ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

أخطأته جائزة نوبل فذهبت إلى غيره

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه
TT

ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه

هل يمكن القول بأن ميشال تورنييه ظل طيلة حياته يحلم بجائزة نوبل حتى بلغ التسعين بل وتجاوزها دون أن ينالها؟ كلام مبالغ فيه، وربما غير لائق بحقه. الأصح أن نقول إنه كان من أكبر المرشحين لها منذ سنوات وسنوات، لكنها ذهبت إلى غيره وأخطأته. وربما ذهبت إلى من هو أقل منه أهمية. وهذه هي حال الجوائز فلا تمنح دائما لمن يستحقها. ثلث من أعطيت لهم «نوبل» لا يستحقونها وحتما هو أهم منهم.
على أي حال فليس هذا موضوعنا. فالرجل لم تنقصه الجوائز التشجيعية. ذلك أنه نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1967 على أول رواية يصدرها بعنوان: «جمعة أو تخوم الباسفيكي». وكانت ضربة معلم كما يقال. ثم أتبعها عام 1970 برائعته الكبرى «الغول أو ملك الرياح»، وعليها حاز جائزة غونكور الشهيرة. وهي ذات الجائزة التي نالها الطاهر بن جلون وأمين معلوف ومشاهير آخرون كثيرون. وميزتها أنها لا تشهرك فقط وإنما تغنيك ماديا بالفلوس. وهذا أهم شيء! وبالفعل فقد أصبح ميشال تورنييه ثريا بعدها وما عاد بحاجة إلى العمل لكي يعيش.
نقول ذلك وبخاصة أنه فشل مرتين في امتحان شهادة التبريز التي نالها سارتر وريمون آرون وجورج بومبيدو وميشال فوكو ومعظم عظماء فرنسا. والبعض يقول بأنه لم يقم من ذلك الفشل طيلة حياته كلها. لقد أثر عليه نفسيا إلى درجة أنه أقلع نهائيا عن مهنة التعليم وكفر بهذه الشهادات التي لا تذهب دائما أيضا إلى من يستحق.. وربما لم يصبح كاتبا كبيرا إلا لكي ينتقم من ذلك الفشل الذريع. وقد انتقم بالفعل شر انتقام. هكذا تلاحظون أن الفشل في الحياة قد يؤدي إلى النجاح في الأدب.. فلا تقنطوا أيها الكتاب ولا تيأسوا مهما عركتكم الحياة ومهما لقيتم من مصاعب وآلام وخيبات. ألم يقل دوستيوفسكي لكاتب شاب جاء يطلب نصيحته: ينبغي أن تتعذب يا صديقي. ينبغي أن تتعذب حتى لا يعود إلى العذاب من معنى. ينبغي أن تتعذب يا أخي وتذوق طعم المرارات قبل أن تسطر حرفا واحدا. تعذب، تعذب، تعذب. كررها ثلاث مرات. وبالتالي فمن يعتقد أن الأدب هو عبارة عن مزحة أو نزهة في وادٍ من الزهور عليه أن يقلع فورا عن عملية الكتابة. فلم تخلق له. على أي حال بعد ذلك الفشل راح يشتغل في الصحافة الأدبية والترجمة من الألمانية إلى الفرنسية ثم أصبح قارئا ومستشارا أدبيا لدى أشهر دار نشر فرنسية: «غاليمار». ولكن كما قلنا فبعد نيله جائزة «غونكور» لم يعد بحاجة حتى إلى عمل.. فمبيعات كتبه تكفيه وتزيد. هل نعلم بأن روايته الأولى حظيت بخمسة ملايين نسخة؟ شيء مخيف. نقول ذلك وبخاصة بعد أن بسطت وعممت على طلبة المدارس تحت عنوان مختلف قليلا: «جمعة، أو حياة الفطرة البدائية البسيطة». ومعلوم أن الكاتب في فرنسا يغتني من كتبه إذا ما نجح على عكس الكاتب العربي. وهي عموما مستوحاة من رواية روبنسون كروزو الشهيرة. إنها تعني اعتزال العالم الظالم المزعج وإلقاء نفسك في أحضان الطبيعة بعيدا عن ضجيج البشر. وهو ما طبقه ميشال تورنييه عمليا عندما انعزل في وادي الشيفروز المحيط بباريس، ولم يكتف بالتحدث عنه نظريا. أما روايته الثانية «ملك الرياح» فبيعت بأربعة ملايين نسخة! وبالتالي فالرجل أصبح قادرا على أن يعتزل العالم ويعيش ملكا متوجا على عرشه! وباريس تحت قدميه كلما شاء قحص نحوها قحصة.
لقد اشتهر ميشال تورنييه ببراعة المزج بين الأسطورة - والتاريخ، بين الخيال - والواقع، بين السماوي - والأرضي، بين النثري - والشعري. وهو ما اشتهر به غونتر غراس أيضا وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز وآخرون. نضرب على ذلك مثلا رائعته الكبرى: ملك الرياح. ففيها يتحدث عن سعلاء أو غول شره يأكل لحوم البشر. وهي قصة مأخوذة عن غوته في الواقع، لكنه حورها وطورها وأسبغ عليها مسحة شخصية له. فهذا الغول الذي ظهر في منطقة بروسيا الشرقية استطاع إقناع الشبيبة الألمانية بالانخراط في الحرب التي بلعتهم وأكلتهم تماما كما فعل هتلر. بهذا المعنى فإن هتلر هو غول ألمانيا الذي دمرها بعد أن أغواها وأغراها وسحرها ومشى بها إلى حافة الهاوية.
هل نعلم بأن ميشال تورنييه درس الفلسفة في جامعة توبنغين؟ وهي ذات الجامعة التي درس فيها الثلاثي الشهير: هيغل وشيلنغ وهولدرلين. ثلاثة عباقرة في غرفة واحدة! وكانوا يغطون تحت اللحاف كتب كانط عن الدين عندما يمر عليهم الرقيب في ساعة متأخرة من الليل. وكذلك كانوا يفعلون مع كتب جان جاك روسو وفولتير وبقية فلاسفة الأنوار. كان اللاهوت المسيحي الظلامي لا يزال سائدا آنذاك وويل لمن تسول له نفسه قراءة الكتب المحرمة المهرطقة المزندقة المنحرفة عن «النهج القويم والصراط المستقيم». كل التفسير العقلاني التنويري للدين كان ممنوعا آنذاك. وحده التفسير المتزمت الطائفي كان شرعيا وطاغيا ومسموحا به بل ومفروضا بالقوة. وما كانوا يعتقدون بإمكانية وجود تفسير آخر غيره. ماذا يحصل في العالم العربي حاليا؟ وعلى ذكر كانط فقد ظل ميشال تورنييه طيلة حياته معجبا به. بل وكان يمتلك نسخة عن أعماله الكاملة بالألمانية، ويفتخر بأنه الفرنسي الوحيد الذي يمتلكها. وقد اشتراها قبيل الحرب العالمية الثانية. كان معجبا بألمانيا، لأنه ولد في عائلة مفعمة بالتأثيرات الألمانية. فوالداه كانا يتقنان لغة غوته ويعلمانها في المدارس الفرنسية. ولكن والده بعد أن جرح في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان كره ألمانيا كرها شديدا وحقد عليها، إلى درجة أنه أصبح يكره لغتها. أما ميشال تورنييه فرفض أن يحقد على الثقافة الألمانية لمجرد أن ألمانيا غزت فرنسا وهزمتها مرتين أو ثلاث مرات. لقد عرف كيف يفرق بين الحرب من جهة، والفكر والثقافة من جهة أخرى. وهذا فضل يذكر له. ليت أن المثقفين العرب يفرقون بين العداء للاستعمار الغربي من جهة، والفتوحات الفكرية الرائعة لذات الغرب من جهة أخرى. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ إنهم يعتقدون أن كل مآسينا آتية من جهة الغرب، بل وحتى «داعش» يقولون بأنها صنيعة الغرب! وهكذا يرفضون الاعتراف بأي مسؤولية داخلية عن المرض العضال الذي ينهش في أحشائنا منذ قرون. والله ما دمنا بهذه العقلية لن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. أكبر مأساة في حياتنا الثقافية هي أننا لم نستطع القيام بمثل هذا التمييز فسقطنا في بحر من الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي لم نقم منها حتى اللحظة. لماذا لا نعتد بنيتشه؟ هل تعلمون أنه بعد انتصار ألمانيا الساحق على فرنسا عام 1870 راح يشتم بلاده ألمانيا ويثني على الثقافة الفرنسية ويعدها مثلا يحتذى؟ نقول ذلك على الرغم من أنه ساهم في تلك الحرب من الجهة الألمانية بطبيعة الحال.. فهو ألماني أيضا.. لكنه وجد في الثقافة الفرنسية أشياء أعجبته فلم يتردد عن الإشادة بها على الرغم من أن فرنسا هي العدو اللدود لبلده ألمانيا.. ولكن الثقافة شيء والعداوات العابرة شيء آخر.. والدليل على ذلك أن ألمانيا وفرنسا أصبحتا الآن دولة واحدة تقريبا من خلال الاتحاد الأوروبي. فهما النواة الصلبة لهذا الاتحاد، وأحيانا يعقدان مجلس وزراء مشترك لكلتا الحكومتين، إما في باريس وإما في برلين. من يصدق ذلك؟ هذا زمن المعجزات والأعاجيب.. لو قلت لشخص ألماني أو فرنسي هذا الكلام عام 1870 أو حتى عام 1940 لشك في قواك العقلية والنقلية ولطالب بإدخالك إلى العصفورية أو مستشفى المجانين.
على الرغم من أن ميشال تورنييه ولد وترعرع في باريس، بل وفي أجمل حاراتها المطلة على نهر السين (جزيرة القديس لويس) فإنه هجرها وفضل عليها قرية صغيرة لا تضم أكثر من 500 شخص.
وهي لا تبعد عن العاصمة أكثر من 27 كيلومترا وربما أقل. وأتذكر أنني كنت أسكن على نفس خط المترو المؤدي إليها وفي كل مرة كنت أقول سأكمل الطريق، لكي أراها ليس من أجل الكاتب (فما كنت أعرفه آنذاك)، وإنما من أجل الطبيعة الساحرة والرغبة العارمة في اكتشاف المجهول. ومرت السنوات دون أحقق هذا الحلم السهل الذي كان في متناول اليد. يذكرني ميشال تورنييه بالشاعر الكبير رينيه شار الذي هجر باريس أيضا وذهب إلى قريته الصغيرة الوادعة في الجنوب. هناك كتاب ينشدون الوحدة والعزلة والعيش في أحضان الطبيعة. ليس من الضروري أن تكون في قلب باريس لكي تصبح عبقريا.. ميشال تورنييه كان يقول: الذين يصرون على العيش في باريس مجانين! يكفي أن تخرج منها بمسافة قصيرة - نصف ساعة - لكي تجد نفسك في الجنة، في أحضان الطبيعة الغناء.
وهذا ما فعله جان جاك روسو في وقته فاتهموه بالجنون! هل يعقل أن تترك باريس عاصمة الدنيا وتذهب لكي تعيش مع الفلاحين البدائيين والوحوش؟ ولكن لو لم يفعل ذلك هل كان الإلهام سينزل عليه ويكتب مؤلفاته الخالدة؟ اهجروا العواصم والضجيج والعجيج وألقوا بأنفسكم في أحضان البساتين وما أكثرها في ضواحي باريس. شاتوبريان هجر باريس أيضا أو قل طرده نابليون فراح يسكن في «وادي الذئاب»، حيث سكنت أنا أيضا تقريبا.. ما أجملك يا وادي الذئاب! مرة ضعت هناك مع إحدى «الغزالات»، ولم يأكلنا أي ذئب، بل ربما كنت أنا الذئب الوحيد آنذاك.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.