(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات

شم النسيم على البحر المتوسط تحول إلى رائحة الجثث والخوف يدب في أرجاء المدينة

متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
TT

(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات

متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)

المثل الدارج في هذه البلاد يقول إن من يسيطر على بنغازي يسيطر على عموم البلاد. ويعدد مستشار رئيس البرلمان الليبي، عيسى عبد المجيد، المرات الكثيرة عبر التاريخ التي هبت فيها العاصفة من هنا لتغيير الأوضاع على كامل تراب ليبيا.. الاستقلال بدأ من هنا، وحكم القذافي أيضا، وكذلك «الثورة» ضد نظامه في 2011.
ومنذ نحو عامين يخوض الجيش الليبي معارك طاحنة للسيطرة على بنغازي التي تبعد نحو ألف كيلومتر شرق العاصمة طرابلس. وتمكن من تطهير غالبية ضواحي المدينة وشوارعها من تمركزات المتطرفين، لكن ما زال أمامه معضلة تتعلق بثلاث ضواحي رئيسية، هي سوق الحوت والصابري والليثي، إذ إن الجماعات التي يطلق عليها الجيش لقب «الخوارج» تتلقى دعما من البر والبحر من باقي ميليشيات المتشددين في البلاد.
من وراء دوائر كبيرة من المباني المهدمة وأبواب المحال المنبعجة بفعل القذائف الصاروخية، يقيم المتطرفون في ضاحية سوق الحوت بجوار الميناء البحري، وحتى أطراف من شارع عمرو بن العاص. وفي الخط الفاصل للمواجهات يرتفع ركام المباني ويصوب القناصة بنادقهم خاصة قرب ميدان الشجرة. من سوق الحوت توجد إمكانية لدى المتطرفين لاستقبال المراكب المحملة بالأسلحة والمقاتلين. ويقول عبد المجيد إن هذا يحدث أمام أعين العالم ولا أحد يتحرك.
يمكن العبور إلى سوق الحوت أيضا بالسيارة عبر الشوارع المطلة على مبنى المحكمة القديم، على البحر، أي المبنى الذي شهد مظاهرات الليبيين ضد القذافي مطالبين بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كان هذا منذ خمس سنوات. كانت هناك آمال لبناء دولة جديدة، بيد أن كل شيء ما زال يراوح مكانه في انتظار حل جذري لإنقاذ ليبيا من مصير «الدولة الفاشلة». تسعى الكثير من الأطراف المحلية والدولية لإيجاد مخرج في سبيل كسر شوكة المتطرفين والجماعات المصنفة «منظمات إرهابية»، في وقت تلوح فيه عدة دول غربية بالتدخل لمساعدة حكومة التوافق الوطني على إعادة الاستقرار لهذا البلد النفطي.
ويقول النائب في البرلمان الليبي عن مدينة بنغازي، إبراهيم عميش، إن «العالم يبدو غير جاد في حربه على الإرهاب، لأن ليبيا أقرب دولة من أوروبا». اليوم تحولت أجزاء كبيرة من مدينة بنغازي بسبب الاقتتال إلى تلال من الكتل الإسمنتية والحجارة وأسياخ الحديد الملتوية، مع إصرار الجيش، بإمكانياته المتواضعة، على «دحر الإرهاب».
وبدلا من رائحة نسيم البحر المشبعة باليود، يحمل الهواء رائحة البارود والجثث المتعفنة في زوايا الشوارع. كانت طيور البحر ترفرف على الشواطئ الغربية للمدينة، واليوم تظهر في السماء بين وقت وآخر القذائف الصاروخية الطائشة. سقط في بنغازي نحو ألفي قتيل من المدنيين والعسكريين منذ عام 2014. وفي المقابل يخفي المتطرفون عدد قتلاهم، ويقومون بدفنهم في أنفاق تحت الأرض، وفقا لمصادر طبية في المدينة.
سوق الحوت هو أحد ثلاث مناطق يسيطر عليها عناصر «أنصار الشريعة» و«داعش». المنطقتان الأخريان هما حي الصابري المجاور لساحل البحر أيضا، لكن إلى الشرق قليلا من سوق الحوت. وحي الليثي الموجود في وسط المدينة. حتى أواخر العام الماضي كان المقاتلون المتشددون في بنغازي ومن يدعمهم من المدن الأخرى، ينكرون وجود «داعش»، ويعلنون أنهم «مجلس ثوار» يرفع السلاح لحماية الثورة ومنع عودة نظام القذافي مرة أخرى.
لكن العمليات النوعية التي قام بها الجيش وتوغله داخل عدة أحياء لتطهيرها من عناصر الميليشيات، كشفت خلال الشهرين الماضيين، عن أن الدواعش تمكنوا بالفعل من التسلل إلى بنغازي. وتؤكد اتصالات عثر عليها محققون في هواتف «عناصر إرهابية» في ضاحية سيدي فرج جنوب المدينة، وجود تنسيق بين «مجلس ثوار المدينة»، المدعوم من ميليشيات طرابلس، والدواعش الذين فروا إلى بنغازي قادمين من مدينة درنة، وقادمين أيضا من البحر عبر مراكب صغيرة يطلق عليها الليبيون اسم «جرافات».
في الليل، وعلى مدار أسابيع، استمرت سيارات الدفع الرباعي تنقل المقاتلين الدواعش، المهزومين، من درنة، إلى محاور الطرق البرية الجنوبية. ومن هناك يتجهون بأسلحتهم إلى أحد مسارين، إما إلى بنغازي التي يتحصن في عدد من ضواحيها تنظيم أنصار الشريعة المتطرف، أو إلى المناطق الغربية من البلاد، حيث يتلقون مزيدا من التدريبات في مدينة سرت التي أصبحت تحت سيطرة «داعش».
هزيمة الدواعش في درنة جرت بفضل طوق الحصار الذي فرضه الجيش على المدينة، طوال نحو 20 شهرا، وبمساعدة ممن يطلق عليهم الصحوات، وهم شبان متطوعون يساعدون القوات المسلحة، إلى جانب الخلافات التي نشبت بين دواعش درنة وتنظيم أنصار الشريعة في المدينة. يقول أحد قادة الجيش في محور سيدي فرج إن التحالفات والاقتتال بين أنصار الشريعة والدواعش غير مفهوم، لأن هؤلاء المتطرفين تجدهم متحالفين في جبهة ويتحاربون في جبهة أخرى، مثل محور سيدي فرج، وضواحي سوق الحوت والصابري والليثي. ويرددون معا الأهازيج الحماسية، تحت الأعلام السوداء، لمواصلة الحرب ضد الدولة.
يعاني الجيش الليبي الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر من نقص في السلاح وفي العتاد وفي الجنود أيضا، لعدة أسباب أولها رفض الأمم المتحدة رفع الحظر عن توريد الأسلحة له، إلا بعد تمكين حكومة الوفاق الوطني من العمل. وثانيها الخلافات التي ما زالت مستمرة بين ضباط كبار يؤمنون بثورة 17 فبراير (شباط) التي أطاحت بنظام القذافي، وضباط كانوا يصدون هجمات الثورة المسلحة المدعومة من حلف الناتو. وثالثها تعثر منح الثقة لحكومة توافق وطني لديها القدرة على طي صفحة الماضي والعمل على أسس جديدة من أجل المستقبل.
ويقول النائب عميش، إن الجيش كان يمكنه حسم المعركة ضد المتطرفين في المدينة مبكرا لو كان قد حصل على الأسلحة التي يحتاجها، مشيرا إلى أنه، مثل كثير من الليبيين، لا يجد أي مبرر لاستمرار الأمم المتحدة في فرض الحظر على تسليح الجيش، بغض النظر عن موضوع الحكومة. ويؤكد أن الليبيين قادرون، بأيديهم، على القضاء على المتطرفين، لو تمكن من الحصول على ما يحتاجه من سلاح.
ما بين البحر والصحراء تقع المدينة ذات الأزقة العتيقة الضيقة المثقوبة بالرصاص، والشوارع الحديثة الواسعة التي خربتها الحرب الأهلية. يشرف عليها من الجنوب الشرقي منطقة الأبيار التي يوجد فيها مقر العمليات العسكرية لقوات الجيش، أي بالقرب من بلدة المرج ومطار بنينة. وجرت قرب هذا المطار معارك طاحنة العام الماضي تمكن خلالها الجيش من هزيمة «العناصر الإرهابية» التي دمرت المطار الرئيسي لمدينة بنغازي. وقتل خلالها مجموعة من القادة الكبار في «أنصار الشريعة» ومن أشهرهم محمد الزهاوي، بينما اضطر قادة آخرون للهروب أو الاختفاء داخل جحور المدينة.
في بنغازي، التي تبلغ مساحتها نحو 300 كيلومتر مربع، عرب أقحاح، وفيها آخرون تجري في عروقهم دماء الأجداد الغرباء. يطلق الرجال كبار السن على المدينة باللهجة المحلية لقب «رباية الذايح»، أي المدينة التي يمكن للهائمين فيها أن يجدوا المأوى، المسكن والمأكل، بلا حساب. أو بمعنى أكثر وضوحا: القدرة على استيعاب من تقطعت بهم السبل. لكن يبدو أنه لم يكن في حسابات المدينة ظهور مجموعات من المقاتلين الغرباء الذين يسعون لفرض أجندة خاصة بهم بقوة السلاح، مستغلين في ذلك شبانا ليبيين لديهم أجندة مشابهة وأعلام سوداء مماثلة.
يقول أحد وجهاء المدينة إنه، للأسف، جاء وسط من لجأوا للمدينة بعد سقوط نظام القذافي مجموعات محترفة في البطش. إنهم متطرفون يصفهم الشاعر الشعبي المعروف نصيب سكوري، الذي يسكن قرب بنغازي، بأنهم «غلاظ الشَّعر»، و«الهبل السِّمَان»، أي الذين لا يفهمون ولا يتفاهمون. هم من ليبيا ومن بلدان عربية وأجنبية. لديهم أفكار عابرة للحدود، ولا يرون في بنغازي، إلا حجارة يمكن اتخاذها سواتر لحربهم الطويلة من درنة إلى سرت ومن طرابلس إلى بلدان الجوار الليبي وأوروبا.
يتحرك الجيش حول بنغازي بإمكانات متواضعة لكن وفقا لخطط صارمة. تعليمات للجنود بأن تكون طلقة الرصاص في مكانها. لا مجال للهدر. الجنود والمتطوعون لا يوجد لديهم أي نوع من الرفاهية.. نقص في الذخيرة وفي المعدات وحتى في الملابس العسكرية. يقول أحد الجنود: «بدلة الجيش اشتريتها على حسابي». الطعام كيفما اتفق والنوم بعين مفتوحة. جرى تحرير مطار بنينا، وبدأ العمال يكنسون الفوضى، ويعيدون ترميم المدارج والمكاتب ويبنون الجدران وينصبون الألواح الزجاجية الكبيرة.
ويتحدث ضابط في الجيش عن قرب افتتاح المطار وتشغيله، إلى جانب إعادة بناء البيوت المجاورة والمساجد المهدمة أنه بعد الانتهاء من معركة مطار بنينا أصبح الجنود أكثر حماسا للمعركة الثانية، في محور سيدي فرج، ضمن خطة شاملة لإنهاك باقي ميليشيات بنغازي. مثل هذه الخطة جرى تجربتها في درنة، ويقول ضابط في الجيش: «بمحاصرة درنة تمكنا من إخراج فئران المتطرفين، وأخذوا في الفرار.. بعضهم جاء إلى بنغازي، وبعضهم توجه إلى سرت».
يمتد محور سيدي فرج على مساحات واسعة من الأراضي والمزارع والبيوت المتناثرة التي تطوق جانبا كبيرا من الجنوب الغربي لمدينة بنغازي. ودخول الجيش إلى هذه المنطقة الغنية بالأشجار والمدقات الترابية، كان أمرا صعبا. تنتشر المزارع المحاطة بالأسوار، وهي عبارة عن ملكيات خاصة، كما توجد عدة مصانع للألبان والطحين وغيرها، إلا أن المتطرفين طردوا الكثير من أصحابها، وحولوها إلى مراكز انطلاق لمهاجمة قوات الجيش، ومنعه من دخول المنطقة أو الاقتراب من منطقة قار يونس، التي تعد أحد أهم الممرات الغربية المؤدية إلى إجدابيا وهراوة والنوفلية وسرت، حيث يتمركز تنظيم داعش وميليشيات أخرى متعاونة معه.
وتمكنت القوات الجوية الليبية من منع مدد داعشي جديد مكون من نحو عشرين سيارة بالأسلحة والمقاتلين، كان في طريقه إلى متطرفي بنغازي في محور سيدي فرج، قادما من الطريق الغربي، بينما كانت القوات البرية على الأرض تقتحم الدشم وتحرر مقار محصنة. ومن بين ما استخدمته عناصر المتشددين هنا صناديق الشاحنات الكبيرة وحاويات البضائع كمتاريس.
ساهمت سيطرة الجيش أخيرا على منطقة سيدي فرج في توجيه ضربة كبيرة لطرق الإمداد والتنقل الجنوبية التي كان يعتمد عليها المقاتلون الليبيون والأجانب في أحياء سوق الحوت والصابري والليثي. أو كما قال الفريق أول حفتر: «جنودنا يحاصرون هذه المناطق، وسحقها أصبح وشيكا».
ترك المتطرفون في محور سيدي فرج دمارا كبيرا، من أول تدمير مصانع عامة وأهلية، وقطع خطوط الكهرباء والهواتف عن ضواحٍ كاملة في المدينة، حتى عمليات تجريف للطرق في محاولات يائسة لمنع الجيش من التقدم، أو السيطرة على الطرق التي تصل إلى البحر عبر مدقات مصنع الإسمنت، وتربط المحور بسوق الحوت من الجهة الغربية. عثر ضباط الهندسة العسكرية والكتيبة 20 على عدة مئات من الألغام الأرضية المضادة للأفراد والدبابات.
تبين أيضا استخدام المتطرفين لطائرات تجسس صغيرة ذات شكل دائري ومزودة بكاميرات. سقط في الأيام الأخيرة لهذه المعارك ما لا يقل عن خمسة من الجنود والضباط، خاصة من الفرقة الفنية ومن لواء الصواريخ، وتمكن الجيش من فرض السيطرة على أكثر من ثمانين في المائة من هذه المنطقة الحيوية.
ومع ذلك، ما زال العبور من الطريق الغربي ومن الطريق الجنوبي الغربي، أي من محوري قار يونس وسيدي فرج، محفوفا بالمخاطر بسبب بقايا عناصر المتطرفين المبعثرين هناك خاصة في المناطق التي يكثر فيها الشجر والمنحدرات الوعرة. ومن أراد المرور من بنغازي إلى إجدابيا غربا، لا بد أن يتوجه أولا إلى منطقة الأبيار (جنوب شرق) ثم يأخذ الطريق الجنوبي. وكما يقول ضابط في الجيش: «المنطقة الواقعة غرب بنغازي وهي منطقة قار يونس، تعد امتدادا جغرافيا لسيدي فرج، ما زال فيها أيضا مسلحون. ولا يمكن أن تقول إنها آمنة تماما، خاصة بالنسبة لتنقلات الأهالي والتجار».
جماعات المتطرفين داخل الصابري وسوق الحوت والليثي، وهم خليط من شبان ليبيين وأجانب، ما زالوا يحملون أسلحة القنص ويجهزون المفخخات. بينهم تونسيون ومصريون ويمنيون وآسيويون (من أفغانستان وباكستان). يتنقلون بالصواريخ المحمولة على الكتف وعلى السيارات، بين واجهات المتاجر المغلقة، مستغلين الحواري الضيقة والمباني السكنية المرتفعة. كان لديهم منذ البداية طموحات تتعارض مع طبيعة أهل بنغازي المسالمين. شعورهم بقرب الخسارة، يدفعهم لمزيد من التحصن والضرب، كما يقول قائد عسكري على محور الصابري.. «سنستنزف ما لديهم من أسلحة وذخيرة ومؤن. نراهن على الوقت».
يدور عدد هؤلاء المنتشرين في بنغازي حول ألف مقاتل، غزوا المدينة ولم يكتفوا بقدور الطعام التي اعتاد سكان بنغازي قديما تركها أمام أبواب بيوتهم من أجل سد جوع الغرباء. هؤلاء نوع من الغرباء الذين يريدون أخذ البيوت نفسها. يقول جمعة العلال أحد أبناء القبائل في حي الصابري، والذي فر من المدينة بسبب الحرب: الغرباء حطموا علينا الأبواب. أفارقة ومصريون وتونسيون.
منذ استقلال ليبيا في مطلع خمسينات القرن الماضي، ظهر في بنغازي الشعراء والروائيون ومحطات الإذاعة والضباط القوميون المتهورون الذين يريدون القفز إلى المستقبل، خصوصا أنه يوجد فيها فروع لنحو 280 قبيلة، بمن فيهم قبائل العبيدات والمغاربة والبراعصة والقطعان وقبائل أخرى من أولاد علي، وكذلك من قبائل مصراتة والبربر والتبو والطوارق. استمر الوضع على هذا الحال حتى أصبح البعض يطلق على بنغازي اسم «ليبيا المصغرة». يشير العلال إلى أنه حين تحدث مشكلة في بنغازي تتأثر بها كل المدن الليبية، لأن المدينة فيها «الداء والدواء لكل ليبيا».
ومثل غالبية القيادات الليبية سواء كانوا نوابا في البرلمان أو في القوات المسلحة، يقول النائب عميش بكل بساطة: «إذا حسمنا المعارك ضد المتطرفين في بنغازي، فستنتهي باقي مشكلات ليبيا تباعا». أو كما قال ضابط كبير في الجيش الليبي في مقابلة معه في مكتبه في المنطقة الشرقية من البلاد: «إذا حررنا بنغازي من الإرهابيين فإن تحرير باقي المدن منهم سيكون مجرد تحصيل حاصل».
عواطف نوري، ابنة بنغازي، وهي أم لولدين، انخرطت في العمل التطوعي في أيام الانتفاضة ضد القذافي التي استمرت ثمانية أشهر. كانت تريد لمدينتها أن تقود البلاد إلى مرحلة جديدة. عملت محررة في المكتب الإعلامي للثوار والذي كان موجودا في الطابق الثاني من مبنى المحكمة المطل على البحر. بعد سقوط النظام، بدأ الهدوء والانتعاش الاقتصادي يدخل المدينة منذ النصف الأول من عام 2012، وأخذت سلاسل المراكز التجارية تعلن عن نفسها في الضواحي.. «قُتل القذافي وبدأنا نتنفس الصعداء، لكن هذا لم يدم طويلا».
ونزحت عواطف مثل الألوف من أبناء بنغازي إلى أقارب لها في مدن أكثر هدوءا. أقامت في مدينة البيضاء في شرق بنغازي، وبدأت تراقب الأوضاع أملا في العودة القريبة إلى بيتها وتأسيس موقع إلكتروني إخباري على الإنترنت. تقول: «تمرض بنغازي لكنها لا تموت. والقضاء على المتطرفين مسألة وقت».
تأسست المدينة سنة 525 قبل الميلاد كواحدة من المستوطنات الإغريقية في شمال أفريقيا. ومنذ ذلك الوقت وهي تتعرض للمحن وتنهض من وسط الحطام، في كل مرة، لتبدأ من جديد. بالقرب من البحر يقف قصر المنارة بعد مائة سنة من بنائه على أيدي الإيطاليين. تهدمت أطرافه وثقبته قذائف الصواريخ. وفي الجانب الآخر تلتف الشوارع المظلمة حول البحيرة التي تتوسط المدينة. هنا مبنى التأمين المعروف أيضا باسم مبنى الضمان. لقد تعرض عشرات الليبيين حتى منتصف العام الماضي للجلد من شبان يرفعون الرايات السوداء. لكن اليوم أصبحت هذه الطرقات خاوية في انتظار حسم المعركة. حلقت طائرة عسكرية وقصفت مبنى التأمين الذي يتحصن فيه قناصة تنظيم أنصار الشريعة، وتطايرت الجدران وأعمدة التراب والدخان.
تنظيم أنصار الشريعة المصنف دوليا «منظمة إرهابية» والذي أعلن فيما بعد موالاته لـ«داعش»، ظهر لأول مرة في بنغازي عام 2013، أي بعد الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأميركية في المدينة، وأسفر عن مقتل أربعة أميركيين بينهم سفير الولايات المتحدة في ليبيا. وهو تنظيم منشق أساسا من تنظيم آخر يقوده متشددون في المدينة أيضا اسمه «كتيبة راف الله السحاتي». وكتيبة راف الله السحاتي منشقة هي الأخرى عن كتيبة «17 فبراير» التي تشكلت من زعماء المتطرفين في بنغازي، خلال الثورة ضد القذافي.
ظل التنظيم يتلقى الدعم من باقي المتطرفين في البلاد وبعض قادة الميليشيات التابعة لجماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة، وهم ينظرون لأنفسهم باعتبارهم «حراس ثورة 17 فبراير»، حيث قام التنظيم باستهداف ضباط الجيش والشرطة واستهدف بالسيارات المفخخة معسكرات تابعة للقوات المسلحة ودمر مديرية الأمن بقذائف «آر بي جي». يقول زعماء الميليشيات إنهم يخوضون الحرب في بنغازي ضد «الليبراليين والعلمانيين والكفار، وضد حفتر وضد أنصار النظام السابق»، وإنهم يسعون لتطبيق الشريعة.
وتعرض التنظيم لعدة انتكاسات. المرة الأولى حين بايعت قيادات فيه تنظيم داعش. والمرة الثانية حين وافقت عدة ميليشيات كانت تدعمه من طرابلس ومصراتة على الدخول في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة سعيا لتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج. ومنذ العام الماضي ظهرت تحالفات لـ«أنصار الشريعة» في بنغازي مع الدواعش الذين فروا من درنة، رغم أن دواعش درنة كانوا يقاتلون مجموعات من «أنصار الشريعة» التي رفضت موالاة التنظيم في تلك المدينة الصغيرة الواقعة إلى الشرق من بنغازي.
ورغم الدعم بالسلاح والمقاتلين فإن خليط المتطرفين في بنغازي خسر أيضا معسكر الدفاع الجوي ومعسكر الصاعقة ومحور بوعطني حتى زاوية قاعة الأفراح، بالإضافة إلى منطقة بعيرة وحي الزهور. وفي الجانب الآخر كان جنود وضباط كتيبة الجيش رقم 153 والقوات الخاصة تتقدم وهي تفكك الألغام من الشوارع، وفي المقابل انسحب المتطرفون إلى ما وراء مقر المعسكر رقم 319، بينما كان جنود من قوات الصاعقة يطاردون مجموعة من المتطرفين حاولت التقدم انطلاقا من منطقة الليثي.
ووفقا للمصادر العسكرية فإنه في كل مرة يحقق فيها الجيش تقدما في بنغازي، يزيد المتطرفون من الضغط لعرقلة جهود الجيش انطلاقا من المناطق الواقعة غرب المدينة، أي في سرت وهراوة والنوفلية التي يسيطر عليها «داعش» وفي إجدابيا التي يوجد فيها ميليشيا مناهضة للجيش.
وفي آخر لقاء جمعه بنواب وأعيان ووجهاء في المنطقة الشرقية من البلاد، قبل عدة أيام، شدد الفريق أول حفتر على قرب الإعلان عن تحرير بنغازي بفضل التحام أبناء الشعب مع الجيش، ليبدأ بعدها في تحرير سرت. وأن القوات المسلحة الليبية «ستنتصر في المعركة ضد الإرهاب».
يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): «الشرق الأوسط» ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا
(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس
(يوميات الفوضى في ليبيا 3 من 5): تفاصيل خلافات المال والسلاح بين قادة ميليشيات طرابلس
يوميات الفوضى في ليبيا (1 من 5): «أشباح إجدابيا» يثيرون الفزع في منطقة الهلال النفطي



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».