«الصحة العالمية» تتأهب لإجلاء موظفيها من السودان

أحمد المنظري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (الشرق الأوسط)
أحمد المنظري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (الشرق الأوسط)
TT

«الصحة العالمية» تتأهب لإجلاء موظفيها من السودان

أحمد المنظري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (الشرق الأوسط)
أحمد المنظري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (الشرق الأوسط)

كشفت منظمة الصحة العالمية أنها تعكف حالياً على سبل إجلاء موظفيها الذين لا يؤدون أدواراً حرجة، من السودان مع عائلاتهم، في وقت توقعت فيه تفشي الكوليرا بسبب خروج بعض محطات المياه عن الخدمة، متوقعة في الوقت نفسه أن تضع 24 ألف امرأة مولودها في الأسابيع المقبلة، كما يعاني 50 ألف طفل من سوء التغذية، وسيفقدون الرعاية المستمرة بسبب استمرارية الحرب بوتيرة متصاعدة.
وقال الدكتور أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لـ«الشرق الأوسط»، إن الوضع الصحي والإنساني في السودان يزداد خطورة. ووفقاً لوزارة الصحة الاتحادية في البلاد، فإن المجتمع الصحي والإنساني في السودان فقد حتى الآن أكثر من 18 عاملاً في النزاع، والخطر يتهدد الجميع بمن في ذلك موظفو المنظمة. وشدد المنظري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الجهود تنصبّ الآن على دراسة الاستعدادات لإجلاء موظفي المنظمة الذين لا يقومون بأدوار حرجة مع عائلاتهم، خاصة في ظل نفاد الإمدادات الأساسية لموظفي منظمة الصحة العالمية، بسبب النقص الحاد في المياه، وانقطاع التيار الكهربائي، وتقييد الحركة.
وأضاف المنظري: «ستبقى كوادرنا الأساسية، وسنواصل تقديم كافة سبل الدعم الممكنة لإنقاذ الأرواح، والحد من تداعيات الأزمة على صحة الناس، خاصة مع ارتفاع أعداد الوفيات والمصابين، والتي من المرجح أن تكون مجرد غيض من فيض، علاوة على عدد الوفيات والإصابات الناجمة عن الصدمات العنيفة». ويزداد الوضع سوءاً، وفق المنظري، مع توقف 20 من المرافق الصحية عن العمل «13 منها في ولاية الخرطوم»، علاوة على وجود 12 مرفقاً معرضة للتوقف مع تزايد الهجمات على مؤسسات الرعاية الصحية، متوقعاً زيادة معدل الوفيات بين جميع السكان بسبب الأمراض المعدية وأمراض الأمهات والأطفال حديثي الولادة وأمراض التغذية.
وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لـ«الشرق الأوسط»: «نحن قلقون بشأن تزايد الاحتياجات التي تتعلق بنقص إمدادات مياه الشرب في مدينة الخرطوم، بسبب خروج بعض محطات المياه عن الخدمة، ما أدى إلى مخاوف من تفشي الكوليرا». ولفت المنظري إلى أنه يلوح خطر سوء التغذية مع توقف عملية «برنامج الأغذية العالمي»، في ظل عدم القدرة على الوصول إلى السوق المحلية، ما سيؤثر بشكل أكبر على الاحتياجات الصحية. وأضاف المنظري: «كان ما يقرب من ثلث السكان يواجهون الجوع بالفعل قبل النزاع، ويحتاج ما يقدر بنحو 50 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد إلى رعاية مستمرة على مدار الساعة، وستضع 24 ألف امرأة حامل في الأسابيع المقبلة، لكنهن غير قادرات على الحصول على الرعاية التي يحتجن إليها في المرافق الصحية أو المستشفيات».


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: مخزونات الأدوية في غزة «منخفضة للغاية»

المشرق العربي أطفال فلسطينيون نازحون أمام خيام في مدينة غزة (إ.ب.أ) p-circle

«الصحة العالمية»: مخزونات الأدوية في غزة «منخفضة للغاية»

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم الجمعة، إن الإمدادات الطبية في قطاع غزة تنفد بشكل خطير رغم إعادة إسرائيل فتح معبر رئيسي هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس (أ.ف.ب)

«الصحة العالمية» عن الحرب: على الأطراف احترام القانون الدولي

دعا «جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي، وحماية المرافق الصحية والعاملين في القطاع الصحي والمرضى».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك مجموعة من عناصر الإطفاء يغتسلون عقب التخلص من عدد كبير من الدجاجات المصابة بإنفلونزا الطيور في التشيك 23 فبراير 2023 (د.ب.أ)

إسبانيا تبلغ «الصحة العالمية» بالاشتباه في انتقال متحور لإنفلونزا الخنازير بين البشر

قال متحدث باسم السلطات الصحية في إقليم كاتالونيا الإسباني إن البلاد أبلغت منظمة الصحة العالمية باشتباهها في انتقال لمتحور فيروس إنفلونزا الخنازير بين البشر.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
أوروبا المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين (رويترز)

مديرة برنامج الأغذية العالمي تعلن استقالتها لأسباب صحية

أعلنت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين، الخميس، أنها ستستقيل، خلال ثلاثة أشهر، لأسباب صحية، وفق بيان صادر عن الوكالة الأممية.

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي الأمير هاري وزوجته ميغان خلال اجتماع مع منظمة الصحة العالمية إلى جانب المانحين الرئيسين والشركاء الإنسانيين في عمّان 25 فبراير 2026 (رويترز)

الأمير هاري وزوجته في الأردن لتقديم الدعم الإنساني للاجئين

وصل الأمير هاري وزوجته ميغان إلى الأردن، الأربعاء، في زيارة إنسانية تستمر يومين، تتركز على الجهود الإنسانية الصحية لدعم المجتمعات التي تعاني النزاعات، والنزوح.

«الشرق الأوسط» (عمّان)

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
TT

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

سادت حالة من التباين في أوساط الليبيين حيال مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضتها قوات «الجيش الوطني» في شرق البلاد ضد الجماعات المتشددة بين عامي 2014 و2018.

المسلسل الذي عَرضت حلقاته الأولى قناة «تلفزيون بنغازي» المحلية في النصف الثاني من شهر رمضان، رآه مؤيدوه توثيقاً درامياً لمعركة طويلة ضد «الإرهاب»، فيما عدَّه منتقدوه سردية أحادية تعكس رؤية طرف واحد من الصراع الليبي، خصوصاً أنه من إنتاج «الشؤون المعنوية للجيش الوطني».

ويأتي عرض المسلسل في سياق سياسي لا يزال يتسم بالانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وهو ما انعكس سريعاً على ردود الفعل حول العمل الذي كتبه وأخرجه المصريان عمر عبد الحليم وياسر سامي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي وصفحات سياسية ليبية إلى ساحات سجال حول محتواه ورسالته.

يستند العمل إلى خلفية «عملية الكرامة» التي أعلنها المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» في مايو (أيار) 2014 بهدف مواجهة الجماعات المتشددة، ومن بينها تنظيم «داعش» و«مجلس شورى ثوار بنغازي»، التي كانت تنشط في المدينة ومناطق أخرى بشرق ليبيا بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

وشاركت في العمليات العسكرية حينها وحدات من القوات المسلحة الليبية وقوات مساندة، في معارك امتدت لسنوات وانتهت بإعلان الجيش السيطرة على بنغازي عام 2017 ثم درنة في 2018 بعد مواجهات طويلة.

وقال مخرج المسلسل ياسر سامي إن الجدل الذي أثاره العمل «أمر طبيعي في ظل الانقسام الذي تعيشه ليبيا»، مضيفاً أن الأعمال الفنية التي تتناول أحداثاً حساسة وصراعات عسكرية غالباً ما تتحول إلى مادة خصبة للجدل بين المؤيدين والمعارضين.

وأوضح سامي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل «عمل درامي مستوحى من الحرب على الإرهاب، وهو ما أشار إليه بوضوح تِتر العمل منذ بدايته»، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على الروايات الرسمية أو المادة التوثيقية، بل يعتمد أيضاً على شهادات أقارب ضحايا الإرهاب الذين عايشوا تلك المرحلة، وقد استمع إليها بنفسه.

المخرج المصري ياسر سامي (حسابه الرسمي عبر فيسبوك)

وأثار المسلسل تفاعلاً واسعاً داخل ليبيا، حيث رأى البعض أنه يسلط الضوء على مرحلة مفصلية من الصراع مع التنظيمات المتشددة. وكتب محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في شرق البلاد، أن «الكرامة ليست قصة ليختزلها مسلسل»، مضيفاً أنها «ملحمة تحتاج إلى عشرات الأعمال الإبداعية للإحاطة بوقائعها وحكاياها»، لكنه اعتبر المسلسل «انطلاقة لسردية الكرامة» في الدراما.

في المقابل، انتقد آخرون في غرب ليبيا العمل بشدة، معتبرين أنه يقدم رواية «غير متوازنة للأحداث». وهاجم الناطق السابق باسم «عملية الكرامة» محمد حجازي المسلسل، ووصفه في مقطع مرئي بأنه «تزوير للتاريخ»، بحسب تعبيره.

كما دخلت بعض الصفحات المحسوبة على تيار المفتي المعزول من البرلمان الصادق الغرياني، والمناوئ لحفتر، على خط الانتقادات، إذ عدَّت صفحة «قناة التناصح» التابعة له أن المسلسل يحاول تقديم صورة دعائية، واستحضرت في المقابل اتهامات بوقوع تجاوزات حقوقية في شرق ليبيا، آخرها اختفاء النائب إبراهيم الدرسي.

وجاء ذلك تعقيباً على أحد المشاهد الدرامية التي تصور ممارسات لعناصر تنظيم «داعش»، حيث يَظهر أحد قادته، ويؤدي دوره الممثل فرج عبد الكريم، وهو يجبر امرأة على الزواج رغم اعتراض أسرتها، في مشهد يهدف إلى إبراز ممارسات التنظيم المتشددة.

ولم تقتصر الانتقادات على خصوم «الجيش الوطني» في غرب البلاد، إذ ظهرت ملاحظات أيضاً في شرق ليبيا، خاصة بشأن طريقة تقديم بعض الشخصيات العسكرية التي تحظى برمزية لدى قطاع من الليبيين. ومن بين هذه الشخصيات اللواء الراحل ونيس بوخمادة، أحد أبرز قادة القوات الخاصة في بنغازي، الذي ارتبط اسمه بالمعارك ضد الجماعات المتشددة.

وعلّق كريم بوخمادة، نجل القائد العسكري الراحل، على مشاهد جسَّد فيها أحد الممثلين شخصية والده، قائلاً إن تصوير أفراد القوات الخاصة وهم يظهرون «بخوف ورعشة» لا يعكس حقيقتهم، مضيفاً أن هذه القوات «لم تتلثم يوماً بهذا الشكل».

كما رأت آمال بوقعقيص أن المسلسل «لم ينصف القائد الراحل بوخمادة»، معتبرة أن أفضل تكريم له ولغيره من القادة العسكريين يكون بإطلاق أسمائهم على الجسور والميادين الجديدة تخليداً لدورهم.

الفنان الليبي فرج عبد الكريم في دور القيادي المتطرف أبو عبيدة (تلفزيون بنغازي)

في مواجهة هذه الانتقادات، شدد مخرج العمل على «ضرورة التمييز بين العمل الوثائقي والعمل الدرامي»، موضحاً أن «الدراما تخضع لرؤية المخرج وطبيعة المعالجة الإنسانية للأحداث، وهو ما يمنح صنّاع العمل مساحة لتقديم الشخصيات وأبعادها الإنسانية، إلى جانب قدر من الخيال الدرامي الموازي للوقائع التاريخية».

وأشار سامي إلى أن الحلقات المقبلة قد تحمل «مفاجآت درامية» يمكن أن تغيّر الانطباع الأول لدى بعض المتابعين، داعياً إلى عدم التسرع في الحكم على العمل قبل اكتمال عرضه، مؤكداً أن التقييم المنصف لأي عمل درامي ينبغي أن يكون بعد متابعة كامل أحداثه.

ومع تواصل الجدل الحاد حول المسلسل، الذي بدا أنه يغزو مجالس الليبيين الخاصة، يرى الباحث التاريخي الليبي فايز ديهوم أنه كان متوقعاً بالنظر إلى حساسية المرحلة التي يتناولها.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تناول هذه الحرب ربما كان من الأفضل أن يتم في إطار فيلم سينمائي يخضع لمراجعة تاريخية دقيقة، بدلاً من تقديمه في شكل حلقات درامية متتابعة».

وأضاف قائلاً إن تقسيم الحدث إلى حلقات قد يفتح الباب أمام جدل سياسي متقطع، خصوصاً مع التطرق إلى تفاصيل لا تزال محل خلاف بين الليبيين، ما قد يُخرج العمل من طابعه الإنساني والملحمي ويحوّله إلى مادة للسجال السياسي المستمر.

ويجمع مسلسل «القرار» ممثلين من ليبيا ودول عربية، ويشارك في بطولته فنانون من بينهم خالد كافو ونورهان أشرف وسلوى المقصبي وفرج عبد الكريم وأحمد صفوت.


الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
TT

الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

عُرض مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، اليوم (الاثنين)، على البرلمان الجزائري للتصويت عليه بعد إلغاء مواد كانت تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائمها ودفع تعويضات.

وقد وُلد المشروع عام 2006، رداً على تشريعات فرنسية في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك، تمجد الحقبة الاستعمارية. وبعد عقدين من التجميد والتعثر، وصل مشروع القانون اليوم إلى مرحلة التصويت، متحولاً من مجرد رد فعل سياسي إلى نص قانوني جاهز للنقاش والاعتماد، خصوصاً بعد تدهور العلاقات مع فرنسا في صيف 2024.

وكان «المجلس الشعبي الوطني» قد صادق على المشروع بكل تفاصيله في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن «مجلس الأمة» تحفظ على بندين في النص؛ أحدهما يتناول «مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاستعمار»، والثاني يتعلق بدفع التعويض عنها.

وعلى أثر هذا «الخلاف» بين غرفتي البرلمان، تم إطلاق «لجنة برلمانية متساوية الأعضاء»، مناصفة بينهما من حيث عدد الأعضاء، للتوصل إلى نص «مقبول» قبل عرضه على التصويت.

اجتماع أعضاء اللجنة متساوية الأعضاء لبحث تعديل قانون تجريم الاستعمار (مجلس الأمة)

وأدخلت «اللجنة» تعديلات مهمة على مشروع قانون تجريم الاستعمار، شملت حذف بعض الأحكام الأساسية وتعديل 7 مواد أخرى.

وبحسب التقرير الذي نشرته بعد إتمام المهمة، أُلغيت المادة الأولى التي كانت «ذات طابع إنشائي»، إضافة إلى المادة العاشرة المتعلقة بـ«التعويض»، وذلك لإبعاد «ملف الذاكرة» عن المطالب المالية، انطلاقاً من مبدأ أن «تضحيات الشهداء لا تقدر بثمن».

كما ألغيت المادة 20 الخاصة بـ«حماية الرموز الوطنية والذاكرة»، لأن هذه الحماية منصوص عليها في «قانون المجاهد والشهيد»، إلى جانب حذف المادة 25 المتعلقة بنهب الأملاك العقارية، وتأميم بعضها من طرف دولة الاحتلال (1830 - 1962).

تشديد عقوبة «الترويج للفكر الاستعماري»

وفيما يتعلق بمسألة «الاعتراف» المنصوص عليها في المادة التاسعة، تقرر حذف مطلب «الاعتذار» منها، والاكتفاء بالمطالبة بـ«الاعتراف الرسمي من طرف فرنسا بجرائمها الاستعمارية»، وهو ما عدَّته «اللجنة منسجماً مع الموقف الرسمي للدولة الجزائرية في هذا الملف»، في إشارة إلى تصريحات سابقة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بهذا الخصوص.

وتم تبسيط وصف «الخيانة» (التعاون مع الاستعمار) في المادة السابعة، بحذف كلمة «العظمى». كما دُمجت المادتان 16 و21 لتحديد عقوبة «تمجيد الاستعمار» بالسجن حتى 5 سنوات، بينما شُددت المادة 17 لتصل العقوبة إلى 10 سنوات لكل من «يروّج للفكر الاستعماري في التعليم أو الإعلام».

كما عُدّل البند 28 من قائمة الجرائم الاستعمارية في المادة الخامسة، مع الإبقاء على «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصف ذلك جريمة ثابتة. ويُعدّ إدراج «الاستعباد الجنسي» خطوة غير مسبوقة في القانون الجزائري، إذ ظل هذا الفعل مهملاً لفترة طويلة، باستثناء بعض الإشارات في كتب التاريخ ومقالات صحافية وأدبية.

رئيس البرلمان الجزائري مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار - 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)

وقال نواب إن حذف هذا البند «يعني تجاهل توثيق أحد أبشع الانتهاكات التي تعرّضت لها الجزائريات أثناء الاستعمار». وأضافت «اللجنة» تعديلاً على المادة 26 لفتح باب المشاركة في «حفظ الذاكرة الوطنية» للمجتمع المدني، وتعديلاً آخر على المادة 15 لضمان احترام كرامة رجال ونساء مقاومة الاستعمار في بداياته في القرن التاسع عشر، والمجاهدين خلال ثورة التحرير (1954 - 1962).

توجيهات عليا باعتماد «نسخة منقحة»

وبحسب مصادر برلمانية، يعود رفض «مجلس الأمة» للنسخة الأصلية من القانون، إلى توجيهات سياسية عليا، تزامناً مع بوادر انفراجة في العلاقات مع باريس؛ وهو ما فُسر بوجود رغبة في الإبقاء على خطوط العودة مع الجانب الفرنسي، وتجنب المواد التي قد تؤدي إلى تصعيد الخلاف بين البلدين.

وانفجرت أزمة خطيرة بين الدولتين في نهاية يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء؛ فقد سحبت الجزائر سفيرها من باريس فوراً، ولم يعُد إلى منصبه إلى اليوم.

وعلى مدى شهور، تفاقمت المشكلة لتجرَّ معها مشكلات قديمة تخص الهجرة النظامية والسرية، وخلافات «الذاكرة» التي لم تحسم بعد وتخص أرشيف الثورة، ورفات المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر التي تحتفظ بها فرنسا في متاحفها، وما يعرف بـ«أغراض الأمير عبد القادر الجزائري» المحتجزة في قصر بوسط فرنسا، ومطالب أخرى تبدي باريس حيالها تحفظاً شديداً.

كما وقعت أحداث كثيرة في الأشهر الأخيرة، رفعت من حدة التصعيد؛ منها سجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، الذي استعاد حريته منذ 3 أشهر بفضل «تدخل إنساني» من رئيس ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، إضافة إلى استمرار سجن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المدان بالسجن 7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الجزائر الشهر الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وأُطلقت مؤخراً مساعٍ لإيجاد انفراجة في العلاقات، أو على الأقل لوقف التصعيد، تُوجت باتفاق الجانبين على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر، حيث التقى نظيره الجزائري سعيد سعيود الشهر الماضي، وبحث معه استئناف الحوار الأمني حول قضايا الأمن والهجرة في منطقة الساحل وحوض المتوسط، و«أزمة المهاجرين السريين الجزائريين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي»، حيث تطالب باريس الجزائر باستعادتهم.

الرئيس الجزائري مستقبلاً مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية سابقاً سيغولين روايال (الرئاسة الجزائرية)

كما زارت الجزائر مطلع العام، سيغولين روايال، الاشتراكية الفرنسية ومرشحة الرئاسة عام 2007، بصفتها رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، في مهمة لتسهيل عودة العلاقات إلى طبيعتها؛ وهي شخصية تحظى بقبول في الجزائر بفضل موقفها المعتدل تجاه الأزمة، على عكس بعض رموز اليمين واليمين المتشدد في فرنسا.


غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي الذي تتحكم فيه تل أبيب من الجانب الفلسطيني.

وأكد مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، أن معبر رفح مغلق من الجانب الفلسطيني بقرار من إسرائيل حتى الآن، بسبب الحرب في إيران وليس هناك أي مؤشرات لفتحه، وهذا ما تبعه توقف مغادرة الفلسطينيين من مصر أو دخول مصابين أو مرضى من القطاع.

معاناة تزداد

الغزي الموجود في القاهرة، معين بركات، يعتبر في حديث لـ«الشرق الأوسط» عودة إسرائيل للغلق تحت ذريعة حرب إيران «متوقعة»، متسائلاً: «ما الذي ننتظره من هؤلاء سوى زيادة معاناة الفلسطينيين».

ومع بدء حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أغلقت إسرائيل معبر رفح الحدودي مع مصر باعتباره إجراء أمنياً، وفق ما أفادت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، لافتة إلى أنه «تم تنفيذ عدة تعديلات أمنية ضرورية، بينها إغلاق المعابر إلى قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح».

وأُعيد في الثاني من فبراير فتح المعبر بعد نحو عامين من سيطرة القوات الإسرائيلية عليه إثر الحرب على غزة.

فلسطينيون يحملون جثة أحد الضحايا عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

المعاناة بدأت منذ عودة فتح معبر رفح الحدودي من الجانب الفلسطيني، بسبب إجراءات إسرائيل، مع العائدين للقطاع، بحسب حديث معين بركات، لافتاً إلى أنه كان يسمح بمرور 50 شخصاً كل يوم، وهناك آلاف في مصر يرغبون في العودة.

وأضاف: «هناك أيضاً ما يقارب 10 آلاف غزي يريدون الدخول لمصر للعلاج عبر المعبر وتوقف ذلك الآن، وهذه معاناة أخرى»، مستهجناً ذريعة إسرائيل لغلق المعبر باندلاع حرب إيران، متسائلاً: «ما علاقة المعبر بحرب إيران؟! هذه حجة للغلق لا أكثر».

وترى الغزية الموجودة في مصر، هناء الطباع، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن المعاناة تزداد للغزيين، سواء الذين لم يستطيعوا العودة للقطاع أو الراغبين في الخروج من القطاع للعلاج، موضحة أن «غلق المعابر جعل الكثيرين عالقين وفي انتظار المجهول».

وأضافت هناء الطباع: «رغم أن معابرنا بعيدة عن الحرب فإننا نستشعر أنها وسيلة ضغط إسرائيلية على المواطنين الغزيين ترتقي لدرجة التعذيب أيضاً»، موضحة أن هناك سيدات غزيات أزواجهن في غزة وكذلك أولادهن، وكان المنطق أن يكون المعبر مفتوحاً لعودتهن.

وهذه معاناة تتفاقم تجاه الغزيين، بحسب توصيف الغزية هناء الطباع، مشيرة إلى أنه للأسف قد تزداد المعاناة لا سيما أن المعابر لن تفتح إلا مع انتهاء حرب إيران، وبالتالي لن يكون قريباً.

وتتصور هناء الطباع أنه في «ظل انشغال المجتمع الدولي بحرب إيران لن يلتفت للمعابر وحق الفلسطينيين في العودة أو العلاج مما يزيد المعاناة للأسف».

رفض مصري لتعطيل الاتفاق

وفتح معبر رفح أحد بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي بدأ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين، الرفض القاطع لأي محاولات للاِلتفاف على هذا الاتفاق أو تعطيله، مشدداً على ضرورة الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية، والشروع في إعادة إعمار قطاع غزة، وفق بيان للرئاسة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بـ«يوم الشهيد والمحارب القديم» (الرئاسة المصرية)

وخلال اتصال هاتفي تلقاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، تم التأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، وشدد الجانبان على «ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون تعطيل، فضلاً عن أهمية البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة إعمار القطاع».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن غلق معبر رفح رغم أنه أحد بنود اتفاق غزة، يعد محاولة ضغط على سكان قطاع غزة، دفعاً في اتجاه سيناريو التهجير، وسط إدخال كميات قليلة من المساعدات ضمن انتهاكات مستمرة من قبل وبعد حرب إيران.

ويشير الرقب إلى أن إغلاق معبر رفح من الجانب الفلسطيني وإعاقة دخول الغزيين من مصر ودخول المصابين والمرضي للعريش يزيد الانتهاكات والمعاناة بصورة لا تحتمل، لافتاً إلى أن التركيز على حرب إيران تزامن معه تراجع الحديث الدولي عن معاناة الفلسطينيين المتواصلة.

ويتوقع الرقب أن يتواصل تحرك الوسطاء، لا سيما من القاهرة، بحيث تعمل مصر على ألا يغلق ملف غزة أو تؤجل بنود اتفاق وقف إطلاق النار، مشدداً على أن التحرك الكبير المصري في ملف فلسطين نابع من أنها تريد ألا يطوى الملف أو تنسى بنوده، أو تتجاوز إسرائيل حقوق الشعب الفلسطيني أو التزاماتها في الاتفاق.