الأبنودي: أنا مدين للسادات وللإخوان المسلمين بإبداعاتي!

الشاعر المصري يدعو إلى عدم استعجال ثمار الربيع العربي

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي
TT

الأبنودي: أنا مدين للسادات وللإخوان المسلمين بإبداعاتي!

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

لم تمنع سنوات عمره التي تجاوزت الـ75، الشاعر عبد الرحمن الأبنودي من متابعة الأحداث على الساحة بحماس الشباب والانفعال بها إبداعا، فكانت قصيدته «الميدان» أيقونة ثورة يناير التي ألهبت حماس شباب ميدان التحرير وصارت لسان حالهم آنذاك كما كتب قصيدة «آن الأوان» بعد فض اعتصامي الإخوان المسلمين في رابعة والنهضة.
ينتمي الشاعر عبد الرحمن الأبنودي إلى جيل مبدعي الزمن الجميل وهو شاهد على عصر من الإبداع في شتى المجالات ويعد أحد رواد الكتابة بالعامية المصرية واللهجة الصعيدية. وقد غنى كلماته الكثير من مشاهير الطرب في مصر والعالم العربي منهم عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد وشادية ونجاة ومحمد رشدي وعلي الحجار ومحمد الحلو ومحمد منير وأنغام، كما كتب أغنيات تترات أشهر المسلسلات والأفلام وكان أول شاعر عامية يفوز بجائزة الدولة التقديرية.
إلى جانب ذلك أثرى الأبنودي المكتبة الشعرية بالكثير من الدواوين منها «الزحمة» و«جوابات حراجى القط» و «وجوه على الشط» و«صمت الجرس» و«بعد التحية والسلام». ورغم مرضه المزمن واضطراره لمغادرة القاهرة إلى الإسماعيلية لأسباب صحية فإن معينه الإبداعي لم ينضب ولا يزال الخال كما يناديه المصريون ممسكا قلمه وورقته متحديا الزمن الصعب.
هنا حوار معه حول رؤيته للمشهد المصري والعربي، وموقع المثقفين فيه، وخصوصا الشعراء، والدور الذين يمكن أن يلعبوه في التأثير على الأحداث الحالية:
* بداية ما تعليقك على المشهد الحالي في مصر؟
- المشهد واسع جدا ويصعب وصفه كله. ولا شك أن الوضع الحالي في مصر حاليا ومنذ فترة طويلة وضع شديد الصعوبة وبالغ التعقيد لأننا قمنا بثورتين ليس لهما قيادة واضحة أو حزب جماهيري محدد المعالم بحيث يرث قيادة الأمة مباشرة فلجأنا للاستدانة! وفيها نخضع لشروط الدائن وهكذا دخلنا تجربة الإخوان المسلمين لا أعادها الله وفشلوا فشلا ذريعا في قيادتنا بعد أن اعتقدوا أنها فرصتهم التاريخية للاستيلاء على مصر ووضعها في جيوبهم ونفي كل القوى السياسية وحتى الجماهير التي ليست من فصيلهم إلى خارج دائرة الرحمة! وهكذا في لحظة عبقرية للشعب المصري كعادته استطاع أن يقوم بالثورة الثانية في 30 يونيو بفضل المغامرة الوطنية للفريق عبد الفتاح السيسي ووقوف الجيش كمصد أساسي لذلك النهر الأسود الذي كان يتهدد مصر بالرجوع إلى الخلف آلاف السنين، فوضع قدره على كفه واستجاب للإحساس الوطني العميق الذي دفع الشعب المصري كي يخرج للشارع احتجاجا على حكم «الإخوان» فتنفست الجماهير الصعداء وأحست أن «ثمة مخلصا» يخلصهم من هذا الحكم وكان هذا من رحمة الله.
* بحكم معاصرتك للفترة الناصرية بحلوها ومرها، هل تعتقد أن مصر بحاجة إلى ناصر جديد كما ينادي البعض أم إلى قائد من طراز مختلف؟ وما رأيك فيمن يشبهون السيسي بعبد الناصر؟
- أظن أن هذه الأحلام الوردية التي تدور حول عبد الناصر والسيسي والتشابهات المختلقة هي نتيجة الإحساس بقسوة الفترة التي نعيشها وقسوة الخروج منها. فالسيسي أنقذ الشعب من الدخول في حرب أهلية كانت على الأبواب وغامر بذلك مغامرة تتشابه مع مغامرة الضباط الأحرار في ثورة 1952 ولأنه بهذا الموقف أحس الشعب أنه من ضحى لأجله بحياته فظهرت من جديد صورة عبد الناصر ولكنها صورة حلم وليس عبد الناصر الحقيقي. لأن الفترة الحالية ليست هي فترة الخمسينات من القرن الماضي ولأن السيسي ليس عبد الناصر. ولكن منذ فترة ناصر لم نجد حاكما يتعاطف بهذا القدر مع جماهير الشعب المصري. ومن هنا جاءت فكرة انبعاث عبد الناصر مرة أخرى ولكنه يصلح قضية للشعر، ولكن لا تصلح أن يتفاعل معها الواقع بصورة عقلية.
* هل معنى ذلك أنك تؤيد ترشيح السيسي لرئاسة مصر؟
- على الرغم من أن حمدين صباحي صديقي جدا وانتخبته في المرة الماضية لكن مصر الآن في الحقيقة في حاجة لمن يلم شتاتها بقوة. وإذا كنت أصلح أنا الآن لإدارة مصر يكون حمدين صباحي صالحا لنفس الشيء فأنا وحمدين لدينا من القدرة والخبرة ما يجعلنا نفشل بعظمة فنحن لسنا أقوى من الببلاوي ومن سبقه وكل الذين فشلوا في إدارة مصر بعد الثورة.
* لكن في المقابل هناك من يهتف بسقوط حكم العسكر؟
- أعرف ذلك وكنت في قصائدي قد نددت كثيرا بحكم العسكر أيام المجلس العسكري برئاسة طنطاوي وعنان والذين سلموا من خلاله رقبة مصر للإخوان المسلمين ولكن تلك كانت فترة والآن نحن في فترة أخرى وهؤلاء كان بشرا والسيسي شيء آخر.
* فى خضم هذه الأحداث الساخنة هل تشعر أنك ظلمت ولم تلق التكريم اللائق بتاريخك الطويل؟
- أولا دعك من الحكومات، أظن أن الشعب المصري لم يحتف ولم يحب ولم يمنح عاطفته وثقته لشاعر مصري في حياته كما يفعل معي الآن من الحفاة العراة وأهل الجلاليب الفقراء وحتى قمة المثقفين وقد حصلت على جائزة الدولة التقديرية بمصر كأول شاعر يكتب باللهجة العامية وحصلت على جائزة النيل التي هي أعلى الجوائز الأدبية في مصر على الإطلاق، كما حصلت على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من تونس. وعلاقتي بالعرب والجمهور العربي واسعة فماذا أريد أفضل من ذلك! أن أنتظر من الحكومات أن تمنحني نيشانا أو نوطا أو شريطا أخضر في طرفه قطعة حديد أو نحاس أو حتى ذهب فهذه مسألة لا أفكر فيها، وأنا سعيد بما وصلت إليه من علاقة طيبة بالشعب المصري والأمة العربية، ودفاعي عن كل قضاياها وقد دفعت في سبيل ذلك ثمنا غاليا من السجن والمطاردة وغيره من المتاعب التي جنيتها بسبب مواقفي.
* لكن ألا ترى أن هناك تناقضا في مواقفك بين قبولك الجوائز في عهد مبارك ثم ثورتك ضده؟
- بالفعل حصلت على تلك الجوائز الكبرى في زمن حسني مبارك وسارت بعض التقولات لكني قلت وقتها أن الحاكم لا يعطي ولكن الذي يعطي الجائزة هم مثقفو ومفكرو مصر وأنا مدين لهم بالفضل.
* ما تقييمك لدور المثقف المصري والعربي بشكل عام فيما يدور من أحداث على الساحة؟
- يكفي موقف المثقفين وموقفهم ضد الإخوان المسلمين فكانت أول مرة يخرجون فيها من قوقعتهم وابتعادهم عن قضايا الشارع فالمثقف يتحرك على ورق وحجم الأمية لدينا كبير ثم وجدناه ينزل لأول مرة إلى معركة الشارع ليصبح جزءا أساسيا منها. وربما معركة المثقفين المصريين حول وزير الثقافة الإخواني الذي حاول الإخوان أن يأتوا به كانت معركة رائعة وشريفة ولا شك أنها غيرت في مسلكهم وأفكارهم كثيرا. وحركة تمرد التي أعتبرها الأم الشرعية لثورة 30 يونيو قام بها شباب مثقف نجح في كسر العازل بينهم وبين الشارع المصري واستطاعوا أن يدفعوا بالجماهير البسيطة والفقيرة جدا إلى التوقيع على استمارات تمرد ضد وجود الإخوان المسلمين.
* فى رأيك هل عبر مبدعو الربيع العربي عن ثوراتهم كما عبرتم أنتم عن الثورة الناصرية والحلم القومي آنذاك؟
- التحام قيادة ثورة يوليو 1952 بالشارع والجماهير وارتباطها بالمثقفين والمفكرين ودخولها في الصراع مع الاستعمار مباشرة وتحقيق الإجراءات التي أدت إلى تحسين أوضاع الفقراء ذات البعد الاجتماعي والرغبة في القتال والمشاركة في المعارك ضد الاستعمار والصهيونية فجر طاقات إبداعية غير محدودة ولا تحصى. أما الآن فنحن نعيش حيرات وننتقل من حيرة إلى حيرة أخرى منذ ثورة 25 يناير ونحن نرى الاتهامات والشبهات التي أحاطت برموز من شباب 25 يناير بما يعني أننا نعيش الآن فترة مختلفة ومضطربة جدا. لكني لا أخفي عليك أن تجربة ميدان التحرير في 25 يناير جاءت لنا بفنون مختلفة وبشعراء شباب يختلف شعرهم عن أشعارنا فيها نبض الميدان وحركة الزحام وحرارة الهتاف إلى جانب الفرق الغنائية التي انتشرت في كل مكان والتي أنضجتها تجربة ميدان التحرير ويجب ألا نتعجل. وقد انتعشت الرواية أيضا وهذا شيء غريب وغير مألوف إذ إن الرواية تحتاج إلى وقت وإلى انفصال عن العالم ولم يكن أحد يستطيع في مصر أن ينفصل عما يدور من حوله ومع ذلك ازدهرت الرواية! أما عن الشعر فأحمد الله أنني والكثير من زملائي الشعراء لم نقصر وإنما اجتاحتنا الثورة كما اجتاحت كل إنسان في مصر.
* أيهما أكثر تأثيرا في إبداعك فترات الهدوء التي تتيح لك التأمل أم الأحداث الساخنة التي تلهب المشاعر؟
- فترات الركود والهدوء لا تستفزني وإنما حرارة الأحداث هي التي تلهب مشاعري، ففي خضم أحداث عام مضى كتبت ونشرت مربعاتي الشعرية في جريدة «التحرير» القاهرية يوميا وأنا مدين للإخوان المسلمين كما كنت مدينا لأنور السادات بأنهم وراء فيض إبداعاتي حيث إنني في فترة حسني مبارك كنت كالبركة الراكدة لأنها كانت دهنية وراكدة فلم تستثر فينا حرارة الصراع الذي يولد الشعر. وأعتقد أنه في الفترة من 25 يناير وحتى الآن قدمت الكثير من الأعمال. أنت تذكرين قصيدة «الميدان» وهي أول قصيدة قيلت قبل عزل المعزول وصارت أيقونة ميدان التحرير وأعطت الكثير من الثقة والأمان للشباب وتابعتها بقصائد حديثة وحتى الآن لا أكف.
* هل للزمن أثر على تناقص فيض الإبداع؟ ومتى ينضب معين الشاعر؟
- أظن أنه ليس للسن ولا لتقدم العمر صلة بالإبداع وأذكر أن نجيب محفوظ حبيبنا وصديقنا وعمنا الكبير ظل يكتب وحتى في فترة احتضاره الطويل كان يكتب أحلام فترة النقاهة. سأظل أكتب طالما أني مرتبط بهذا الوطن وحياة الناس. المبدع بشكل عام لا يعيش لنفسه فقط، وهو يستطيع أن يتجاهل المرض ويجعل من الظروف الخاصة فرصة للتعبير عن الوطن، ونحن نذكر الشاعر محمود درويش وما كان يعانيه قلبه ومع ذلك ظل يكتب حتى آخر لحظة في عمره. فالشعر الصادق لا صلة له بشاعره وإنما يخرج لوجه الله والأمة والوطن.
* ما جديدك بعد تجربة المربعات الشعرية؟
- حاليا أكتب مجموعة رباعيات شعرية جديدة لمسلسل «دهشة» للمخرج شادي الفخراني، بطولة يحيى الفخراني، يؤديها كورال جماعي في المسلسل على ألحان الموسيقار عمر خيرت.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي