ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

أخطأته جائزة نوبل فذهبت إلى غيره

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه
TT

ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه

هل يمكن القول بأن ميشال تورنييه ظل طيلة حياته يحلم بجائزة نوبل حتى بلغ التسعين بل وتجاوزها دون أن ينالها؟ كلام مبالغ فيه، وربما غير لائق بحقه. الأصح أن نقول إنه كان من أكبر المرشحين لها منذ سنوات وسنوات، لكنها ذهبت إلى غيره وأخطأته. وربما ذهبت إلى من هو أقل منه أهمية. وهذه هي حال الجوائز فلا تمنح دائما لمن يستحقها. ثلث من أعطيت لهم «نوبل» لا يستحقونها وحتما هو أهم منهم.
على أي حال فليس هذا موضوعنا. فالرجل لم تنقصه الجوائز التشجيعية. ذلك أنه نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1967 على أول رواية يصدرها بعنوان: «جمعة أو تخوم الباسفيكي». وكانت ضربة معلم كما يقال. ثم أتبعها عام 1970 برائعته الكبرى «الغول أو ملك الرياح»، وعليها حاز جائزة غونكور الشهيرة. وهي ذات الجائزة التي نالها الطاهر بن جلون وأمين معلوف ومشاهير آخرون كثيرون. وميزتها أنها لا تشهرك فقط وإنما تغنيك ماديا بالفلوس. وهذا أهم شيء! وبالفعل فقد أصبح ميشال تورنييه ثريا بعدها وما عاد بحاجة إلى العمل لكي يعيش.
نقول ذلك وبخاصة أنه فشل مرتين في امتحان شهادة التبريز التي نالها سارتر وريمون آرون وجورج بومبيدو وميشال فوكو ومعظم عظماء فرنسا. والبعض يقول بأنه لم يقم من ذلك الفشل طيلة حياته كلها. لقد أثر عليه نفسيا إلى درجة أنه أقلع نهائيا عن مهنة التعليم وكفر بهذه الشهادات التي لا تذهب دائما أيضا إلى من يستحق.. وربما لم يصبح كاتبا كبيرا إلا لكي ينتقم من ذلك الفشل الذريع. وقد انتقم بالفعل شر انتقام. هكذا تلاحظون أن الفشل في الحياة قد يؤدي إلى النجاح في الأدب.. فلا تقنطوا أيها الكتاب ولا تيأسوا مهما عركتكم الحياة ومهما لقيتم من مصاعب وآلام وخيبات. ألم يقل دوستيوفسكي لكاتب شاب جاء يطلب نصيحته: ينبغي أن تتعذب يا صديقي. ينبغي أن تتعذب حتى لا يعود إلى العذاب من معنى. ينبغي أن تتعذب يا أخي وتذوق طعم المرارات قبل أن تسطر حرفا واحدا. تعذب، تعذب، تعذب. كررها ثلاث مرات. وبالتالي فمن يعتقد أن الأدب هو عبارة عن مزحة أو نزهة في وادٍ من الزهور عليه أن يقلع فورا عن عملية الكتابة. فلم تخلق له. على أي حال بعد ذلك الفشل راح يشتغل في الصحافة الأدبية والترجمة من الألمانية إلى الفرنسية ثم أصبح قارئا ومستشارا أدبيا لدى أشهر دار نشر فرنسية: «غاليمار». ولكن كما قلنا فبعد نيله جائزة «غونكور» لم يعد بحاجة حتى إلى عمل.. فمبيعات كتبه تكفيه وتزيد. هل نعلم بأن روايته الأولى حظيت بخمسة ملايين نسخة؟ شيء مخيف. نقول ذلك وبخاصة بعد أن بسطت وعممت على طلبة المدارس تحت عنوان مختلف قليلا: «جمعة، أو حياة الفطرة البدائية البسيطة». ومعلوم أن الكاتب في فرنسا يغتني من كتبه إذا ما نجح على عكس الكاتب العربي. وهي عموما مستوحاة من رواية روبنسون كروزو الشهيرة. إنها تعني اعتزال العالم الظالم المزعج وإلقاء نفسك في أحضان الطبيعة بعيدا عن ضجيج البشر. وهو ما طبقه ميشال تورنييه عمليا عندما انعزل في وادي الشيفروز المحيط بباريس، ولم يكتف بالتحدث عنه نظريا. أما روايته الثانية «ملك الرياح» فبيعت بأربعة ملايين نسخة! وبالتالي فالرجل أصبح قادرا على أن يعتزل العالم ويعيش ملكا متوجا على عرشه! وباريس تحت قدميه كلما شاء قحص نحوها قحصة.
لقد اشتهر ميشال تورنييه ببراعة المزج بين الأسطورة - والتاريخ، بين الخيال - والواقع، بين السماوي - والأرضي، بين النثري - والشعري. وهو ما اشتهر به غونتر غراس أيضا وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز وآخرون. نضرب على ذلك مثلا رائعته الكبرى: ملك الرياح. ففيها يتحدث عن سعلاء أو غول شره يأكل لحوم البشر. وهي قصة مأخوذة عن غوته في الواقع، لكنه حورها وطورها وأسبغ عليها مسحة شخصية له. فهذا الغول الذي ظهر في منطقة بروسيا الشرقية استطاع إقناع الشبيبة الألمانية بالانخراط في الحرب التي بلعتهم وأكلتهم تماما كما فعل هتلر. بهذا المعنى فإن هتلر هو غول ألمانيا الذي دمرها بعد أن أغواها وأغراها وسحرها ومشى بها إلى حافة الهاوية.
هل نعلم بأن ميشال تورنييه درس الفلسفة في جامعة توبنغين؟ وهي ذات الجامعة التي درس فيها الثلاثي الشهير: هيغل وشيلنغ وهولدرلين. ثلاثة عباقرة في غرفة واحدة! وكانوا يغطون تحت اللحاف كتب كانط عن الدين عندما يمر عليهم الرقيب في ساعة متأخرة من الليل. وكذلك كانوا يفعلون مع كتب جان جاك روسو وفولتير وبقية فلاسفة الأنوار. كان اللاهوت المسيحي الظلامي لا يزال سائدا آنذاك وويل لمن تسول له نفسه قراءة الكتب المحرمة المهرطقة المزندقة المنحرفة عن «النهج القويم والصراط المستقيم». كل التفسير العقلاني التنويري للدين كان ممنوعا آنذاك. وحده التفسير المتزمت الطائفي كان شرعيا وطاغيا ومسموحا به بل ومفروضا بالقوة. وما كانوا يعتقدون بإمكانية وجود تفسير آخر غيره. ماذا يحصل في العالم العربي حاليا؟ وعلى ذكر كانط فقد ظل ميشال تورنييه طيلة حياته معجبا به. بل وكان يمتلك نسخة عن أعماله الكاملة بالألمانية، ويفتخر بأنه الفرنسي الوحيد الذي يمتلكها. وقد اشتراها قبيل الحرب العالمية الثانية. كان معجبا بألمانيا، لأنه ولد في عائلة مفعمة بالتأثيرات الألمانية. فوالداه كانا يتقنان لغة غوته ويعلمانها في المدارس الفرنسية. ولكن والده بعد أن جرح في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان كره ألمانيا كرها شديدا وحقد عليها، إلى درجة أنه أصبح يكره لغتها. أما ميشال تورنييه فرفض أن يحقد على الثقافة الألمانية لمجرد أن ألمانيا غزت فرنسا وهزمتها مرتين أو ثلاث مرات. لقد عرف كيف يفرق بين الحرب من جهة، والفكر والثقافة من جهة أخرى. وهذا فضل يذكر له. ليت أن المثقفين العرب يفرقون بين العداء للاستعمار الغربي من جهة، والفتوحات الفكرية الرائعة لذات الغرب من جهة أخرى. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ إنهم يعتقدون أن كل مآسينا آتية من جهة الغرب، بل وحتى «داعش» يقولون بأنها صنيعة الغرب! وهكذا يرفضون الاعتراف بأي مسؤولية داخلية عن المرض العضال الذي ينهش في أحشائنا منذ قرون. والله ما دمنا بهذه العقلية لن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. أكبر مأساة في حياتنا الثقافية هي أننا لم نستطع القيام بمثل هذا التمييز فسقطنا في بحر من الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي لم نقم منها حتى اللحظة. لماذا لا نعتد بنيتشه؟ هل تعلمون أنه بعد انتصار ألمانيا الساحق على فرنسا عام 1870 راح يشتم بلاده ألمانيا ويثني على الثقافة الفرنسية ويعدها مثلا يحتذى؟ نقول ذلك على الرغم من أنه ساهم في تلك الحرب من الجهة الألمانية بطبيعة الحال.. فهو ألماني أيضا.. لكنه وجد في الثقافة الفرنسية أشياء أعجبته فلم يتردد عن الإشادة بها على الرغم من أن فرنسا هي العدو اللدود لبلده ألمانيا.. ولكن الثقافة شيء والعداوات العابرة شيء آخر.. والدليل على ذلك أن ألمانيا وفرنسا أصبحتا الآن دولة واحدة تقريبا من خلال الاتحاد الأوروبي. فهما النواة الصلبة لهذا الاتحاد، وأحيانا يعقدان مجلس وزراء مشترك لكلتا الحكومتين، إما في باريس وإما في برلين. من يصدق ذلك؟ هذا زمن المعجزات والأعاجيب.. لو قلت لشخص ألماني أو فرنسي هذا الكلام عام 1870 أو حتى عام 1940 لشك في قواك العقلية والنقلية ولطالب بإدخالك إلى العصفورية أو مستشفى المجانين.
على الرغم من أن ميشال تورنييه ولد وترعرع في باريس، بل وفي أجمل حاراتها المطلة على نهر السين (جزيرة القديس لويس) فإنه هجرها وفضل عليها قرية صغيرة لا تضم أكثر من 500 شخص.
وهي لا تبعد عن العاصمة أكثر من 27 كيلومترا وربما أقل. وأتذكر أنني كنت أسكن على نفس خط المترو المؤدي إليها وفي كل مرة كنت أقول سأكمل الطريق، لكي أراها ليس من أجل الكاتب (فما كنت أعرفه آنذاك)، وإنما من أجل الطبيعة الساحرة والرغبة العارمة في اكتشاف المجهول. ومرت السنوات دون أحقق هذا الحلم السهل الذي كان في متناول اليد. يذكرني ميشال تورنييه بالشاعر الكبير رينيه شار الذي هجر باريس أيضا وذهب إلى قريته الصغيرة الوادعة في الجنوب. هناك كتاب ينشدون الوحدة والعزلة والعيش في أحضان الطبيعة. ليس من الضروري أن تكون في قلب باريس لكي تصبح عبقريا.. ميشال تورنييه كان يقول: الذين يصرون على العيش في باريس مجانين! يكفي أن تخرج منها بمسافة قصيرة - نصف ساعة - لكي تجد نفسك في الجنة، في أحضان الطبيعة الغناء.
وهذا ما فعله جان جاك روسو في وقته فاتهموه بالجنون! هل يعقل أن تترك باريس عاصمة الدنيا وتذهب لكي تعيش مع الفلاحين البدائيين والوحوش؟ ولكن لو لم يفعل ذلك هل كان الإلهام سينزل عليه ويكتب مؤلفاته الخالدة؟ اهجروا العواصم والضجيج والعجيج وألقوا بأنفسكم في أحضان البساتين وما أكثرها في ضواحي باريس. شاتوبريان هجر باريس أيضا أو قل طرده نابليون فراح يسكن في «وادي الذئاب»، حيث سكنت أنا أيضا تقريبا.. ما أجملك يا وادي الذئاب! مرة ضعت هناك مع إحدى «الغزالات»، ولم يأكلنا أي ذئب، بل ربما كنت أنا الذئب الوحيد آنذاك.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».