المدن والقرى السعودية ترسم «فرائحية العيد»... بالحديث والقديم

السكان حافظوا على مظاهر «عيد زمان»... من حبات القمح إلى النقود

من مظاهر الفرح في العيد (أرشيفية - واس)
من مظاهر الفرح في العيد (أرشيفية - واس)
TT

المدن والقرى السعودية ترسم «فرائحية العيد»... بالحديث والقديم

من مظاهر الفرح في العيد (أرشيفية - واس)
من مظاهر الفرح في العيد (أرشيفية - واس)

حافظ السعوديون على مظاهر عيد الفطر السعيد التي كانت سائدة في الماضي، كما حرص المقيمون في البلاد من المسلمين على الاحتفال بهذه المناسبة السنوية وفق عاداتهم وتقاليدهم في بلدانهم، أو مشاركة السكان في احتفالاتهم بهذه المناسبة السنوية، علماً بأن السعودية تحتضن مقيمين من نحو 100 جنسية مختلفة.
ويستعد السكان لهذه المناسبة قبل أيام من حلول عيد الفطر، من خلال تجهيز «زكاة الفطر»، وهي شعيرة يستحب استخراجها قبل حلول العيد بيوم أو يومين، ويتم ذلك بشرائها مباشرة من محال بيع المواد الغذائية أو الباعة الجائلين، الذين ينتشرون في الأسواق أو على الطرقات ويفترشون الأرض أمام أكياس معبئة من الحبوب من قوت البلد بمقياس الصاع النبوي، والذي كان لا يتعدى القمح والزبيب، ولكن في العصر الحالي دخل الأرز كقوت وحيد لاستخراج الزكاة.
وفي كل عام يتكرر المشهد السائد ذاته منذ عقود في الاحتفال بعيد الفطر السعيد ومع حلوله اليوم في السعودية تستعيد ذاكرة السكان، وخصوصاً من كبار السن ذكريات عن هذه الفرائحية السنوية أيام زمان، وفق استعدادات ومتطلبات خاصة وبعض المظاهر الاحتفالية التي تسبق المناسبة.

السعوديون يحرصون على الإفطار الجماعي يوم العيد (أرشيفية - واس)

وحافظت بعض المدن والمحافظات والقرى والهجر في السعودية على مظاهر العيد التي كانت سائدة في الماضي؛ إذ حرص السكان على إبقاء هذه المظاهر ومحاولة توريثها للأبناء. ولوحظ خلال الأعوام الماضية حرص السكان على إحياء المظاهر الاحتفالية بعيد الفطر من خلال موائد العيد بمشاركة جميع سكان الحي، وتمثلت هذه المظاهر في تخصيص أماكن بالقرب من المساجد أو الأراضي الفضاء ونصب الخيام داخلها وفرشها بالسجاد ليبدأ سكان الأحياء بُعيد الصلاة بالتجمع في هذه الأماكن وتبادل التهنئة بالعيد، ثم تناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، بعدها يتم إحضار موائد العيد من المنازل أو المطابخ، التي لا تتعدى الكبسة السعودية والأكلات الشعبية الأخرى المصنوعة من القمح المحلي، وأبرزها الجريش والمرقوق والمطازيز، علماً بأن ربات البيوت يحرصن على التنسيق فيما يتعلق بهذه الأطباق لتحقيق التنوع في مائدة العيد وعدم طغيان طبق على آخر.
ويحرص السكان على المشاركة في احتفالية العيد التي تبدأ بتناول إفطار العيد في ساعة مبكرة بعد أن يؤدي سكان الحي صلاة العيد في المسجد يتوجه السكان إلى المكان المخصص للإفطار، الذي يفرش عادة بالسجاد (الزوالي) مع وضع بعض المقاعد لكبار السن ليتسنى لهم المشاركة في هذه الاحتفالات وفي المكان يتم تبادل التهاني بالعيد وتناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، وبعدها يبدأ إخراج موائد العيد من المنازل وتوزيعها على السفرة التي تفرش عادة في الساحات القريبة من المسجد أو في الأراضي الفضاء داخل الحي أو حتى في الشوارع الفرعية، كما تقيم إمارات المناطق والمحافظات إفطاراً في مقراتها في ساعة مبكرة من الصباح يشارك بها السكان من مواطنين ومقيمين.

الأطفال أكثر فرحاً بحلول العيد (أرشيفية - واس)

وبعد انتهاء إفطار العيد يتوجه أرباب الأسر مع عائلاتهم إلى الأقارب للتهنئة بالعيد ضمن اعتبارات تتعلق بأعمار المزارين ودرجة القرابة، حيث الأولوية لعمداء الأسر وكبار السن منهم، ولأن الساعة البيولوجية للسكان يصيبها الخلل خلال شهر الصوم، فإن البعض يحرص على أخذ قسط من الراحة قبيل صلاة الظهر أو بعدها، ثم يبدأ بعد العصر بزيارة الأقارب والأصدقاء حتى المساء، حيث يخيّم الهدوء على المنازل، ويحرص المشاركون في الإفطار على تذوق جميع الأطباق التي غالباً ما يتم إعدادها داخل المنازل، التي لا تتعدى أطباق الكبسة والجريش وأحياناً القرصان أو المرقوق أو المطازيز، خصوصاً في أيام الصيف، حيث كانت موائد العيد خلال الشتاء تزين بالأكلات الشعبية مثل الحنيني والفريك.
وفي الوقت الذي اختفت فيه بعض مظاهر العيد القديمة عادت هذه الأجواء التي تسبق يوم عيد الفطر المبارك بيوم أو يومين للظهور مجدداً في بعض المدن والقرى بعد أن اختفت منذ خمسة عقود والمتمثلة في المناسبة الفرحية المعروفة باسم العيدية، التي تحمل مسميات مختلفة في مناطق السعودية، منها «الحوامة» أو «الخبازة» أو «الحقاقة» أو «القرقيعان» في المنطقة الشرقية ودول الخليج، كما تم إحياء هذا التراث الذي اندثر منذ سنوات الطفرة وانتقال السكان من منازلهم الطينية إلى منازل حديثة، وقد ساهمت الحضارة الحديثة وانتقال السكان من الأحياء والأزقة الطينية في القرى والمدن في اختفاء هذا المظهر الفرحي للصغار في شهر رمضان ومع حلول العيد. يشار إلى أن المظاهر الاحتفالية لعيدية رمضان قبل عقود عدة تتمثل في قيام الأطفال بطرق الأبواب صباح آخر يوم من أيام رمضان وطلب العيدية التي كانت لا تتعدى البيض المسلوق أو القمح المشوي مع سنابله والمعروف باسم «السهو»، ثم تطور الأمر إلى تقديم المكسرات والحلوى، خصوصاً القريض والفصفص وحب القرع وحب الشمام والحبحب، وحلّت محلها هدايا كألعاب الأطفال أو أجهزة الهاتف المحمول أو النقود.


مقالات ذات صلة

حفلات موسيقية ومسرحيات عالمية تزرع فرح العيد في أرجاء السعودية

يوميات الشرق حفلات موسيقية ومسرحيات عالمية  تزرع فرح العيد في أرجاء السعودية

حفلات موسيقية ومسرحيات عالمية تزرع فرح العيد في أرجاء السعودية

استقطبت هيئة الترفيه السعودية مجموعة من أبرز نجوم الغناء والمسرح في الوطن العربي، لإحياء حفلات موسيقية ومسرحيات في عدد من المدن والمناطق السعودية، احتفاء بأيام عيد الفطر السعيد. وستقام الحفلات الغنائية في كل من العاصمة الرياض وجدة والظهران وبريدة وحائل وجازان، حيث تهدف الهيئة إلى تقديم خيارات ترفيهية تنال رضا المواطنين والمقيمين والزائرين خلال أيام عيد الفطر المبارك. وقد انطلقت الاحتفالات أول من أمس السبت مع الفنان محمد عبده، الذي شدا في مدينة أبها أمام جمهور كبير من عشاق أغانيه في سهرة أطربهم فيها فنان العرب بـ«ما عاد بدري» و«لو كلفتني المحبة»، وغيرها ليختم حفلته بأغنيته الوطنية «فوق هام السح

محمد هلال (الرياض)
يوميات الشرق محمد بن سلمان وبوتين يبحثان العلاقات

محمد بن سلمان وبوتين يبحثان العلاقات

أجرى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي اتصالاً هاتفياً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس. وقدم الرئيس الروسي في بداية الاتصال التهنئة لولي العهد بعيد الفطر المبارك. وجرى خلال الاتصال استعراض العلاقات الثنائية بين السعودية وروسيا وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق انقسام في ليبيا حول العيد  وباتيلي يدعو إلى «كلمة سواء»

انقسام في ليبيا حول العيد وباتيلي يدعو إلى «كلمة سواء»

انعكس انقسام المؤسسات المحتدم منذ سنوات في ليبيا على موعد عيد الفطر لهذا العام، فبينما تبنت مدن شرق ليبيا رأي «الهيئة العامة للأوقاف» باعتبار (الجمعة) أول أيام العيد، تمسكت مناطق في غرب البلاد برأي «دار الإفتاء» التي أصرت على أن (الجمعة) متمم لصيام شهر رمضان. وأمضى الليبيون ليلة من البلبلة واللغط، بشـأن موعد عيد الفطر، فبينما كان (الجمعة) عيداً شرق البلاد، اعتمدته مدن في الغرب كآخر أيام رمضان، غير أن التعارض لم يمنع مساجد في العزيزية، والهضبة، وعين زارة بطرابلس (غرب) من إقامة صلاة العيد. وفور إعلان «دار الإفتاء»، موقفها من رؤية الهلال، سارع عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، إلى ا

جمال جوهر (القاهرة)
يوميات الشرق «حي العيد» يبهج الأطفال بالهدايا والحلويات في ساحة المصمك

«حي العيد» يبهج الأطفال بالهدايا والحلويات في ساحة المصمك

احتفل سكان الرياض بمهرجان «حي العيد»، الذي تنظمه وزارة الثقافة بأجواء من البهجة، تعكس التراث السعودي والعادات القديمة للسعوديين في العيد، وذلك في ثلاثة مواقع هي، ساحة المصمك، وسوق الزل، وشارع السويلم؛ وذلك ضمن حزمة الفعاليات والبرامج المخصصة للاحتفال بأيام عيد الفطر. واستقبل المهرجان زائريه في منطقة الضيافة «عيدنا في البيت الكبير»، التي تجسد مشاهد تمثيلية لطابع البيت السعودي أيام العيد، وما يكتنفه من أجواء المودة والمحبة، حيث يجتمع الناس وكأنهم في أحد المنازل القديمة ويستقبلون المعايدات والمباركات مع بعضهم. ثم ينتقل الزائرون إلى منطقة «عيدنا في جمعتنا»، التي تتضمن عروضاً موسيقية حية لعازفي الع

محمد هلال (الرياض)
يوميات الشرق المتاجر ترفع مستويات التأهب لتجهيزات العيد في السعودية

المتاجر ترفع مستويات التأهب لتجهيزات العيد في السعودية

شهدت محال الذهب والحلويات والهدايا والملبوسات في السعودية حركة مزدهرة خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، خلال استعدادهم للاحتفالات بعيد الفطر، فيما رفعت المتاجر من مستويات التأهب لديها، عبر تنوع المنتجات والموديلات الجديدة، وإطلاق الحملات التسويقية والإعلانية، وزيادة ساعات العمل حتى وصل بعضها للعمل 24 ساعة. وسجلت غالبية المحلات التجارية انتعاشاً وحركة شرائية مرتفعة، ليس لها مثيل طيلة باقي أيام السنة، حيث تبدأ ذروتها في المساء وتمتد إلى ساعات الصباح الباكر، خصوصاً في الأيام الأخيرة التي تسبق عيد الفطر. وشهدت منطقة جازان في جنوب السعودية، انتعاشاً في الحركة الشرائية في أسواق الذهب والمجوهر

محمد المطيري (الرياض)

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.


ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
TT

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون (1830 - 1896) في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصمم فيه «قاعة العرب» شرقية الروح والملامح والتفاصيل. تظل القاعة مصدر جذب للزوار للتأمل في جمالياتها العالية وتفاصيلها الشرقية التي تنقلنا من مدينة لندن لقاعات عربية وشرقية مكتملة بالجدران المتدثرة بقطع السيراميك الأزرق والزخارف والكتابات العربية وتحتضن في وسطها نافورة تحول الغرفة إلى قاعة شرقية مهاجرة.

قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس»... درة شرقية (تصوير سيوبان دوران)

العيون الزرقاء في قاعة العرب

في هذه القاعة تحديداً، التي جلب لها اللورد ليتون السيراميك واللوحات من أنحاء المشرق، يطل علينا عمل معاصر للفنان اللبناني رمزي ملاط، لا يبدو دخيلاً على الجو العام للقاعة بل يمتزج معها إلى درجة كبيرة، فهنا تتدلى أمامنا من الثريا المعدنية سلاسل من حبات الخرز الأزرق، نقترب منها وتأخذنا بشكلها الأسطواني وتكوينها الذي يشبه المشربيات الشرقية. تتدلى خيوطها وحبات الخرز فيها لتتفاعل مع الجدران الزرقاء حولها وتعكس ظلالها على بركة الماء أسفلها.

الفنان مع عمله في متحف «ليتون هاوس» بلندن (تصوير: جارون جيمس)

«أطلس النظرة المتشابكة»

بالاقتراب من العمل نتبين تفاصيل الخرزات الزرقاء وتناغمها، هي مثل تلك التي تستخدم لدرء النظرة الحاسدة في الثقافات العربية، ربما هذا ما يعكسه عنوان العمل وهو «أطلس النظرة المتشابكة». النظرة هنا أساسية لفهم العمل، فالخرز الأزرق كان يستخدم للحماية من الحسد ومن النظرة الشريرة، ولكن العمل يوظف ذلك العنصر للحديث عن مواضيع أعمق تنبع من خلال تلك المظلة المؤلفة من آلاف «العيون» الخزفية الزرقاء، حيث نسج الفنان عملاً يستمد من الفلكلور الشامي وتقاليد الحرف الإسلامية واللغة المعمارية والرمزية للمكان، ليقدم تأملاً معاصراً في الإدراك والحماية والتراث الثقافي.

أمام الثريا الزرقاء أقف مع رمزي ملاط للحديث عن العمل ومعانيه. يقول إن الأمر الأهم بالنسبة له كان أن يعكس العناصر المختلفة في ليتون هاوس وهي كثير، فالخرزات الزرقاء المعلقة، وعددها 7500، تتشابه في ألوانها وتفاصيلها مع ثيمات أخرى موجودة في غرف المتحف مثل أطباق خزفية معلقة على الجدار ورسمات على وسائد موضوعة على أريكة: «عند زيارتي للمتحف لاحظت ذلك النمط المتكرر، وشعرت وكأن فريدريك ليتون استلهم نفس الفكرة لحماية منزله من خلال عناصر مختلفة وضعها في غرف متفرقة، أو ربما كان ذلك مجرد خيار أسلوبي، لكنني أميل إلى الاعتقاد بوجود دافع أعمق، نظراً لكثرة أسفاره في الشرق الأوسط. لفتت هذه العناصر انتباهه، وصمم منزله بأسلوب يعكس أسفاره وشغفه».

النظرة بين الشرق والغرب

صمم ملاط عمله مستخدماً نمط الخرزات الزرقاء وتصميماتها بشكل بدا وكأنه يتجاوب مع غرف المتحف غير أنه يقول إن هناك مرجعيات أخرى لاحظها في الغرف الأرضية للمتحف، يشير إلى «قاعة نرجس» وهي قاعة ملبسة بالسيراميك الأزرق بحيث يشعر الزائر بأنه في خضم موجات كثيفة من اللون وكأنه يغوص في أعماق لجة من الماء، ولا يبدو ذلك غريباً فالقاعة تستلهم من الأسطورة اليونانية عن شخص شديد الجمال وقع في غرام انعكاس صورته على ماء بركة حتى وقع وغرق في مياهها.

نسج ملاط مع حبات الخرز الزرقاء مظلة تستوحي من الشرق والغرب (الفنان)

من أسطورة نرجس أو نارسيس، يرى ملاط عنصر النظرة التي تغوي، هي النظرة التي تستخدم الخرزات الزرقاء للحماية من شرها، النظرة هنا تكتسب أبعاداً مختلفة يحدثنا عنها ملاط: «عندما أردت إنتاج هذه القطعة، فكرت في الحسد، وفكرت أيضاً في النافورة التي عطلناها لنحولها إلى بركة ماء. بدأت أتساءل: لماذا يوجد هذا التقارب بين نرجس والقاعة العربية؟ ربما من وجهة نظري، أسطورة نرجس يمكن أن تكون تفسيراً لمعتقد الحسد، ولكن بشكل أكبر للجمهور الغربي، لأنها لا تزال تتحدث عن قوة النظرة وحقدها، فهي قد تجلب سوء الحظ أيضاً، ويعتبرها آخرون غروراً. أحب أن أنظر إليها كحوار مفتوح بين التقاليد الغربية والشرقية، ولهذا السبب أردت إبراز ذلك، وأردت تعليق هذا العمل من حوض النافورة لمواصلة اللعب بهذه المراجع المختلفة أيضاً. حقيقة أن لونها أزرق وأن الماء راكد الآن، تجعل الناس ينظرون إلى انعكاسها، وينظرون أيضاً إلى القطعة نفسها في الماء، لذا أعتقد أن هناك تبادلاً يحدث عبر الماء أيضاً».

الحماية والعنف

مفهوم الحماية، سواء من العين الحاسدة الذي تجسده الخرزات الزقاء، يتسع ويكتسب أبعاداً جديدة في عمل ملاط، فالثريا الزرقاء تشبه في شكلها خوذات المحاربين في العصور الوسطى المغطاة بحلقات معدنية كانت تهدف لحماية الوجه أثناء القتال: «عندما دخلت المكان لأول مرة، ذكّرتني الثريا الموجودة بخوذات المحاربين العثمانيين، وأردت إبراز هذا الجانب من خلال تصميم سلسلة من العيون المتأملة على طراز المشربية، وهي مترابطة بسلاسل لمحاكاة النمط نفسه الموجود في الدروع، لكنني أردت أيضاً أن تبدو كدرع يحمي المكان ويمنحه في الوقت نفسه إحساساً بالحركة، لأنني أرى ذلك في تجربة الناس وهم يدخلون المكان، فهم ينظرون إليه باستمرار».

يتداخل مفهوم الحماية لدى ملاط ليربط ما بينها وبين الشعور بالضعف وأيضاً العنف، يقول: «بمعنى ما الخوذة هي وسيلة حماية، لكنها لا تقتصر على الحماية فحسب، بل تشير أيضاً إلى العنف. أعتقد أن امتلاك المعدات اللازمة للحماية يعني أنك في حالة من الضعف الدائم. وهذا ما أردت التطرق إليه، حيث لا يقتصر الأمر على الحماية فحسب، بل يتعلق أيضاً بالضعف الكامل».

الخرزات الزرقاء في «أطلس النظرة المتشابكة» لرمزي ملاط (تصوير: جارون جيمس)

مخاوف معاصرة

يرى الفنان في رمزية العين الشريرة انعكاساً للمخاوف المعاصرة المتعلقة بالحماية والمحو والعنف الموجه نحو المنطقة العربية: «عندما أنتجتُ هذا العمل، كان لديّ دائماً هذا الفهم العميق بأننا نواجه باستمرار حالة من عدم اليقين في المنطقة، وعندما كنتُ أبحث في فهم سبب استمرار فكرة العين الزرقاء في مجتمعاتنا المعاصرة، توصلتُ إلى استنتاج مفاده أن الاعتقاد بالحماية من العين الشريرة إنما هو وسيلة للتكيف والتعامل مع الأوضاع. أعتقد أن التمسك بهذا الاعتقاد يفسر حقاً مصيبتك، ويسمح لك أيضاً بالحزن الشديد بسبب حقيقة أننا نواجه باستمرار المحو والتدمير، واستحالة هذا الوضع حيث تشعر بالعجز الشديد، ولكن في الوقت نفسه تريد أن تكون قادراً على فعل شيء ما بحياتك. وأعتقد أن هذا الأمر يُبرز أهمية التفاعل الحقيقي مع شيء غير مادي يربطنا جميعاً».

بشكل شخصي يرتبط الإحساس لدى الفنان بما يحدث في بلده: «أنا من لبنان، بلد صغير جداً، وكنت أعاني من هذا القلق في صغري بشأن نظرات الآخرين وتطور الإيمان بهذه التميمة ورمزيتها حتى أنني أنجزت سلسلة أكبر من الأعمال الفنية التي تحمل هذه العيون الشريرة. عندما اندلعت الحرب بين (حزب الله) وإسرائيل عام 2024، كانت المناوشات لا تزال مستمرة في الجنوب، وعندما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل الفوسفور، ورأيت هذا المحو الهائل والإبادة البيئية في الجنوب، شعرت بالعجز الشديد، فبدأت أرسم هذه المناظر الطبيعية، هذه الجبال الشاهقة التي منحتني الشعور بالحماية عندما كنتُ هناك، ثمّ نقشتُ عليها عيوناً حاسدة، وكأنّ عجزي يُترجم إلى ورق، أردت إبراز كلّ هذه المشاعر والإحباطات، وجعلها أيضاً رسالة حبّ للعالم العربي».

يعتبر ملاط العمل بمثابة بنية للذاكرة الجماعية، وتذكير بأن فعل النظر ليس محايداً أبداً. وبهذا المفهوم تصبح رؤية «أطلس النظرة المتشابكة» كغطاء واقٍ وشبكة من «العيون» اليقظة، تُثير التأمل في مفهومي الظهور والهشاشة: من يُراقَب، ومن يُحمى، وكيف تنتقل الرموز الثقافية وتتحول عبر القرون.

قاعة العرب وفي الخلف قاعة نارسيس بمتحف «ليتون هاوس» (تصوير: سيوبان دوران)

العمل يعد ​​الأول للفنان في مؤسسة فنية بالمملكة المتحدة، ويقدم من خلال برنامج «قاعة العرب: الماضي والحاضر» في المتحف، حيث ستُقدّم ثلاثة أعمال تركيبية جديدة رؤى معاصرة حول قاعة العرب، تتناول كل منها هندستها المعمارية وموادها وتاريخها المتراكم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
TT

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة، كاشفاً عن عالم خفيّ يرزح تحت سطح الماء، لا تطوله الأبصار إلا نادراً.

وغاص جيكوبس، مستشار التنوّع البيولوجي القادم من هولندا، لعمق 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح الجليد، حيث تسلَّلت خيوط الضوء عبر الكتل المتجمِّدة، لتُنير مشهداً أخّاذاً لأسماك تسبح حول تشكيل صخري في بيئة نائية قلّة مَن يحظون بمشاهدتها، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تنخفض درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر.

في الأعماق دهشة لا تنتهي (أ.ب)

وذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه المغامرة جاءت ضمن دورة «الغوص العلمي القطبي» في شمال فنلندا، التي تشرف عليها «الأكاديمية العلمية الفنلندية للغوص». وتهدف هذه المبادرة إلى إعداد جيل جديد من الباحثين والعلماء الذين يتمتّعون بمهارات استكشاف ما تحت جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ودراسة الكائنات الحيّة الفريدة من الحيوانات والنباتات. وبعد الغوص لمدة وصلت إلى 45 دقيقة، وصف جيكوبس التجربة بعبارة مقتضبة موجزة هي: «المشهد جميل».

وتشير المعطيات إلى ارتفاع درجة الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع من باقي أنحاء الكوكب بمقدار 4 أمثال. ويمثّل ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي كارثة على العالم بأسره؛ إذ يؤثّر في أنماط الطقس على مستوى العالم، ويهدّد وجود الدببة القطبية ويضعفها ويزيد من جوعها، نظراً لاعتمادها على الجليد البحري للصيد.

حين تنكسر السطحية... نرى أكثر (أ.ب)

وعلى الجانب الآخر، في القارة القطبية الجنوبية، يؤدّي الاحتباس الحراري العالمي إلى ذوبان الصفائح الجليدية، مما يُسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر واضطراب النظم البيئية للمحيطات.

العنصر البشري في الغوص يظلّ ضرورةً لا غنى عنها

وسط هذا المشهد، يواصل العلماء مساعيهم في دراسة ما يجري تحت ما تبقى من الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، لتحديد كيفية تأثير التغير المناخي على النباتات والحيوانات التي عاشت تقليدياً على طول قاع البحر في وجود قدر ضئيل من أشعة الشمس.

ومع ذلك، يتطلَّب إجراء هذه البحوث مهارات متخصِّصة في الغوص، إلى جانب تأهيل علمي مناسب، وهي مؤهّلات لا يمتلكها سوى بضع مئات من المتخصّصين عالمياً في الوقت الحالي، وفق ما يوضح الخبراء.

ولا تهدف الأكاديمية الفنلندية إلى تدريب مزيد من الغواصين فحسب، بل تعمل على إقناع العالم بضرورة تكثيف البحوث لمواجهة أزمة الجليد القطبي. وقال عالم الأحياء البحرية وأحد مدرّبي الغوص العلمي في الدورة، إريك وورز: «نظراً إلى سرعة الذوبان، نحتاج إلى مزيد من الباحثين، وزيادة الجهود العلمية هناك لفهم ما يحدث بشكل أفضل».

وأضاف: «علينا التحرُّك سريعاً لإنقاذ هذا النظام البيئي الفريد، سواء في القطب الشمالي أو الجنوبي».

وفي عالم يتزايد فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات في إنجاز الأعمال والمَهمّات، يرى عالم الأحياء البحرية في «المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، سايمون مورلي، أنّ الدور البشري لا يزال ضرورياً. وقد يُدمّر استخدام الشباك في أنحاء قاع البحر البيئة والموائل الطبيعية، في حين لا تستطيع غواصة تعمل عن بعد أو روبوتات سوى جمع عيّنة واحدة في المرة الواحدة.

وقال مورلي، الذي لا يشارك في الدورة المذكورة: «يمكن للغواص جمع 12 قنفذاً بحرياً ووضعها داخل حقيبة من دون الإضرار ببقية النظام البيئي».

كلّما تعمّقنا اتّسعت الحكاية (أ.ب)

ظروف قاسية

تُجرى التدريبات في محطة «كيلبيسجارفي» البيولوجية التابعة لجامعة هلسنكي. وخلال الدورة الواحدة، التي تستغرق 10 أيام داخل بحيرة متجمِّدة، يُدرّب المعلم المتخصِّص نحو 12 غواصاً متمرّساً. ومنذ إطلاق البرنامج في 2024، تزايد الإقبال عليه، ممّا أتاح إضافة دورة أخرى سنوياً.

ويضمّ البرنامج طيفاً متنوّعاً من المشاركين، من علماء أحياء إلى علماء في تخصّصات أخرى، وغواصين ذوي مهارة عالية، وصنّاع أفلام وثائقية.

ويريد الطالب في قسم الأحياء البحرية وعلم دراسة المحيطات بجامعة بليموث في إنجلترا، رورلي بوجيز، في النهاية العمل في القطب الجنوبي والبحث في شؤون الحيوانات البحرية الضخمة. وقد سجَّل في دورة الغوص القطبي للشهر الحالي في محاولة لزيادة فرص توظيفه عند التخرج. وأوضح: «اعتقدت أنّ هذه ستكون خطوة جيدة تجاه تحقيق هدفي».

ويواجه فريق الدعم السطحي تحدّيات، حيث يتعيَّن عليهم تشغيل معدات لضمان سلامة الغواص، إضافة إلى تفادي خطر التعرُّض لقضمة الصقيع. كذلك يجب عليهم تعلم كيف يصبحون غواصي إنقاذ في حالات الطوارئ، مثل عدم تمكُّن الغواص الأساسي من العثور على فتحة في الجليد للعبور من خلالها إلى السطح بعد 45 دقيقة من البقاء تحت الماء.

ومع ذلك، بمجرّد وجودهم تحت الماء، يقول الغواصون إنها تجربة مذهلة. وخلال الدورة الحالية، غاصت المجموعة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها نحو 80 سنتيمتراً (نحو قدمين ونصف قدم تقريباً). وشاهدت تشين بعض الأسماك، في حين كانت أشعة الشمس تنفذ عبر الجليد فيما يشبه ظاهرة قطبية أخرى. وقالت: «يبدو المشهد من الأسفل إلى الأعلى مذهلاً. إنه يتغيَّر باستمرار، كأنه الشفق القطبي».