إعلان بلفورالحلقة3-3 : دخول أميركا الحرب العالمية الأولى دفع الصهاينة إلى التركيز على فلسطين

دعم الرئيس ويلسون وصديقه لويس براندايس لخطط بلفور عجل بحسم المواقف

لويس براندايس  ...الرئيس وودرو ويلسون  ...السير مارك سايكس  ...موسى كاظم الحسيني
لويس براندايس ...الرئيس وودرو ويلسون ...السير مارك سايكس ...موسى كاظم الحسيني
TT

إعلان بلفورالحلقة3-3 : دخول أميركا الحرب العالمية الأولى دفع الصهاينة إلى التركيز على فلسطين

لويس براندايس  ...الرئيس وودرو ويلسون  ...السير مارك سايكس  ...موسى كاظم الحسيني
لويس براندايس ...الرئيس وودرو ويلسون ...السير مارك سايكس ...موسى كاظم الحسيني

في الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة «إعلان بلفور»، نعرض لتغير صورة المطالبة بوطن لليهود بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس (آب) 1914، ودخول تركيا طرفًا في الحرب مع الألمان ضد بريطانيا في نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة نفسها. فبداية اقترحت أسماء بلاد متفرقة طرحتها الحكومة البريطانية، وتبنى تمويلها الأغنياء اليهود البريطانيون. ولم يكن يومها اسم فلسطين مطروحًا آنذاك بل العريش في سيناء، وأوغندا والأرجنتين، لأن فلسطين كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية التي تربطها علاقات ومصالح مع بريطانيا. ولكن بعد تفجر الحرب بدأت الحركة الصهيونية تبذل جل نشاطها في جعل قضيتهم المركزية تتمحور حول فلسطين. ولذا احتدمت المعارك الدبلوماسية في المحافل المدنية والدهاليز الحكومية، فنشط خصوصًا حاييم وايزمن ومجموعته في لندن، وحاييم سوكولوف في باريس وروما، والقاضي لويس براندايس والصهاينة الأميركيون المقربون من الرئيس وودرو ويلسون في واشنطن لتكتمل الحلقة.
ما كانت الولايات المتحدة الأميركية قبل الحرب العالمية الأولى مهتمة بالحركة الصهيونية على الرغم من ازدياد أعداد المهاجرين اليهود إليها، ولكن تداعيات الحرب لم تعترف بالبعد الجغرافي عقبة، فألقت بظلالها لتدخل في المعمعة أسوة بالآخرين. لقد التزمت واشنطن الحياد طيلة سنوات تلك الحرب ضد ألمانيا لأسباب كثيرة، منها أن هناك أعدادا كبيرة من الأميركيين من أصول ألمانية وآيرلندية لا تحبذ المشاركة. وكذلك لأن كثرة من اليهود المهاجرين الذين ذاقوا آلام الحروب في أوروبا لفترات طويلة، فضلوا استقرار وهدوء حياتهم الجديدة في المهجر. ثم إن سياسة أميركا المتمثلة بالنأي عن سياسات الهيمنة والسيطرة والاستعمار التي عانت هي منها قبل استقلالها، انسجمت مع انصراف الرأي العام الأميركي عما يجري بعيدا عنه، ناهيك بأن أميركا كانت ضد التحالفات والمعاهدات السرية التي كانت شائعة في أوروبا، وتشكل جزءا من فصول مناخها السياسي. لكن الوضع بدأ يتغير عندما بادرت ألمانيا بحلول عام 1917 إلى التضييق على بريطانيا ومحاولة خنقها اقتصاديا، فباشرت بحرب الغواصات في المحيط الأطلسي لقطع طرق الإمدادات عنها.
ولفترة ما تغافل الأميركيون عن بعض ما أصابهم من خسائر بشرية ومادية. لكن برقيات من وزير خارجية ألمانيا آرثر زيمرمان التقطتها بريطانيا عن مشروع عقد حلف مع المكسيك، يتعهد بتزويدها بالسلاح والمساعدات لإقحام المكسيك - بعدما ساءت علاقتها مع أميركا - بحرب لاستعادة الولايات التي احتلها الأميركيون، وهي آريزونا وتكساس ونيومكسيكو، أثار الرأي العام الأميركي. عندها أعلنت أميركا الحرب على ألمانيا في 6 أبريل (نيسان) 1917، وتعهد الرئيس وودرو ويلسون أنه بهذا الإعلان سيوقف كل التحالفات والمعاهدات السرية في أوروبا بعد انتهاء الحرب.

التفاهم الأنجلو - أميركي

أثلج هذا صدر بريطانيا، ورأت فيه قرب نهاية ألمانيا وانتهاء الحرب، وعبر عنها وزير خارجيتها بلفور: «بأنها فرصة رومانتيكية لم أحظ بمثلها في حياتي كلها»، مغتنما المناسبة بترتيب زيارة تنسيق وتعاون حربيين لواشنطن بأسرع وقت ممكن. وجاءت موافقة ويلسون يوم 19 أبريل، مقترحا أن تكون المهمة دبلوماسية وليست عسكرية، ولكن بلفور كان قد غادر لندن بصحبة وفد من 25 عضوا من ضمنهم حاكم البنك المركزي، وجنرال وأميرال ومبعوث من وزارة التسليح. وأحيط سفر الوفد من ميناء غرينوك في اسكوتلندا على الباخرة «أولمبيك» بسرية بالغة، درءا من أخطار الغواصات الألمانية. وانتهت الرحلة البحرية في ميناء هاليفاكس بكندا يوم 20 أبريل، وانتقل الوفد بعدها صباحا، وغادر بواسطة قطار خاص إلى واشنطن، فوصلها بعد يومين، ولقي فيها استقبالا حافلا. وفي اليوم التالي قابل ويلسون، وعقدت المباحثات طوال إقامة دامت لمدة أربعة أسابيع، وكان سبق لبلفور أن أخبر وايزمن في 22 مارس (آذار) عن نيته زيارة أميركا خلال أبريل ومايو (أيار)، كما أطلعه على أن أميركا ستعلن الحرب على ألمانيا، وهو ما حدث في 6 أبريل.

لويس براندايس

كانت زيارة بلفور لمقابلة ويلسون شخصيا ذات أبعاد سياسية تتصل بالتعاون الأنجلو - أميركي المستمر إلى يومنا هذا، على الرغم من أن دخول أميركا بجانب حلفائها ضد ألمانيا تأخر بعض الشيء، إذ خمدت نيرانها بعد إعلان الهدنة يوم 11 نوفمبر 1918. لكن بلفور كان يريد أيضًا التأكد شخصيا من تأييد واشنطن منح الحركة الصهيونية ما تصبو إليه وتبتغيه، ويرغب أيضًا في التعرف عن قرب على القاضي لويس براندايس، أول يهودي يعين في المحكمة العليا الفيدرالية وأحد أشهر أقطاب الحركة الصهيونية الأميركية، والمستشار المقرب للرئيس الأميركي الذي لا يخفي تأييده بما يتعلق بمصالح اليهود في العالم.
بلفور سمع من براندايس عندما التقاه يوم 7 مايو كلمات «أن الآمال متعلقة بوطن قومي، وإسناد دعوة الحركة الصهيونية في تحقيق ذلك، وفقا لقيم الأخلاق والمبادئ الإنسانية لإيجاد وطن لليهود حسب الأماني التي تدعو إليها الطائفة اليهودية بأجمعها»، وهنا طمأنه بلفور بقوله «أنا صهيوني». ولاح بعد رده بأن براندايس كان مرتاحا لما سمعه عندما التقيا يومي 7 و10 مايو، وتعهد بلفور الصريح: «سأفعل كل ما بوسعي لتحقيق تلك الأماني». وكان سبق لويلسون أن أخبر براندايس يوم 6 مايو أنه «ينظر بعين الموافقة على أن تكون فلسطين تحت الحماية البريطانية»، وأنه طمأن الصهاينة الأميركيين لتأييده الأفكار الصهيونية. وهكذا تأكد بلفور بأن واشنطن مع إعلانه، علما بأن بريطانيا كانت تحتاج إلى إرضاء أميركا، لأنها كانت مثقلة بديون الخزانة الأميركية، لدفع نفقات الحرب الباهظة التي بلغت خلال سنواتها 850 مليون جنيه إسترليني.

رسالة روتشيلد

لدى وصول بلفور لندن تسلم رسالة من اللورد روتشيلد قبيل منتصف يونيو (حزيران) يطلب موعدا لمقابلته بصحبة وايزمن، الذي كان تلقى تطمينات براندايس حول لقائه بلفور. وعقد اللقاء بعد يومين في مكتبه بوزارة الخارجية. وكانت مبادرة روتشيلد بأن الوقت بات مناسبا للحكومة البريطانية، لإصدار إعلان يحقق أمل اليهود وأمانيهم، فجاء رد بلفور بالموافقة السريعة على المبدأ، وطلب إعداد مذكرة تحوي ما يحمله هاجسهم. ويذكر وايزمن في مذكراته «التجربة والخطأ» عن ذلك «قابلنا وزير الخارجية، ووضعنا أمامه حتمية الظروف، وأن الوقت مناسب لتقوم الحكومة البريطانية بإعلان مؤكد لتأييد مساعينا، وقد وعدنا السيد بلفور بأنه سيفعل ذلك، وطلب وضع مسودة لإعلان يناسبنا ليرفعه إلى (مجلس الحرب)». ويذكر أن لويد جورج قد ألف بعد تشكيل وزارته 7 ديسمبر (كانون الأول) 1916، لجنة صغيرة أطلق عليها «مجلس الحرب» مكونة من خمسة أعضاء برئاسته، وضمت وزير الحربية ألفرد ميلنر، ووزير الأسطول إدغار بونار لو، وكذلك رئيس الأركان، وممثلا عن حزب المعارضة، وأحيانا وزير الخارجية (بلفور) إذا دعت ضرورة ما يطرح لأخذ القرارات التي تحتاج إلى البث السريع ومنها مسودة الإعلان.
وعند تسلم الضوء الأخضر بدأ الصهاينة اتصالاتهم لتشكيل مجموعة لصياغة المسودة، وكانت مؤلفة من أركان «مدرسة مانشستر الصهيونية» برئاسة حاييم وايزمن وناحوم سوكولوف وإسرائيل سيف وسايمون ماركس وليون سايمون وآحاد حاعام، وأحيانا هاري ساخر، وأطلق على فريق العمل هذا اسم «اللجنة السياسية الصهيونية». وبدأت اجتماعات اللجنة في فندق «إمبريال هوتيل» بساحة راسل سكوير القريبة من محطة يوستون للسكك الحديدية بوسط لندن في بداية شهر يوليو (تموز) 1917. واكتملت المسودة في 17 من الشهر نفسه، ودفعت إلى اللورد روتشيلد يوم 18 يوليو الذي رفعها بدوره إلى بلفور وأرفقها برسالة يقول فيها:
(نص الرسالة - بتاريخ 18 يوليو 1917)
«عزيزي السيد بلفور.. وأخيرا تمكنت من أن أرسل إليك المسودة التي طلبت إعدادها، وأرجو أن تقوم حكومة صاحب الجلالة بإرسال رسالة لي على ضوء هذه المسودة إذا وافقت وأنت عليها، وسأسلمها إلى اللجنة الصهيونية، فيكون إعلانها باجتماع خاص لذلك، كما أنني آسف للقول بأن تحريضات مناوئينا هي لغرض إثارة المشكلات بين اليهود بريطانيا واليهود الأجانب، وقد ابتدأوا بذلك منذ يوم الأحد الماضي، حيث اجتمع مجلس المندوبين (اليهود) وتحدوا أعضاءها المنتخبين الجدد أن يثبتوا إذا كانوا مواطنين إنجليز بالولادة وأنا واحد منهم.. المخلص روتشيلد».
كانت المسودة التي صاغتها «اللجنة السياسية الصهيونية» عبارة عن مادتين؛ تحتوي الأولى على 19 كلمة، والثانية على 27 كلمة وترجمتها كما يلي:
1 - أن تقبل حكومة صاحب الجلالة مبدأ أن فلسطين يجب أن تشرع وطنا قوميا للشعب اليهودي.
2 - إن حكومة صاحب الجلالة ستسعى بكل ما في وسعها من أمانيه لبلوغ تلك المساعي، وتتباحث في الوسائل الضرورية من أجل تحقيق ذلك مع المنظمة الصهيونية.
وزعت نسخ من رسالة روتشيلد المؤرخة في 18 يوليو 1917 على أعضاء «مجلس الحرب» لمراجعتها في بداية أغسطس، وبعد ثلاثة أسابيع أبلغت وزارة الخارجية بأن المسودة موضع اهتمام. وفي بداية سبتمبر (أيلول) وضعت اقتراحات لعمل بعض التعديلات، بينما كان وايزمن، المعروف في أروقة السلطة بحكم عمله مسؤولا عن مختبرات تطوير المتفجرات ومستشارا في وزارة الأسطول، يستغل علاقاته الجيدة مع أغلبية أعضاء «مجلس الحرب» وسكرتاريته من ذوي الميول الصهيونية المعروفين بـ«الصهاينة الإنجليز». وكان العضو الوحيد المعارض هو اللورد كيرزون، وهو أكثرهم خبرة بشؤون الشرق الأوسط.
وايزمن كان يتابع التطورات، ويخشى أن يؤثر رأي كيرزون على البعض، خصوصًا أن أحد الوزراء، إدوين مونتيغيو، كان من أشد المعارضين لمنح الصهيونيين - على الرغم من يهوديته، وهو من أسرة يهودية غنية معروفة - أي تسهيلات لإعلان فلسطين دولة قومية لليهود، لأنه ضد أن يتجمع اليهود في وطن واحد، بل يحبذ أن يكون ولاء اليهود، خصوصًا البريطانيين منهم لوطنهم فقط، وأن يذوبوا في مجتمعه مع بقائهم على ديانتهم.
وبلغ النزاع أشده في اجتماعات مجلس الوزراء عندما شكل مونتيغيو عقبة شديدة أثناء نقاشات منح فلسطين وطنا قوميا لليهود، أدت إلى تأجيل البت في إعلانه بضعة أشهر، أجريت خلالها اتصالات بشخصيات يهودية بارزة سياسيا واقتصاديا، لأخذ وجهة نظرها بهذا الخصوص. وشارك مونتيغيو في هذا الرأي إلى حد ما ممثل حزب العمال المؤيد لسياسة الحزب الاشتراكي الروسي ضد الصهيونية ومشاريعها القومية والعنصرية. أما وايزمن فكان يجمع المعلومات ويرسلها إلى زملائه الصهاينة في أميركا، وعلى رأسهم براندايس.

مجندون يهود

أثناء تلك الفترة تشكلت كتيبة عسكرية من اليهود البريطانيين أطلق عليها كتيبة «درع داود». وكان عدد اليهود عام 1914 ما يقارب 300 ألف نسمة، وعدد الجنود اليهود المنخرطين في المجهود الحربي ما يفوق 10 في المائة من تعدادهم، وكان بعضهم يشغل مناصب قيادية وإدارية في الإدارة أثناء الانتداب على فلسطين، مما هيأ نواة قوة عسكرية استعانت بها في مخططاتها المستقبلية. وحين سئل لويد جورج عن وضع اليهود الروس في بريطانيا أخبره وايزمن أنه مستعد لتجهيز ألفين منهم، فهم مقاتلون جيدون كما أثبتتها «كتيبة البغال اليهودية» بقيادة زيئيف جابوتنسكي في «حملة الدردنيل»، ولديهم الآن الرغبة في الحرب بفلسطين. ارتاح لويد جورج لذلك، وقال إن «هذا نحتاجه في البلاد كما في أيام يوشع قبلهم». ومن خلال ذلك تظهر الطائفة بدورها هذا انتماءها للذود عن وطنها، ونيتها المخلصة خطوة للذوبان في المجتمع البريطاني، لتخفيف المعاناة من شعور الكره واللاسامية من جهة، بالمقابل جلبت الحرب الرفاهية لليهود المهاجرين الذي رفض بعضهم الخدمة في الجيش لأسباب دينية، ولكن معظمهم كانوا يعملون في صناعة ملابس الجيوش وصناعة الأحذية العسكرية، فالغالبية كانت تمتهن حرفا لسد تلك المتطلبات.
قدمت المسودة إلى «مجلس الحرب» مجددا في 3 سبتمبر 1917 أي بعد شهر ونصف الشهر من إعدادها (18 يوليو 1917)، وكان قد أجري عليها تعديلان خلال شهر أغسطس؛ التعديل الأول من قبل بلفور الذي جعل المادتين المنفصلة بنص واحد كرسالة تحتوي على 55 كلمة بإضافة بسيطة هي عبارة عن ست كلمات. وعند نهاية الشهر، أحالها للمراجعة إلى زميله ميلنر، عضو «المجلس»، الذي أجرى لها تعديلات خففت من لهجة المسودة الأولى، لكنه لم يكن متأكدا من حيثيات النصوص القانونية والبروتوكولية، فأحالها في 4 أكتوبر (تشرين الأول) إلى مساعد وزارة الحرب ليوبولد آيمري (جدته لأمه يهودية) السياسي والصحافي المراسل لجريدة «التايمز» لتغطية حرب جنوب أفريقيا عام 1899 - 1902 مع زميله وينستون تشرشل آنذاك. فأتم آيمري المهمة بتعديل أكثر شمولية وأدق محتوى من سابقيه بلغت كلماته 77 كلمة، وأنهى عمله هذا في 24 أكتوبر إلى المجلس الذي اعتمد 68 كلمة منه، وغيّر كلمة واحدة، وحذف تسع كلمات في نهاية النص تتعلق بالتابعية. كذلك غير عبارة «العنصر اليهودي» إلى «الشعب اليهودي»، و«وطن» إلى «وطن قومي»، وحذفت جملة «الاتصال بالمنظمة الصهيونية»، فاعتمدها المجلس بعد مداخلات الوزير اليهودي المعارض إدوين مونتيغيو (ولمن يريد الاستزادة مراجعة كتاب «الصهيونية.. مديات الافتراءات» لمؤلفه د. أحمد سوسة).
أرسلت نسخة من المسودة النهائية إلى ويلسون في 6 أكتوبر لاطلاعه وتوجيهاته، وكان وايزمن على اتصال مستمر ببراندايس للمتابعة والتنسيق حتى وصلت الموافقة في 16 أكتوبر لاعتمادها. وكانت بعض النسخ قد أرسلت إلى مجموعة من زعماء اليهود البريطانيين، ومن ضمنهم هربرت صمويل.

معارضة كيرزون

وفي الجلسة التي عقدت في 26 أكتوبر فوجئ أعضاء «المجلس» الذي كان ينوي التصويت النهائي بالاعتراض الذي قدمه اللورد كيرزون بمذكرة تحت عنوان «مستقبل فلسطين»، شارحا سلبيات الإعلان الذي رأى أنه يسيء إلى سمعة بريطانيا، والإجحاف الذي سيلحق بالعرب، ومغبة إنكار وجودهم المستقبلي بوصفهم أغلبية ساحقة لسكان فلسطين التي زارها شخصيا، وهو على معرفة بها، كونه مندوب الملك في الهند لعدة سنوات وله بالشرق الأوسط وأقطاره، خصوصا الخليج وبلاد فارس، أبحاث وكتب. وطرح توقعات صدقت لاحقا. ولعل ما يؤسف له أن المهتمين بالموضوع أهملوا هذا الجهد أو لم ينتبهوا إليه.
أصبح يوم 31 أكتوبر1917 الذي صادف الجمعة يوما تاريخيا، حيث جرى في الاجتماع الثالث والأخير لمناقشة مسودة الإعلان بتصويت شمل الغالبية من الأعضاء الخمسة، ماعدا كيرزون كما كان متوقعا. وحينما انفض الاجتماع هرع مارك سايكس (أحد كبار مستشاري مجلس الوزراء و«مهندس» الاتفاق السري الشهير لاقتسام البلاد العربية الواقعة تحت الهيمنة العثمانية الذي يحمل اسمه ورفيقه الدبلوماسي الفرنسي فرنسوا جورج - بيكو، وكان معروفا بميوله الصهيونية) مسرعا نحو وايزمن الذي كان يذرع أحد الممرات القريبة من قاعة الاجتماع كزوج ينتظر ولادة زوجته، ناقلا البشرى «إنه صبي»، فانطلق وايزمن لتهنئة زملائه من زعماء الحركة الصهيونية المجتمعين في بيته بشرق لندن. ويذكر شموئيل تلكوفسكي الذي كان بصحبته بأنه (وايزمن): «كان يتصرف مثل الطفل»، وقبلني لمدة طويلة، وألقى برأسه على كتفي ضاغطا على يدي مرددا عبارة «ما زل توف» (أي «مبروك» باليديش)، ورقص الجميع ابتهاجا، إذ حقق الصهاينة بذلك قيادتهم لليهود.
وفي 2 نوفمبر أرسل بلفور ردا لرسالة للورد ليونيل روتشيلد المؤرخة في 18 يوليو جاءت كما يلي:
«وزارة الخارجية: الثاني من نوفمبر 1917
عزيزي اللورد روتشيلد: أعلمكم بمنتهى السرور، نيابة عن حكومة صاحب الجلالة، بالإعلان التالي المعبر على التآزر مع الطموحات الصهيونية والذي عرض على المجلس، الذي وافق عليه: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر وتؤيد تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهودها لتسهيل تحقيق تلك الغاية، على أن يفهم جليا بأنه لن يقوم عمل من شأنه أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا الإعلان.
المخلص: آرثر بلفور».

لم يعلن نبأ فحوى الرسالة (الإعلان) أو ينشر بالصحف يومها. وكان رأي بعض كبار المسؤولين في الدولة انتظار نتائج سارة لمجرى المعارك الدائرة في غزة، إلى أن انتهت بسقوطها في 7 نوفمبر، وكذلك بأن تكون أسبقية النشر لجريدة «الجويش كرونيكل» الأسبوعية التي تصدر يوم الجمعة عادة. وصادف الإعلان الرسمي يوم 9 نوفمبر لتأخذ الجريدة الأسبقية. فالخبر بالدرجة الأولى يخص الطائفة اليهودية في بريطانيا، وليس الرأي العام البريطاني. كما أن الأسبوع كان مليئا بالأحداث الكبرى، مثل تقدم الجيش البريطاني نحو القدس الذي بات احتلالها وشيكا، وصادفت فترة الإعلان أيضًا اندلاع ثورة البلاشفة وسقوط الملكية القيصرية في روسيا.

مشاركة عربية

احتفل يهود بريطانيا بالمناسبة بعد شهر من تاريخ الإعلان، أي في 2 ديسمبر، إذ أقيم تجمع كبير لهم في دار الأوبرا بلندن، حضره جمع كبير من الصهيونيين والمؤيدين لهم من الساسة البريطانيين. وكان غريبا حضور نفر من العرب منهم المدعو إسماعيل عبد الله العكي الذي ألقى كلمة بالعربية وترجمها إسرائيل سيف، ووديع كسرواني الذي ألقاها بالفرنسية، ونشرت تفاصيلها في عدد كامل لجريدة «الجويش كرونيكل» الصادرة يوم الجمعة 7 ديسمبر 1917. أما في فلسطين فإن شدة المعارك فيها لم تترك مساحة أو فرصة لانتشار الإعلان، ومن ثم احتلال البلاد بالكامل بعد سقوط القدس 9 ديسمبر 1917، الذي أطلق عليه اسم «هدية عيد الميلاد». وحجبت سلطات الاحتلال البريطاني (التي حكمت البلاد عسكريا حتى يونيو 1920) أي ذكر له، معولة على الاعتقاد بأن الفلسطينيين سينسونه. ولقد تعاقب على حكم فلسطين حينذاك ثلاثة جنرالات أولهم إدموند أللنبي، إلى أن دخلت فترة الانتداب، وأسست فيها إدارة مدنية يدعمها وجود القوات العسكرية المحتلة، وتعيين الوزير اليهودي السابق هربرت صمويل مندوبا ساميا لفلسطين حتى عام 1925. لقد شبه أرثر كوستلر في كتابه «فلسطين 1917 - 1949: الوعد والتحقيق»، الصادر عام 1949، «إعلان بلفور» بقوله «هنا دولة تهب دولة أخرى تعود إلى دولة ثالثة، إنه تصرف غير ممكن، وإقحام غير طبيعي» كقول «الأبيض الأسود». لكن الحركة الصهيونية عرفت كيف تعطي تلك المناسبة بعدا وقداسة توراتية بقولها «منذ قورش الكبير لم يحدث في السجلات الماضية، حادث ولد منه حاسة عالية لسياسة واعية ونظرة بعيدة لدولة راسخة راعية للعدالة الإنسانية نحو اليهود بمنح هذا الإعلان الخالد»، كما ورد في رسالة وايزمن إلى بلفور بتاريخ 19 نوفمبر 1917.
من جهة أخرى، لئن احتفل اليهود بهذه المناسبة في كل أرجاء العالم، إلا أنهم في فلسطين سمعوا بذلك مصادفة. إذ يصف ناحوم غوتمان، الكاتب والفنان، في كتاب «مدينة صغيرة وسكان قليل» عن تل أبيب عام 1918 «أن ضابطا أستراليا من ضمن القوات البريطانية المحتلة سمع بينما كان في جولة تفتيش ليلية مع مجموعة من الجنود في تل أبيب، موسيقى تنبعث من بيت عازف كمان يعزف ألحانا مشهورة. وكان الضابط من عشاق الموسيقى الكلاسيكية، فأخذ ينصت بشغف إلى أن توقف العازف. عندها طرق الباب ليشكر العازف على حسن أدائه، ولما عرف أنه يهودي تطرق في كلام عابر لـ(إعلان بلفور)، فسرى الخبر سريان النار في الهشيم من بيت إلى بيت». ويكمل غوتمان: «هناك كثيرون لم يصدقوا قصة هذا الأسترالي، ولكن ناقلها العازف يصر على مصداقيتها بقوله (إن عشاق الموسيقى لا يكذبون). ولكن بين نسيج الكذب والخيال وبين الرواية والأسطورة، يمكن لمثل هذه القصة أن تجد حتما لها مكانا بينهما».

ردة الفعل العربية

وما إن بدأت موجات الهجرة اليهودية تنهال على البلاد تخللها انتشار الخبر، فكانت كالصاعق لبداية الاحتجاجات والاحتقان الجماهيري عام 1919. تلتها أعمال العنف في بداية 1920، حين انطلقت بمناسبة دينية صادفت عيدي «الفصح» و«علم النبي موسى» الذي يحتفل به المسلمون والمسيحيون، وهو تقليد ابتدأه صلاح الدين الأيوبي بعد هزيمة الصليبيين.
كان الصهاينة عازمين على تأسيس دولة إسرائيل منذ عام 1919، ولقد وصف هذه الحالة الجنرال البريطاني بورن الذي زار فلسطين حينها برسالة إلى بلفور بقوله «إن اليهود يفرضون أنفسهم في كل اتجاه ومنحى، ويطالبون أن تكون المناصب الرسمية لمؤيديهم ومناصريهم، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة». وهو ما جعل السلطة البريطانية تقلل من دعمها لدعوة تأسيس دولة صهيونية، لأن ذلك يفرض على أرض الواقع ردة فعل العرب الذين تبلغ نسبتهم أضعاف السكان اليهود. ومن المحاولات اليائسة لصد التيار المندفع لفرض الصهاينة للأمر الواقع، كتب العرب رسائل شخصية إلى ملك بريطانيا معتقدين بإمكانية تدخله لصالحهم في القرار السياسي بالشكوى بأن المهاجرين من اليهود الروس ينشرون الشيوعية في البلاد، وأن السلطة المحتلة لم تأخذ أي تدابير للحيلولة دون وقوع ذلك. كذلك لم تثمر محاولة الوفد الفلسطيني الذي سافر إلى لندن في 25 يونيو 1921 برئاسة موسى كاظم الحسيني لتغيير الأمر وحلحلة الموقف. وبعد سنة صدر «الكتاب الأبيض» الرقم 1700 بتاريخ 22 يونيو 1922.
وبعد مؤتمر باريس قامت بعثة أميركية لتقصي الحقائق يرأسها هنري تشرشل كينغ وتشارلز كرين (من 10 يونيو إلى 18 أغسطس 1919). رفعت تقريرها بأن أهل فلسطين (العرب) عارضوا التوسع الصهيوني، وأضافت أن فكرة تأسيس وطن مستقل لليهود مشروع غير مجد، لكن لا أحد في الحكومة الأميركية أبدى أبسط اهتمام لما جاء في تقرير اللجنة، فركن ثلاث سنوات قبل إعلانه في ديسمبر 1922، ولم تعلن الأسباب وبقي ذلك اللغز العنيد الذي لم يحل بعد. ولكن قد يمكن تفسيره بما كتبه هرتزل في يومياته في يونيو 1901: «في يوم ما، وحين تتحقق إقامة دولة اليهود، كل ما يدور عنها سيظهر تافها لا قيمة له. وقد يكتب مؤرخ محايد أنه وجد شيئا قام به صحافي يهودي مفلس يعيش بين أعماق قهر الشعب اليهودي وقمة اللاسامية البغيضة، قد خلق علما من خرقة، وجعل من ذلك الرعاع التعيس أن يلم شعثه حول ذلك العلم».
* باحث كويتي



«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟
TT

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

في عالمٍ لا يتوقف فيه الإصبع عن التصفح، تبدو الشاشة كأنها نافذة مفتوحة على فرص لا تنتهي. وجوه تبتسم، قصص نجاح تُروى في دقائق، أرقام مشاهدات تتضاعف، وإعلانات تَعِد بأن الهاتف الذكي قد يكون أسرع طريق إلى الاستقلال المالي.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا بوصفها مجرد منصات تواصل، أو أدوات نشر محتوى، بل إنها جزء من منظومة اقتصادية كاملة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحلم». اقتصاد لا يبيع الوظيفة، ولا الدخل، بل يبيع إمكانية النجاح نفسها، ويحوّل الاحتمال النادر إلى وعدٍ جماعي. هنا، لا تُقاس القيمة بما يُنتَج فعلياً، بل بما يُتَخيَّل أنه ممكن: فيديو قد ينتشر، حساب قد ينفجر، لحظة قد تغيّر المسار. وبينما يندفع الملايين للعمل داخل هذا الوهم المشروع، تتكدس الأرباح الحقيقية عند قلّة تملك المنصات، أو تفهم خوارزمياتها، أو سبقت الآخرين بخطوات يصعب تعويضها.

لكن خلف هذا المشهد اللامع، ثمّة اقتصاد بمليارات الدولارات، خفي، ومعقّد، ويقوم على استهلاك الزمن البشري أكثر مما يقوم على إنتاج المعنى. وما تعده المنصات بأنه طريق سريع إلى الاستقلال المالي، لم يظهر على أرض الواقع إلا باعتبار أنه رقم في شاشة لا يُترجم إلى دخل حقيقي.

هذا الاختلال لا يرتبط بجودة المحتوى وحدها، بل بطبيعة «اقتصاد الانتباه» نفسه، حيث تُكافئ الخوارزميات القلة القادرة على جذب التفاعل السريع، وتترك الغالبية تعمل تحت ضغط دائم من دون ضمانات، أو أفق واضح.

ضرورة النجاح

في شقة صغيرة في أحد أحياء غرب لندن، تجلس ناريمان م. قرب نافذة تطل على شارع رمادي لا يهدأ. تعمل مساعدة معلمة في مدرسة ابتدائية، وظيفة تحبها، لكنها بالكاد تكفي لتغطية الإيجار، وفواتير لا ترحم. في مدينة تُحسب فيها أسعار القهوة، وبطاقة القطار، والخبز بالأرقام الثقيلة، بات الدخل المتواضع عبئاً يومياً، لا فكرة مجردة. تقول لنفسها كل مساء إن عليها أن تفعل شيئاً إضافياً، أي شيء، قبل أن يبتلع الغلاء ما تبقى من طمأنينتها.

قبل أشهر، دخلت ناريمان، وهي عربية مقيمة في بريطانيا، عالم السوشيال ميديا كما يدخل كثيرون: بحذر، وبأمل صامت. فتحت حساباً على «إنستغرام»، ثم آخر على «تيك توك»، واختارت موضوعاً قريباً منها ومن الناس من حولها: الصحة اليومية، النفخة، الإمساك، التعب الذي لا يُشخَّص، والأسئلة الصغيرة التي يطرحها كثيرون، ولا يجدون لها جواباً واضحاً. ليست طبيبة، لكنها كانت تحاول أن تجمع ما تتعلمه، أن تصوغه بإرشادات مبسطة، وأن تستعين بالذكاء الاصطناعي ليهذّب النصوص، ويقترح الأفكار. اشتركت في دورات مدفوعة، دفعت من دخلها المحدود، واشترت أدوات رقمية قيل لها إنها «ضرورية للنجاح».

تمضي ناريمان ساعات طويلة بعد يوم عمل شاق. هاتفها مسند إلى كوب، ضوء خافت، نصوص تُكتب وتُمسح، فيديوهات تُعاد عشر مرات قبل أن تُنشر. تراقب الأرقام بصمت: مشاهدات قليلة، تفاعل خجول، لا شيء يشبه قصص النجاح التي تمتلئ بها المنصات. فيديو واحد فقط كسر الصمت، وصل إلى نحو عشرة آلاف مشاهدة. رقم يبدو كبيراً على الشاشة، لكنه في الواقع لم يغيّر شيئاً. لا يوجد دخل، لا عروض، لا إحساس بأن الطريق بات أوضح. مجرد ومضة، ثم عودة إلى الصفر.

تعرف ناريمان أنها لم تحقق «شيئاً بعد»، تقول الجملة بلا دراما، لكن التعب يظهر في صوتها. ومع ذلك، تستمر. كل يوم تتعلم، تقرأ، تشاهد، تحاول فهم هذا العالم الذي يبدو مفتوحاً للجميع، لكنه لا يفتح أبوابه بسهولة لأحد. هي ليست باحثة عن شهرة، ولا تحلم بالملايين، بل بدخل إضافي يحميها من قسوة مدينة لا تهادن.

«اقتصاد المبدعين»

قصتها، بكل بساطتها، تشبه قصص آلاف ممن دخلوا اقتصاد المحتوى بدافع الحاجة، لا الوهم، وهمّ لقمة العيش، ووجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة أكبر بكثير من فيديو، وأقسى بكثير من مجرد «محاولة».

محاولة للدخول إلى «اقتصاد المبدعين» الذي يشهد نمواً هائلاً، إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سوقه عالمياً نحو 480 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقاً لأبحاث «Goldman Sachs».

ويبرز هذا الاقتصاد باعتباره قوة نشطة تُحرّك النشاط الاقتصادي، والتفاعل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُقدَّر قيمته الحالية بنحو 1.3 مليار دولار. وتشير منصة «Qoruz» لتحليلات التسويق بالمؤثرين إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تضم نحو 263000 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بزيادة قدرها 75 في المائة منذ عام 2023.

المنصات والترندات

في المشهد الرقمي هناك منصات محددة تهيمن على اللعبة، أبرزها «YouTube» ،«TikTok» ،«Instagram» ،«Snapchat» ،«Twitch». كل واحدة لها آلياتها الخاصة في نشر المحتوى، وجذب الانتباه، وكلها تبيع الوهم نفسه: إمكانية أن يصبح أي شخص مؤثراً.

لكن شرط أن يتحول المحتوى إلى ترند (أو مادة شائعة) ليس جودة الفكرة فحسب، بل توقيت النشر، وسرعة الانتشار، والتفاعل الأولي الذي يولده ذلك المحتوى. فيديو بسيط يمكن أن يتحول إلى ترند إذا التقطه جمهور كبير في الساعات الأولى، أو دعمته خوارزمية المنصة نفسها عبر الاقتراحات، أو حصل على مشاركة واسعة من حسابات مشهورة. الفئات الأكثر انتشاراً في المنطقة العربية هي أسلوب الحياة والسفر، الموضة والجمال، الصحة واللياقة، والمال والأعمال، والفنون والترفيه، وهو ما يجعل لدى أي محتوى يلمس هذه الاهتمامات فرصة أكبر للتحول إلى ترند، حتى لو لم يكن معقداً، أو إنتاجه باهظاً.

خريطة القوة

ويصف حسين الحازمي، مؤسس ومدير شركات متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى في السعودية، التحول الذي يشهده الإعلام العالمي بأنه «خروج كامل من عباءة النموذج التقليدي». فالمحتوى لم يعد مادة إعلامية تُنتَج ثم تُبَث، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف اليوم بـ«اقتصاد المحتوى»، مشيراً إلى أن هذه المنظومة، وفق تقديرات مؤسسات مالية عالمية، تبلغ قيمتها نحو 250 مليار دولار على مستوى العالم، مع توقعات بأن تصل إلى 480 مليار دولار خلال عامين فقط.

ويقول الحازمي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني العالمي بات يذهب إلى المنصات الرقمية، وهو ما أعاد رسم خريطة القوة داخل الصناعة الإعلامية، ونقل مركز الثقل من المؤسسات الكبرى إلى المنصات العابرة للحدود.

فضاء مزدحم

غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعني بالضرورة أن السوق مزدهرة للجميع. فالحازمي يلفت إلى أن تشبع المحتوى، خصوصاً الترفيهي السريع، خلق وهماً واسع الانتشار بأن الفرص لا تزال مفتوحة بلا سقف. لكن الواقع، كما يراه، أكثر انتقائية. ففي هذا الفضاء المزدحم لم تعد الكثرة هي القيمة، بل النوعية، والقدرة على سد فجوة معرفية حقيقية. من هنا يبرز ما يسميه «الإعلام المعرفي» و«المحتوى المتخصص»، حيث تتحول القيمة من مطاردة الجمهور العام إلى بناء علاقة مع جمهور ضيق، لكنه واعٍ ومهتم، 10 آلاف متابع متخصص، في هذا السياق، قد يشكلون قاعدة اقتصادية أكثر صلابة من مليون متابع لا يبحثون إلا عن التسلية العابرة، على حد تعبير الحازمي.

المفوضية الأوروبية أعلنت أنها بصدد دراسة مقترح «الحزمة الرقمية الشاملة»... (متداولة)

هذا التحليل الاقتصادي يتقاطع، لكنه يختلف في زاويته مع قراءة الدكتور سعيد الدحية الزهراني، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي، الذي ينظر إلى المشهد من منظور فلسفي أعمق. فبرأيه توصيف ما يحدث بأنه «اقتصاد محتوى» يظل قاصراً عن فهم جوهر التحول. ويقول الزهراني لـ«الشرق الأوسط» إن «المنصات لا تتاجر بالمحتوى ذاته، بل بزمن الوعي الإنساني. هي لا تسأل: ماذا نعرض؟ بل: كم دقيقة إضافية يمكن أن نبقي المستخدم داخل المنصة؟».

يستند الزهراني في تفسيره إلى ما يسميه «فلسفة السيولة» في الحضارة الرقمية، حيث لم يعد الزمن يتراكم، بل يتفتت إلى لحظات منفصلة، ولم تعد الهوية ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق الرقمي، ولم يعد المعنى مستقراً، بل أصبح مجموعة سرديات متنافسة. ضمن هذه السيولة تتحول القيمة من العمق إلى السرعة، ومن الأثر طويل المدى إلى التفاعل اللحظي. وهنا تلعب الخوارزميات دور الوسيط السوقي الذي يعيد توزيع الرؤية وفق منطق الأرقام لا المعاني.

«بورصات رمزية»

في هذه السوق عالية السيولة، كما يصف الزهراني، لم تعد المنصات ساحات خطاب عام، بل «بورصات رمزية»، تُتداول فيها الصور، والآراء، والمشاعر باعتبار أنها أصول مؤقتة، منخفضة العمر الافتراضي، وقابلة للاستبدال فوراً. ويترتب على ذلك تحول عميق في طبيعة إنتاج المحتوى نفسه، حيث لم يعد ما يُنتَج هو ما يُعتقد بقيمته، أو صحته، بل ما يُرجَّح أداؤه رقمياً. الفكرة تُجزَّأ، والسياق يُقتطع، والمعنى يُضغط ليصبح قابلاً للاستهلاك السريع.

وسط هذا المشهد، يبدو أن صانع المحتوى لم يعد يعرض فكره، بل يعيد تصميم ذاته. الذات هنا تتحول إلى واجهة استهلاكية، وإلى علامة تجارية قائمة بذاتها. وهذا ما يقود، وفق الزهراني، إلى معضلة فلسفية عميقة تتعلق بتشيئة الإنسان، وسلعنته داخل منظومة رقمية لا تعترف بالثبات، ولا بالمعنى المستقر.

تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)

سوق تنافسية قاسية

هذه القراءة الفلسفية تجد صداها في الواقع الاقتصادي الذي يصفه الدكتور سعود الغربي، أستاذ الإعلام ومؤسس «جمعية إعلاميون» السعودية بأنه «قاسٍ». فمن موقعه الأكاديمي والمهني يرى الغربي، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن السوشيال ميديا يمكن أن تكون مصدراً حقيقياً للدخل، لكنها ليست طريقاً ممهداً، ولا متاحاً للجميع. في السعودية، كما يقول، هناك نماذج واقعية لأشخاص تركوا وظائفهم، أو عوّضهم الفضاء الرقمي عن تعثر مهني، بل إن بعضهم تحولوا إلى رجال أعمال. غير أن هذه القصص، في رأيه، تُقدَّم غالباً بوصفها القاعدة، بينما هي في الحقيقة الاستثناء.

الغربي يلفت إلى أن المنصات نفسها تروّج لخطاب «النجاح السريع»، لأنه يخدم اقتصاد الانتباه، ويغذي تدفق المحتوى المجاني. لكن الواقع يعتمد على استمرارية طويلة، وتخصص واضح، وفهم عميق للسوق الإعلانية. الغالبية، كما يوضح، تعمل لفترات طويلة بلا مقابل فعلي، ومعظم الحسابات لا تصل إلى مرحلة الدخل المستقر. هنا لا يكون الفشل نتيجة ضعف فردي بالضرورة، بل هو انعكاس لطبيعة سوق تنافسية قاسية.

هذا التفاوت في العوائد يفسّره الغربي بما يُعرف اقتصادياً بـ«تأثير النجم»، حيث يستحوذ القليل على معظم الأرباح. فالانتباه مورد نادر، والخوارزميات تميل إلى تعزيز من يملك جمهوراً واسعاً سلفاً. وفي السوق السعودية، كما في غيرها، تفضّل العلامات التجارية الأسماء المعروفة، لأنها أقل مخاطرة، ما يكرّس تركّز الأرباح، ويحدّ من فرص الصاعدين. إنه نموذج غير صحي بالكامل، لأنه يقلل التنوع، ويضعف فرص الابتكار، لكنه في الوقت ذاته انعكاس طبيعي لسوق تحكمها البيانات، لا المعايير المهنية.

سلطة الخوارزميات

وهذا ما يؤكده الحازمي، الذي يتجنب الحديث عما يحققه من مداخيل من هذه «الصناعة»، ويقول: الإحصاءات تشير إلى أن أعلى 4 في المائة فقط من صناع المحتوى يحققون دخلاً يتجاوز 100 ألف دولار سنوياً. دورة حياة المشروع الإعلامي الشخصي تتطلب «فترة حضانة» بين 18 إلى 24 شهراً للوصول إلى نقطة التعادل، مما ينفي فكرة الثراء السريع، ويؤكد ضرورة التعامل مع الصناعة بعقلية «المؤسسة».

وفي قلب هذا النموذج، تقف الخوارزميات بوصفها السلطة الأعلى. فهي، كما يقول الغربي، «رئيس التحرير الخفي» الذي لا يكافئ الجودة وحدها، بل ما يحقق تفاعلاً سريعاً، ويبقي المستخدم أطول وقت ممكن. وهذا ما يجعل المنافسة ممكنة نظرياً، لكنها شديدة الصعوبة عملياً لمن لا يملك رأسمال اجتماعياً، أو شبكة علاقات، أو دعماً تسويقياً.

ومع تسارع التطور التقني، يلوح عامل جديد يزيد المشهد تعقيداً: الذكاء الاصطناعي. يحذّر الحازمي من أن القطاع يقف على أعتاب «زلزال تقني» حقيقي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف إنتاج المحتوى بنسبة تصل إلى 50 في المائة. هذا الانخفاض سيغرق السوق بمحتوى متوسط الجودة، ويجعل التميز أصعب.

عملة بتكوين مطلية بالذهب موضوعة فوق شاشة هاتف ذكي يعرض السعر الحالي للعملة وخيارات البيع والشراء عبر تطبيق منصة التداول الرقمية كوينبيس (أ ف ب)

المخاطر الخفية

في هذه المرحلة المليئة بالتحديات، يرى الحازمي أن البقاء سيكون لمن يملك القدرة على تقديم تحليل عميق، وبصمة بشرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا بديلاً كاملاً، لافتاً إلى أن التحديات تشمل «ديكتاتورية الخوارزميات»، وتشبع السوق التي تضم أكثر من 200 مليون صانع محتوى حول العالم، بالإضافة إلى تغير سلوك الجمهور بسرعة قياسية. كما يعد الضغط النفسي (Burnout) من أبرز المخاطر الخفية للمهنة؛ نتيجة ضرورة الحضور الدائم، ومواكبة الأحداث، والتقنيات المتسارعة.

ويؤكد الحازمي أن السوق السعودية تشهد طفرة هائلة مدعومة ببرامج وطنية، مثل «Ignite»، تهدف إلى تحويل صناع المحتوى من أفراد إلى شركات صغيرة، ومتوسطة (SMEs). ننصح الشباب بالدخول في هذا المجال بعقلية «المشروع» الاستثماري، مع التركيز على القدرة على تحويل الانتباه إلى قيمة ملموسة (Conversion Rate)، بدلاً من الاكتفاء بأرقام المشاهدات.

وهنا يقول الغربي إن «الاستدامة تتحقق عند توفر أربعة شروط: تخصص واضح، نموذج دخل متنوع (إعلانات، منتجات، خدمات)، انتظام طويل المدى، وبناء ثقة حقيقية مع الجمهور. في السعودية المستفيدون الحقيقيون ليسوا فقط صناع المحتوى الكبار، بل المنصات نفسها، وشركات الإعلان، والبراندات التي تستثمر في اقتصاد التأثير. أما صانع المحتوى الفرد فهو الحلقة الأضعف ما لم يتحول من «صانع ترند» إلى «مشروع إعلامي صغير». السوشيال ميديا قد تكون مصدر دخل، لكنها نادراً ما تكون أماناً وظيفياً. الواقعية هنا تعني التعامل معها باعتبارها أداة ضمن منظومة، وليس أنها حلم مستقل بذاته».

من يملك المحتوى؟

لكن بينما ينشغل صناع المحتوى بملاحقة الخوارزميات، وموجات التقنية، يبرز سؤال قانوني لا يقل أهمية: من يملك المحتوى فعلياً؟ هنا يوضح المحامي أحمد الفاضل، المتخصص في حقوق الملكية الفكرية، أن صانع المحتوى يظل المالك الأصلي لأعماله من حيث المبدأ. غير أن شروط الاستخدام التي توافق عليها المنصات تمنحها تراخيص واسعة جداً، تتيح لها استخدام المحتوى، وعرضه، وتعديله، وترخيصه من الباطن، بل واستغلاله تجارياً دون أي مقابل إضافي.

ويقول الفاضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الوضع يخلق مفارقة قانونية واضحة: أنت تملك المحتوى، لكنك لست المالك الوحيد القادر على الاستفادة منه. ورغم وجود قوانين حماية في السعودية، ودول عربية أخرى، ومعاهدات دولية تنظم حقوق المؤلف، فإن إنفاذ هذه القوانين في البيئة الرقمية يظل ضعيفاً. الإجراءات طويلة، ومكلفة، وتحديد هوية المنتهكين غالباً ما يكون صعباً، ما يدفع معظم صناع المحتوى إلى الاكتفاء بآليات الإبلاغ الداخلية للمنصات.

وتتضاعف هذه الهشاشة حين يُغلق حساب فجأة، أو يُقيَّد وصوله بما يُعرف بـ«الحظر الخفي».

ويلفت الفاضل إلى سابقة قضائية في السعودية: في سبتمبر (أيلول) 2025، فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية غرامة قدرها 9000 ريال سعودي على شخص قام بتعديل صورة شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرها دون إذن.

هذه القضية تعتبر خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال حالة نادرة. في معظم الحالات، يضطر صناع المحتوى إلى الاعتماد على آليات الإبلاغ الداخلية للمنصات، والتي قد لا تكون فعالة دائماً.

ويضيف: القانون يوفر حماية نظرية قوية، لكن التطبيق العملي لا يزال ضعيفاً. صناع المحتوى بحاجة إلى أدوات أكثر فعالية لإنفاذ حقوقهم.

ففي معظم الدول العربية لا توجد تشريعات واضحة تنظم هذا النوع من القرارات، ما يجعل المنصات الخصم والحكم في آنٍ واحد. وعلى عكس التجربة الأوروبية التي بدأت تفرض على المنصات قدراً من الشفافية، والمساءلة، لا يزال صناع المحتوى في المنطقة العربية تحت رحمة سياسات متقلبة لا توفر أي ضمان للاستقرار.

بريق الأرقام

في نهاية المطاف تتقاطع كل هذه الخيوط عند سؤال واحد: هل يعيش صناع المحتوى وهْم «العمل الحر»؟ اقتصاد عالمي يُتوقع أن يصل إلى 480 مليار دولار، ويضم مئات الآلاف في الخليج وحده، لا يزال يتعامل مع هؤلاء بوصفهم «مستخدمين» لا «عمالاً». لا عقود، لا حد أدنى للأجور، لا تأمين صحي، ولا حماية من الفصل الرقمي المفاجئ. الفرد هنا هو العلامة التجارية، وهو الوسيط، وهو المنتج، وهو رأس المال، وهو الخاسر الأول عند أي خلل في الخوارزمية.

بين بريق الأرقام وسطوة المنصات يتضح أن صناعة المحتوى ليست مجرد مساحة مفتوحة للإبداع، بل منظومة قوة غير متوازنة تضع الإنسان أمام اختبار يومي: كيف يحافظ على معناه، وكرامته المهنية، وحقه في الاستقرار، داخل سوق لا تعترف إلا باللحظة؟

في نهاية اليوم، تعود ناريمان إلى شقتها نفسها في لندن. الهاتف في يدها، الفيديو الأخير منشور، والأرقام تتحرك ببطء. تعرف الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن ما تمر به ليس فشلاً شخصياً، بل هو جزء من منظومة لا تكافئ الجميع، ولا تعترف إلا باللحظة. ومع ذلك لا تزال تحاول. ليس لأنها تؤمن بوعد الشهرة، بل لأنها، مثل كثيرين غيرها، تحاول فقط أن تحمي نفسها من غلاء لا يرحم. قصتها، بعد كل هذا، لم تعد مجرد محاولة فردية، بل هي مرآة لاقتصاد كامل، يُقال فيه إن الفرص متاحة للجميع، بينما الواقع يثبت أن البقاء فيه ليس للأكثر اجتهاداً دائماً، بل للأكثر توافقاً مع خوارزمية لا ترى الإنسان... بل زمنه فقط.


«تنسيق الضرورة» يمنع هروب قيادات «داعش» من السجون

عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
TT

«تنسيق الضرورة» يمنع هروب قيادات «داعش» من السجون

عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)

بلغت ذروة التحولات الميدانية في ملف معتقلي تنظيم «داعش»، بانتقال السيطرة الفعلية على أكبر مراكز الاحتجاز في الرقة والحسكة إلى الحكومة السورية، بالتوازي مع تسارع عمليات التحالف الدولي لنقل العناصر الأكثر خطورة خارج الأراضي السورية، إلى العراق تحديداً.

وتمكن الجيش السوري أخيراً من تأمين مرافق حيوية عدة لسجون وأماكن احتجاز في ريف الحسكة والرقة ودير الزور، في حين أفرجت الجهات القضائية عن 126 محتجزاً دون سن الثامنة عشرة من سجن «الأقطان» في الرقة احتُجزوا بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم «داعش».

ووصفت تقارير محلية الحالة النفسية لبعض الأطفال المُفرج عنهم بـ«المزرية»، وأن كثيراً منهم يعانون أوضاعاً صحية متردية جراء سوء التغذية نتيجة احتجازهم لفترات طويلة، في حين تواصل الجهات الأمنية السورية ملاحقة الفارين من سجن «الشدادي» منتصف الأسبوع الماضي. ووفق تصريحات رسمية، نجحت وزارة الداخلية السورية في إعادة اعتقال 81 منهم.

تجمع لأقارب المعتقلين الذين أُفرج عنهم من سجن الأقطان في الرقة (رويترز)

أطفال سجن الأقطان

واتهم العقيد خالد جاسم، المسؤول في وزارة الداخلية السورية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، «قسد» بـ«تعمّد» الإفراج عن عشرات من عناصر «داعش»، خاصة من سجن الشدادي، لكن وزارة الداخلية «تمكنت من إعادة القبض على معظمهم».

وشدد جاسم على أن قوات «قسد» «أظهرت تردداً في التفاهمات التي تمت بينها وبين الحكومة، وعندما قامت العشائر العربية بالسيطرة على مناطقها وطردها منها، بدأت (قسد) تطلق سراح عناصر (داعش) للضغط على الحكومة دولياً وإرباك مساعيها في محاربة التنظيم».

وأوضح جاسم أن قوات «قسد» «تعتقل عائلات وأطفالا لا ينتمون لـ(داعش)، وبين المعتقلين فارون من الخدمة الإلزامية التي تفرضها (قسد)، وآخرون اعتُقلوا بتهم مختلفة».

وأصدرت إدارة السجون التابعة للإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، الأحد 25 يناير (كانون الثاني)، بياناً علقت فيه على وجود عدد من الأحداث بسجن الأقطان في مدينة الرقة، ذكرت فيه أن «قسماً مخصصاً داخل سجن الأقطان كان يضم عدداً من الأحداث، بعضهم متورط في جرائم متنوعة رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من مواطنين، في حين كان آخرون ضحايا لعمليات تجنيد واستغلال نفذها تنظيم (داعش)».

وأوضح البيان أن «نقل هؤلاء الأحداث جرى قبل نحو ثلاثة أشهر، من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان؛ وذلك نتيجة الظروف الأمنية القائمة»، مشدداً على أن «عملية النقل جاءت في إطار إجراءات احترازية وتنظيمية»، حسب البيان.

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» منه الثلاثاء (أ.ب)

سجن غويران

وتتمركز القوات الأمنية السورية على مسافات قريبة من مركز مدينة الحسكة؛ تحسباً لأي محاولة فرار أو فتح لسجن غويران وسط الحسكة الذي لا يزال يخضع لسيطرة قوات «قسد» بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي. ويضم السجن ما بين 3 و5 آلاف معتقل، من بينهم اخطر قيادات تنظيم «داعش».

وتشير تقارير إعلامية إلى أن ما لا يقل عن 9 آلاف عنصر معتقل من تنظيم «داعش» في عدد من السجون التي كانت تخضع لإدارة قوات «قسد»، في حين رفعت تقارير أخرى أعدادهم إلى نحو 12 ألف معتقل ومحتجز في عدد من السجون وفي مخيمي الهول وروج. وتضم السجون نسبة كبيرة من العراقيين والأجانب.

وفي آخر تطورات السيطرة على السجون، فإن سجن الأقطان في الرقة يخضع لسيطرة الجيش السوري في حين تسلمت وزارة الداخلية السورية إدارة سجن الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي. ويخضع مخيم الهول الذي تحتجز فيه عوائل تنظيم «داعش» من عشرات الجنسيات لإدارة وزارة الداخلية السورية بعد انسحاب قوات «قسد» من المخيم.

الفرنسية إميلي كونيغ وهي من العناصر السابقين بتنظيم «داعش» في مخيم الروج الذي يؤوي أفراداً من عائلات أعضاء مفترضين في التنظيم الإرهابي بشمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

صلاحيات عراقية وجنسيات أوروبية

وفي تطور لافت، وبحلول 24 يناير 2026، دخلت عمليات نقل المعتقلين مرحلة جديدة مع إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن بدء «جسر جوي» لنقل نحو 500 عنصر من «داعش» يومياً من سوريا إلى مراكز احتجاز آمنة في العراق لما يصل إلى سبعة آلاف معتقل مقرر نقلهم إلى العراق.

وأكدت مصادر أمنية أن الدفعة الأولى التي تسلمها العراق تضم 150 معتقلاً، شملت قيادات من «الصف الأول» و«أمراء» تورطوا في عمليات دموية كبرى منذ 2014، من بينهم 65 أجنبياً من جنسيات أوروبية وعربية ومن دول القوقاز.

ووفق مراقبين، تهدف العملية التي تجري بالتنسيق الثلاثي بين الولايات المتحدة وسوريا والعراق إلى إفراغ السجون السورية التي كانت تخضع لسيطرة «قسد» من العناصر الأكثر خطورة لمنع استغلال التنظيم لحالة الحرب التي تشهدها مناطق شمال وشمال شرقي سوريا.

وتصف الحكومة العراقية هذه الخطوة بأنها «إجراء استباقي للدفاع عن الأمن القومي»؛ إذ إن سرعة تطور الأحداث في سوريا وتغيّر موازين القوى فرضت اتخاذ قرارات لضمان بقاء المعتقلين في «مرافق احتجاز آمنة» ومنع أي محاولات هروب قد تؤدي إلى تسللهم عبر الحدود المشتركة.

وأكد مجلس القضاء الأعلى العراقي أن جميع المعتقلين المنقولين، بغض النظر عن جنسياتهم (سواء كانوا عراقيين أو من 56 جنسية أخرى)، سيخضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وسيتم تطبيق الإجراءات القانونية الأصولية بحقهم، مع التركيز على توثيق الجرائم «العابرة للحدود» لضمان حقوق الضحايا وتكريس سيادة القانون. في حين تشير تقارير أخرى إلى أن العراق سيتواصل مع الدول المعنية لتسلم رعاياها.

ولا يزال ملف المقاتلين الأجانب وعائلاتهم في مخيمي الهول وروج يشكل هاجساً أمنياً لدى الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى. يضم مخيم الهول أكثر من 43 ألف شخص معظمهم من العراقيين والسوريين والأجانب من النساء والأطفال الذين ترفض دولهم استعادتهم. ويجري التنسيق لإعادة نحو 18 ألف محتجز من العراقيين إلى بلدهم على دفعات.

وتشير إحصاءات منشورة إلى وجود مئات المعتقلين من دول أوروبية مثل فرنسا 450 معتقلاً، وألمانيا 77 معتقلاً، وبلجيكا 55 معتقلاً، وبريطانيا 27 معتقلاً وهولندا 90 معتقلاً. وتتبنى حكومة دمشق موقفاً يؤكد على ضرورة محاسبة هؤلاء على الجرائم المرتكبة فوق الأراضي السورية، مع استعدادها لتطبيق مسارات متكاملة تشمل الجوانب القانونية والإنسانية والأمنية.

تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

«نحن أدرى بـ«داعش»

وكان اتفاق 10 آذار/مارس، يقضي بدمج عناصر «قسد» كافة ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين؛ ما يعني عملياً انتقال مسؤولية حراسة السجون والمخيمات إلى الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي. وبينما أكد جاسم أن «قسد» كانت «تتهرب من تسليم سجون (داعش) للدولة السورية» لتثبيت نفسها شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في محاربة الإرهاب.

وذكر جاسم، أن من مهام الحكومة السورية حفظ الأمن وإدارة السجون وإطلاق سراح من يثبت عدم انتمائه إلى «قسد». وقال: «نحن أدرى من (قسد) وأكثر خبرة في ملف (داعش)، فقد حاربناه وقضينا على خلاياه قبل التحرير في إدلب وريف حلب الشمالي ومنطقة رأس العين وتل أبيض، كما فككنا عشرات الخلايا لـ(داعش) بعد التحرير. نحن من يلاحق (داعش)، والتحالف الدولي يعرف جهودنا في محاربة التنظيم ويدعمها، ولن نسمح لـ(قسد) باستخدام ملف (داعش) لزعزعة الأمن داخل سوريا».

قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)

«تنسيق الضرورة»

من جهته، رأى الباحث في الجماعات المسلحة رائد الحامد، أن عملية نقل المقاتلين الأكثر خطورة من السجون السورية إلى العراق تعكس في حقيقتها «تنسيق الضرورة»، حيث تسعى واشنطن لحماية العناصر القيادية ومنع هروبهم في أي فوضى محتملة جراء المعارك التي تشهدها المنطقة. وأكد أنه «مع تولي الدولة السورية ملف سجناء التنظيم، باتت الكرة الآن في ملعب العواصم العربية أو الأجنبية لاستعادة رعاياها»، لكن هذه الدول «قد لا تريد استعادتهم لتجنب الكلف الأمنية الناجمة عن احتمالات تشكيلهم نواة للتنظيم في المجتمعات المحلية في بلدانهم الأصلية، إلى جانب ما يتعلق بقدرة هذه الحكومات على توفير ما يكفي من الأدلة الثبوتية والجرمية التي تتيح لأجهزتها القضائية إدانة هؤلاء، وهو أمر بالغ التعقيد»، على ما يقول الحامد.

ولفت إلى أن نقل المعتقلين إلى خارج سوريا «لا يلغي المخاطر من نموّ حالات تطرف جديد في ظل ظروف احتجاز قد تكون أكثر صعوبة. بالتالي، فإن نجاح هذه المرحلة يتطلب تنسيقاً دولياً عالياً ودعماً لجهود الحكومتين السورية والعراقية في التعامل مع ملف السجناء الأكثر خطورة في العالم».


«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
TT

«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعد الهجرة ملفاً إدارياً خلافياً يطفو على السطح في مواسم الانتخابات ثم يتراجع؛ بل تحولت إلى محور صدام مفتوح يعكس انقساماً عميقاً داخل الدولة الأميركية نفسها. وفي قلب هذا الصدام تقف وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس)، لا بوصفها جهازاً تنفيذياً فحسب؛ بل باعتبارها رمزاً لنهج سياسي وأمني متشدد، وعنواناً لصراع أوسع حول معنى الأمن، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

وخلال الأشهر الماضية، بات اسم «آيس» حاضراً في نشرات الأخبار، وساحات القضاء، وميادين الاحتجاج، مع توسع عملياتها داخل المدن الكبرى، وازدياد الاحتكاك المباشر بين عناصرها والسكان. الوكالة التي أُنشئت في الأصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، تواجه اليوم اتهامات بأنها تجاوزت دورها التنفيذي، لتتحول إلى قوة أمنية داخلية ذات طابع شبه عسكري، تعمل في قلب الأحياء السكنية، وتختبر عملياً حدود الدستور الأميركي. بينما يؤكد أنصارها أنها تمارس صلاحيات قانونية ضرورية لحماية الأمن القومي وتطبيق قوانين الهجرة.

قوات «أيس» تعتقل متظاهراً في مينيابولس - 15 يناير 2026 (أ.ب)

 

نقطة اشتباك

لم تعد «آيس» وكالة تقنية لإدارة الهجرة؛ بل ظاهرة سياسية وأمنية واجتماعية، تحوّلت بفعل السياق السياسي إلى نقطة اشتباك بين الحكومة الفيدرالية والسلطات المحلية، وبين الدولة والمجتمع. فكيف نشأت هذه الوكالة وتطورت صلاحياتها؟ وما بنيتها البشرية وأساليب عملها؟ وما الاتهامات الموجهة إليها، والجدل الدستوري المتصاعد حولها، خصوصاً بعد ما جرى في ولاية مينيسوتا، عبر استهداف الجالية الصومالية، ما حولها خلال فترة وجيزة من ولاية هادئة نسبياً إلى نموذج مصغر للأزمة الوطنية؟

 

من رحم «11 سبتمبر» إلى وزارة الأمن الداخلي

تأسست «أيس» عام 2003، في سياق إعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية الأميركية عقب هجمات 11 سبتمبر، حين سادت داخل واشنطن قناعة بأن تفكك الصلاحيات بين أجهزة الهجرة والجمارك يخلق ثغرات أمنية خطيرة. قبل ذلك، كانت مهام الهجرة موزعة بين دائرة الهجرة والتجنيس والجمارك الأميركية، في نموذج عُدّ بيروقراطياً وغير قادر على التعامل مع التهديدات الجديدة، فجاء قرار دمج هذه الصلاحيات في وكالة واحدة، أُلحقت بوزارة الأمن الداخلي المستحدثة، لتعكس عقلية ما بعد الهجمات، حيث باتت الهجرة تُقرأ من زاوية الأمن القومي بقدر ما تُقرأ من زاوية القانون.

ومنذ لحظة تأسيسها، حملت «آيس» في بنيتها الداخلية توتراً بنيوياً: هل هي جهاز مدني لإدارة ملف قانوني وإنساني معقّد؟ أم أداة أمنية هدفها حماية الدولة من أخطار محتملة؟ هذا السؤال لم يكن نظرياً فقط، بل انعكس في ثقافة الوكالة، وفي طريقة تدريب عناصرها، وفي أسلوب عملها الميداني، خصوصاً مع توسع صلاحياتها التدريجي.

عناصر من «أيس» يحرسون مدخل فندق قبيل مظاهرة مناهضة لهم في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ب)

«أيس» والصورة الذهنية

في الواقع تعمل «آيس» عبر ذراعين رئيسيتين مختلفتين جذرياً في طبيعة المهام. الذراع الأولى هي إدارة الإنفاذ والترحيل، المسؤولة عن توقيف المهاجرين غير النظاميين، واحتجازهم، وتنفيذ قرارات الترحيل. وهي الذراع الأكثر احتكاكاً بالجمهور، والأكثر إثارة للجدل، لأنها تعمل داخل الأحياء السكنية وأماكن العمل وحول المحاكم والمدارس.

أما الذراع الثانية فهي إدارة التحقيقات في الأمن الداخلي؛ وهي جهاز تحقيقي يتعامل مع ملفات تهريب البشر والمخدرات، والجرائم المالية، والإرهاب، والجرائم السيبرانية، وغالباً ما تحظى بتقدير حتى من منتقدي الوكالة.

غير أن الرأي العام لا يميز كثيراً بين هاتين الوظيفتين؛ فالصورة الذهنية لـ«آيس» تشكلت أساساً من مشاهد المداهمات، والاعتقالات المفاجئة، والعناصر المسلحة بملابس تكتيكية، وهي صور ارتبطت حصراً تقريباً بإدارة الإنفاذ والترحيل. ويقول مسؤول أمني أميركي سابق عمل في وزارة الأمن الداخلي، إن المشكلة ليست في طبيعة التحقيقات التي تقوم بها الوكالة؛ بل في الطريقة التي تُنفذ بها عمليات الترحيل داخل بيئات مدنية حساسة، حيث يكون أي خطأ أو سوء تقدير قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية.

منذ تأسيسها، عملت «آيس» تحت إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، لكن حجم دورها وطبيعة تفويضها تغيّرا بشكل واضح تبعاً للتوجه السياسي في البيت الأبيض. في عهد الرئيس باراك أوباما، حاولت الإدارة نظرياً فرض أولويات لإنفاذ قوانين الهجرة، تركز على ترحيل من يشكلون خطراً أمنياً أو جنائياً. غير أن هذه السياسة لم تمنع تسجيل أرقام ترحيل مرتفعة، ما دفع ناشطين إلى اتهام أوباما بأنه «رحّل أكثر من أي رئيس آخر»، رغم خطابه الأكثر تصالحية.

كتابات تدعو إلى خروج هيئة «أيس» من مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

توسيع الصلاحيات

التحول الجذري جاء مع إدارة ترمب الأولى، حين أُلغي معظم القيود، وتوسعت صلاحيات «آيس» عملياً لتشمل جميع المهاجرين غير النظاميين، بغض النظر عن سجلاتهم أو ظروفهم. ومع عودة ترمب إلى الحكم في ولايته الثانية، مدعوماً بخطاب سياسي يربط الهجرة بالجريمة، ويمنح الوكالة غطاءً سياسياً واسعاً، عاد هذا النهج بقوة أكبر، خصوصاً مع توسيع نشاطها داخل الولايات غير الحدودية؛ مثل مينيسوتا، وإلينوي، ونيويورك، وتعزيز تعاونها مع الشرطة المحلية، ما جعلها حاضرة في مدن لم تكن معتادة على هذا النوع من العمليات الفيدرالية المكثفة. وهو ما فُسّر من قبل منتقدي الوكالة بوصفه تصعيداً في توظيف القوة التنفيذية، وعجزاً في التفريق بين إنفاذ القانون وتنفيذ سياسات الهجرة بطرق متشددة. وفي أحد خطاباته، قال ترمب إن الدولة لا يمكن أن تكون دولة بلا حدود، ولا يمكن للقانون أن يكون قانوناً إذا لم يُنفذ، وهي عبارات تحولت إلى مرجعية سياسية لعمل «آيس».

كما هدّد ترمب باستعمال قانون التمرد الذي لم يتم استخدامه منذ عام 1992، حين استعمله الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في لوس أنجليس، بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية رودني كينغ، على أيدي عناصر من الشرطة. ويعطي هذا القانون الحكومة الفيدرالية صلاحيات تتخطى السلطات المحلية، ويُمكّن الرئيس من نشر قوات مسلحة في الولاية، كما ينقل سلطة التحكم بالحرس الوطني فيها من الحاكم إلى البيت الأبيض.

عناصر «أيس» في مينيابوليس - 21 يناير 2026 (أ.ب)

الموارد البشرية ومشكلة «المتعاقدين»

يبلغ عدد موظفي الوكالة نحو 20 ألف موظف، موزعين بين ضباط تنفيذ، ومحققين فيدراليين، ومحللي استخبارات، وموظفي احتجاز، وكوادر إدارية. ويأتي هؤلاء من خلفيات متنوعة تشمل الشرطة المحلية والولائية، والجيش الأميركي، خصوصاً قدامى المحاربين، ووكالات فيدرالية أخرى، إضافة إلى خريجي جامعات في تخصصات القانون والأمن. ويتلقى المنتسبون تدريباً فيدرالياً متخصصاً يركز على قوانين الهجرة، والإجراءات الجنائية، واستخدام القوة، والسلامة الميدانية، لكنه يبقى أقصر وأقل شمولاً من التدريب العسكري، ما فتح الباب أمام انتقادات تتعلق بجاهزية بعض العناصر للعمل داخل مجتمعات مدنية متوترة.

أحد أكثر الملفات حساسية في عمل «آيس» يتمثل في اعتمادها الواسع على متعاقدين من القطاع الخاص، لا سيما في تشغيل مراكز الاحتجاز ونقل المحتجزين. هؤلاء المتعاقدون لا يتمتعون بالصفة نفسها للموظف الفيدرالي، ولا يخضعون دائماً للمعايير الصارمة ذاتها في التوظيف والمساءلة. ووثقت تقارير حقوقية وإعلامية خلال السنوات الماضية، حالات سوء معاملة وإهمال طبي واستخدام مفرط للقوة داخل مراكز احتجاز تديرها شركات خاصة. ويرى منتقدون أن خصخصة جزء من منظومة الاحتجاز خلقت حوافز مالية غير مباشرة لتوسيع عمليات التوقيف، حيث تُحتسب قيمة بعض العقود على أساس عدد المحتجزين.

ولا يوجد داخل «آيس» برنامج رسمي يمنح المهاجرين غير النظاميين الإقامة أو الجنسية مقابل العمل مع الوكالة، كما هي الحال في الجيش الأميركي. لكن عملياً، تعتمد الوكالة على مخبرين وشهود متعاونين في قضايا تهريب البشر أو الجريمة المنظمة، وقد يحصل بعض هؤلاء على تسهيلات قانونية مثل تأشيرات خاصة لضحايا الجرائم أو الاتجار بالبشر. ويرى محامون أن هذه المساحة الرمادية تثير أسئلة أخلاقية جدية، خصوصاً عندما يكون الشخص مهدداً بالترحيل، ويُطلب منه التعاون تحت ضغط الخوف.

مينيسوتا: مواجهات مفتوحة

بلغ الجدل حول «آيس» ذروته في ولاية مينيسوتا، التي شهدت منذ أواخر عام 2025، انتشاراً واسعاً لعناصر الوكالة ضمن ما عُرف بـ«عملية زيادة سعة المترو»، التي وُصفت بأنها أكبر عملية إنفاذ للهجرة في تاريخ الولاية، وتركزت في مدينتي مينيابوليس وسانت بول، حيث تعيش جالية صومالية كبيرة. السلطات الفيدرالية أعلنت أن العملية استهدفت «مجرمين خطرين» و«مخالفين للقانون»، وأنها أسفرت عن آلاف الاعتقالات، مؤكدة أنها تعيد فرض سيادة القانون بعد سنوات من تراخي الإدارات المحلية. كما أعلنت أنها ستستأنف التقييدات القضائية المفروضة على تعاملها مع المتظاهرين، معتبرة أن مثل هذه القواعد قد تعيق تنفيذ مهامها الأمنية.

لكن ما جرى على الأرض رسم صورة مختلفة في نظر كثيرين؛ ففي يناير (كانون الثاني) 2026، قُتلت رينيه نيكول غود، وهي مواطنة أميركية تبلغ 37 عاماً، خلال عملية نفذها عناصر من «آيس» في مينيابوليس. وتضاربت الروايات حول ملابسات الحادثة، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة: الضحية ليست مهاجرة غير نظامية؛ بل مواطنة أميركية، وهو ما أدى إلى تفجر موجة غضب واسعة، تحولت إلى شرارة أشعلت احتجاجات غير مسبوقة في الولاية.

وفي أحد التطورات الملحوظة، أعلنت الشرطة المحلية أن احتجاجين توقفا بعد أن قام متظاهرون بإعاقة قداس في كنيسة بولاية مينيسوتا احتجاجاً على أن أحد القساوسة يعمل مع «أيس»، ما أثار تحقيق وزارة العدل حول ما إذا كانت تلك الاعتراضات قد انتهكت قوانين خاصة بالأماكن الدينية، أم لا.

المجتمع ساحة اشتباك

عمدة مينيابوليس جاكوب فري، الذي وصف الحملة بأنها «تهدد قدرة شرطة الولاية على حماية السكان»، وجعلت من المجتمع «ساحة اشتباك» بين قوات فيدرالية وسكان مدنيين، قال حينها إن ما حدث ليس الطريقة التي ينبغي أن تُنفذ بها القوانين في مدينته، داعياً إلى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين. وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاجات، لتشمل مسيرات واعتصامات ودعوات إلى عصيان مدني اقتصادي، فيما رفعت سلطات محلية دعاوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي، متهمة «آيس» بتجاوز صلاحياتها وانتهاك الحقوق الدستورية، لا سيما حرية التجمع والحماية من الاعتقال غير المبرر.

بيد أن الأحداث لم تتوقف عند وفاة غود؛ فقد تسببت التحركات الميدانية لـ«آيس» في سلسلة من المواجهات. في 14 يناير الحالي، أُبلغ عن إطلاق نار على رجل من أصل فنزويلي في ساقه بواسطة عنصر من «آيس» أثناء محاولة توقيفه، ما أثار احتجاجات جديدة في شمال مينيابوليس. كما تم تداول فيديوهات على وسائل التواصل أظهرت رجلاً أميركياً في ملابسه الداخلية في طقس شتوي قارس بعد اقتحام منزله دون أمر قضائي واضح، وهو ما أثار غضباً واسعاً حول أساليب التنفيذ نفسها. كما أفادت تقارير محامين بأن بعض الأشخاص المعتقلين حرموا من الاتصال بمحامين، أو الحصول على حقوقهم القانونية الأساسية.

وبلغت «الكوميديا السوداء» حد نشر فيديوهات وصور على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر عرض جواز السفر مع العلم الأميركي وبطاقة الضمان الاجتماعي وقبعة «ماغا» الحمراء (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) على لوحة القيادة الأمامية للسيارة، لتجنب الاعتقال العشوائي.

صورة للأميركية رينيه غود التي قتلت برصاص عنصر «أيس» في 15 يناير 2026 (رويترز)

مأزق «المدينة الملاذ»

دخل القضاء الفيدرالي على الخط، وأصدر قاضٍ أمراً يقيد تعامل عناصر الهجرة مع المتظاهرين السلميين، معتبراً أن بعض الممارسات تختبر حدود التعديلين الأول والرابع في الدستور الأميركي. الإدارة الفيدرالية ردت بالقول إن هذه القيود تعيق إنفاذ القانون، وأعلنت نيتها استئناف القرار، في مواجهة قانونية عكست حجم التوتر بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

يطرح هذا التصعيد سؤالاً جوهرياً حول حدود السلطة الفيدرالية داخل الولايات؛ ففيما يُعرف بـ«المدن الملاذ»، ترفض الشرطة المحلية التعاون مع «آيس» لمنع تحويل ضباطها إلى أدوات لتنفيذ قوانين الهجرة، ما يثير غضب الإدارة الفيدرالية التي ترى في ذلك تمرداً على القانون. وفي دلالة على تصاعد التوتر بين سلطات الولايات والإدارة الفيدرالية، أصدرت الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، حاكمة ولاية فيرجينيا الجديدة، أمراً تنفيذياً قضى بعدم تعاون قوات إنفاذ القانون في الولاية مع وكالة «آيس»، وذلك في اليوم الأول لتسلمها منصبها في الـ17 من الشهر الحالي.

ومن الناحية القانونية، لا تُعد «آيس» ميليشيا، فهي وكالة فيدرالية تعمل بموجب قوانين أقرها الكونغرس الذي يمتلك صلاحية إعادة هيكلتها، أو حتى حلها ودمج مهامها في أجهزة أخرى. وقد طُرحت بالفعل أفكار لفصل ذراع التحقيقات الجنائية عن مهام الترحيل، وإخضاع عمليات التوقيف لرقابة قضائية أشد. لكن عملياً، تبدو هذه السيناريوهات بعيدة المنال في ظل الإدارة الحالية التي جعلت من «القبضة الحديدية» في ملف الهجرة ركيزة أساسية لسياساتها، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الأمني، وتحول الهجرة إلى ملف انتخابي حاسم. ويرى منتقدوها أن اتساع صلاحياتها، محدودية الشفافية، والطابع شبه العسكري لبعض عملياتها، جعلها أقرب إلى قوة أمنية داخلية ذات استقلالية مفرطة؛ فعناصر الوكالة غالباً ما يرتدون ملابس تكتيكية، ويستخدمون سيارات غير مميزة، وينفذون عمليات سريعة ومفاجئة ومداهمات «فجرية» داخل أحياء سكنية، وهي سمات زادت من التوتر وسوء التقدير، وأحياناً من احتمالات العنف.

ويرى باحثون أن المشكلة لا تكمن في وجود «آيس» بحد ذاته؛ بل في «تسييس» عملها وربطه بخطاب أمني متشدد، يحوّل إنفاذ القانون إلى أداة صدامية بدل أن يكون ممارسة مؤسسية خاضعة للرقابة.

أميركيون تجمعوا حداداً في الموقع الذي قتل الممرض أليكس بريتي برصاص «أيس» في مينيابوليس - مينيسوتا (أ.ف.ب)

هل يمكن إصلاح الوكالة؟

تتراوح السيناريوهات المطروحة بين توسيع دور الوكالة وترسيخه، أو إخضاعها لإصلاحات هيكلية تقلص صلاحياتها، أو حتى الدعوة إلى تفكيكها أو دمجها مع أجهزة أخرى. لكن المؤكد أن «آيس» ستظل، في المستقبل المنظور، في قلب النقاش الأميركي حول الهجرة، والسيادة، وحدود استخدام القوة داخل المجتمع المدني. إذ لم تعد «آيس» مجرد قصة جهاز أمني يطبق القانون؛ بل هي صراع على هوية أميركا: هل هي دولة تُعرف بحدودها الصارمة وقبضتها الأمنية؟ أم مجتمع يحمي الحريات الفردية بوصفها أولوية مطلقة؟ ما جرى في مينيسوتا قد لا يكون استثناءً، بل قد يكون نموذجاً مرشحاً للتكرار في ولايات أخرى، مع توسع عمليات «آيس» داخل المدن الكبرى. وفي هذا السياق، تتحول الوكالة إلى مرآة لانقسام أميركا: دولة تسعى إلى فرض القانون باسم الأمن، ومجتمع يخشى أن يدفع ثمن هذا الأمن من حرياته وثقته بالمؤسسات.

في نهاية المطاف، تبقى قصة «آيس» أكثر تعقيداً من اختزالها في ثنائية مؤيد ومعارض؛ فهي نتاج نظام سياسي منقسم، يعمل في منطقة رمادية يلتقي فيها الخوف بالقانون، والأمن بالسياسة. والسؤال الذي تطرحه هذه القصة لا يتعلق بوكالة واحدة فقط؛ بل بجوهر التجربة الأميركية نفسها: كيف يمكن تطبيق القانون، دون أن يتحول إنفاذه إلى مصدر انقسام دائم؟ وكيف يمكن لدولة ديمقراطية أن تحمي حدودها، من دون أن تفقد ثقة مواطنيها؟