الأبنودي: أنا مدين للسادات وللإخوان المسلمين بإبداعاتي!

الشاعر المصري يدعو إلى عدم استعجال ثمار الربيع العربي

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي
TT

الأبنودي: أنا مدين للسادات وللإخوان المسلمين بإبداعاتي!

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

لم تمنع سنوات عمره التي تجاوزت الـ75، الشاعر عبد الرحمن الأبنودي من متابعة الأحداث على الساحة بحماس الشباب والانفعال بها إبداعا، فكانت قصيدته «الميدان» أيقونة ثورة يناير التي ألهبت حماس شباب ميدان التحرير وصارت لسان حالهم آنذاك كما كتب قصيدة «آن الأوان» بعد فض اعتصامي الإخوان المسلمين في رابعة والنهضة.
ينتمي الشاعر عبد الرحمن الأبنودي إلى جيل مبدعي الزمن الجميل وهو شاهد على عصر من الإبداع في شتى المجالات ويعد أحد رواد الكتابة بالعامية المصرية واللهجة الصعيدية. وقد غنى كلماته الكثير من مشاهير الطرب في مصر والعالم العربي منهم عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد وشادية ونجاة ومحمد رشدي وعلي الحجار ومحمد الحلو ومحمد منير وأنغام، كما كتب أغنيات تترات أشهر المسلسلات والأفلام وكان أول شاعر عامية يفوز بجائزة الدولة التقديرية.
إلى جانب ذلك أثرى الأبنودي المكتبة الشعرية بالكثير من الدواوين منها «الزحمة» و«جوابات حراجى القط» و «وجوه على الشط» و«صمت الجرس» و«بعد التحية والسلام». ورغم مرضه المزمن واضطراره لمغادرة القاهرة إلى الإسماعيلية لأسباب صحية فإن معينه الإبداعي لم ينضب ولا يزال الخال كما يناديه المصريون ممسكا قلمه وورقته متحديا الزمن الصعب.
هنا حوار معه حول رؤيته للمشهد المصري والعربي، وموقع المثقفين فيه، وخصوصا الشعراء، والدور الذين يمكن أن يلعبوه في التأثير على الأحداث الحالية:
* بداية ما تعليقك على المشهد الحالي في مصر؟
- المشهد واسع جدا ويصعب وصفه كله. ولا شك أن الوضع الحالي في مصر حاليا ومنذ فترة طويلة وضع شديد الصعوبة وبالغ التعقيد لأننا قمنا بثورتين ليس لهما قيادة واضحة أو حزب جماهيري محدد المعالم بحيث يرث قيادة الأمة مباشرة فلجأنا للاستدانة! وفيها نخضع لشروط الدائن وهكذا دخلنا تجربة الإخوان المسلمين لا أعادها الله وفشلوا فشلا ذريعا في قيادتنا بعد أن اعتقدوا أنها فرصتهم التاريخية للاستيلاء على مصر ووضعها في جيوبهم ونفي كل القوى السياسية وحتى الجماهير التي ليست من فصيلهم إلى خارج دائرة الرحمة! وهكذا في لحظة عبقرية للشعب المصري كعادته استطاع أن يقوم بالثورة الثانية في 30 يونيو بفضل المغامرة الوطنية للفريق عبد الفتاح السيسي ووقوف الجيش كمصد أساسي لذلك النهر الأسود الذي كان يتهدد مصر بالرجوع إلى الخلف آلاف السنين، فوضع قدره على كفه واستجاب للإحساس الوطني العميق الذي دفع الشعب المصري كي يخرج للشارع احتجاجا على حكم «الإخوان» فتنفست الجماهير الصعداء وأحست أن «ثمة مخلصا» يخلصهم من هذا الحكم وكان هذا من رحمة الله.
* بحكم معاصرتك للفترة الناصرية بحلوها ومرها، هل تعتقد أن مصر بحاجة إلى ناصر جديد كما ينادي البعض أم إلى قائد من طراز مختلف؟ وما رأيك فيمن يشبهون السيسي بعبد الناصر؟
- أظن أن هذه الأحلام الوردية التي تدور حول عبد الناصر والسيسي والتشابهات المختلقة هي نتيجة الإحساس بقسوة الفترة التي نعيشها وقسوة الخروج منها. فالسيسي أنقذ الشعب من الدخول في حرب أهلية كانت على الأبواب وغامر بذلك مغامرة تتشابه مع مغامرة الضباط الأحرار في ثورة 1952 ولأنه بهذا الموقف أحس الشعب أنه من ضحى لأجله بحياته فظهرت من جديد صورة عبد الناصر ولكنها صورة حلم وليس عبد الناصر الحقيقي. لأن الفترة الحالية ليست هي فترة الخمسينات من القرن الماضي ولأن السيسي ليس عبد الناصر. ولكن منذ فترة ناصر لم نجد حاكما يتعاطف بهذا القدر مع جماهير الشعب المصري. ومن هنا جاءت فكرة انبعاث عبد الناصر مرة أخرى ولكنه يصلح قضية للشعر، ولكن لا تصلح أن يتفاعل معها الواقع بصورة عقلية.
* هل معنى ذلك أنك تؤيد ترشيح السيسي لرئاسة مصر؟
- على الرغم من أن حمدين صباحي صديقي جدا وانتخبته في المرة الماضية لكن مصر الآن في الحقيقة في حاجة لمن يلم شتاتها بقوة. وإذا كنت أصلح أنا الآن لإدارة مصر يكون حمدين صباحي صالحا لنفس الشيء فأنا وحمدين لدينا من القدرة والخبرة ما يجعلنا نفشل بعظمة فنحن لسنا أقوى من الببلاوي ومن سبقه وكل الذين فشلوا في إدارة مصر بعد الثورة.
* لكن في المقابل هناك من يهتف بسقوط حكم العسكر؟
- أعرف ذلك وكنت في قصائدي قد نددت كثيرا بحكم العسكر أيام المجلس العسكري برئاسة طنطاوي وعنان والذين سلموا من خلاله رقبة مصر للإخوان المسلمين ولكن تلك كانت فترة والآن نحن في فترة أخرى وهؤلاء كان بشرا والسيسي شيء آخر.
* فى خضم هذه الأحداث الساخنة هل تشعر أنك ظلمت ولم تلق التكريم اللائق بتاريخك الطويل؟
- أولا دعك من الحكومات، أظن أن الشعب المصري لم يحتف ولم يحب ولم يمنح عاطفته وثقته لشاعر مصري في حياته كما يفعل معي الآن من الحفاة العراة وأهل الجلاليب الفقراء وحتى قمة المثقفين وقد حصلت على جائزة الدولة التقديرية بمصر كأول شاعر يكتب باللهجة العامية وحصلت على جائزة النيل التي هي أعلى الجوائز الأدبية في مصر على الإطلاق، كما حصلت على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من تونس. وعلاقتي بالعرب والجمهور العربي واسعة فماذا أريد أفضل من ذلك! أن أنتظر من الحكومات أن تمنحني نيشانا أو نوطا أو شريطا أخضر في طرفه قطعة حديد أو نحاس أو حتى ذهب فهذه مسألة لا أفكر فيها، وأنا سعيد بما وصلت إليه من علاقة طيبة بالشعب المصري والأمة العربية، ودفاعي عن كل قضاياها وقد دفعت في سبيل ذلك ثمنا غاليا من السجن والمطاردة وغيره من المتاعب التي جنيتها بسبب مواقفي.
* لكن ألا ترى أن هناك تناقضا في مواقفك بين قبولك الجوائز في عهد مبارك ثم ثورتك ضده؟
- بالفعل حصلت على تلك الجوائز الكبرى في زمن حسني مبارك وسارت بعض التقولات لكني قلت وقتها أن الحاكم لا يعطي ولكن الذي يعطي الجائزة هم مثقفو ومفكرو مصر وأنا مدين لهم بالفضل.
* ما تقييمك لدور المثقف المصري والعربي بشكل عام فيما يدور من أحداث على الساحة؟
- يكفي موقف المثقفين وموقفهم ضد الإخوان المسلمين فكانت أول مرة يخرجون فيها من قوقعتهم وابتعادهم عن قضايا الشارع فالمثقف يتحرك على ورق وحجم الأمية لدينا كبير ثم وجدناه ينزل لأول مرة إلى معركة الشارع ليصبح جزءا أساسيا منها. وربما معركة المثقفين المصريين حول وزير الثقافة الإخواني الذي حاول الإخوان أن يأتوا به كانت معركة رائعة وشريفة ولا شك أنها غيرت في مسلكهم وأفكارهم كثيرا. وحركة تمرد التي أعتبرها الأم الشرعية لثورة 30 يونيو قام بها شباب مثقف نجح في كسر العازل بينهم وبين الشارع المصري واستطاعوا أن يدفعوا بالجماهير البسيطة والفقيرة جدا إلى التوقيع على استمارات تمرد ضد وجود الإخوان المسلمين.
* فى رأيك هل عبر مبدعو الربيع العربي عن ثوراتهم كما عبرتم أنتم عن الثورة الناصرية والحلم القومي آنذاك؟
- التحام قيادة ثورة يوليو 1952 بالشارع والجماهير وارتباطها بالمثقفين والمفكرين ودخولها في الصراع مع الاستعمار مباشرة وتحقيق الإجراءات التي أدت إلى تحسين أوضاع الفقراء ذات البعد الاجتماعي والرغبة في القتال والمشاركة في المعارك ضد الاستعمار والصهيونية فجر طاقات إبداعية غير محدودة ولا تحصى. أما الآن فنحن نعيش حيرات وننتقل من حيرة إلى حيرة أخرى منذ ثورة 25 يناير ونحن نرى الاتهامات والشبهات التي أحاطت برموز من شباب 25 يناير بما يعني أننا نعيش الآن فترة مختلفة ومضطربة جدا. لكني لا أخفي عليك أن تجربة ميدان التحرير في 25 يناير جاءت لنا بفنون مختلفة وبشعراء شباب يختلف شعرهم عن أشعارنا فيها نبض الميدان وحركة الزحام وحرارة الهتاف إلى جانب الفرق الغنائية التي انتشرت في كل مكان والتي أنضجتها تجربة ميدان التحرير ويجب ألا نتعجل. وقد انتعشت الرواية أيضا وهذا شيء غريب وغير مألوف إذ إن الرواية تحتاج إلى وقت وإلى انفصال عن العالم ولم يكن أحد يستطيع في مصر أن ينفصل عما يدور من حوله ومع ذلك ازدهرت الرواية! أما عن الشعر فأحمد الله أنني والكثير من زملائي الشعراء لم نقصر وإنما اجتاحتنا الثورة كما اجتاحت كل إنسان في مصر.
* أيهما أكثر تأثيرا في إبداعك فترات الهدوء التي تتيح لك التأمل أم الأحداث الساخنة التي تلهب المشاعر؟
- فترات الركود والهدوء لا تستفزني وإنما حرارة الأحداث هي التي تلهب مشاعري، ففي خضم أحداث عام مضى كتبت ونشرت مربعاتي الشعرية في جريدة «التحرير» القاهرية يوميا وأنا مدين للإخوان المسلمين كما كنت مدينا لأنور السادات بأنهم وراء فيض إبداعاتي حيث إنني في فترة حسني مبارك كنت كالبركة الراكدة لأنها كانت دهنية وراكدة فلم تستثر فينا حرارة الصراع الذي يولد الشعر. وأعتقد أنه في الفترة من 25 يناير وحتى الآن قدمت الكثير من الأعمال. أنت تذكرين قصيدة «الميدان» وهي أول قصيدة قيلت قبل عزل المعزول وصارت أيقونة ميدان التحرير وأعطت الكثير من الثقة والأمان للشباب وتابعتها بقصائد حديثة وحتى الآن لا أكف.
* هل للزمن أثر على تناقص فيض الإبداع؟ ومتى ينضب معين الشاعر؟
- أظن أنه ليس للسن ولا لتقدم العمر صلة بالإبداع وأذكر أن نجيب محفوظ حبيبنا وصديقنا وعمنا الكبير ظل يكتب وحتى في فترة احتضاره الطويل كان يكتب أحلام فترة النقاهة. سأظل أكتب طالما أني مرتبط بهذا الوطن وحياة الناس. المبدع بشكل عام لا يعيش لنفسه فقط، وهو يستطيع أن يتجاهل المرض ويجعل من الظروف الخاصة فرصة للتعبير عن الوطن، ونحن نذكر الشاعر محمود درويش وما كان يعانيه قلبه ومع ذلك ظل يكتب حتى آخر لحظة في عمره. فالشعر الصادق لا صلة له بشاعره وإنما يخرج لوجه الله والأمة والوطن.
* ما جديدك بعد تجربة المربعات الشعرية؟
- حاليا أكتب مجموعة رباعيات شعرية جديدة لمسلسل «دهشة» للمخرج شادي الفخراني، بطولة يحيى الفخراني، يؤديها كورال جماعي في المسلسل على ألحان الموسيقار عمر خيرت.



على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.