تدشين أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء في جنوب تركيا

بوتين وإردوغان اعتبرا المحطة أهم مشروع تعاون بين البلدين

صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
TT
20

تدشين أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء في جنوب تركيا

صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)

أكّدت تركيا وروسيا عزمهما على تعزيز التعاون بعد نجاح إطلاق أكبر مشروع في تاريخ العلاقات بين البلدين اليوم (الخميس)، وهو محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء التي أنشأتها شركة «روسآتوم» الروسية للطاقة النووية في ولاية مرسين جنوبي تركيا.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، خلال مشاركته إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عبر تقنية الفيديو الخميس، في حفل تزويد أول مفاعل للمحطة التركية بالوقود النووي، أن تركيا ستصبح من خلال هذا المشروع واحدة من القوى النووية في العالم. وقال، في أول ظهور له بعد وعكة صحية ألمت به الثلاثاء ومنعته على مدى يومين من مواصلة برنامجه الانتخابي: «نحن هنا لافتتاح المشروع الذي سيضع تركيا بين القوى النووية في العالم. مع هذا الاحتفال، نفي بوعد آخر قطعناه لأمتنا، ونشهد إدخال الوقود النووي إلى موقع محطة الطاقة. هكذا، اكتسبت الآن هوية منشأة نووية».
وأضاف إردوغان، الذي يأمل الفوز في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 14 مايو (أيار): «يوجد اليوم 422 مفاعلا نوويا في العالم قيد التشغيل، و52 منها قيد الإنشاء. قبلت المفوضية الأوروبية الطاقة النووية كطاقة خضراء، وأزالت علامات الاستفهام حول استخدامها للأغراض السلمية». واعتبر هذا المشروع أكبر استثمار تركي - روسي بتكلفة بلغت 20 مليار دولار، معلنا أنه سيتم تشغيل جميع وحدات المحطة تدريجياً حتى عام 2029.
وسيساهم المشروع في خفض واردات تركيا من الغاز الطبيعي بـ1.5 مليار دولار سنوياً، وفق إردوغان الذي أكّد أن محطة الطاقة النووية «تلبي أيضاً متطلبات وكالة المهام الدولية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، متوقعا إقامة محطات أخرى.
من جانبه، اعتبر بوتين أن تحول تركيا إلى دولة نووية سيعود بالفائدة على سوق الطاقة فيها، مشيرا إلى أن مشروع «أككويو» هو أهم مشروع بين روسيا وتركيا ويسمح بتنمية العلاقات الاقتصادية وعلاقات الجوار بين البلدين، التي لم تصل لهذا المستوى من قبل، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري 62 مليار دولار العام الماضي. وأكد بوتين أن روسيا ستعمل كل ما بوسعها لتلبية الحاجات التركية فيما يتعلق بالغاز الطبيعي، وكذلك احتياجاتها بعد كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) التي ضربت 11 ولاية في جنوب البلاد. وقبل الحفل، أجرى إردوغان اتصالا هاتفيا مع بوتين شكره خلاله على دور روسيا في بناء محطة «أككويو»، كما بحثا العلاقات التركية - الروسية والقضايا الإقليمية.
وذكر بيان للرئاسة التركية أن الرئيسين بحثا في مستجدات الحرب الروسية - الأوكرانية والخطوات المتعلقة باتفاقية شحن الحبوب عبر البحر الأسود الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022. وأكد إردوغان لبوتين إمكان العمل على مبادرات جديدة لإنهاء الحرب، كما تطرقا إلى التطورات في سوريا. وأضاف البيان أن بوتين تمنى السلامة لإردوغان على خلفية الوعكة الصحية التي ألمت به الثلاثاء أثناء إجرائه لقاء تلفزيونيا مباشرا.
وفي وقت سابق، الخميس، قال وزير الصحة التركي فخر الدين كوجا، إن الحالة الصحية للرئيس إردوغان «جيدة جدا»، وإن التهاب المعدة والأمعاء الذي أصابه «في تراجع».
وخلال الاحتفال، أعلن وزير الطاقة التركي فاتح دونماز، أن المحطة ستوفر 10 في المائة من احتياجات تركيا من الطاقة بعد تشغيلها بالكامل، وأنها بالنسبة لتركيا ليست مجرد محطة طاقة نووية، بل هي بداية للعصر النووي في تركيا.
وبدوره، قال رئيس شركة «روسآتوم» أليكسي ليخاتشيف، «إن اليوم هو يوم تاريخي للعلاقات الروسية التركية. اليوم أصبحت تركيا دولة نووية، تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية».
وأضاف أنه يجري العمل على تجهيز الوحدة الأولى من المحطة هذا الخريف، على أن يتم الإطلاق الفعلي لمحطة الطاقة النووية العام المقبل... «نخطط لبدء التشغيل الفعلي في العام المقبل ونقل المفاعل الأول إلى حالة الحد الأدنى من مستوى الطاقة الذي يمكن التحكم بها من أجل إنتاج الكهرباء بشكل مطرد في العام 2025».
ويعمل بمشروع المحطة حاليا نحو 25 ألف شخص 80 في المائة منهم تقريبا من الأتراك. وأسهم في إنعاش المنطقة عبر تشييد الطرق والمنازل والمقاهي والفنادق. وبتسليم الوقود النووي للمفاعل الأول، اكتسبت المحطة صفة «منشأة نووية». وحرص الجانب التركي على اتخاذ خطوة تزويد المفاعل الأول بالوقود النووي بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، وقبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 14 مايو المقبل.
ويعود تاريخ عقد إنشاء المحطة، التي تتولى إنشاءها وإدارتها شركة «روسآتوم» إلى 12 مايو 2010. وتتضمن 4 مفاعلات بطاقة إجمالية تبلغ 4800 ميغاوات. وتلبي الشروط والمتطلبات الحديثة المعتمدة لدى المجتمع النووي العالمي، المنصوص عليها في معايير الأمان لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجموعة الاستشارية الدولية للسلامة النووية، ومتطلبات نادي المنظمات التشغيلية الأوروبية (إي يو آر).
* رئيس «روسآتوم»
على هامش إطلاق المشروع، أكد رئيس شركة «روسآتوم» أليكسي ليخاتشوف، أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تترك آثارا سلبية على سير العمل في مشروع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في تركيا.
وفي رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» في مرسين، أقرّ بأن المشروع مر بصعوبات عديدة، مثل وباء كورونا، والضغوط السياسية على روسيا، ثم كارثة زلزالي 6 فبراير في تركيا التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى. إلا أنه أكّد إحراز «تقدم بالجدول الزمني بالتعاون مع الجانب التركي، حتى أن الجدول الزمني تم اختصاره».
وأوضح: «بالطبع، أثرت هذه الأمور على المشروع بشكل ما. لكن بفضل جهود الفريقين التركي والروسي، ودعم قيادتي البلدين، وبفضل الاهتمام الخاص من الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان بشكل شخصي بدفع المشروع، نتقدم للأمام بكل ثقة». وأضاف أن دور إدارتي البلدين لا يتوقف عند تلقي التقارير عن سير العمل، لكنهما «عملتا باستمرار على اتخاذ القرارات التي جعلت المشروع يستمر بنجاح ويصل إلى هذه النقطة».
يُذكر أن تاريخ عقد إنشاء المحطة، التي تتولى إنشاءها وإدارتها شركة «روسآتوم» الحكومية الروسية، يعود إلى 12 مايو 2010. وتتضمن المُنشأة 4 مفاعلات بطاقة إجمالية تبلغ 4800 ميغاوات، وسيبدأ الإنتاج في الوحدة الأولى عام 2024 بحسب مسؤولين تنفيذيين في «روسآتوم».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

شؤون إقليمية أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية. وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن بلاده تتوقع موقفاً واضحاً من دمشق حيال «تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي» والتنظيمات التابعة له، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تنظر إليها أنقرة على أنها امتداد لـ«العمال الكردستاني» في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

واجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ادعاءً جديداً من خصومه في المعارضة، بشأن إرساله مبعوثين للتفاوض مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، من أجل توجيه رسالة للأكراد للتصويت لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 مايو (أيار) الحالي. وقالت رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشنار، إن إردوغان أرسل «شخصية قضائية» إلى أوجلان في محبسه، وإنها تعرف من الذي ذهب وكيف ذهب، مشيرة إلى أنها لن تكشف عن اسمه لأنه ليس شخصية سياسية. والأسبوع الماضي، نفى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إعلان الرئيس السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية» السجين، صلاح الدين دميرطاش، أن يكون إردوغان أرسل وف

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

<div>دفع إقدام تركيا على دخول مجال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء عبر محطة «أككويو» التي تنشئها شركة «روساتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد، والتي اكتسبت صفة «المنشأة النووية» بعد أن جرى تسليم الوقود النووي للمفاعل الأول من مفاعلاتها الأربعة الخميس الماضي، إلى تجديد المخاوف والتساؤلات بشأن مخاطر الطاقة النووية خصوصاً في ظل بقاء كارثة تشيرنوبل ماثلة في أذهان الأتراك على الرغم من مرور ما يقرب من 40 عاما على وقوعها. فنظراً للتقارب الجغرافي بين تركيا وأوكرانيا، التي شهدت تلك الكارثة المروعة عام 1986، ووقوعهما على البحر الأسود، قوبلت مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية باعتراضات شديدة في البد</div>

شؤون إقليمية أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، اليوم الأربعاء، إن اجتماع وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يُعقَد بموسكو، في العاشر من مايو (أيار)، إذ تعمل أنقرة ودمشق على إصلاح العلاقات المشحونة. كان جاويش أوغلو يتحدث، في مقابلة، مع محطة «إن.تي.في.»

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية «أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

«أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

أصبحت تركيا رسمياً عضواً في نادي الدول النووية بالعالم بعدما خطت أولى خطواتها لتوليد الكهرباء عبر محطة «أككويو» النووية التي تنفذها شركة «روسآتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد. ووصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خطوة تزويد أول مفاعل من بين 4 مفاعلات بالمحطة، بـ«التاريخية»، معلناً أنها دشنت انضمام بلاده إلى القوى النووية في العالم، مشيراً إلى أن «أككويو» هي البداية، وأن بلاده ستبني محطات أخرى مماثلة. على ساحل البحر المتوسط، وفي حضن الجبال، تقع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء، التي تعد أكبر مشروع في تاريخ العلاقات التركية - الروسية.


ضوء أخضر أميركي للتصعيد الإسرائيلي في غزة... لكنه مشروط بسقف زمني

منظر عام اليوم الجمعة لمدرسة دار الأرقم في غزة غداة القصف الإسرائيلي الذي أوقع عشرات الضحايا (رويترز)
منظر عام اليوم الجمعة لمدرسة دار الأرقم في غزة غداة القصف الإسرائيلي الذي أوقع عشرات الضحايا (رويترز)
TT
20

ضوء أخضر أميركي للتصعيد الإسرائيلي في غزة... لكنه مشروط بسقف زمني

منظر عام اليوم الجمعة لمدرسة دار الأرقم في غزة غداة القصف الإسرائيلي الذي أوقع عشرات الضحايا (رويترز)
منظر عام اليوم الجمعة لمدرسة دار الأرقم في غزة غداة القصف الإسرائيلي الذي أوقع عشرات الضحايا (رويترز)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب، يوم الجمعة، عن أن الإدارة الأميركية منحت الضوء الأخضر الكامل للحكومة الإسرائيلية؛ لكي توسّع الحرب في قطاع غزة، وأيضاً في الضفة الغربية، وذلك لإرغام قيادة «حماس» على التراجع وقبول اقتراح واشنطن إطلاق سراح نصف عدد المحتجزين الإسرائيليين لديها. لكن المصادر ذاتها أوضحت أن الأميركيين وضعوا سقفاً زمنياً محدداً لهذه المهمة. وفي حين يتحدث الإسرائيليون عن عملية حربية تستغرق شهوراً عدة وربما سنتين كاملتين، فإن الرئيس دونالد ترمب حدّد سقفاً زمنياً لا يتعدى أسابيع.

وقال مصدر قريب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن «اختفاء» ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس ترمب إلى الشرق الأوسط، عن الساحة هو جزء من الخطة الأميركية التي أزعجها رفض «حماس» الحل الوسط للصفقة (إطلاق سراح خمسة محتجزين إسرائيليين، بينهم حامل الجنسية الأميركية، ألكسندر، وخمس جثث، وذلك مقابل وقف النار 50 يوماً آخر).

فلسطينيون يتنقلون الجمعة عبر شارع الرشيد الساحلي الرابط بين مدينة غزة في الشمال ومخيم النصيرات وسط القطاع (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتنقلون الجمعة عبر شارع الرشيد الساحلي الرابط بين مدينة غزة في الشمال ومخيم النصيرات وسط القطاع (أ.ف.ب)

وبحسب هذه الخطة، قررت واشنطن إتاحة المجال لإسرائيل حتى تنفذ خطتها البعيدة المدى لقطاع غزة، والتي تتحدث عن تحطيم قدرات «حماس» على الحكم المدني وتصفية أكبر عدد من قادتها العسكريين الصغار والكبار على السواء.

ويفسّر هذا المنطق سبب تركيز العمليات الحربية الإسرائيلية على اغتيال عدد كبير من القادة الميدانيين وموظفي الدوائر والمؤسسات الحكومية الذين تعتقد تل أبيب أنهم من نشطاء «حماس». وفي هذا الإطار، قتلت العمليات الإسرائيلية نحو 200 شخص ممن يُزعم ارتباطهم بـ«حماس»، وبينهم من تمّت إبادة عائلته بالكامل. كما أعادت إسرائيل احتلال مناطق واسعة في شمال قطاع غزة وجنوبه ووسطه، بدعوى توسيع الحزام الأمني الذي تصر تل أبيب على إبقائه تحت سيطرتها في أي تسوية للقطاع.

وقالت مصادر عسكرية إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر على 40 في المائة من أراضي قطاع غزة، خلال الأيام القريبة المقبلة، من خلال تجزئته إلى أربع مناطق ما بين البر والبحر، على غرار ما يحصل على محورَيْن عادت إليهما القوات الإسرائيلية، وهما محور «موراج» (يفصل محافظة رفح عن بقية محافظات القطاع ويمتد من البحر غرباً حتى شارع صلاح الدين شرقاً، وصولاً إلى حدود القطاع مع إسرائيل)، ومحور «نتساريم» (يقسّم قطاع غزة إلى قسمَيْن شمالي وجنوبي) (اللذَيْن عادت إليهما القوات البرية)، وكذلك محور فيلادلفيا الذي يمتد على حدود القطاع مع مصر، ولم تنسحب إسرائيل منه رغم البند الذي ينصّ على ذلك في اتفاقية وقف النار الأخيرة. وإضافة إلى هذه المحاور، تقيم إسرائيل الآن عدة جزر للتجمعات السكانية المحاصرة من جميع الجهات، وتفرض عليها إدارة ذاتية مدنية تحت نيران القصف.

جانب من عمليات الجيش الإسرائيلي في تل السلطان بمحافظة رفح يوم 2 أبريل الجاري (الجيش الإسرائيلي - رويترز)
جانب من عمليات الجيش الإسرائيلي في تل السلطان بمحافظة رفح يوم 2 أبريل الجاري (الجيش الإسرائيلي - رويترز)

وحسب صحيفة «هآرتس»، الجمعة، فإن «هذه ليست الحرب الكبيرة التي وعد بها رئيس الأركان إيال زمير الحكومة عند تسلّم منصبه، بل خطوات على الطريق». ويتضح أن الجيش الإسرائيلي يتقدّم بحذر، من خلال التحسب من أن مقاتلي «حماس» اختفوا تماماً في الأسابيع الثلاثة الماضية لغرض نصب الكمائن وتحقيق مفاجآت. وهو لا يقدم على الاحتلال البري الجارف، أولاً لأن الإدارة الأميركية حدّدت سقفاً زمنياً لهذا الضغط. وثانياً لأن إسرائيل لا تريد في الوقت الحاضر تجنيد قوات الاحتياط، لأنها تخشى من عدم امتثال عدد كبير من جنوده الذين انخفضت نسبة تجاوبهم مع أوامر التجنيد إلى ما دون 50 في المائة.

وحسب مصادر سياسية أخرى، فإن إسرائيل التزمت بوقف عملياتها في حال موافقة قيادة «حماس» على المقترح الإسرائيلي - الأميركي بتحرير 11 مخطوفاً على قيد الحياة، من مجموع 21 أو 22 مخطوفاً يُعتقد أنهم أحياء، من بين الـ59 الذين ما زالوا في أسر «حماس» في القطاع. وترفض الحركة قبول هذا المقترح من دون تعهد بإنهاء الحرب. ومع ذلك فإن الوسطاء مقتنعون بأنه لا مفر من الموافقة على هذه الصيغة مع بعض التعديلات. ولكن حتى ذلك الحين تواصل إسرائيل حربها من طرف واحد ويدفع الفلسطينيون الثمن باهظاً، بالاغتيالات والقتل والقصف المدمر والاحتلال وذل الجوع والتشرد.

فلسطينيون في حي التفاح بمدينة غزة عقب غارة إسرائيلية على مدرسة تحولت إلى مأوى مما تسبّب في وقوع ما لا يقل عن 31 قتيلاً يوم الخميس (د.ب.أ)
فلسطينيون في حي التفاح بمدينة غزة عقب غارة إسرائيلية على مدرسة تحولت إلى مأوى مما تسبّب في وقوع ما لا يقل عن 31 قتيلاً يوم الخميس (د.ب.أ)

وفي مقال لافت، استذكر الكاتب اليساري جدعون ليفي «مذبحة قانا» في لبنان، التي وقعت في مثل هذه الأيام قبل 29 عاماً، وتحديداً في 18 أبريل (نيسان) من عام 1996؛ حيث أطلقت بطارية مدفعية تابعة للجيش الإسرائيلي النار، من أجل إنقاذ قوة «مجيلان» بقيادة الرائد نفتالي بنيت (رئيس الحكومة الأسبق)، التي تعرّضت لكمين في قرية قانا بجنوب لبنان. سقطت وقتها أربع قذائف على مبنى للأمم المتحدة كان اللاجئون يختبئون فيه، فقُتل 102 من المدنيين، بينهم عدد كبير من الأطفال.

كتب ليفي، في مقاله الأسبوعي في «هآرتس»: «كم كنا ساذجين وحساسين في حينه. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي حاول طمس ذلك والكذب كالعادة. ورئيس الحكومة في حينه شمعون بيريز قال: (نحن آسفون جداً، لكننا لن نعتذر). وانتاب العالم الغضب. بعد بضعة أيام اضطرت إسرائيل إلى إنهاء عملية (عناقيد الغضب)، إحدى العمليات في لبنان. وبعد شهر من ذلك هُزم بيريز في الانتخابات وصعد بنيامين نتنياهو إلى الحكم، جزئياً بسبب (قانا). (قانا) أصبحت منذ ذلك الحين كابوس إسرائيل في كل حرب: قتل عشرات المدنيين؛ الأمر الذي سيضطر إسرائيل إلى وقف الحرب. تلك الأيام انقضت. دولة إسرائيل اليوم يمكنها الذبح بقدر ما تشاء. دون أن يهددها ذعر (قانا) مرة أخرى. ففي الأسابيع الأخيرة إسرائيل تنفّذ (قانا) تقريباً كل يوم في قطاع غزة. لا أحد يطلب منها التوقف. كابوس (قانا) تلاشى. لم تعد حاجة إلى الحذر بعد الآن من أن يُقتل عشرات الأبرياء، لأن لا أحد يهمه ذلك. المتحدث بلسان الجيش لا يجب عليه الكذب، ورئيس الحكومة لا يجب عليه التأثر؛ العالم صمت وتبخر وضمير إسرائيل كذلك. إذا لم يوقف حمام الدماء الفظيع في اليوم الأول في المرحلة الحالية بالحرب في القطاع. إسرائيل إذا لم يوقفها قتل الطواقم الطبية في رفح، فما الذي سيوقفها؟ لا شيء. فهي تستطيع تنفيذ بقدر ما تريد من المذابح. وكما يبدو هي تريد ذلك».