«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

ملايين يندفعون إلى «الوهم المشروع» والأرباح الفعلية تقطفها قلّة

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟
TT

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟

في عالمٍ لا يتوقف فيه الإصبع عن التصفح، تبدو الشاشة كأنها نافذة مفتوحة على فرص لا تنتهي. وجوه تبتسم، قصص نجاح تُروى في دقائق، أرقام مشاهدات تتضاعف، وإعلانات تَعِد بأن الهاتف الذكي قد يكون أسرع طريق إلى الاستقلال المالي.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا بوصفها مجرد منصات تواصل، أو أدوات نشر محتوى، بل إنها جزء من منظومة اقتصادية كاملة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحلم». اقتصاد لا يبيع الوظيفة، ولا الدخل، بل يبيع إمكانية النجاح نفسها، ويحوّل الاحتمال النادر إلى وعدٍ جماعي. هنا، لا تُقاس القيمة بما يُنتَج فعلياً، بل بما يُتَخيَّل أنه ممكن: فيديو قد ينتشر، حساب قد ينفجر، لحظة قد تغيّر المسار. وبينما يندفع الملايين للعمل داخل هذا الوهم المشروع، تتكدس الأرباح الحقيقية عند قلّة تملك المنصات، أو تفهم خوارزمياتها، أو سبقت الآخرين بخطوات يصعب تعويضها.

لكن خلف هذا المشهد اللامع، ثمّة اقتصاد بمليارات الدولارات، خفي، ومعقّد، ويقوم على استهلاك الزمن البشري أكثر مما يقوم على إنتاج المعنى. وما تعده المنصات بأنه طريق سريع إلى الاستقلال المالي، لم يظهر على أرض الواقع إلا باعتبار أنه رقم في شاشة لا يُترجم إلى دخل حقيقي.

هذا الاختلال لا يرتبط بجودة المحتوى وحدها، بل بطبيعة «اقتصاد الانتباه» نفسه، حيث تُكافئ الخوارزميات القلة القادرة على جذب التفاعل السريع، وتترك الغالبية تعمل تحت ضغط دائم من دون ضمانات، أو أفق واضح.

ضرورة النجاح

في شقة صغيرة في أحد أحياء غرب لندن، تجلس ناريمان م. قرب نافذة تطل على شارع رمادي لا يهدأ. تعمل مساعدة معلمة في مدرسة ابتدائية، وظيفة تحبها، لكنها بالكاد تكفي لتغطية الإيجار، وفواتير لا ترحم. في مدينة تُحسب فيها أسعار القهوة، وبطاقة القطار، والخبز بالأرقام الثقيلة، بات الدخل المتواضع عبئاً يومياً، لا فكرة مجردة. تقول لنفسها كل مساء إن عليها أن تفعل شيئاً إضافياً، أي شيء، قبل أن يبتلع الغلاء ما تبقى من طمأنينتها.

قبل أشهر، دخلت ناريمان، وهي عربية مقيمة في بريطانيا، عالم السوشيال ميديا كما يدخل كثيرون: بحذر، وبأمل صامت. فتحت حساباً على «إنستغرام»، ثم آخر على «تيك توك»، واختارت موضوعاً قريباً منها ومن الناس من حولها: الصحة اليومية، النفخة، الإمساك، التعب الذي لا يُشخَّص، والأسئلة الصغيرة التي يطرحها كثيرون، ولا يجدون لها جواباً واضحاً. ليست طبيبة، لكنها كانت تحاول أن تجمع ما تتعلمه، أن تصوغه بإرشادات مبسطة، وأن تستعين بالذكاء الاصطناعي ليهذّب النصوص، ويقترح الأفكار. اشتركت في دورات مدفوعة، دفعت من دخلها المحدود، واشترت أدوات رقمية قيل لها إنها «ضرورية للنجاح».

تمضي ناريمان ساعات طويلة بعد يوم عمل شاق. هاتفها مسند إلى كوب، ضوء خافت، نصوص تُكتب وتُمسح، فيديوهات تُعاد عشر مرات قبل أن تُنشر. تراقب الأرقام بصمت: مشاهدات قليلة، تفاعل خجول، لا شيء يشبه قصص النجاح التي تمتلئ بها المنصات. فيديو واحد فقط كسر الصمت، وصل إلى نحو عشرة آلاف مشاهدة. رقم يبدو كبيراً على الشاشة، لكنه في الواقع لم يغيّر شيئاً. لا يوجد دخل، لا عروض، لا إحساس بأن الطريق بات أوضح. مجرد ومضة، ثم عودة إلى الصفر.

تعرف ناريمان أنها لم تحقق «شيئاً بعد»، تقول الجملة بلا دراما، لكن التعب يظهر في صوتها. ومع ذلك، تستمر. كل يوم تتعلم، تقرأ، تشاهد، تحاول فهم هذا العالم الذي يبدو مفتوحاً للجميع، لكنه لا يفتح أبوابه بسهولة لأحد. هي ليست باحثة عن شهرة، ولا تحلم بالملايين، بل بدخل إضافي يحميها من قسوة مدينة لا تهادن.

«اقتصاد المبدعين»

قصتها، بكل بساطتها، تشبه قصص آلاف ممن دخلوا اقتصاد المحتوى بدافع الحاجة، لا الوهم، وهمّ لقمة العيش، ووجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة أكبر بكثير من فيديو، وأقسى بكثير من مجرد «محاولة».

محاولة للدخول إلى «اقتصاد المبدعين» الذي يشهد نمواً هائلاً، إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سوقه عالمياً نحو 480 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقاً لأبحاث «Goldman Sachs».

ويبرز هذا الاقتصاد باعتباره قوة نشطة تُحرّك النشاط الاقتصادي، والتفاعل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُقدَّر قيمته الحالية بنحو 1.3 مليار دولار. وتشير منصة «Qoruz» لتحليلات التسويق بالمؤثرين إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تضم نحو 263000 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بزيادة قدرها 75 في المائة منذ عام 2023.

المنصات والترندات

في المشهد الرقمي هناك منصات محددة تهيمن على اللعبة، أبرزها «YouTube» ،«TikTok» ،«Instagram» ،«Snapchat» ،«Twitch». كل واحدة لها آلياتها الخاصة في نشر المحتوى، وجذب الانتباه، وكلها تبيع الوهم نفسه: إمكانية أن يصبح أي شخص مؤثراً.

لكن شرط أن يتحول المحتوى إلى ترند (أو مادة شائعة) ليس جودة الفكرة فحسب، بل توقيت النشر، وسرعة الانتشار، والتفاعل الأولي الذي يولده ذلك المحتوى. فيديو بسيط يمكن أن يتحول إلى ترند إذا التقطه جمهور كبير في الساعات الأولى، أو دعمته خوارزمية المنصة نفسها عبر الاقتراحات، أو حصل على مشاركة واسعة من حسابات مشهورة. الفئات الأكثر انتشاراً في المنطقة العربية هي أسلوب الحياة والسفر، الموضة والجمال، الصحة واللياقة، والمال والأعمال، والفنون والترفيه، وهو ما يجعل لدى أي محتوى يلمس هذه الاهتمامات فرصة أكبر للتحول إلى ترند، حتى لو لم يكن معقداً، أو إنتاجه باهظاً.

خريطة القوة

ويصف حسين الحازمي، مؤسس ومدير شركات متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى في السعودية، التحول الذي يشهده الإعلام العالمي بأنه «خروج كامل من عباءة النموذج التقليدي». فالمحتوى لم يعد مادة إعلامية تُنتَج ثم تُبَث، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف اليوم بـ«اقتصاد المحتوى»، مشيراً إلى أن هذه المنظومة، وفق تقديرات مؤسسات مالية عالمية، تبلغ قيمتها نحو 250 مليار دولار على مستوى العالم، مع توقعات بأن تصل إلى 480 مليار دولار خلال عامين فقط.

ويقول الحازمي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني العالمي بات يذهب إلى المنصات الرقمية، وهو ما أعاد رسم خريطة القوة داخل الصناعة الإعلامية، ونقل مركز الثقل من المؤسسات الكبرى إلى المنصات العابرة للحدود.

فضاء مزدحم

غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعني بالضرورة أن السوق مزدهرة للجميع. فالحازمي يلفت إلى أن تشبع المحتوى، خصوصاً الترفيهي السريع، خلق وهماً واسع الانتشار بأن الفرص لا تزال مفتوحة بلا سقف. لكن الواقع، كما يراه، أكثر انتقائية. ففي هذا الفضاء المزدحم لم تعد الكثرة هي القيمة، بل النوعية، والقدرة على سد فجوة معرفية حقيقية. من هنا يبرز ما يسميه «الإعلام المعرفي» و«المحتوى المتخصص»، حيث تتحول القيمة من مطاردة الجمهور العام إلى بناء علاقة مع جمهور ضيق، لكنه واعٍ ومهتم، 10 آلاف متابع متخصص، في هذا السياق، قد يشكلون قاعدة اقتصادية أكثر صلابة من مليون متابع لا يبحثون إلا عن التسلية العابرة، على حد تعبير الحازمي.

المفوضية الأوروبية أعلنت أنها بصدد دراسة مقترح «الحزمة الرقمية الشاملة»... (متداولة)

هذا التحليل الاقتصادي يتقاطع، لكنه يختلف في زاويته مع قراءة الدكتور سعيد الدحية الزهراني، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي، الذي ينظر إلى المشهد من منظور فلسفي أعمق. فبرأيه توصيف ما يحدث بأنه «اقتصاد محتوى» يظل قاصراً عن فهم جوهر التحول. ويقول الزهراني لـ«الشرق الأوسط» إن «المنصات لا تتاجر بالمحتوى ذاته، بل بزمن الوعي الإنساني. هي لا تسأل: ماذا نعرض؟ بل: كم دقيقة إضافية يمكن أن نبقي المستخدم داخل المنصة؟».

يستند الزهراني في تفسيره إلى ما يسميه «فلسفة السيولة» في الحضارة الرقمية، حيث لم يعد الزمن يتراكم، بل يتفتت إلى لحظات منفصلة، ولم تعد الهوية ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق الرقمي، ولم يعد المعنى مستقراً، بل أصبح مجموعة سرديات متنافسة. ضمن هذه السيولة تتحول القيمة من العمق إلى السرعة، ومن الأثر طويل المدى إلى التفاعل اللحظي. وهنا تلعب الخوارزميات دور الوسيط السوقي الذي يعيد توزيع الرؤية وفق منطق الأرقام لا المعاني.

«بورصات رمزية»

في هذه السوق عالية السيولة، كما يصف الزهراني، لم تعد المنصات ساحات خطاب عام، بل «بورصات رمزية»، تُتداول فيها الصور، والآراء، والمشاعر باعتبار أنها أصول مؤقتة، منخفضة العمر الافتراضي، وقابلة للاستبدال فوراً. ويترتب على ذلك تحول عميق في طبيعة إنتاج المحتوى نفسه، حيث لم يعد ما يُنتَج هو ما يُعتقد بقيمته، أو صحته، بل ما يُرجَّح أداؤه رقمياً. الفكرة تُجزَّأ، والسياق يُقتطع، والمعنى يُضغط ليصبح قابلاً للاستهلاك السريع.

وسط هذا المشهد، يبدو أن صانع المحتوى لم يعد يعرض فكره، بل يعيد تصميم ذاته. الذات هنا تتحول إلى واجهة استهلاكية، وإلى علامة تجارية قائمة بذاتها. وهذا ما يقود، وفق الزهراني، إلى معضلة فلسفية عميقة تتعلق بتشيئة الإنسان، وسلعنته داخل منظومة رقمية لا تعترف بالثبات، ولا بالمعنى المستقر.

تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)

سوق تنافسية قاسية

هذه القراءة الفلسفية تجد صداها في الواقع الاقتصادي الذي يصفه الدكتور سعود الغربي، أستاذ الإعلام ومؤسس «جمعية إعلاميون» السعودية بأنه «قاسٍ». فمن موقعه الأكاديمي والمهني يرى الغربي، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن السوشيال ميديا يمكن أن تكون مصدراً حقيقياً للدخل، لكنها ليست طريقاً ممهداً، ولا متاحاً للجميع. في السعودية، كما يقول، هناك نماذج واقعية لأشخاص تركوا وظائفهم، أو عوّضهم الفضاء الرقمي عن تعثر مهني، بل إن بعضهم تحولوا إلى رجال أعمال. غير أن هذه القصص، في رأيه، تُقدَّم غالباً بوصفها القاعدة، بينما هي في الحقيقة الاستثناء.

الغربي يلفت إلى أن المنصات نفسها تروّج لخطاب «النجاح السريع»، لأنه يخدم اقتصاد الانتباه، ويغذي تدفق المحتوى المجاني. لكن الواقع يعتمد على استمرارية طويلة، وتخصص واضح، وفهم عميق للسوق الإعلانية. الغالبية، كما يوضح، تعمل لفترات طويلة بلا مقابل فعلي، ومعظم الحسابات لا تصل إلى مرحلة الدخل المستقر. هنا لا يكون الفشل نتيجة ضعف فردي بالضرورة، بل هو انعكاس لطبيعة سوق تنافسية قاسية.

هذا التفاوت في العوائد يفسّره الغربي بما يُعرف اقتصادياً بـ«تأثير النجم»، حيث يستحوذ القليل على معظم الأرباح. فالانتباه مورد نادر، والخوارزميات تميل إلى تعزيز من يملك جمهوراً واسعاً سلفاً. وفي السوق السعودية، كما في غيرها، تفضّل العلامات التجارية الأسماء المعروفة، لأنها أقل مخاطرة، ما يكرّس تركّز الأرباح، ويحدّ من فرص الصاعدين. إنه نموذج غير صحي بالكامل، لأنه يقلل التنوع، ويضعف فرص الابتكار، لكنه في الوقت ذاته انعكاس طبيعي لسوق تحكمها البيانات، لا المعايير المهنية.

سلطة الخوارزميات

وهذا ما يؤكده الحازمي، الذي يتجنب الحديث عما يحققه من مداخيل من هذه «الصناعة»، ويقول: الإحصاءات تشير إلى أن أعلى 4 في المائة فقط من صناع المحتوى يحققون دخلاً يتجاوز 100 ألف دولار سنوياً. دورة حياة المشروع الإعلامي الشخصي تتطلب «فترة حضانة» بين 18 إلى 24 شهراً للوصول إلى نقطة التعادل، مما ينفي فكرة الثراء السريع، ويؤكد ضرورة التعامل مع الصناعة بعقلية «المؤسسة».

وفي قلب هذا النموذج، تقف الخوارزميات بوصفها السلطة الأعلى. فهي، كما يقول الغربي، «رئيس التحرير الخفي» الذي لا يكافئ الجودة وحدها، بل ما يحقق تفاعلاً سريعاً، ويبقي المستخدم أطول وقت ممكن. وهذا ما يجعل المنافسة ممكنة نظرياً، لكنها شديدة الصعوبة عملياً لمن لا يملك رأسمال اجتماعياً، أو شبكة علاقات، أو دعماً تسويقياً.

ومع تسارع التطور التقني، يلوح عامل جديد يزيد المشهد تعقيداً: الذكاء الاصطناعي. يحذّر الحازمي من أن القطاع يقف على أعتاب «زلزال تقني» حقيقي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف إنتاج المحتوى بنسبة تصل إلى 50 في المائة. هذا الانخفاض سيغرق السوق بمحتوى متوسط الجودة، ويجعل التميز أصعب.

عملة بتكوين مطلية بالذهب موضوعة فوق شاشة هاتف ذكي يعرض السعر الحالي للعملة وخيارات البيع والشراء عبر تطبيق منصة التداول الرقمية كوينبيس (أ ف ب)

المخاطر الخفية

في هذه المرحلة المليئة بالتحديات، يرى الحازمي أن البقاء سيكون لمن يملك القدرة على تقديم تحليل عميق، وبصمة بشرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا بديلاً كاملاً، لافتاً إلى أن التحديات تشمل «ديكتاتورية الخوارزميات»، وتشبع السوق التي تضم أكثر من 200 مليون صانع محتوى حول العالم، بالإضافة إلى تغير سلوك الجمهور بسرعة قياسية. كما يعد الضغط النفسي (Burnout) من أبرز المخاطر الخفية للمهنة؛ نتيجة ضرورة الحضور الدائم، ومواكبة الأحداث، والتقنيات المتسارعة.

ويؤكد الحازمي أن السوق السعودية تشهد طفرة هائلة مدعومة ببرامج وطنية، مثل «Ignite»، تهدف إلى تحويل صناع المحتوى من أفراد إلى شركات صغيرة، ومتوسطة (SMEs). ننصح الشباب بالدخول في هذا المجال بعقلية «المشروع» الاستثماري، مع التركيز على القدرة على تحويل الانتباه إلى قيمة ملموسة (Conversion Rate)، بدلاً من الاكتفاء بأرقام المشاهدات.

وهنا يقول الغربي إن «الاستدامة تتحقق عند توفر أربعة شروط: تخصص واضح، نموذج دخل متنوع (إعلانات، منتجات، خدمات)، انتظام طويل المدى، وبناء ثقة حقيقية مع الجمهور. في السعودية المستفيدون الحقيقيون ليسوا فقط صناع المحتوى الكبار، بل المنصات نفسها، وشركات الإعلان، والبراندات التي تستثمر في اقتصاد التأثير. أما صانع المحتوى الفرد فهو الحلقة الأضعف ما لم يتحول من «صانع ترند» إلى «مشروع إعلامي صغير». السوشيال ميديا قد تكون مصدر دخل، لكنها نادراً ما تكون أماناً وظيفياً. الواقعية هنا تعني التعامل معها باعتبارها أداة ضمن منظومة، وليس أنها حلم مستقل بذاته».

من يملك المحتوى؟

لكن بينما ينشغل صناع المحتوى بملاحقة الخوارزميات، وموجات التقنية، يبرز سؤال قانوني لا يقل أهمية: من يملك المحتوى فعلياً؟ هنا يوضح المحامي أحمد الفاضل، المتخصص في حقوق الملكية الفكرية، أن صانع المحتوى يظل المالك الأصلي لأعماله من حيث المبدأ. غير أن شروط الاستخدام التي توافق عليها المنصات تمنحها تراخيص واسعة جداً، تتيح لها استخدام المحتوى، وعرضه، وتعديله، وترخيصه من الباطن، بل واستغلاله تجارياً دون أي مقابل إضافي.

ويقول الفاضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الوضع يخلق مفارقة قانونية واضحة: أنت تملك المحتوى، لكنك لست المالك الوحيد القادر على الاستفادة منه. ورغم وجود قوانين حماية في السعودية، ودول عربية أخرى، ومعاهدات دولية تنظم حقوق المؤلف، فإن إنفاذ هذه القوانين في البيئة الرقمية يظل ضعيفاً. الإجراءات طويلة، ومكلفة، وتحديد هوية المنتهكين غالباً ما يكون صعباً، ما يدفع معظم صناع المحتوى إلى الاكتفاء بآليات الإبلاغ الداخلية للمنصات.

وتتضاعف هذه الهشاشة حين يُغلق حساب فجأة، أو يُقيَّد وصوله بما يُعرف بـ«الحظر الخفي».

ويلفت الفاضل إلى سابقة قضائية في السعودية: في سبتمبر (أيلول) 2025، فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية غرامة قدرها 9000 ريال سعودي على شخص قام بتعديل صورة شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرها دون إذن.

هذه القضية تعتبر خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال حالة نادرة. في معظم الحالات، يضطر صناع المحتوى إلى الاعتماد على آليات الإبلاغ الداخلية للمنصات، والتي قد لا تكون فعالة دائماً.

ويضيف: القانون يوفر حماية نظرية قوية، لكن التطبيق العملي لا يزال ضعيفاً. صناع المحتوى بحاجة إلى أدوات أكثر فعالية لإنفاذ حقوقهم.

ففي معظم الدول العربية لا توجد تشريعات واضحة تنظم هذا النوع من القرارات، ما يجعل المنصات الخصم والحكم في آنٍ واحد. وعلى عكس التجربة الأوروبية التي بدأت تفرض على المنصات قدراً من الشفافية، والمساءلة، لا يزال صناع المحتوى في المنطقة العربية تحت رحمة سياسات متقلبة لا توفر أي ضمان للاستقرار.

بريق الأرقام

في نهاية المطاف تتقاطع كل هذه الخيوط عند سؤال واحد: هل يعيش صناع المحتوى وهْم «العمل الحر»؟ اقتصاد عالمي يُتوقع أن يصل إلى 480 مليار دولار، ويضم مئات الآلاف في الخليج وحده، لا يزال يتعامل مع هؤلاء بوصفهم «مستخدمين» لا «عمالاً». لا عقود، لا حد أدنى للأجور، لا تأمين صحي، ولا حماية من الفصل الرقمي المفاجئ. الفرد هنا هو العلامة التجارية، وهو الوسيط، وهو المنتج، وهو رأس المال، وهو الخاسر الأول عند أي خلل في الخوارزمية.

بين بريق الأرقام وسطوة المنصات يتضح أن صناعة المحتوى ليست مجرد مساحة مفتوحة للإبداع، بل منظومة قوة غير متوازنة تضع الإنسان أمام اختبار يومي: كيف يحافظ على معناه، وكرامته المهنية، وحقه في الاستقرار، داخل سوق لا تعترف إلا باللحظة؟

في نهاية اليوم، تعود ناريمان إلى شقتها نفسها في لندن. الهاتف في يدها، الفيديو الأخير منشور، والأرقام تتحرك ببطء. تعرف الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن ما تمر به ليس فشلاً شخصياً، بل هو جزء من منظومة لا تكافئ الجميع، ولا تعترف إلا باللحظة. ومع ذلك لا تزال تحاول. ليس لأنها تؤمن بوعد الشهرة، بل لأنها، مثل كثيرين غيرها، تحاول فقط أن تحمي نفسها من غلاء لا يرحم. قصتها، بعد كل هذا، لم تعد مجرد محاولة فردية، بل هي مرآة لاقتصاد كامل، يُقال فيه إن الفرص متاحة للجميع، بينما الواقع يثبت أن البقاء فيه ليس للأكثر اجتهاداً دائماً، بل للأكثر توافقاً مع خوارزمية لا ترى الإنسان... بل زمنه فقط.



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني