدة الصوتية بهدف تقييم قدراتها على إنجاز 16 مهمة تنتمي لأكثر المجالات التي يستمتع بها غالبية المستهلكين: الموسيقى والإنتاجية والسفر وتناول الطعام والترفيه واهتمامات أخرى مثل الرياضة.
وفي نهاية الاختبارات، لم تحصل أي من تطبيقات المساعدة الصوتية على تقدير لافت يستحق الشعور بالفخر إزاءه. وفي ما يلي درجات التقييم التي حصل عليها كل جهاز من إجمالي 4 نقاط:
- «غوغل» (غوغل) - 3.1
- «سيري» (آبل) - 2.9
- «كورتانا» (مايكروسوفت) - 2.3
- «أليكسا» (أمازون) - 1.7

أداء متميز

وجاء أداء «آبل» الأفضل من حيث مهام الإنتاجية، مثل مواعيد الروزنامة ورسائل البريد الإلكتروني. أما «غوغل» فكانت الأفضل في السفر والمهام المرتبطة بالتنقل اليومي باستخدام وسائل المواصلات، بينما برعت «أليكسا» في الموسيقى. وأخيرًا، جاء أداء «كورتانا» متوسطًا بمختلف المجالات. وبالنسبة لـ«فيسبوك» فظل خارج منظومة التقييم بسبب رفض الشركة إتاحة «إم»، رغم أنني تمكنت من التعامل معه على مدار ساعتين من خلال حساب لأحد الأصدقاء.
من جانبها، أعلنت «آبل» أن «سيري» أصبح «أسرع وأذكى»، بجانب قدرته على الحديث بعدد لغات أكثر من أي مساعد صوتي آخر. في المقابل، قالت «مايكروسوفت» إن «كورتانا» تمثل «مجرد البداية فحسب». كما أبدت «غوغل» رغبتها في تطوير الهواتف الذكية على نحو يمكنها من الاضطلاع بمزيد من المهام الصعبة، وبحيث يتمكن المستخدمون من الاضطلاع بمجموعة متنوعة من المهام عبر مجرد الحديث إلى «غوغل». أما «أمازون» فلم تستجب لطلب تقدمنا به إليها للحصول على تعليق.
على صعيد الإنتاجية، كان «سيري»، الذي يمكن استدعاؤه عبر ضغط زر على شاشة «آي فون» أو بمجرد قول «مرحبا سيري»، صاحب القدرة الأفضل على وضع جدول للقاء بصديق في هاواي، واستعراض المواعيد المسجلة بجدول أعمالي للغد، وإرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني وقراءة إحدى الرسائل التي وردت عبر البريد الإلكتروني بصوت مرتفع. أما التطبيقات الأخرى فنجحت في إنجاز فقط بعض هذه المهام، بينما عجزت «أليكسا» عن كتابة رسالة بريد إلكتروني وتسجيل حدث وضمه إلى روزنامة المواعيد.
أيضا، قدم «سيري» أداء جيدًا في المهام المرتبطة بالموسيقى، لكن «أليكسا» تفوقت عليه. استطاع كلا التطبيقين تشغيل أغنية «هاي»، أحدث حلقات «راديولاب»، بجانب عزف مقاطع موسيقية. علاوة على ذلك، استطاعت «أليكسا»، التي يمكن استدعاؤها بمجرد نطق اسمها، تشغيل محطة موسيقية بعينها عبر «باندورا»، بينما فشل «سيري» في تشغيل تطبيق «باندورا».

من ناحية أخرى، حاز موقع «غوغل»، الذي يعمل على تحويل جهاز المساعدة الصوتية إلى تطبيق متوافر عبر هواتف «غوغل»، التقييم الأعلى في إنجاز المهام المرتبطة بالسفر والتنقل عبر وسائل المواصلات. وجاءت استجابته ممتازة لسؤال: «ما حالة المرور في 221 ماين ستريت؟»، حيث أوضح لي المدة الزمنية التي سأستغرقها في الانتقال بالسيارة إلى هناك.
وعندما وجهت إليه الطلب التالي: «خذني إلى صالة (دوغباتش بولدرز) للألعاب الرياضية»، أظهر أمامي خريطة تصاحبها توجيهات صوتية. وعندما قلت: «اعثر لي على تذاكر طائرة إلى نيويورك الأسبوع المقبل»، جاءت استجابته مذهلة، حيث عرض علي رحلات جوية من سان فرانسيسكو إلى نيويورك الأسبوع المقابل تبدأ أسعارها من 435 دولارا، وبلغت مدة الرحلة الأقصر خمس ساعات و10 دقائق.
في ما يخص السفر والتنقل عبر وسائل المواصلات، عرضت «كورتانا» إجابات عن أسئلة بخصوص المرور والاتجاهات، لكنها عجزت عن الإجابة عن أسئلة تخص رحلات الطيران. أما «سيري» فجاء أداؤه ضعيفًا للغاية في هذه الفئة، حيث عجز عن تقديم تقييم لحركة المرور. ولدى سؤاله عن رحلات الطيران إلى نيويورك، سرد مجموعة غير مفيدة من موقع شبكة الإنترنت المعنية بالسفر لنيويورك. وبدلا من إظهار خريطة توضح مكان صالة ألعاب رياضية، عرض عنوان حانة!
أما «أليكسا» فتمكنت من تقديم تقييمات لحركة المرور عن موقع واحد ثابت مسجل لديها، مثل مكتبك.

تفاوت الاستجابة

بالنسبة للمهام المرتبطة بالطعام، جاء أداء «غوغل» و«آبل» متكافئًا، حيث تمكن كلاهما من إيجاد قائمة بالمطاعم الهندية القريبة، لكن المساعد الصوتي «غوغل» كان الوحيد القادر على طلب خدمة توصيل الطعام للمنازل، لكن ذلك تم فقط من خلال طلب مطعم بعينه لديه خدمة تسجيل الطلبات عبر واحدة من التطبيقات التي يتعامل معها «غوغل». أما «سيري» فكان الوحيد القادر على حجز مائدة داخل أحد المطاعم.
في ما يتعلق بالاهتمامات الخاصة، سألت كل مساعد صوتي سؤالين واضحين: ما الأندية الفائزة بمباريات كرة القدم الأميركية أخيرا، ومن خاض «سوبر بول»؟ قام كل من «غوغل» و«كورتانا» و«سيري» بتجميل نتائج المباريات الصادرة، عن الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية، لكن «غوغل» و«كورتانا» فقط استطاعا الإشارة إلى اسمي الفريقين، بينما عجز «سيري» عن ذكر المباراة الكبرى التي أقيمت 7 فبراير (شباط) على استاد ليفي في سانتا كلارا بكاليفورنيا. في المقابل، بدت خدمة «أليكسا» على غير دراية بهذه الرياضة، وعجزت عن إجابة السؤالين.
وينقلني ذلك إلى المساعد الصوتي «إم» الخاص بـ«فيسبوك»، حيث رفضت الشركة طلبي الاطلاع على التطبيق، ولم تتح ذلك حتى الآن سوى لعدد محدود للغاية من الخبراء المعنيين باختبار التطبيق الجديد. وعليه، لجأت لاستخدام حساب أحد الأصدقاء عبر «فيسبوك ميسنجر» لمقابلة «إم». تبعًا لما أعلنته الشركة، فإن «إم» يخضع في جزء منه لسيطرة نظام الذكاء الصناعي، بينما يخضع جزء آخر لسيطرة بشرية. ويمكنك التواصل مع «إم» عبر بعث رسائل إليه من خلال خدمة «فيسبوك ميسنجر»، تمامًا مثلما تبعث برسالة لصديق.
خلال الفترة المحدودة التي قضيتها مع «إم»، طلبت منه القيام بمهام عادية، مثل الاتصال بشركة المياه للاستفسار منها عن فاتورة الاستخدام، والتعرف على منتجات اللحوم المعروضة بمتجر «هول فودز» المحلي، والبحث عن الوقت الذي تصبح فيه تكلفة السفر لهونغ كونغ في أرخص مستوى.
وغاب «إم» للحظات قلائل قبل الإجابة عن كل سؤال، الأمر الذي جعلني أتشكك أن شخصًا ما هو الذي تولى الإجابة. وعندما طلبت من «إم» حجز موعد لي لجلسة تصوير مع استوديو يمتلكه صديق لي. في غضون دقائق، رن جرس الهاتف في الاستوديو، والتقط صديقي السماعة، وهنا قال «إم» الذي يحمل صوت امرأة شابة: «مرحبا، إنني أتصل نيابة عن رئيسي بالعمل، فهو يرغب في معرفة ما إذا كان بإمكانكم عقد جلسة تصوير له غدًا في الثانية ظهرًا».
ورد صديقي: «عذرًا لم أعرف اسمك بعد؟»، فجاءه الرد: «اسمي الأول (إم)، أما اسمي الأخير فهو (ميسنجر)». وسأل صديقي: «هل هذا اسم يوناني؟»، وهنا انطلق «إم» في الضحك.
ويشير ذلك إلى أن «إم» ربما يكون أفضل في قدراته عن جميع التطبيقات السابقة، لكن هذا يعود لوجود عناصر بشرية وراء تتولى إدارة المهام التي يعجز عنها الذكاء الصناعي. وفي بيان لها أعلنت «فيسبوك»: «(إم) لا يزال في مرحلة مبكرة للغاية، ولسنا مهتمين حاليًا بطرحه على عدد كبير من الأشخاص».

* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.