منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

خال الشاعرة تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن طفولتها وذكرياته الشخصية معها

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
TT

منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة

> أولاً، ما معنى لقب الملائكة الذي حملته عائلتكم؟
الصدفة وحدها قادت خطاي إلى شقة منير الملائكة في منطقة الغاردن في دبي، خال الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي تمر هذه الأيام الذكرى المئوية لمولدها. الصديق الصحافي اللبناني إبراهيم تونتجي هو الذي أخبرني بوجود خال نازك الملائكة الذي يحتفل هو الآخر بالذكرى المئوية لميلاده هذا العام. هكذا كانت زيارتي الأولى إليه ومن ثم تكررت، ومنها برفقة الشاعر الإماراتي عادل خزام، وإثرها اطلعت على مذكراته، إضافة لألبوم صوره العائلية التي تجمعه مع الشاعرة نازك الملائكة، فوجدتُه رجلاً بذاكرة خصبة ومتوقدة وهو يجتاز المائة عام حيث شغل مناصب رفيعة في الوظيفة والسلك الدبلوماسي المرموق، حاملاً ذاكرة السنوات الحلوة والمرة التي عاشها.
في هذا الحوار الحصري، يتحدث منير الملائكة عن ذكرياته عن ابنة أخته رائدة الشعر الحديث نازك الملائكة:


نازك تتوسط أطفال العائلة

ـــ كنا في السابق، نحمل لقب الجلبي. كان ذلك في عهد والي بغداد علي باشا سنة 1760 الذي حرص على التوفيق بين السنة والشيعة، مرة يصلي في جامع أبو حنيفة ومرة في الكاظمية ليعمل التوازن بين الطائفتين. وكان والي بغداد يعني حاكم منطقة تمتد من حدود تركيا إلى البحرين. كان ينزل في الدوخانة التابعة لنا، وهي مخصصة للضيوف تعود إلى جدي الخامس، حجي محمود وحجي محمد وهما أخوة، أولاد الحجي عبد الهادي درويش. كانت لجميع البيوت الكبيرة للأعيان دوخانة للضيوف، وهو تقليد في البيوت البغدادية. كان الوالي ينزل عندنا في «الدوخانة» عندما يأتي إلى الكاظمية عبر طريق صعب، من خلال عبور الجسر القديم، وامتطاء الخيول والعربات. فتولدت صداقة بين الوالي وبين والدي. وجاء لنا لقب الجلبي بفرمان صادر من الوالي منذ عام 1865، أي في أيام مدحت باشا، وكان جيراننا نائب الوالي عبد الباقي العمري الذي كان صديقاً لجدي، وهو شاعر قد كتب فينا بيتين من الشعر:
بيت تجاذبه التحدث بالوما فكأن مَنْ فيه ملائكة السما
وازدان بالأدب الرفيع وقد سما ولكاد فيه الصمتُ أن يتكلما
فبدأ الجيران يرددون: بيت الجلبي فيه ملائكة! وشيئاً فشيئاً أطلقوا علينا بيت الملائكة، بينما ظل لقب بيت عمي عبد الجبار هو الجلبي، وبعد ذلك أدخلنا لقب الملائكة في شجرة العائلة لعشرين جيلاً وتم تسجيله رسمياً.
> من المعروف أن الشاعرة نازك الملائكة ولدت في عائلة مثقفة، هل يمكن أن تشرح لها البيئة التي ترعرعت فيها؟
ـــــ تماماً. ولدت نازك في أسرة مثقفة، وكانت والدتها أي أختي سلمى عبد الرزاق تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسمها الأدبي «أم نزار الملائكة»، أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة «دائرة معارف الناس» في عشرين مجلداً. وهكذا فتحت نازك عينيها على مكتبة عامرة في البيت.
> نازك اسم غريب في العراق، كيف تم اختياره إذا أسعفتك الذاكرة؟
ـــ اختار والدها اسم نازك تيمناً بالثائرة السورية نازك العابد التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي عام ولادتها في 1923.
> لماذا غادرت نازك الملائكة العراق، هل هناك أسباب خاصة؟
ــــ من المعروف أنها كانت تدرّس في جامعة بغداد ثم جامعة البصرة ثم جامعة الكويت، كما عاشت في بيروت لعام، ثم سافرت على خلفية حرب الخليج الأولى في عام 1990 إلى القاهرة، وفضلت البقاء هناك إلى سنة وفاتها. وقد قامت مصر بتكريمها حيث أقامت دار الأوبرا المصرية احتفالاً خاصاً لها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي، وذلك في عام 1999 لكنها لم تتمكن للأسف الشديد من الحضور بسبب المرض، إذ حضر زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة عوضاً عنها. ومن الجدير الذكر أن لها ابناً واحداً هو البراق عبد الهادي محبوبة.
> هل عشت في بيت واحد مع الشاعرة نازك الملائكة؟
ــ نعم في منزلنا لبعض الوقت حسب ما أملته الظروف، وكنا قد ولدنا في العام ذاته، 1923 بفارق ثلاثة أشهر تقريباً أكبر مني. عشنا نحن الثلاثة، نازك الملائكة وأخي الدكتور نزار الملائكة، وهو أكبر من نازك بسنة، وأنا. بقينا في منزل العائلة الكبير إلى عام 1929 حيث انتقلت نازك إلى بيتهم الجديد في الكرادة، أما نحن فغادرناه في عام 1938 بعد أن استولت عليه الدولة من أجل شق الطرقات والشوارع. ثم أخذنا نلتقي في بيتهم بالكرادة.

منير الملائكة

> هل بدأ اهتمام نازك الملائكة بالشعر مبكراً؟
ــــ نعم. أتذكر وهي طفلة كتبت قصيدة باللهجة الدارجة عن جارتنا التي أنجبت بنتاً، وكان عمرها آنذاك عشرة أعوام، تصلح للغناء: «اليوم نرجس جابت بنت في السلة، عيني يا نرجوزة حضّري الملا».
كانت نازك تتميز بحساسية بالغة، وتعتني بالحيوانات، وتحب القطط منذ صغرها.
> هل تتذكر ماذا كانت تقرأ وما هي مصادر معارفها؟
ـــ كان والدها صادق الملائكة أستاذاً في الثانوية، يمتلك مكتبة كبيرة، وكذلك نحن كنا نمتلك مكتبة كبيرة بمنزلنا في العاقولية، لكن أحد الأعمام أساء التصرف وأقدم على بيعها بمبلغ قدره 250 ليرة ذهب، وهو مبلغ يكفي لبناء ثلاثة بيوت آنذاك. ومن العجيب أنني رأيت بأم عيني بعض هذه الكتب في متحف الفاتيكان، مكتوب عليها اسم حجي جواد عبد الرزاق، أي عمي، ومن بينها مخطوطات ثمينة، وكتب قديمة، تحتوي على الشعر والأدب والتاريخ. وبذلك فقدنا ثروة لا تقدر بثمن. كانت مكتبة العائلة متاحة لنازك.
> كيف كان تعليمها ودراستها؟
ـــ درست نازك الابتدائية في الكرادة، ثم انتقلت إلى العاقولية في الثانوية المركزية للبنات وسكنت معنا في المنزل الكبير، لأن الكرادة لم تكن تتوفر على مدرسة متوسطة. كان والدها يدرّس في الثانوية المركزية، ويأتي إلى منزلنا آخر الأسبوع يوم الخميس ليأخذها معه، إذ يركبان «ماتور الماء» في دجلة، ثم يترجلان للسير على الأقدام إلى منزلهم. كان ذلك في عام 1934، وقد سجلت تلك الذكريات في مشروع كتابي «ذكريات بغدادي في مائة عام» الذي سيصدر قريباً. وبعد تخرجها من دار المعلمين العالية عام 1944، دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن - ماديسون في أميركا، ثم عينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت كما هو معروف.
> هل واجهت نازك الملائكة معارضة لشعرها آنذاك سواء من قبل الشعراء أو المؤسسات الثقافية؟
ــــ كان الشائع أن نازك الملائكة بدأت بكتابة الشعر الحر الذي لا وزن له، وفي الواقع، لم يكن كذلك، لأنه كان موزوناً لكنها كسرت البيت الشعري التقليدي، فقام الشعراء الكلاسيكيون آنذاك بشّن هجوم عنيف عليها، لكنها كانت ملتزمة بخطها ولم تتخل عن خيارها في التجديد. وكان الجميع ضدها حتى الحكومة لأنها اعتبرت شعرها تطرفاً ضد تراث شعري عمره ألف عام. أعتقد أنها دشّنت الشعر الحر بكتابة قصيدتها الشهيرة «كوليرا» في عام 1947 كما هو معروف.
> لكنها بدأت بكتابة الشعر الحر في فترة زمنية مقاربة جداً للشاعر بدر شاكر السياب وزميلين لهما هما الشاعران شاذل طاقة وعبد الوهاب البياتي، هل هي الرائدة في نظرك؟
ــــ بالنسبة لنا نازك الملائكة كانت الرائدة في هذا المجال رغم ما ذكرت لأن الصحافة والرأي العام والشعراء الكلاسيكيين شنوا عليها حملة، ولم نكن نتوقع ذلك، ولربما ما كان مثيراً آنذاك أن تقوم امرأة بخرق القواعد الشعرية السائدة في زماننا، إذ كان الشعر العمودي مقدساً، باعتباره جزءاً من التراث. لكن نازك كانت تقرأ الشعر الإنجليزي كثيراً وقد تأثرت به، ولعلاقتها الإنجليزية قصة مثيرة.
> كيف؟
ــــ لاحظ أستاذها في المدرسة أنها متقدمة في اللغة الإنجليزية، وكانت الأولى في صفها، لذلك اقترح إرسالها إلى أميركا ببعثة من قبل وكالة التنمية الأميركية لمدة عام كامل من أجل دراسة اللغة والاطلاع على الجامعات الأميركية. وبعد ذلك، عادت إلى بغداد في عام 1950، عند عودتها أرادت أن تتعين في الجامعة إلا أن وزير المعارف آنذاك خليل الكنة لم يوافق على تعيينها حتى تدخلت شخصياً إذ كنت أعمل مع وزير الزراعة عبد الرسول الخالصي، وطلبت منه أن يتوسط عند وزير المعارف، لكنه لم يفعل ذلك لأنه أخبرني بأن هذا الرجل صعب المراس. لكن التغيير الذي حصل أن منير القاضي أصبح وزيراً للمعارف بالوكالة، وهو أستاذ جامعة، فطلبت ثانية من وزير الزراعة أن يتوسط عند وزير المعارف الجديد بالوكالة، فوافق على تعيينها في مكتبة الجامعة، وكانت لديها موظفات مساعدات، فكانت فرصة كبيرة لها للقراءة، ولكنها لم ترض بذلك المنصب، فقررت العودة إلى أميركا حيث حصلت على بعثة حكومية لسنتين، وحصلت على الماجستير في الأدب المقارن، ثم عادت إلى بغداد، فعينوها في الجامعة على الفور.
> حدثنا عن علاقتك الحميمة بنازك الملائكة؟
ـــــ ترتبط نازك الملائكة بذاكرتي لأننا من العمر نفسه، ولا تزال مكانتها في وجداني ذات أهمية كبيرة، لأنني وجدت فيها امرأة ذات حساسية عالية، وتقدر الآخرين وتصغي لهم، وهي واسعة الاطلاع، تغني الجلسات بمعارفها وثقافتها. أذكر جيداً أننا كنا نتناقش إلى ساعات متأخرة من الليل، وكان وعيها يتقدم علينا جميعاً لأنها كثيرة القراءة. وكانت تهتم ببرامج الشعر في الإذاعة المصرية، وهي تحب مصر كثيراً، وتقتني مجلاتها وصحفها وكتبها. وتأتينا بآخر أخبارها رغم عدم اهتمامها بالسياسة كثيراً. وكانت أحاديثها تتميز باللباقة والفصاحة والوضوح. وكان وجهها صبوحاً فرحاً باسماً ومستبشراً، وتتوهج بحب الحياة والمعرفة. يمكنني القول إن نازك الملائكة كانت سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا. وما زلت أسمع صدى تلك الموسيقى التي لا تفارقني: شعرها وصوتها وأنغامها. ولي معها ومع أخواتها ذكريات كثيرة من زمن الطفولة، وكان لها تأثير كبير علينا جميعاً، إذ هي من حببت في نفوسنا اللغة العربية من خلال ما كانت تتمتع به من ذخيرة لغوية كبيرة، تجعلنا نقترب من صميم اللغة وعمقها من خلال طرحها التساؤلات والمباراة في معرفة معاني الكلمات.
> ما هي الصدمة التي عانت منها نازك الملائكة في حياتها؟
ــــ يمكنني القول إنها وفاة والدتها حيث رافقتها إلى لندن، وطغى عليها الحزن، وكنتُ حينها هناك، فاستقبلناهما في المطار مع صديقي القنصل العراقي محسن الجزائري، حيث كانت سيارة الإسعاف في انتظارها، وذهبنا بهما إلى المستشفى مباشرة لأنها كانت تعاني من السرطان. وبعد العملية لم تستيقظ من التخدير، فكانت صدمة كبيرة لنازك لأن علاقتهما كانت حميمية للغاية، ومليئة بالعواطف والأحاسيس. ثم رتبنا مراسيم دفنها في لندن في عام 1935، ومن اعتزازها بذكرى والدتها، قامت بطباعة الديوان الذي كتبته، إذ كانت سليمة عبد الرزاق الملائكة شاعرة أيضاً.
> يعني أنكم عائلة شعراء، مَنْ من عائلتكم كانوا شعراء؟
ـــ أخي عبد الصاحب عنده ديوان، وأختي أم نزار عندها ديوان. وأمي شاعرة نظمت قصيدة من مائة بيت عن زيارتها لمكة انطلاقاً من بغداد. وأخي جميل الملائكة الذي كان أستاذاً في كلية الهندسة هو شاعر أيضاً، وسميت قاعة باسمه. ومن المفارقات التي تخطر على بالي أن سفيرة أستراليا في بغداد أطلقت اسم نازك الملائكة على قاعة في السفارة.
> كيف استقبلتَ خبر وفاتها وحيدة في مصر؟
ــــ كان أمراً محزناً للغاية. لقد مرضت، فتبرع الملك حسين بتحمّل نفقات علاجها في عمّان، وعندما سمع صدام حسين بذلك، أعلن عن تبرعه بتحمّل نفقات علاجها على حسابه لكن الملك رفض ذلك. إن رحيلها أثار في أعماقي مشاعر الحزن الكبير لأنني لم أتمكن من حضور مراسيم دفنها، وحتى أنها لم تكن تعلم بوفاة زوجها هادي محبوبة الذي كان رئيساً لجامعة البصرة، لأنها كانت متعبة، ولم يكن من المفضل إخبارها بهذا الخبر الحزين، خشية عدم تحملها الخبر وهي في حالة سيئة. وعندما توفيت اتصل نوري المالكي لجلب جثمانها من القاهرة، لكن الحكومة المصرية قامت بدفنها في مقبرة خاصة للعائلة غرب القاهرة في عام 2007 عن عمر يناهز 83 عاماً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
TT

ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)
ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)

قالت الفنانة المصرية، ليلى علوي، إنها كانت تحلم وهي صغيرة بأن تصبح مهندسة متخصصة في ميكانيكا السيارات، ولكنها اتجهت للتمثيل بالصدفة، وأضافت خلال تكريمها في مهرجان «أسوان الدولي لأفلام المرأة»، الثلاثاء، أنها دخلت مجال الفن منذ الطفولة، ولكنها اعتبرته هواية محببة في البداية، بعد ذلك ومع الوقت أصبح الفن هو كل حياتها.

واستعادت ليلى علوي خلال الندوة التي قدمها مدير المهرجان، حسن أبو العلا، واصفاً الفنانة بأنها «أصبحت أيقونة في تاريخ السينما المصرية والعربية»، بداياتها الفنية وعملها مع كبار المخرجين مثل يوسف شاهين ورأفت الميهي وحسين كمال ومحمد خان وخيري بشارة وشريف عرفة ومجدي أحمد علي وغيرهم.

وأشارت ليلى علوي إلى أنها قدمت أفلاماً انحازت لقضايا المرأة، وأنها أدركت منذ البداية دور الفن في التأثير بالمجتمع، لذلك شاركت في أفلام مثل «المغتصبون» لسعيد مرزوق الذي غيّر قوانين متعلقة بالمرأة، لضمان سرعة التقاضي في مثل هذه القضايا، وكذلك فيلم «إنذار بالطاعة» الذي عالج قضية الزواج العرفي.

ليلى علوي تحدثت عن مشوارها الفني (الشرق الأوسط)

وعن حلمها القديم قالت: «لم أحلم بالتمثيل أو أكون نجمة كنت أتمنى أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات، كنت أعشق موتور العربيات، كنت أحب الفن لكن كان هدفي تقديم الفن باعتباره هواية، وأكملت تعليمي في كلية تجارة، ولكن كان قدري أن أكرس حياتي للتمثيل».

وأكدت أن والدتها، التي كانت تحمل الجنسية اليونانية، كانت مسؤولة عن برنامج مهم في البرنامج الأوروبي، وهي التي شجعتها على دخول مجال الفن، وعن اختياراتها الفنية قالت: «الفيلم الوحيد الذي طلبت أن يكتب لي وكان من إنتاجي هو فيلم (يا مهلبية يا)، غير ذلك لم أطلب من أحد أن يكتب لي فيلماً، لكن باقي الأدوار كانت تأتي لي وأختار من بينها، وكان هناك أشخاص يشاركونني في الاختيار مثل والدتي والمخرج عاطف الطيب والكاتب وحيد حامد ونور الشريف، في هذا الوقت لم يكن هناك زميل أو زميلة يبخل بالنصيحة».

وعن تأثير المخرجين الكبار في مسيرتها، قالت إن «حسين كمال علمني أن تعبير العين أهم حاجة في الممثل، وهو ما أكده لي بعد ذلك يوسف شاهين، فقد كان يحب أن يجلس مع الممثل ويعرف تاريخه، حين رشحني لـ(المصير) وجلسنا 3 جلسات دردشة قبل أن يختارني للفيلم، حيث قلت له إنني صريحة ولا أعرف المجاملة، فأكد لي أنه يثق في أدائي الدور بصدق وتلقائية، لأن عيني ما زالت صافية».

وعن مغامراتها الفنية الجريئة مثل «يا مهلبية يا» وفيلم «سمع هس»، كيف خاضتها، قالت: بدايتي مع شريف عرفة في فيلم «الأقزام قادمون» كانت أولى تجاربه، بعد ذلك قدم فيلم «سمع هس» وكانت مرشحة له زميلة أخرى ورفضته، وجاء لي الدور، ولأنني أحب الرقص والغناء، فأحببت الدور، وأرى أن هذا الفيلم في ذلك الوقت كان نقلة مختلفة وجديدة تماماً عما يقدم في السينما، وفكرت بعده في تقديم «يا مهلبية يا» ونجح الفيلم.

جانب من افتتاح المهرجان (الشرق الأوسط)

وعن علاقتها بعاطف الطيب، قالت إنه أفادها جداً كونها ممثلة وقدمت معه أفلام «البدروم» و«ضربة معلم» و«إنذار بالطاعة» الذي عرض على فنانة أخرى أيضاً ورفضته، وأكدت أن محمد خان أيضاً لم يردها في «خرج ولم يعد»، وحين رشحها الفنان يحيى الفخراني قال له خان: «دي خواجاية مش فلاحة»، لكن حين قدمت مشهد الجرار أعجبه جداً، وهذا يرجع لهوايتي وحلمي القديم، فأنا أحب تصليح السيارات وأعمال الميكانيكا عموماً.

وعن البطولات الجماعية مثل فيلم «يا دنيا يا غرامي» وأكثر من تجربة بطولة جماعية، قالت: «أحب الفن والسينما وأقدر هذه الصناعة وأحب الخير للجميع وليس لدي مشكلة أبداً في البطولات الجماعية، وعمل درامي مثل (العائلة) كان فيه عدد كبير جداً من النجوم وجدت أنني أقدم قضية مهمة لبلدي، وفي (حديث الصباح والمساء) دوري كان 17 حلقة فقط ولم أتردد لحظة، فأنا أستمتع بالفن».

وكان مهرجان أسوان لأفلام المرأة الذي يقام في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي، كرم في افتتاح دورته العاشرة التي تحمل اسم رائدة السينما المصرية عزيزة أمير، الاثنين، الفنانة ليلى علوي، والفنانة السورية سولاف فواخرجي، والمخرجة البولندية دي كيه فيلشمان.

ويشارك في المهرجان 65 فيلماً من 34 دولة.


طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended