(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس

أسس غرفة عمليات في «عين زارة» لتنفيذ عمليات في دول الجوار واستقبل قيادات أفغانية وباكستانية وموريتانية

(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس
TT

(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس

(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس

كان اليوم كله ينذر بأن الأمور ربما لن تكون على ما يرام. تحت السحب السوداء الكثيفة في العاصمة الليبية طرابلس، خرجت سيارة زرقاء اللون. وعند جامع عُقبة أطلق منها مسلحون وابلا من الرصاص على سيارة «دبل كابينة» تابعة للمجلس العسكري المعروف باسم «أبو سليم». إنه واحد من عشرات التجمعات التي تديرها ميليشيات في العاصمة الملغمة بقادة التطرف. هذه هي الأيام الأخيرة من شهر يناير (كانون الثاني)، حيث يتخوف العالم من مصير هذه الدولة التي تحولت سريعا إلى وجهة للتنظيمات المتشددة القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.
كان في سيارة الدورية عدد من أعضاء ميليشيا «أبو سليم»، منهم جلال زميط، وسامي المسلاتي، وخالد المحجوب. وأصيب هذا الأخير برصاصة في كتفه، بينما تمكنت السيارة من الهرب. كانت سرعتها مثل سرعة طائرة، وانطلقت في اتجاه منطقة الهضبة التي يقع فيها سجن كبير يضم العشرات من المساجين الذين كانوا حتى صيف عام 2011 من القيادات التي تدير نظام الحكم بقيادة معمر القذافي.
وفي اليوم الثاني، وفي الجانب الآخر من طرابلس، وصل قيادي أفغاني من القيادات القديمة في تنظيم القاعدة، ويدعى علام الدين زاهر الإسلام، قادما من سوريا. وبدأ يتواصل مع باقي عناصر المتطرفين لكي يبدأ العمل انطلاقا من مقرات تابعة لكل من الجماعة الليبية المقاتلة (تابعة للقاعدة) وأخرى تخص تنظيم داعش في ما يسمى «ولاية طرابلس». كان علام موجودا في ليبيا من قبل، ولديه خبرة مسبقة في العمل مع «ثوار 17 فبراير» ضد قوات القذافي. وهو معروف لدى الكثير من الجماعات المتشددة في عموم البلاد. لقد استمر في العمل في ليبيا أعوام 2011 و2012 وسافر في 2013 للقتال في سوريا، والآن عاد إلى ليبيا، ويتخذ من بلدة صبراتة في غرب طرابلس مقرا له، ويتردد أيضًا على العاصمة.
المشكلة أن الميليشيات، وهي تحاول أن تخلق جبهة موحدة للعمل ضد السلطات الشرعية في البلاد، ولمواجهة أي احتمال لتدخل دولي في ليبيا، يوجد بينها تنافس على النفوذ وعلى القيادة، يؤدي بين وقت وآخر إلى صدام بين عناصر مسلحة من هنا ومن هناك، ويؤدي أيضًا إلى عمليات انتقامية كما حدث من المجهولين الذين كانوا في السيارة الزرقاء.
لقد تحدث قادة غربيون خاصة من الولايات المتحدة الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية عن تنامي خطر المتطرفين في ليبيا خاصة تنظيم داعش، وتحدثوا أيضًا عن وصول مقاتلين وقادة من هذا النوع من الجنوب. واطلعت «الشرق الأوسط» على معلومات تفصيلية عن بعض من الوجوه الجديدة التي عبرت بالفعل من الجنوب حتى وصل بعضها أخيرا إلى طرابلس. ومن بين هؤلاء قيادي آخر في تنظيم القاعدة وهو باكستاني الجنسية ويدعى عامر الحق نصير. ودخل عامر الحق من صحراء جنوب غرب ليبيا، أي عبر الحدود مع الجزائر.
لم تكن رحلة دخوله والمجموعة التي معه سهلة. ومن المعروف أن دول الجوار الليبي مثل الجزائر ومصر وتونس، والبلدان الأفريقية الأخرى، تتخذ إجراءات مشددة لمنع عبور المتطرفين والأسلحة. ويقول الباكستاني عامر الحق، وهو جالس بين مستقبليه من المتطرفين في طرابلس، ويروي تفاصيل رحلته، إن الجزائريين هاجموا القافلة التي كان قادما على رأسها. وهو لم يذكر في تلك الجلسة كيف دخل هو ومن معه من باكستانيين إلى الجزائر. لكنه يواصل موضحا أنه قبل أن يجتاز الحدود بسيارات الدفع الرباعي، إلى داخل ليبيا، أطلق الجزائريون النار عليهم، وردوا عليهم بالمثل، في اشتباك على الحدود استمر لعدة ساعات، فسقط عدد ممن كانوا معه، وجرى دفنهم بعد ذلك في الرمال الليبية.
وتوعد عامر الحق، بتنفيذ عمليات ضد السلطات الأمنية الجزائرية بعد أن يلتقط أنفاسه في ليبيا للانتقام لمن قُتلوا من مجموعته، قائلا: «قُتل لنا أخوة نحسبهم (شهداء) في الجنوب، والآن صار الثأر عندنا بحجم الرمال التي دفنوا فيها. سنعود ونقتص».
وعلى كل حال يمكن أن تقول إن ليبيا لم يعد يوجد فيها فروق تذكر بين المسميات التي يحملها قادة المتطرفين. فالرجل الباكستاني عامر الحق، ورغم أنه من تنظيم القاعدة، فإن له قنوات اتصال مع قيادي باكستاني أيضًا، لكنه من «داعش» اسمه معاوية ذاكر الله، ووصل هو الآخر إلى ليبيا أخيرًا.
لا بد من الإشارة إلى أن بعض القيادات الليبية المتشددة ما زال لديها حساسية من تولي هؤلاء الأجانب القيادة في بعض الضواحي. وهنا يبرز الدور الذي يقوم به زعيم داعش في غرب ليبيا، محمد المدهوني، حيث إنه يبدو عليه القدرة على توزيع الأدوار في العاصمة والأدوار العابرة للحدود، خاصة في تونس والجزائر. ومن خلال وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ومقابلات أجرتها مع عدد ممن لهم صلة بقادة المتطرفين في ليبيا، تبين أن هناك نشاطًا أيضًا لزعماء من المتشددين الموريتانيين داخل العاصمة، ويقوم عدد منهم بتسيير دوريات أمنية في طرابلس، تحت إشراف المدهوني نفسه.
ومن بين هؤلاء الموريتانيين رجل يدعى عمارة ولد أحمد، وآخر اسمه علي ولد أحمد، وهما قياديان في داعش، ولكل منهما مجموعة تتواصل مع مجموعة الباكستاني ذاكر الله. وزار الثلاثة المدهوني في مقره في منطقة عين زارة. وأعطى زعيم داعش لـ«علي ولد أحمد» مسؤولية الإشراف على دوريات في عدة شوارع تقع في القسم الغربي من العاصمة. وأصابت مثل هذه التحركات بعض قادة الصف الثاني من المتطرفين الليبيين بالاستفزاز، رغم أن عمليات نقل الأسلحة والبيع والشراء وتنسيق العمليات ضد الجيش الوطني الليبي، وضد حكومات دول الجوار، تسير بين القادة الكبار على قدم وساق.
في مثل هذه الأجواء التي تشبه حالة الحرب يخيم الخوف والذعر على سكان العاصمة، بينما يطلب بعض السياسيين سواء من المقيمين في الخارج أو في المدن الهادئة في الداخل، من سكان طرابلس الثورة ضد الميليشيات المتطرفة في العاصمة. بيد أن الواقع يقول عكس ذلك.. لا يمكن أن تمر من زقاق أو شارع دون أن ترى سيارتين أو ثلاثة تحمل ملثمين مدججين بالأسلحة، ولديهم القدرة على القتل بلا حساب. يقول أحد وجهاء العائلات في جنوب المدينة إن العالم الخارجي، سواء من الليبيين أو الأجانب، ليس لديهم تصور حقيقي عن الأزمة التي تعيشها طرابلس. دعك من نقص الخدمات وانقطاع الكهرباء ونقص مياه الشرب. المشكلة في الحفاظ على نفسك وعلى أهل بيتك من خطر الميليشيات.
في الليل، وبينما تسمع تكتكة الرصاص عبر الشوارع، كانت السماء مظلمة وسيارات الدفع الرباعي تمرق عبر الميادين. وصافرات الإسعاف تدوي من بعيد ثم تنطلق كالريح. يبدو أنه توجد حالة من الغضب بين أحد القيادات الليبية الكبيرة مع قائد من قادة الصف الثاني. هذا يحدث عادة. وهذا يعني «حالة طوارئ مصغرة»؛ ولا حركة. ماذا حدث؟ لقد تصرف مسؤول في كتيبة الأبرار، يدعى خثالة، وتابع لجماعة أنصار الشريعة، دون تنسيق مع المستوى الأعلى منه، وهو رجل يلقب باسم «الشريف»، في الجماعة الليبية المقاتلة.
الشريف كان غاضبًا. قال له: «ما هذا اللعب الذي تقومون به؟ ألم نتفاهم على أن كل عملياتنا يجب أن نتشاور فيها. كيف هذا؟ ماذا تفعلون؟ ويبدو أن العملية المختلف عليها كانت تخص تمرير مجموعة من المتطرفين إلى الحدود لكي يدخلوا إلى الجزائر».
حاول خثالة في خضم الجدل أن يدافع عن نفسه، وقال إن عملية التحرك قامت بها جماعة تابعة لقيادي جزائري يعمل بالقرب من طرابلس اسمه بوجرة. جماعة بوجرة كانت متمركزة قرب منطقة تاورغاء الواقعة إلى الشرق قليلا من العاصمة الليبية. وتقول مصادر المتطرفين إن القيادات الكبيرة في الجماعة المقاتلة أصبحت مضطرة للتنسيق في مسألة العمليات الداخلية والخارجية مع جماعة الإخوان وداعش، وأن تحرك مجموعة بوجرة من تاورغاء دون تنسيق أعطى مؤشرات بأن البعض من الكبار في الجماعة المقاتلة، ربما كانوا يعملون في الخفاء ضد خطط الإخوان وداعش.. «وهذا غير مسموح به لأن الجميع يقف فوق صفيح ساخن»، وفقا لأحد هذه المصادر.
تحرُّك المتطرفين إلى الجزائر يبدو أنه أصبح انطلاقا من مدينة غدامس المجاورة للحدود بين البلدين. طلب الشريف من خثالة أن يأمر مجموعة الجزائري بالتوجه إلى مقره في طرابلس فورا، وهو مقر موجود قرب منطقة الهضبة، وفي المقابل، أمر أيضًا بأن تتحرك مجموعات أخرى من المتطرفين إلى بلدة غدامس، هما «مجموعة العوامي»، و«مجموعة البرعصي». ويظهر من الكلام بين الرجلين أن المطلوب في هذا التوقيت تجهيز عمليات لوجستية للمتطرفين في غدامس، قبل التحرك إلى داخل الجزائر. وتقرر أن يشرف على استقبال مجموعتي «العوامي»، و«البرعصي» قيادي يدعى «العوضي»، في غدامس.
يظل أخطر مقر في الوقت الراهن للمتطرفين في ليبيا هو مقر المدهوني زعيم داعش، والذي أصبح يلقبه الكثير من القيادات الكبيرة في باقي التنظيمات باسم الشيخ. هذا الرجل يتميز بإمكانيات مالية غير محدودة، وهو لا يتردد في شراء أي صفقة أسلحة بأي مبلغ يطلب منه. ولا يفاصل ولا يطلب إنقاص السعر. وآخر صفقة عقدها كانت تضم صواريخ حرارية لديها القدرة على تحويل الدبابة إلى رماد. كما تبين أنه اشترى مرسى بحريًا في مدينة الزاوية الليبية الواقعة على بعد نحو مائة كيلومتر من الحدود مع تونس. وحين جاء القادة من الأفغان والباكستانيين والموريتانيين والجزائريين إلى طرابلس، ذهبوا إلى مقره مباشرة.
مقر المدهوني الواقع في معسكر في منطقة عين زارة، يضم غرفة خاصة لإدارة عمليات إرهابية في تونس وأخرى خاصة بالجزائر. ووفقا لمحاضر تحقيقات أمنية اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، فقد جرى التخطيط لتجنيد دواعش في جبل الشعانبي في تونس لتنفيذ تفجيرات في هذه الدولة. وسبق أن شهدت تونس عمليات دامية على يد التنظيم المتطرف نفسه. ومن بين من جرى التنسيق معهم في غرفة عمليات عين زارة، من التونسيين، اثنان الأول يدعى زياد، والثاني جميل.
كما جرت «مباحثات» أخرى في غرفة العمليات الخاصة بتونس، بين المدهوني وتونسي يدعى أبو جريد، وهو قيادي في داعش تونس. وجرى تكليفه بتنفيذ أعمال تخريبية في شارع الحبيب بورقيبة، وفي وسط ميادين العاصمة وفي المدن المهمة.. و«في سوسة والمانستير وصفاقص». وقال له بالنص وفقا لما ورد في تحقيقات تقوم بها أجهزة أمنية مختصة بنشاط المتطرفين في شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط: «لا تبقِ صيدا سهلا في مناطق ضيقة.. اضربوا مصالح الأمن.. فرغوا الشوارع كما تريد الحكومة، فرغوها حتى يسهل اقتناص الأمن، ويسهل الاشتباك.. الحكومة تعلن فرض حظر تجوال، وهذا سيزيد حنق المواطنين عليها».
ومثلما تظهر الخلافات بين قيادات الصفوف الأدنى في التنظيمات المتطرفة في داخل ليبيا، ظهرت أيضًا في تونس التي يبدو من خلال التحقيقات أن أطرافا في حركة النهضة التابعة لجماعة الإخوان، تقوم هي الأخرى بالتعاون مع دواعش تونس.
وقال المدهوني للداعشي التونسي أبو جريد بحسب نص التحقيقات إنه «يوجد خلاف حاد الآن بين إخوان تونس وقصر قرطاج (يقصد السلطات التونسية).. وسوف تنهار حالة التماسك بينهما، وهي منهارة أصلا. جندوا قيادات في الجيش وفي الأمن، كما تفعل حركة النهضة، ولا تثقوا فيها». وفي المقابل اشتكى أبو جريد من «مشكلات تموين وصرف». فأجابه المدهوني: «سيصلك ما تريد بعد أن نرى عمليات نوعية.. أرسلت لكم مليوني دولار، وسلاح، وأخوة من عندي، وهذا يكفي لإثبات أن المحال لكم يستعمل فيما نريده.. تحركوا بكل نظام وبشكل سريع، واهتموا، بالإضافة للمدن التي ذكرتها لك، بالقرى الفقيرة في الجنوب.. نريد شغلا مميزا لسرعة إحداث خلخلة وانهيار كامل قبل أي تدخل فرنسي».
يبدو من القراءة الأولى لنتيجة الجولة التي قامت بها «الشرق الأوسط» أن قيادات داعش تستحوذ على التنسيق على الجبهة التونسية، وقيادات الجماعة الليبية المقاتلة مختصة بتهيئة الجبهة الجزائرية، والقيادات الإخوانية بالجبهة المصرية، لكن كل هؤلاء يعملون بشكل يبدو أنه يزداد تناغما يوميا بعد يوم، رغم الشكوك والضغوط الدولية.
وبينما يظهر أنه توجد صعوبة في إحداث اختراق كبير على الجبهتين المصرية والجزائرية، يبدو أن نشاط المتطرفين في تونس أكبر وأسهل، لعدة أسباب من بينها وجود أعداد كبيرة من التونسيين في ليبيا، وسهولة العبور بين حدود البلدين. توجد أيضًا جماعة متطرفة في تونس جرى ذكرها على لسان أبو جريد أثناء حديثه مع المدهوني، تسمى «جماعة الجيلاني»، لها صلات بداعش ليبيا.
من محطات سوء التفاهم بين داعش تونس وغرفة عمليات المتطرفين في عين زارة، رفض الدوعش التونسيين دخول جماعة الجيلاني إلى العاصمة التونسية، بأوامر من أبو جريد. وهذا أغضب قيادات داعش ليبيا. وقدم أبو جريد الأسباب على أساس أنه يخشى من اعتقال عناصر من مجموعة الجيلاني، وقال وفقا للتحقيقات: «السبب في المنع أن عوان الأمن (الشرطة) منتشرون في العاصمة بشكل كثيف، ويغلقون الطرق، وأن الشعب عامل لجان أمنية ويتعاون مع عوان الأمن، كما أن جماعة النهضة طلبوا تأخير ذلك، لأن الأمور صعبة».
أما المرسى البحري الذي لديه القدرة على استقبال المراكب الصغيرة وأصبح تحت يد داعش في مدينة الزاوية، فقد كان يديره في السابق رجل يكني بأبو عبيدة، وهو من قادة ميليشيات المتطرفين في ليبيا، وكان يشغل منصب رئيس غرفة عمليات الثوار في البلاد. ويحمل المرسى البحري اسم «مرسى جرف الزاوية»، واستقبل في الأيام القليلة الماضية جرافات (مراكب) محملة بالأسلحة. كما استقبل مقاتلين قادمين من تونس. وأثار هذا الأمر حفيظة عدد من القيادات الصغيرة في الجماعة الليبية المقاتلة بسبب انتشار العناصر التونسية في مدينة الزاوية. ويقول أحد المصادر القريبة من أنشطة المتطرفين هنا، إن المرسى يستخدم أيضًا في نقل العناصر وإعادتهم إلى تونس بعد تدريبهم.
ومن قيادات المتطرفين الجزائريين ممن وصلوا إلى ليبيا، رجل يلقبونه هنا بـ«عصيد»، وآخر يسمونه رشوان، ومعروف في تنظيم «جند المقدس». ومن الأسماء الجزائرية التي ظهرت في غرفة عمليات داعش في معسكر عين زارة، رجل يدعى عزيز، وآخر اسمه جلول، وثالث يلقب بالمشغول، ورابع يعرف باسم عبد المهيمن.
ووفقا للمصادر فإن المدهوني يعد هؤلاء من أجل العودة مع آخرين إلى الجزائر عن طريق بلدة غدامس.. وفي آخر حديث بينهما، بحسب نص التحقيقات، قال زعيم داعش الليبي للجزائري عبد المهمين: «اتصل بي أخونا هاني حسن (غير معروف من هو، لكنه يبدو من قيادات المتطرفين الذين يعملون على الجبهة الجزائرية).. يريدكم الالتحاق به غدا صباحا. طلب مني الإذن، وأنا وافقت، فالإخوة هناك (أي في الجزائر) وضعهم ضنك ويحتاجون لنا. غادر الفجر إلى غدامس ومنها لن تغلب في الدخول للجزائر أنت خبير في ذلك».
وبمرور الأيام يبدو التناغم في التنسيق المباشر موجود ما بين الجماعة الليبية المقاتلة والتابعين لها، وبين تنظيم داعش، رغم أن قيادات من جماعة الإخوان، تحاول أن تكون في الصورة، رغم أن الكثير من تصرفاتها غير مطمئنة للتنظيمات الأخرى. فالمدهوني على سبيل المثال قال لدواعش تونس صراحة أنه لا ينبغي الالتفات إلى التنسيق معهم. وحذر منهم. بينما في ليبيا توجد للجماعة علاقات قوية خاصة في مسألة التعاون في تمرير صفقات الأسلحة والمقاتلين، لصالحها ولصالح الآخرين، سواء داخليا أو خارجيا.
رجل محسوب على الجماعة المقاتلة يدعى عبد الغني، وهو قيادي في المجلس العسكري لأبو سليم، يرتبط بعلاقة جيدة مع قادة الإخوان الذين يتركز غالبيتهم في بنغازي في الوقت الراهن. وحين تعرضت الدورية التابعة له في طرابلس لإطلاق النار من السيارة الزرقاء، حامت الشبهات حول تعاون إخواني مع عناصر أميركية يقول المتطرفون أنها عناصر موجودة في طرابلس.
ومع ذلك أصبح عبد الغني يرتبط بعلاقة وثيقة مع المدهوني. وتعاون معه في جلب شحنة أسلحة كانت متجهة من مدينة الزاوية إلى مدينة مصراتة، تتكون من ألغام مضادة للمشاة وقواذف، و18 من الصواريخ الحرارية فرنسية الصنع. كان السمسار، ويدعى «الشوشي» يريد أن يبيع الشحنة لمصراتة بستة ملايين دولار، لكن داعش زاد نصف مليون للحصول على الصفقة عن طريق عبد الغني. وتبلغ قيمة الصواريخ وحدها خمسة ملايين دولار. وجرى نقل الشحنة إلى معسكر عين زارة.
رغم كل شيء، ومع تبادل صفقات السلاح وصفقات المقاتلين، والترتيبات الخطرة، فإن الشكوك في الشارع الميليشياوي الليبي لا تتوقف. وكلما خرجت تقارير من الغرب ضد استمرار حالة الفوضى التي يثيرها المتطرفون في ليبيا، كلما زاد حراك العناصر على الأرض وارتفع صوت إطلاق الرصاص من زوايا الشوارع، وبين يوم وآخر تتقاطع مواقع النفوذ ويشتبك مسلحون من هنا ومن هناك. ويأتي الرد بعد ساعات من خلال عمليات انتقامية مباغتة. وفي الليل، في الجانب الشرقي من العاصمة، وصل أحد قيادات الجماعة الليبية المقاتلة إلى مقر إقامة مسؤول كبير في المؤتمر الوطني، وأبلغه أن يأخذ حذره من جماعة الإخوان.
وقال له إن بعض قيادات الإخوان وهم ينسقون مع الجماعة المقاتلة، يسعون، في الوقت نفسه، لإحياء قنوات التواصل مع الجانب الأميركي تحسبا لما سيأتي في المستقبل.. «الإخوان يريدون حمل تركة طرابلس في حال حدث تدخل أميركي فيها، وهم يخفون عنا ذلك». نفس التحذيرات أبلغها قيادي آخر في الجماعة المقاتلة، لمسؤول المؤتمر الوطني نفسه. قال له إن الإخوان لديهم أيضًا اتصالات مع الإيطاليين. وبعد عملية السيارة الزرقاء نصحه أن يغادر مكتبه ويبقى بين أهله.
وحين جاء الصباح، بدأت نفس القيادات في ترتيب عملية إرسال ثلاثة زوارق محملة بالأسلحة إلى القوات المعارضة لقائد الجيش الوطني الليبي الفريق أول خليفة حفتر. شارك في هذه الترتيبات اثنان من الإخوان أحدهما زعيم للجماعة في بنغازي والثاني يترأس ذراعا سياسية للجماعة في طرابلس. كما شارك في التوجيه بإتمام العملية قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، ورجل غير معروف يلقبونه بـ«الكوافي»، بالإضافة إلى أحد أصحاب الزوارق متخصص في «الهجرة غير الشرعية»، في منطقة قرقارش في طرابلس، اسمه «تيبار». ورغم ما أبداه تيبار من مخاوف من قصفه من الطيران الليبي أو من الطيران الفرنسي، إلا أنه رضخ للأمر.
مع المساء جاء اتصال من المشفى الذي يعالج فيه المحجوب. لقد نزف الكثير من الدم من إصابته في حادث إطلاق النار من السيارة الزرقاء. والمشكلة أنه لم يعد يوجد دم في أي من مستشفيات العاصمة. وجاء الرد من أحد قيادات الميليشيا، قائلا: «ابعث طبيب للسجن ليبحث بين الموقوفين عن فصيلة الدم المطلوبة، ولا يهمك».
يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): «الشرق الأوسط» ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا
(يوميات الفوضى في ليبيا 3 من 5): تفاصيل خلافات المال والسلاح بين قادة ميليشيات طرابلس
(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات
يوميات الفوضى في ليبيا (1 من 5): «أشباح إجدابيا» يثيرون الفزع في منطقة الهلال النفطي



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي طبيبة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.