(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات

شم النسيم على البحر المتوسط تحول إلى رائحة الجثث والخوف يدب في أرجاء المدينة

متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
TT

(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات

متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)
متطرفون ليبيون يسيّرون دورية أمنية لما يسمى «الشرطة الإسلامية» في شرق البلاد («الشرق الأوسط»)

المثل الدارج في هذه البلاد يقول إن من يسيطر على بنغازي يسيطر على عموم البلاد. ويعدد مستشار رئيس البرلمان الليبي، عيسى عبد المجيد، المرات الكثيرة عبر التاريخ التي هبت فيها العاصفة من هنا لتغيير الأوضاع على كامل تراب ليبيا.. الاستقلال بدأ من هنا، وحكم القذافي أيضا، وكذلك «الثورة» ضد نظامه في 2011.
ومنذ نحو عامين يخوض الجيش الليبي معارك طاحنة للسيطرة على بنغازي التي تبعد نحو ألف كيلومتر شرق العاصمة طرابلس. وتمكن من تطهير غالبية ضواحي المدينة وشوارعها من تمركزات المتطرفين، لكن ما زال أمامه معضلة تتعلق بثلاث ضواحي رئيسية، هي سوق الحوت والصابري والليثي، إذ إن الجماعات التي يطلق عليها الجيش لقب «الخوارج» تتلقى دعما من البر والبحر من باقي ميليشيات المتشددين في البلاد.
من وراء دوائر كبيرة من المباني المهدمة وأبواب المحال المنبعجة بفعل القذائف الصاروخية، يقيم المتطرفون في ضاحية سوق الحوت بجوار الميناء البحري، وحتى أطراف من شارع عمرو بن العاص. وفي الخط الفاصل للمواجهات يرتفع ركام المباني ويصوب القناصة بنادقهم خاصة قرب ميدان الشجرة. من سوق الحوت توجد إمكانية لدى المتطرفين لاستقبال المراكب المحملة بالأسلحة والمقاتلين. ويقول عبد المجيد إن هذا يحدث أمام أعين العالم ولا أحد يتحرك.
يمكن العبور إلى سوق الحوت أيضا بالسيارة عبر الشوارع المطلة على مبنى المحكمة القديم، على البحر، أي المبنى الذي شهد مظاهرات الليبيين ضد القذافي مطالبين بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كان هذا منذ خمس سنوات. كانت هناك آمال لبناء دولة جديدة، بيد أن كل شيء ما زال يراوح مكانه في انتظار حل جذري لإنقاذ ليبيا من مصير «الدولة الفاشلة». تسعى الكثير من الأطراف المحلية والدولية لإيجاد مخرج في سبيل كسر شوكة المتطرفين والجماعات المصنفة «منظمات إرهابية»، في وقت تلوح فيه عدة دول غربية بالتدخل لمساعدة حكومة التوافق الوطني على إعادة الاستقرار لهذا البلد النفطي.
ويقول النائب في البرلمان الليبي عن مدينة بنغازي، إبراهيم عميش، إن «العالم يبدو غير جاد في حربه على الإرهاب، لأن ليبيا أقرب دولة من أوروبا». اليوم تحولت أجزاء كبيرة من مدينة بنغازي بسبب الاقتتال إلى تلال من الكتل الإسمنتية والحجارة وأسياخ الحديد الملتوية، مع إصرار الجيش، بإمكانياته المتواضعة، على «دحر الإرهاب».
وبدلا من رائحة نسيم البحر المشبعة باليود، يحمل الهواء رائحة البارود والجثث المتعفنة في زوايا الشوارع. كانت طيور البحر ترفرف على الشواطئ الغربية للمدينة، واليوم تظهر في السماء بين وقت وآخر القذائف الصاروخية الطائشة. سقط في بنغازي نحو ألفي قتيل من المدنيين والعسكريين منذ عام 2014. وفي المقابل يخفي المتطرفون عدد قتلاهم، ويقومون بدفنهم في أنفاق تحت الأرض، وفقا لمصادر طبية في المدينة.
سوق الحوت هو أحد ثلاث مناطق يسيطر عليها عناصر «أنصار الشريعة» و«داعش». المنطقتان الأخريان هما حي الصابري المجاور لساحل البحر أيضا، لكن إلى الشرق قليلا من سوق الحوت. وحي الليثي الموجود في وسط المدينة. حتى أواخر العام الماضي كان المقاتلون المتشددون في بنغازي ومن يدعمهم من المدن الأخرى، ينكرون وجود «داعش»، ويعلنون أنهم «مجلس ثوار» يرفع السلاح لحماية الثورة ومنع عودة نظام القذافي مرة أخرى.
لكن العمليات النوعية التي قام بها الجيش وتوغله داخل عدة أحياء لتطهيرها من عناصر الميليشيات، كشفت خلال الشهرين الماضيين، عن أن الدواعش تمكنوا بالفعل من التسلل إلى بنغازي. وتؤكد اتصالات عثر عليها محققون في هواتف «عناصر إرهابية» في ضاحية سيدي فرج جنوب المدينة، وجود تنسيق بين «مجلس ثوار المدينة»، المدعوم من ميليشيات طرابلس، والدواعش الذين فروا إلى بنغازي قادمين من مدينة درنة، وقادمين أيضا من البحر عبر مراكب صغيرة يطلق عليها الليبيون اسم «جرافات».
في الليل، وعلى مدار أسابيع، استمرت سيارات الدفع الرباعي تنقل المقاتلين الدواعش، المهزومين، من درنة، إلى محاور الطرق البرية الجنوبية. ومن هناك يتجهون بأسلحتهم إلى أحد مسارين، إما إلى بنغازي التي يتحصن في عدد من ضواحيها تنظيم أنصار الشريعة المتطرف، أو إلى المناطق الغربية من البلاد، حيث يتلقون مزيدا من التدريبات في مدينة سرت التي أصبحت تحت سيطرة «داعش».
هزيمة الدواعش في درنة جرت بفضل طوق الحصار الذي فرضه الجيش على المدينة، طوال نحو 20 شهرا، وبمساعدة ممن يطلق عليهم الصحوات، وهم شبان متطوعون يساعدون القوات المسلحة، إلى جانب الخلافات التي نشبت بين دواعش درنة وتنظيم أنصار الشريعة في المدينة. يقول أحد قادة الجيش في محور سيدي فرج إن التحالفات والاقتتال بين أنصار الشريعة والدواعش غير مفهوم، لأن هؤلاء المتطرفين تجدهم متحالفين في جبهة ويتحاربون في جبهة أخرى، مثل محور سيدي فرج، وضواحي سوق الحوت والصابري والليثي. ويرددون معا الأهازيج الحماسية، تحت الأعلام السوداء، لمواصلة الحرب ضد الدولة.
يعاني الجيش الليبي الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر من نقص في السلاح وفي العتاد وفي الجنود أيضا، لعدة أسباب أولها رفض الأمم المتحدة رفع الحظر عن توريد الأسلحة له، إلا بعد تمكين حكومة الوفاق الوطني من العمل. وثانيها الخلافات التي ما زالت مستمرة بين ضباط كبار يؤمنون بثورة 17 فبراير (شباط) التي أطاحت بنظام القذافي، وضباط كانوا يصدون هجمات الثورة المسلحة المدعومة من حلف الناتو. وثالثها تعثر منح الثقة لحكومة توافق وطني لديها القدرة على طي صفحة الماضي والعمل على أسس جديدة من أجل المستقبل.
ويقول النائب عميش، إن الجيش كان يمكنه حسم المعركة ضد المتطرفين في المدينة مبكرا لو كان قد حصل على الأسلحة التي يحتاجها، مشيرا إلى أنه، مثل كثير من الليبيين، لا يجد أي مبرر لاستمرار الأمم المتحدة في فرض الحظر على تسليح الجيش، بغض النظر عن موضوع الحكومة. ويؤكد أن الليبيين قادرون، بأيديهم، على القضاء على المتطرفين، لو تمكن من الحصول على ما يحتاجه من سلاح.
ما بين البحر والصحراء تقع المدينة ذات الأزقة العتيقة الضيقة المثقوبة بالرصاص، والشوارع الحديثة الواسعة التي خربتها الحرب الأهلية. يشرف عليها من الجنوب الشرقي منطقة الأبيار التي يوجد فيها مقر العمليات العسكرية لقوات الجيش، أي بالقرب من بلدة المرج ومطار بنينة. وجرت قرب هذا المطار معارك طاحنة العام الماضي تمكن خلالها الجيش من هزيمة «العناصر الإرهابية» التي دمرت المطار الرئيسي لمدينة بنغازي. وقتل خلالها مجموعة من القادة الكبار في «أنصار الشريعة» ومن أشهرهم محمد الزهاوي، بينما اضطر قادة آخرون للهروب أو الاختفاء داخل جحور المدينة.
في بنغازي، التي تبلغ مساحتها نحو 300 كيلومتر مربع، عرب أقحاح، وفيها آخرون تجري في عروقهم دماء الأجداد الغرباء. يطلق الرجال كبار السن على المدينة باللهجة المحلية لقب «رباية الذايح»، أي المدينة التي يمكن للهائمين فيها أن يجدوا المأوى، المسكن والمأكل، بلا حساب. أو بمعنى أكثر وضوحا: القدرة على استيعاب من تقطعت بهم السبل. لكن يبدو أنه لم يكن في حسابات المدينة ظهور مجموعات من المقاتلين الغرباء الذين يسعون لفرض أجندة خاصة بهم بقوة السلاح، مستغلين في ذلك شبانا ليبيين لديهم أجندة مشابهة وأعلام سوداء مماثلة.
يقول أحد وجهاء المدينة إنه، للأسف، جاء وسط من لجأوا للمدينة بعد سقوط نظام القذافي مجموعات محترفة في البطش. إنهم متطرفون يصفهم الشاعر الشعبي المعروف نصيب سكوري، الذي يسكن قرب بنغازي، بأنهم «غلاظ الشَّعر»، و«الهبل السِّمَان»، أي الذين لا يفهمون ولا يتفاهمون. هم من ليبيا ومن بلدان عربية وأجنبية. لديهم أفكار عابرة للحدود، ولا يرون في بنغازي، إلا حجارة يمكن اتخاذها سواتر لحربهم الطويلة من درنة إلى سرت ومن طرابلس إلى بلدان الجوار الليبي وأوروبا.
يتحرك الجيش حول بنغازي بإمكانات متواضعة لكن وفقا لخطط صارمة. تعليمات للجنود بأن تكون طلقة الرصاص في مكانها. لا مجال للهدر. الجنود والمتطوعون لا يوجد لديهم أي نوع من الرفاهية.. نقص في الذخيرة وفي المعدات وحتى في الملابس العسكرية. يقول أحد الجنود: «بدلة الجيش اشتريتها على حسابي». الطعام كيفما اتفق والنوم بعين مفتوحة. جرى تحرير مطار بنينا، وبدأ العمال يكنسون الفوضى، ويعيدون ترميم المدارج والمكاتب ويبنون الجدران وينصبون الألواح الزجاجية الكبيرة.
ويتحدث ضابط في الجيش عن قرب افتتاح المطار وتشغيله، إلى جانب إعادة بناء البيوت المجاورة والمساجد المهدمة أنه بعد الانتهاء من معركة مطار بنينا أصبح الجنود أكثر حماسا للمعركة الثانية، في محور سيدي فرج، ضمن خطة شاملة لإنهاك باقي ميليشيات بنغازي. مثل هذه الخطة جرى تجربتها في درنة، ويقول ضابط في الجيش: «بمحاصرة درنة تمكنا من إخراج فئران المتطرفين، وأخذوا في الفرار.. بعضهم جاء إلى بنغازي، وبعضهم توجه إلى سرت».
يمتد محور سيدي فرج على مساحات واسعة من الأراضي والمزارع والبيوت المتناثرة التي تطوق جانبا كبيرا من الجنوب الغربي لمدينة بنغازي. ودخول الجيش إلى هذه المنطقة الغنية بالأشجار والمدقات الترابية، كان أمرا صعبا. تنتشر المزارع المحاطة بالأسوار، وهي عبارة عن ملكيات خاصة، كما توجد عدة مصانع للألبان والطحين وغيرها، إلا أن المتطرفين طردوا الكثير من أصحابها، وحولوها إلى مراكز انطلاق لمهاجمة قوات الجيش، ومنعه من دخول المنطقة أو الاقتراب من منطقة قار يونس، التي تعد أحد أهم الممرات الغربية المؤدية إلى إجدابيا وهراوة والنوفلية وسرت، حيث يتمركز تنظيم داعش وميليشيات أخرى متعاونة معه.
وتمكنت القوات الجوية الليبية من منع مدد داعشي جديد مكون من نحو عشرين سيارة بالأسلحة والمقاتلين، كان في طريقه إلى متطرفي بنغازي في محور سيدي فرج، قادما من الطريق الغربي، بينما كانت القوات البرية على الأرض تقتحم الدشم وتحرر مقار محصنة. ومن بين ما استخدمته عناصر المتشددين هنا صناديق الشاحنات الكبيرة وحاويات البضائع كمتاريس.
ساهمت سيطرة الجيش أخيرا على منطقة سيدي فرج في توجيه ضربة كبيرة لطرق الإمداد والتنقل الجنوبية التي كان يعتمد عليها المقاتلون الليبيون والأجانب في أحياء سوق الحوت والصابري والليثي. أو كما قال الفريق أول حفتر: «جنودنا يحاصرون هذه المناطق، وسحقها أصبح وشيكا».
ترك المتطرفون في محور سيدي فرج دمارا كبيرا، من أول تدمير مصانع عامة وأهلية، وقطع خطوط الكهرباء والهواتف عن ضواحٍ كاملة في المدينة، حتى عمليات تجريف للطرق في محاولات يائسة لمنع الجيش من التقدم، أو السيطرة على الطرق التي تصل إلى البحر عبر مدقات مصنع الإسمنت، وتربط المحور بسوق الحوت من الجهة الغربية. عثر ضباط الهندسة العسكرية والكتيبة 20 على عدة مئات من الألغام الأرضية المضادة للأفراد والدبابات.
تبين أيضا استخدام المتطرفين لطائرات تجسس صغيرة ذات شكل دائري ومزودة بكاميرات. سقط في الأيام الأخيرة لهذه المعارك ما لا يقل عن خمسة من الجنود والضباط، خاصة من الفرقة الفنية ومن لواء الصواريخ، وتمكن الجيش من فرض السيطرة على أكثر من ثمانين في المائة من هذه المنطقة الحيوية.
ومع ذلك، ما زال العبور من الطريق الغربي ومن الطريق الجنوبي الغربي، أي من محوري قار يونس وسيدي فرج، محفوفا بالمخاطر بسبب بقايا عناصر المتطرفين المبعثرين هناك خاصة في المناطق التي يكثر فيها الشجر والمنحدرات الوعرة. ومن أراد المرور من بنغازي إلى إجدابيا غربا، لا بد أن يتوجه أولا إلى منطقة الأبيار (جنوب شرق) ثم يأخذ الطريق الجنوبي. وكما يقول ضابط في الجيش: «المنطقة الواقعة غرب بنغازي وهي منطقة قار يونس، تعد امتدادا جغرافيا لسيدي فرج، ما زال فيها أيضا مسلحون. ولا يمكن أن تقول إنها آمنة تماما، خاصة بالنسبة لتنقلات الأهالي والتجار».
جماعات المتطرفين داخل الصابري وسوق الحوت والليثي، وهم خليط من شبان ليبيين وأجانب، ما زالوا يحملون أسلحة القنص ويجهزون المفخخات. بينهم تونسيون ومصريون ويمنيون وآسيويون (من أفغانستان وباكستان). يتنقلون بالصواريخ المحمولة على الكتف وعلى السيارات، بين واجهات المتاجر المغلقة، مستغلين الحواري الضيقة والمباني السكنية المرتفعة. كان لديهم منذ البداية طموحات تتعارض مع طبيعة أهل بنغازي المسالمين. شعورهم بقرب الخسارة، يدفعهم لمزيد من التحصن والضرب، كما يقول قائد عسكري على محور الصابري.. «سنستنزف ما لديهم من أسلحة وذخيرة ومؤن. نراهن على الوقت».
يدور عدد هؤلاء المنتشرين في بنغازي حول ألف مقاتل، غزوا المدينة ولم يكتفوا بقدور الطعام التي اعتاد سكان بنغازي قديما تركها أمام أبواب بيوتهم من أجل سد جوع الغرباء. هؤلاء نوع من الغرباء الذين يريدون أخذ البيوت نفسها. يقول جمعة العلال أحد أبناء القبائل في حي الصابري، والذي فر من المدينة بسبب الحرب: الغرباء حطموا علينا الأبواب. أفارقة ومصريون وتونسيون.
منذ استقلال ليبيا في مطلع خمسينات القرن الماضي، ظهر في بنغازي الشعراء والروائيون ومحطات الإذاعة والضباط القوميون المتهورون الذين يريدون القفز إلى المستقبل، خصوصا أنه يوجد فيها فروع لنحو 280 قبيلة، بمن فيهم قبائل العبيدات والمغاربة والبراعصة والقطعان وقبائل أخرى من أولاد علي، وكذلك من قبائل مصراتة والبربر والتبو والطوارق. استمر الوضع على هذا الحال حتى أصبح البعض يطلق على بنغازي اسم «ليبيا المصغرة». يشير العلال إلى أنه حين تحدث مشكلة في بنغازي تتأثر بها كل المدن الليبية، لأن المدينة فيها «الداء والدواء لكل ليبيا».
ومثل غالبية القيادات الليبية سواء كانوا نوابا في البرلمان أو في القوات المسلحة، يقول النائب عميش بكل بساطة: «إذا حسمنا المعارك ضد المتطرفين في بنغازي، فستنتهي باقي مشكلات ليبيا تباعا». أو كما قال ضابط كبير في الجيش الليبي في مقابلة معه في مكتبه في المنطقة الشرقية من البلاد: «إذا حررنا بنغازي من الإرهابيين فإن تحرير باقي المدن منهم سيكون مجرد تحصيل حاصل».
عواطف نوري، ابنة بنغازي، وهي أم لولدين، انخرطت في العمل التطوعي في أيام الانتفاضة ضد القذافي التي استمرت ثمانية أشهر. كانت تريد لمدينتها أن تقود البلاد إلى مرحلة جديدة. عملت محررة في المكتب الإعلامي للثوار والذي كان موجودا في الطابق الثاني من مبنى المحكمة المطل على البحر. بعد سقوط النظام، بدأ الهدوء والانتعاش الاقتصادي يدخل المدينة منذ النصف الأول من عام 2012، وأخذت سلاسل المراكز التجارية تعلن عن نفسها في الضواحي.. «قُتل القذافي وبدأنا نتنفس الصعداء، لكن هذا لم يدم طويلا».
ونزحت عواطف مثل الألوف من أبناء بنغازي إلى أقارب لها في مدن أكثر هدوءا. أقامت في مدينة البيضاء في شرق بنغازي، وبدأت تراقب الأوضاع أملا في العودة القريبة إلى بيتها وتأسيس موقع إلكتروني إخباري على الإنترنت. تقول: «تمرض بنغازي لكنها لا تموت. والقضاء على المتطرفين مسألة وقت».
تأسست المدينة سنة 525 قبل الميلاد كواحدة من المستوطنات الإغريقية في شمال أفريقيا. ومنذ ذلك الوقت وهي تتعرض للمحن وتنهض من وسط الحطام، في كل مرة، لتبدأ من جديد. بالقرب من البحر يقف قصر المنارة بعد مائة سنة من بنائه على أيدي الإيطاليين. تهدمت أطرافه وثقبته قذائف الصواريخ. وفي الجانب الآخر تلتف الشوارع المظلمة حول البحيرة التي تتوسط المدينة. هنا مبنى التأمين المعروف أيضا باسم مبنى الضمان. لقد تعرض عشرات الليبيين حتى منتصف العام الماضي للجلد من شبان يرفعون الرايات السوداء. لكن اليوم أصبحت هذه الطرقات خاوية في انتظار حسم المعركة. حلقت طائرة عسكرية وقصفت مبنى التأمين الذي يتحصن فيه قناصة تنظيم أنصار الشريعة، وتطايرت الجدران وأعمدة التراب والدخان.
تنظيم أنصار الشريعة المصنف دوليا «منظمة إرهابية» والذي أعلن فيما بعد موالاته لـ«داعش»، ظهر لأول مرة في بنغازي عام 2013، أي بعد الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأميركية في المدينة، وأسفر عن مقتل أربعة أميركيين بينهم سفير الولايات المتحدة في ليبيا. وهو تنظيم منشق أساسا من تنظيم آخر يقوده متشددون في المدينة أيضا اسمه «كتيبة راف الله السحاتي». وكتيبة راف الله السحاتي منشقة هي الأخرى عن كتيبة «17 فبراير» التي تشكلت من زعماء المتطرفين في بنغازي، خلال الثورة ضد القذافي.
ظل التنظيم يتلقى الدعم من باقي المتطرفين في البلاد وبعض قادة الميليشيات التابعة لجماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة، وهم ينظرون لأنفسهم باعتبارهم «حراس ثورة 17 فبراير»، حيث قام التنظيم باستهداف ضباط الجيش والشرطة واستهدف بالسيارات المفخخة معسكرات تابعة للقوات المسلحة ودمر مديرية الأمن بقذائف «آر بي جي». يقول زعماء الميليشيات إنهم يخوضون الحرب في بنغازي ضد «الليبراليين والعلمانيين والكفار، وضد حفتر وضد أنصار النظام السابق»، وإنهم يسعون لتطبيق الشريعة.
وتعرض التنظيم لعدة انتكاسات. المرة الأولى حين بايعت قيادات فيه تنظيم داعش. والمرة الثانية حين وافقت عدة ميليشيات كانت تدعمه من طرابلس ومصراتة على الدخول في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة سعيا لتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج. ومنذ العام الماضي ظهرت تحالفات لـ«أنصار الشريعة» في بنغازي مع الدواعش الذين فروا من درنة، رغم أن دواعش درنة كانوا يقاتلون مجموعات من «أنصار الشريعة» التي رفضت موالاة التنظيم في تلك المدينة الصغيرة الواقعة إلى الشرق من بنغازي.
ورغم الدعم بالسلاح والمقاتلين فإن خليط المتطرفين في بنغازي خسر أيضا معسكر الدفاع الجوي ومعسكر الصاعقة ومحور بوعطني حتى زاوية قاعة الأفراح، بالإضافة إلى منطقة بعيرة وحي الزهور. وفي الجانب الآخر كان جنود وضباط كتيبة الجيش رقم 153 والقوات الخاصة تتقدم وهي تفكك الألغام من الشوارع، وفي المقابل انسحب المتطرفون إلى ما وراء مقر المعسكر رقم 319، بينما كان جنود من قوات الصاعقة يطاردون مجموعة من المتطرفين حاولت التقدم انطلاقا من منطقة الليثي.
ووفقا للمصادر العسكرية فإنه في كل مرة يحقق فيها الجيش تقدما في بنغازي، يزيد المتطرفون من الضغط لعرقلة جهود الجيش انطلاقا من المناطق الواقعة غرب المدينة، أي في سرت وهراوة والنوفلية التي يسيطر عليها «داعش» وفي إجدابيا التي يوجد فيها ميليشيا مناهضة للجيش.
وفي آخر لقاء جمعه بنواب وأعيان ووجهاء في المنطقة الشرقية من البلاد، قبل عدة أيام، شدد الفريق أول حفتر على قرب الإعلان عن تحرير بنغازي بفضل التحام أبناء الشعب مع الجيش، ليبدأ بعدها في تحرير سرت. وأن القوات المسلحة الليبية «ستنتصر في المعركة ضد الإرهاب».
يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): «الشرق الأوسط» ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا
(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس
(يوميات الفوضى في ليبيا 3 من 5): تفاصيل خلافات المال والسلاح بين قادة ميليشيات طرابلس
يوميات الفوضى في ليبيا (1 من 5): «أشباح إجدابيا» يثيرون الفزع في منطقة الهلال النفطي



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني