جونج يو جونج: أسعى لاكتشاف الجانب المظلم في النفس البشرية

الكاتبة الكورية قالت لـ «الشرق الأوسط» إن فرحها يتجدد كلما تُرجم لها عمل للغات أخرى

الكاتبة الكورية جونج يو جونج
الكاتبة الكورية جونج يو جونج
TT

جونج يو جونج: أسعى لاكتشاف الجانب المظلم في النفس البشرية

الكاتبة الكورية جونج يو جونج
الكاتبة الكورية جونج يو جونج

تُعدّ جونج يو جونج من رواد أدب التشويق والجريمة والإثارة النفسية على الساحة الأدبية في دولة كوريا الجنوبية، وقد أطلقت عليها صحيفة «دي تسايت» الألمانية لقب «ستيفن كنج كوريا»، لكن ما يميز «جونج» هو نزعتها الإنسانية التي تسعى لتحليل التناقضات البشرية بشكل معمق. اختيرت روايتها «سبع سنوات في الظلام» ضمن أفضل عشر روايات حول العالم في هذا المجال عام 2015، وتُرجمت أعمالها إلى اللغات الصينية واليابانية والفرنسية والتايلاندية. وتُعدّ رواية «جريمة الابن الصالح»، التي قام بترجمتها محمد نجيب، وصدرت أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، أول أعمالها المترجمة إلى العربية.
هنا حوار معها عبر «الإنترنت»، حول روايتها الجديدة، وانطباعها عن ترجمتها للعربية، وهموم الكتابة.

> روايتكِ المترجمة إلى العربية يبدو العنوان فيها لافتاً «جريمة الابن الصالح»، على أي أساس تختارين عناوين أعمالك؟
- في الواقع، إنها لمصادفة رائعة أن يكون عنوان الرواية جذاباً للقراء العرب، هذا من حسن حظي، إذ لا أعدُّ نفسي من المؤلفين الذين يمكنهم اختيار عناوين رائعة لأعمالهم. وأتمنى بشدة أن تترك عناوين أعمالي دائماً انطباعاً جيداً لدى قرائي.
> هل تتعمدين أن يبدأ التشويق منذ العنوان، كما في روايتك «سبع سنوات في الظلام»؟
- عادةً ما أُفضّل العناوين الساخرة أو البديهية التي لا تحمل أي عمق. لذلك مرت «سبع سنوات في الظلام» بعدة مراحل قبل الاستقرار على هذا العنوان، إذ كان عنوانها، في البداية، «عيد ميلاد سعيد»؛ والذي اعترض عليه الناشرون الكوريون بشدة، وشرحوا أن هذا العنوان مضلِّل وغير جذاب، كما أنه لا يعبر عن روح الكتاب، على الإطلاق. وأخيراً أدركت أن العنوان بالفعل غير مناسب للكتاب، لذلك بعد نقاش مُرهق مع فريق التحرير العزيز، وصلنا إلى عنوان «سبع سنوات في الظلام». كلما صرحت بهذا الأمر ينفجر الجمهور ضاحكاً، وألقى ردود أفعال مثل: «يا إلهي، عيد ميلاد سعيد؟! ما الذي كنتِ تفكرين فيه، بحق السماء؟».
> رواية «جريمة الابن الصالح» تتناول مأساة شاب في علاقته الملتبسة بأمه، وتطرح سؤالاً دالّاً: من يمكن أن تثق فيه إذا لم تثق في ذاكرتك؟.. في أي شيء كنتِ تفكرين وأنت تكتبين هذا العمل؟
- لا أنسى كيف بدأت كتابة تلك الرواية أبداً، لم أكن أنتوي أن أكتبها بهذه الطريقة، أو أن أكتبها من أجل الصدمة في حد ذاتها، كان هدفي الأساسي أن أصور التسلسل الزمني الذي يستغرقه رجل عادي ليصبح شخصاً شريراً، أن أصور قصة أصلية من هذا النوع، وليس بالضرورة قصة عن الأفعال الشريرة، أردت أن ألتقط تلك اللحظات عندما يطغى الجانب المظلم في النفس البشرية، ويحث الشخصَ لتجاوز كثير من الخطوط. وهذا الجانب المظلم هو ما أسعى لإبرازه عموماً، لذلك كان عليَّ أن أبدأ بهذه اللحظة المحورية للشخصية التي تدمر حياة والدتها.
> تبدأ الرواية بمشهد استيقاظ «يو-جين» على رائحة دم غريبة، وسرعان ما يكتشف جثة أمه المقتولة، لكنه يُدخل القارئ في دوامة من التبريرات المُرهقة... ما الذي كنتِ تريدين توصيله في تلك الجزئية تحديداً؟
- طريقة التعبير في «جريمة الابن الصالح» كان لها شكلان؛ السرد باستخدام ضمير المتكلم عن طريق راوٍ غير موثوق به نهائياً يبرر أفعاله دائماً، يغسل دماغ القارئ. هذا ما يجعله في تحدٍّ لجميع الأعراف الأخلاقية والاجتماعية بمرور الوقت. بالطبع يرتبك القارئ في بعض الأحيان، وقد أردت أن يفكر القارئ في هذا التعاطف اللاواعي والحتمى الذي يشعر به تجاه الشخص الذي تحوَّل إلى وحش مرعب، وأن يتساءل عما إذا كان لديه هو أيضاً هذا الجانب المظلم في شخصيته، كان كل هدفي عرض الطريقة التي يعمل بها عقل المريض «السايكوباتي».
يملك «السايكوباتيون» هذه الصورة المشوَّهة عن أنفسهم، كأشخاص يتخذون دائماً القرار الصحيح، ويتصرفون بشكل مثالي، أعتقد أن تبرير الإنسان لنفسه هو الشر الحقيقي، أردت أن يختبر القارئ هذه الحقيقة من خلال سرد راو مضطرب نفسياً. وبطريقةٍ ما أملت أن أعطي القراء بعض الأفكار، في حالة مقابلة أي أشخاص مضطربين نفسياً في حياتهم.
> غالباً ما يقارنكِ النقاد بأيقونة أدب الرعب الأشهر ستيفن كنج، كيف ترين تلك المقارنة؟ وما علاقتكِ بأدب ستيفن كنج؟
- أعدُّ ستيفن كينج معلِّمي بطريقة ما، بالطبع هو لا يعلم أن لديه متدربة مثلي، عندما كنت كاتبة مبتدئة قرأت جميع أعماله، وحللت عوامل التشويق والإثارة، وتطور الحبكة، وتصاعد الأحداث التي اشتهر بها، وبهذه الطريقة جمعت مهاراتي بصفتي كاتبة أعمال إثارة، لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً لتنمية طريقتي الفريدة والمميزة في السرد القصصي، وبعض العناصر الجمالية، أنا معجَبة بستيفن لدرجة أنني أتمنى أن يصبح خالداً ليواصل تأليف كتاب تلو الآخر؛ حتى نستمتع به لقرون مقبلة، لا أعرف إذا كان يجب أن أوافق على المقارنة أم لا، لا أريد أن أضع أعين معجَبي ستيفن في جميع أنحاء العالم، عليَّ.
> صُنّفت روايتك «سبع سنوات في الظلام» ضمن أفضل عشرة أعمال عالمية تناولت أدب الجريمة عام 2015، وفقاً لصحيفة «دي تسايت» الألمانية، كيف ترين تجربتك في سياقها العالمي؟
- أفكر أحياناً في طبيعة القصص المتنقلة بشكل دوري؛ كيف يمكن لقصة كُتبت على مكتب صغير في شقة بشبه الجزيرة هذه من قارة آسيا، أن تسافر حول العالم، وتصل إلى القراء على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. أعتقد أن أكثر القصص انتشاراً على الإطلاق تلك القصص التي تتناول الطبيعة البشرية، إذ لدينا جميعاً الجانب المظلم بداخلنا، ننظر إلى هذه الهاوية خائفين ولكن فضوليين. هذه الهاوية هي موضوعي الأهمّ، أشعر بأن القراء حول العالم قد أدركوا هذا الأمر، وشعروا بأن القصة يتردد صداها في حياتهم بسبب إدراكي لذلك الظلام الذي نتشاركه جميعاً، لا أظن أن أشياء كثيرة تغيرت منذ أن أصبحت معروفة عالمياً، أنا فقط أكتب، لكن أشعر بهذا الشعور المتجدد بالفرح؛ كون عملي يترجَم إلى لغات مختلفة وسوف يقرؤه أناس من ثقافة ولغة أخرى.
> هل من المهم لأديب الإثارة النفسية والجريمة أن يثقف نفسه في مجال التحليل النفسي؟
- نعم، بالتأكيد، لا يستطيع الكاتب أن يكتب كثيراً إن لم تكن لديه معرفة حقيقية، لا يمكن للكاتب أن يدَع مجرد ذبابة واحدة تطير في هواء العالم القصصي الذي خلقه دون سبب ومبرر وجيه، أعني أنه لا بد أن يكون هناك تفسير لوجود الذبابة، بالنسبة إلى الشخصية وواقع القصة، يجب أن يكون الكاتب على علم بالعالم الخيالي من الداخل والخارج، مدعوماً بالمعرفة المحيطة بالموضوع الذي يكتب عنه. لقد درست الغوص، وهياكل السدود أثناء العمل على «سبع سنوات في الظلام»، كما قرأت كل كتاب وصلت إليه حول علم الإجرام والدراسات الأجنبية التي تتناول الاضطرابات النفسية «السايكوباتية»؛ من أجل كتابة «جريمة الابن الصالح».
> ما الذي تضعينه في حسبانك حين تُقْدمين على كتابة رواية تشويق جديدة؟
- قبل كل شيء، لستُ ماهرة جداً في كتابة الحبكة الملتوية، الأمر يتعارض مع شخصيتي التي لا تفضِّل تضليل شخص ما، ثم مفاجأته بشيء غير متوقع نهائياً بالقرب من النهاية. كثير من رواياتي يفتقر لهذه «التقلبات الكبيرة». يطرح معظم كتبي هذا السؤال المهم: «هكذا أرى العالم والحياة الإنسانية، ماذا عنك؟». لكي يتطرق الكاتب إلى هذا السؤال، يحتاج إلى فهم الإنسانية والتأمل فيها بشكل عميق. لكي ينظر القراء في هذا السؤال، لا بد أن يتم نقلهم وتحريكهم من أماكنهم. ولكي تُنقل إلى مكان آخر، لا بد أن تُجذب إلى قصة الشخصية الرئيسية ومتابعتها، وأن تفكر في هذا السؤال، طوال الطريق. أودُّ أن أقول إن الصفة الأهم في الرواية الجيدة هي قوة «تحريك» القراء، وأعتقد أن هذا ينطبق على جميع الأنواع في الأدب.
> ما الذي جذبك إلى هذا النوع من الأدب؟
- تاريخ البشرية لا يتجاوز ثلاث ثوان فقط في تاريخ التطور بأكمله، والذي جرى تلخيصه في 24 ساعة. إذا قارنّا هذا مع تاريخ كوكبنا فهو حقاً مجرد وميض، ربما كان هذا الوقت كافياً لحضارتنا لأن تزدهر وتنمو بشكل بالغ، لكنه كان قصيراً جداً فلم يجعلنا نتطور بشكل يختلف كلياً عما بدأنا به من غرائز بدائية يمكن أن نطلق عليها الطبيعة البشرية الحقيقية، وهذا ما يجعلنا معقّدين جداً ومتناقضين. روايات الإثارة هي نوع من القصص التي تستكشف هذا الجانب من الطبيعة البشرية، لذلك بالطبع، إنه أمر رائع.
> لماذا يحتل أدب التشويق وألغاز الجرائم صدارة المبيعات حول العالم، برأيكِ؟
- لأن هذا الأدب يقدم ما يمكن أن نسميه «الروايات المظلمة»؛ حيث اللغز والغموض. الهدف من الرواية الغامضة هو العثور على الجاني في جريمة القتل، يتابع القارئ القصة ليجد الأدلة المخفية، ويخمّن مَن الجاني، لذلك فإن التقلبات والتنبؤات مهمة أكثر من عوامل التشويق الموجودة، في وصف نفسية كل شخصية، ويجب على القارئ أن ينخرط فكرياً، وليس عاطفياً فحسب، إنها لعبة ذهنية تثير فكره وتحفزه، هكذا تحافظ رواية الإثارة الجيدة على مواصلة القارئ تجربة القراءة، وركوبه عجلة العواطف الدائرية، طوال الليل وحتى الفجر، مع تسارع دقات قلبه. إن هدفي الأساسي من كل روايات الإثارة التي أكتبها هو أن أجعل القارئ يتساءل عن مفارقات الحياة والإنسان في نهاية كل يوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
TT

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)

في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، أصبحت القدرة على تهدئة النفس مهارة أساسية يحتاج إليها كل شخص بالغ للتعامل مع الضغوط والتوترات اليومية. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذه المهارة لا تقتصر على الشعور بالراحة اللحظية فحسب؛ بل تنعكس أيضاً على جودة العلاقات، والقدرة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً ووعياً، حسب مجلة «Real Simple» الأميركية.

وتوضح المعالجة النفسية الأميركية نعومي جرينستون أن تهدئة النفس تساعد الإنسان على فهم الإشارات التي يرسلها الجسد عند التوتر، والتعامل معها بوعي بدلاً من الانسياق وراء ردود الفعل الاندفاعية. وتشير إلى أن المشاعر تمثل معلومات تعكس طريقة استجابتنا لما يحدث حولنا، وأن إدارتها بشكل صحيح تتيح التفكير بهدوء واتخاذ قرارات أكثر عقلانية.

وتضيف المعالجة النفسية الأميركية ماندولين مودي، أن فوائد تهدئة النفس لا تقتصر على اللحظة الحالية فقط، بل تمتد لتشمل تحسين القدرة على حل المشكلات وبناء علاقات صحية. ويؤكد الخبراء أن تهدئة النفس ليست مهارة فطرية بالضرورة، بل يمكن تعلمها وتطويرها مع الممارسة، ما يعزز قدرة الفرد على التعامل مع ضغوط الحياة اليومية بثبات ووعي أكبر.

ويشدد الخبراء على أنه لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع لتهدئة النفس، بل يُفضّل امتلاك مجموعة متنوعة من الأساليب التي يمكن استخدامها حسب طبيعة الموقف والمشاعر المصاحبة له. ومن بين هذه الأساليب:

الاعتراف بالتوتر

بدلاً من تجاهل الشعور بالتوتر، يُنصح بالتوقف للحظة وملاحظة موضعه في الجسد، مثل ضيق الصدر أو شدّ العضلات، مع وضع اليد على هذا الموضع والاعتراف بالمشاعر، وهذه الخطوة البسيطة تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتعزيز الإحساس بالاستقرار.

تنشيط الحواس الخمس

يمكن تهدئة النفس عبر التركيز على ما تراه أو تسمعه أو تشمه أو تلمسه أو تتذوقه، مثل ملاحظة رائحة عطر، أو صوت هادئ، أو ملمس مريح، وهذه الطريقة تعيد الانتباه إلى اللحظة الحالية وتخفف من حدة التوتر.

تغيير مجال الرؤية

يمكن تحريك العينين ببطء من اليمين إلى اليسار، مع مسح البيئة المحيطة، ما يساعد على إرسال إشارات أمان إلى الدماغ، وهذا يقلل من استجابة الخطر ويعيد الشعور بالهدوء.

الضغط بالقدمين على الأرض

الضغط بالقدمين على الأرض أو ضم راحتي اليدين معاً والتركيز على الإحساس الناتج، يساعد على إعادة الاتصال بالجسد وتقليل التشتت الذهني.

حضن الفراشة

تعتمد هذه التقنية على تحفيز جانبي للجسم، من خلال وضع الذراعين بشكل متقاطع على الصدر بحيث تلمس كل يد الكتف المقابل، ثم القيام بربتات خفيفة ومتبادلة بين الجانبين، مع التنفس ببطء وعمق. ويمكن تكرار الحركة مرات عدة مع التركيز على الإحساس الناتج عن اللمس، ما يساعد على تهدئة التوتر وإعادة التوازن للجهاز العصبي. وتُستخدم هذه التقنية في بعض أساليب علاج الصدمات النفسية وتخفيف التوتر السريع.

تحدي الأفكار السلبية

يتم ذلك من خلال مراجعة الأفكار التلقائية السلبية والبحث عن الأدلة التي تدعمها أو تنفيها، وبذلك يمكن إعادة صياغتها بشكل أكثر توازناً وواقعية، ما يخفف من حدة المشاعر السلبية ويعزز التفكير العقلاني.


«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)
محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)
TT

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)
محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم لأول مرة «ثنائيات فنية»، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد»، و«إذما»، في رهان فني على اجتذاب جمهور الطرفين، خصوصاً أن لكل منهما شكلاً ولوناً فنياً مختلفاً اشتهر به في أعماله السابقة.

ويأتي فيلم «أسد» الذي أعلن صناعه عن عرضه خلال شهر مايو «أيار» المقبل، في مقدمة القائمة، إذ يشكل الفيلم عودة للفنان محمد رمضان بعد غياب 3 سنوات عن السينما، وتقف أمامه رزان جمال لأول مرة، وكتب رمضان تعليقاً على اقتراب عرض فيلمه: «هل يسمحوا للأسد بالحرية أم أنه سيقتنصها... استعدوا لفيلم العام»، «أسد»، تأليف خالد وشيرين ومحمد دياب ومن إخراج محمد دياب، ويتناول قصة حب، وصراع مجتمعي، وفق صناعه.

وأعلنت الشركة المنتجة لفيلم «إذما»، عن عرضه خلال موسم «الأضحى»، ونشر الحساب الرسمي الملصق الترويجي للفيلم، وكتب: «إذما... يحلم يجدني»، ويجمع مؤلف ومخرج الفيلم، الذي تستند أحداثه إلى رواية صدرت قبل 6 سنوات، لمحمد صادق، بين أحمد داود، وسلمى أبو ضيف لأول مرة في السينما بعد مشاركات درامية سابقة.

محمد إمام ويارا السكري في كواليس فيلم «صقر وكناريا» (حساب محمد إمام على «فيسبوك»)

أما فيلم «صقر وكناريا»، الذي تدور أحداثه في إطار كوميدي، فيجمع لأول مرة بين يارا السكري ومحمد إمام الذي نشر صورته مع السكري، وكتب: «جاهزين للي بعده»، الفيلم تأليف أيمن وتار، وإخراج حسين المنباوي، وعن دورها في «صقر وكناريا»، أكدت يارا السكري في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط» أنها سعيدة بالعمل مع الفنان محمد إمام، و«أنها تجسد شخصية (مصممة أزياء)، تتمتع بالثراء، تتعرض لمواقف كوميدية عدة مع بطل العمل».

وفي هذا السياق، يؤكد نقاد أن موسم «الأضحى» يشهد وجود ثنائيات فنية لافتة بالفعل، وأن الجمهور هو الحكم على استمرارها فيما بعد أم لا. وعن رأيه في التنوع بين أبطال أفلام الموسم، ووجود «ثنائيات فنية» لأول مرة، ومدى تأثيرها على «شباك التذاكر»، أكد الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن، أن «الثنائيات الفنية المكثفة التي يشهدها الموسم تمثل اختباراً لإظهار الأنجح، والأكثر تناغماً لاستكمال المسيرة معاً فيما بعد، إذ يبحث النجوم عن نجمات لتجسيد الحكاية بتميز، واكتمال الصورة الفنية أمام الكاميرا من أجل الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الثنائيات عادة تكون حسب متغيرات السوق، لكن الأهم هو مدى قبول الجمهور لها». وإلى جانب الأفلام التي تم الإعلان عنها للعرض في موسم «الأضحى»، فمن المتوقع أيضاً، ورغم عدم الإعلان عنها رسمياً حتى الآن، طرح أفلام «خلي بالك من نفسك» الذي يجمع بين ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا، و«شمشون ودليلة» لأحمد العوضي ومي عمر، و«بيج رامي» لرامز جلال وبسمة بوسيل، وهي ثنائيات سينمائية تجتمع لأول مرة أيضاً.

الملصق الترويجي لفيلم «إذما» (الشركة المنتجة)

الناقد الفني المصري رامي المتولي أكد أن «فكرة التنوع التي يشهدها (موسم عيد الأضحى) صحية ومتوقعة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «انتعاشة هذا العام والعام الماضي، جيدة ومدعومة لأن (موسم الأضحى)، وإجازته الطويلة لهما تأثير إيجابي على شباك التذاكر».

وأوضح المتولي أن «وجود فنانات إلى جانب نجوم الشباك أمر طبيعي، وأن الثنائيات أساسية طوال تاريخ السينما المصرية، لكن وجود أسماء جديدة هو نتيجة التغيير مع مرور الوقت والتطور».

فيما يرى الناقد الفني المصري عماد يسري أن «التغيير وصعود ثنائيات جديدة هو نتيجة تحول السوق السينمائي، وعدم الاعتماد على البطل الأوحد الذي لم يعد جاذباً بشكل دائم، خصوصاً حين يكتب السيناريو خصيصاً له فيضعف العمل». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود نجمين أو أكثر يخلق سيناريو متوازن (بطله) هو النص نفسه لا النجم، ويمنح العمل تنوعاً فنياً، إلى جانب التأثير الجماهيري لأن كل نجم يجلب جمهوره، مما يوسع الشريحة المستهدفة ويزيد انتشار الفيلم»، وخلص إلى «أن هذا التنوع يصب في صالح الجمهور، وانتعاش لحالة السينما».


الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)
انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)
TT

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)
انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

لجأت جانغ شينيو بعد وفاة والدها إلى الذكاء الاصطناعي لتوليد شخصية على هيئته، في ظاهرة آخذة في الانتشار في الصين تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، تنتشر تسجيلات «البشر الرقميين» المولّدين بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي في الصين حيث يستغلّ أحياناً قربها من الواقع في الترويج لمنتجات.

ونشرت الهيئة الوطنية المعنية بضبط الفضاء السيبراني مشروع لوائح تنظيمية لتأطير تطوير هذه الشخصيات التجسيدية واستعمالها، في مسعى إلى منع هذه الأعمال المولّدة بتقنية «التزييف العميق» من التأثير على الأطفال أو تشويه سمعة أصحابها من دون موافقتهم أو عموماً المساس بالنظام العام.

تواصلت جانغ شينيو، التي تقطن مقاطعة لياونينغ (شمال شرقي الصين) وتعمل في الشؤون القانونية، مع شركة «سوبر براين» قبل سنتين على أمل أن تساعدها في التعامل مع رحيل والدها بعد صراع مع السرطان.

وعندما بدأت السيّدة (47 عاماً) تدردش على الإنترنت مع الشخصية المولّدة بالذكاء الاصطناعي على هيئة والدها، شعرت «على الفور بالطاقة والحماس»، حسب ما أخبرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويخشى أصدقاؤها ألا «تنجح يوماً في طيّ الصفحة» بعد الانغماس في عالم افتراضي يقدّم لها «مواساة زائفة»، «لكن حتّى لو كانت هذه المواساة مصطنعة، فإن المحبّة وراءها حقيقية بالفعل»، على حدّ قولها.

في عام 2024، بلغت قيمة السوق الصينية لـ«البشر الرقميين» نحو 4.1 مليار يوان (600 مليون دولار) إثر نموّ بنسبة 85 في المائة شهدته في خلال سنة، حسب ما أوردت وكالة أنباء الصين الجديدة العام الماضي.

ولطالما اعتمدت السلطات الناظمة للتكنولوجيات الرقمية الجديدة في الصين مبدأ مفاده «التطوير أوّلا ثمّ التنظيم، والتجويد بالتتابع»، حسب مارينا جانغ التي تحاضر في جامعة التكنولوجيا في سيدني.

وتنصّ اللوائح التنظيمية التي وضعتها الهيئة الوطنية المعنية بضبط الفضاء السيبراني على الإبلاغ بوضوح عن كلّ مضمون على صلة بـ«بشر رقميين». وهي تحظر استخدام بيانات شخصية لاستنساخ أفراد من دون موافقتهم.

تسجيل مؤثّر

وأقرّ جانغ زيوي مؤسّس «سوبر براين» بأنه «لا مفرّ» من اعتماد قواعد للقطاع.

وأشاد بـ«تطوّر إيجابي»، في مسعى إلى «إيجاد توازن» لنموّ هذه التكنولوجيا.

وتعمل شركته على إنشاء شخصيات تجسيدية بالذكاء الاصطناعي لأشخاص متوفين بطلب من العائلات.

وقد لقي تسجيل لامرأة مسنّة تتحدّث مع شخصية تجسّد ابنها الذي قضى في حادث سير ملامحها شديدة الواقعية انتشاراً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي. وشوهد أكثر من 90 مليون مرّة على شبكة «ويبو» حيث تمّ تداول وسم خاص به.

وكانت الشخصية التي صمّمتها شركة «سوبر براين» تجسّد خير تجسيد صوت الابن وحركاته لدرجة ظنّت والدته أنها تتواصل معه خلال اتصال عبر الفيديو.

وأثار هذا المقطع المصوّر جدلاً محموماً على الإنترنت حول معايير الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وأكّد جانغ أن عائلة الشاب تواصلت مع شركته، وأن الأخيرة تشترط دوماً موافقة الأقارب قبل توليد شخصية تجسيدية.

صون السيادة

وقد فتحت الهيئة الوطنية المعنية بضبط الفضاء السيبراني المجال أمام تعليقات الرأي العام على اللوائح التنظيمية التي وضعتها خلال مهلة تنتهي في مطلع مايو (أيار).

وسيُعاقب على المخالفات بناء على النصوص القائمة وفي حال حدوث تجاوزات، تفرض غرامات تتراوح قيمتها بين 10 آلاف يوان و200 ألف (1460 إلى 29300 دولار)، حسب الهيئة.

وقد سبق لهذه المؤسسة أن غرّمت مستخدمي تقنية «التزييف العميق» لانتحال هويّات مشاهير.

وتحظر اللوائح التنظيمية على «البشر الرقميين» توليد محتويات تهدّد الأمن القومي أو تحرّض على الفتنة، ونشرها.

وتمنع الخدمات التي تعرض على القاصرين علاقات افتراضية حميمة وتلك التي تشجّع «المشاعر القصوى» و«العادات السيّئة».

وأشار مانوغ هارغاني الباحث في كليّة الدراسات الدولية إس. راغاراتنام في سنغافورة إلى أن الصين تسعى من خلال هذه القواعد إلى صون «سيادتها وأهدافها السياسية».