يكاد يكون «فيلم كتير كبير» اسما على مسمّى، لما يتضمن من رسائل اجتماعية وسياسية مباشرة في شريط سينمائي لبناني قلبا وقالبا. فمخرجه مير - جان بو شعيا أخذ على عاتقه تشريح مشكلة تلوّث المجتمع اللبناني بآفات عدة، بطريقة جذّابة بعد أن غلّفها بالابتسامة من ناحية وبأسلوب التشويق والإثارة من ناحية ثانية. ولعلّ عبارة «كتير كبير» التي نرددها في لبنان، عندما نريد الإشارة إلى مدى أهمية الأمر الذي نتحدّث عنه، يمكننا تطبيقها دون تردد على هذا الفيلم لأهمية الحقائق التي يكشف عنها بطريقة ذكية.
يروي الفيلم الذي دعي أهل الصحافة والإعلام إلى حضوره تحت عنوان «نعم لثقافة الفن لا لثقافة الموت»، من قبل إيناس أبو عياش سفيرة جمعية «كن هادي» للحد من حوادث السير، قصّة شاب يدعى زياد حداد (آلان سعادة) جرّ شقيقيه جو (طارق يعقوب) وجاد (وسام فارس)، إلى تجارة المخدرات من خلال مخبز بيتزا يملكونه في حي شعبي. وبعد أن يخرج أخوه جاد من السجن، يقرّر التوقّف عن ممارسة أعماله المشبوهة رفقا بأخيه المدلّل عنده.
إلا أن رئيس العصابة التي يعمل معها يرفض قراره هذا ويحاول تصفيته جسديا. ينجح زياد في الهروب من قدره حاملا معه كمية كبيرة من المخدرات. هنا تبدأ رحلته مع حلمه الكبير محاولا سلوك طريق يوصله ولمرة واحدة، إلى الثراء السريع بأسلوب ذكي سبق وقام به الإيطاليون، فتعلّم من ثغراتهم ليطبّق فكرة ماكيافيلية إلا وهي تهريب المخدرات، في علب نيغاتيف شرائط الفيلم السينمائي الذي قرر تصويره لهذا الهدف. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة بالذات استوحاها مير - جان بوشعيا من حديث للمخرج اللبناني جورج نصر روى فيها قصة شركة إنتاج إيطالية هرّبت الحشيش والأوبيوم، في علب النيغاتيف من لبنان مدّعية يومها تصوير فيلم سينمائي ضخم على أرضه.
وفي حبكة نص ذكيّة وجريئة ينقل إلينا مخرج الفيلم واقعا لبنانيا محضا، فيصوّر مجتمعه بكل إبعاده السياسية والطائفية والإعلامية، فيضع الأصبع على الجرح دون لفّ ودوران، من خلال رسائل مباشرة وأخرى غير مباشرة تعلّق في ذهن المشاهد الذي يتلقفها بصورة لاشعورية تارة وبأسلوب تحليلي يشغل تفكيره طيلة عرض الشريط تارة أخرى.
يدور الفيلم في أجواء التشويق والإثارة من بدايته حتى نهايته، من خلال حركة كاميرا سريعة حاول فيها المخرج مير - جان بو شعيا نقل تفاصيل مشهدية لواقع اجتماعي يرزح تحت ثقل الخبث والكذب المتفشّيين بين شرائحه حينا، وحبّ المال والسلطة اللذين يغطس بهما أهل السياسة عن سابق تصوّر وتصميم حينا آخرا.
قدّم مير - جان أبو شعيا الذي حاز فيلمه الأول هذا، على جائزة «النجمة الذهبية» في مهرجان مراكش السينمائي، واقعا معيشا في خلطة من سينما الواقع. فضمن مشاهد تنقل الحقيقة بمرّها وحلوها (لا سيما في السياسة والطائفية) عبّر فيها عن هواجس كل مواطن لبناني يفهم ما يحدث على أرضه، ولكنه لا يملك الجرأة ولا الأسلوب اللازمين لقولها بالفم الملآن. فكان «هيدا بلدنا وهيدا جوّنا» عنوانا رئيسيا لعمل سينمائي لبناني يعالج الواقعين الاجتماعي والسياسي بأسلوب فيه الكثير من الفطنة والبراعة. ورغم بعض الثغرات التي يتضمنها الفيلم بسبب طوله ومشاهد متكررة لا مبرر لها فيه، فإن صدق أداء الممثلين وفي مقدمتهم آلان سعادة الذي يطلّ لأول مرة في عالم التمثيل من خلال هذا العمل، وإجادة استخدام التقنيات الحديثة في سياق تصويره ومرورا بالإضاءة والمؤثرات الصوتية المستعان بهما من قبل المخرج وشقيقيه لوسيان وكريستيان، حققا إضافة إلى عالم صناعة السينما اللبنانية التي لطالما كنّا نتوق إليها.
وتأتي إطلالة الإعلامي اللبناني مرسيل غانم في الفيلم كضيف شرف، من خلال تقديمه فقرة شبه حقيقية من برنامجه الحواري السياسي الشهير «كلام الناس»، لتضفي إلى العمل كمية كبيرة من المصداقية والثقة، في ظلّ مشاهد حوارية مع الأخ الأكبر زياد (تاجر المخدرات)، غمز فيها المخرج وبالتواطؤ غير المباشر مع مرسيل غانم في قناة الكشف عن الوجه الحقيقي لأهل السياسة في لبنان، فكانت خلطة موفّقة للمخرج ما بين الإعلام والسينما من جهة وبين شاشتي السينما والتلفزيون من جهة ثانية.
تضمن الفيلم مشاهد عنف تمثّلت في حصول تفجيرات ميدانية ومشاهد قتل وخيانة، إضافة إلى ألفاظ وشتائم بذيئة، كان مبالغا في استخدامها أحيانا. إلا أن المخرج أرادها قاطعة تصبّ في خانة إقناع المشاهد، ليشعر وكأنه يعيش بالفعل في أحد أحياء بيروت الشعبية. فخلا العمل من أي محاولة تجميل لواقع يقاربه شباب اليوم بالفعل.
وحسب مير - جان بو شعيا فإن هذا الفيلم يمكن أن يدرج في إطار سينما الواقع. فهو ينطلق من الواقع ويعكسه جميلاً كان أو بشعًا. أما المفهوم الأساسي الذي انطلق منه الفيلم، كما يقول، فيدور في إطار «قوة الصورة» ومدى تأثيرها على حياتنا اليومية. هذا المفهوم تطوّر ليصبح فكرة ومنها انطلقت القصة والسيناريو.
تم إنتاج الفيلم من قبل شركة «كبريت برودكشن» ووضع ألحانه الفنان ميشال الفترياديس الذي أخذنا فيها إلى عالم إيقاعي فيه المزيج من الشرق والغرب.
أما مهمة كتابة النص فتقاسمها المخرج وبطل الفيلم الأساسي آلان سعادة، فسادها نقل الواقع بحروف وكلمات بعيدة كلّ البعد عن أسلوب التنميق والحشو.
أما الممثلون بمن فيهم فؤاد يمين وألكسندرا قهوجي وفادي أبي سمرا، فقد لعبوا أدوارهم بطبيعية لافتة، ذكّرتنا بشخصيّات حقيقية من الحياة تخوض كلّ منها حياتها بأسلوبها وعلى طريقتها.
بلغت تكلفة الفيلم 900 ألف دولار أميركي استطاعت شركة «كبريت برودكشن» الحصول عليها عبر تعاونها مع «مؤسسة الدوحة للأفلام» و«المجموعة الداعمة للفنون العربية» (سوبار). كما شارك عدد من المساهمين في الجزء الأكبر من التمويل أمثال ميشال الفتريادس وإيلي مهنا وسليم رميا ووسام أبو عياش وغيرهم.
11:53 دقيقه
«فيلم كتير كبير» وضع الأصبع على الجرح وشرّح واقع المجتمع اللبناني
https://aawsat.com/home/article/535286/%C2%AB%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D9%83%D8%AA%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1%C2%BB-%D9%88%D8%B6%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%B9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D8%AD-%D9%88%D8%B4%D8%B1%D9%91%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A
«فيلم كتير كبير» وضع الأصبع على الجرح وشرّح واقع المجتمع اللبناني
حاز جائزة «النجمة الذهبية» في مهرجان مراكش السينمائي
بطل الفيلم آلان سعادة الذي يطل لأول مرة في عمل تمثيلي، الملصق الإعلاني للفيلم اللبناني «فيلم كتير كبير»
«فيلم كتير كبير» وضع الأصبع على الجرح وشرّح واقع المجتمع اللبناني
بطل الفيلم آلان سعادة الذي يطل لأول مرة في عمل تمثيلي، الملصق الإعلاني للفيلم اللبناني «فيلم كتير كبير»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

