لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

دراسة تُبيِّن دور الرياح والتيارات الكهربائية في تفسير الظاهرة

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.


مقالات ذات صلة

بيزوس: استعمار القمر ضرورة لإنقاذ الأرض

تكنولوجيا مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (أ.ب)

بيزوس: استعمار القمر ضرورة لإنقاذ الأرض

طرح الملياردير الأميركي ومؤسس شركة «أمازون»، جيف بيزوس، رؤية طموحة تقوم على نقل الصناعات الملوِّثة خارج كوكب الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)

تراكيب غريبة وسماء من الملح تحيط بـ«الكوكب الوردي»

اكتشف علماء فلك بقيادة جامعة نورث وسترن سماءً ملحية تحيط بما يعرف بـ«الكوكب الوردي» الشهير الذي يعد من الأجرام الفلكية الفريدة من نوعها في الكون.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم محطة الفضاء الدولية (أ.ف.ب)

«تسرب هواء» قد يجبر رواد محطة الفضاء الدولية على إخلائها

أعلنت وكالة «ناسا» أنها أصدرت أوامر إلى روّاد الفضاء الموجودين على متن محطة الفضاء الدولية بالاستعداد لإخلاء محتمل، الجمعة، مع حدوث تسرّب هواء في المحطة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

توصّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تفاعل واسع بعد إسلام «جيانكارلو إسبوزيتو» خلال تصوير «7Dogs» في السُّعُودية

نجم فيلم «سفن دوجز» جيانكارلو إسبوزيتو ينطق الشهادتين ويشارك فريق العمل الصلاة في المسجد (حساب تركي آل الشيخ)
نجم فيلم «سفن دوجز» جيانكارلو إسبوزيتو ينطق الشهادتين ويشارك فريق العمل الصلاة في المسجد (حساب تركي آل الشيخ)
TT

تفاعل واسع بعد إسلام «جيانكارلو إسبوزيتو» خلال تصوير «7Dogs» في السُّعُودية

نجم فيلم «سفن دوجز» جيانكارلو إسبوزيتو ينطق الشهادتين ويشارك فريق العمل الصلاة في المسجد (حساب تركي آل الشيخ)
نجم فيلم «سفن دوجز» جيانكارلو إسبوزيتو ينطق الشهادتين ويشارك فريق العمل الصلاة في المسجد (حساب تركي آل الشيخ)

حظي إعلان إسلام الممثل الأميركي جيانكارلو إسبوزيتو، أحد أبطال فيلم «7Dogs»، بتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، بعد نشر مقطع مصور يوثق نطقه الشهادتين ومشاركته فريق العمل أداء الصلاة داخل أحد المساجد، عقب تجربة عاشها خلال فترة تصوير الفيلم في السعودية، في مشهد حظي باهتمام كبير وتصدر النقاش بين المتابعين.

رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ (الشرق الأوسط)

وجاء الإعلان عبر رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، المستشار تركي آل الشيخ، الذي نشر المقطع عبر حسابه على منصة «إكس»، موضحاً أن إسبوزيتو أعلن إسلامه بعد تجربة إنسانية عاشها خلال فترة وجوده في السعودية للمشاركة في تصوير فيلم «7Dogs»، حيث عبّر عن ارتياحه لما لمسه من أخلاق المسلمين وحسن تعاملهم، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرار اعتناق الإسلام.

ويُعد جيانكارلو إسبوزيتو من أبرز الممثلين في هوليوود، واكتسب شهرة عالمية من خلال تجسيده شخصية (غاس فرينغ) في مسلسل Breaking Bad، إلى جانب مشاركته في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية العالمية التي رسخت مكانته كأحد أبرز نجوم الدراما الأميركية.

ولم يقتصر الأمر على إسبوزيتو، إذ كشف تركي آل الشيخ أيضاً عن اعتناق المنتج سايروس هومي باتيل، أحد المشاركين في إنتاج فيلم «7Dogs»، الإسلام، من خلال نشر صورة لشهادة إشهار إسلامه، والتي أظهرت اختياره اسم (كريم) اسماً إسلامياً له، في خطوة لاقت اهتماماً واسعاً بين المتابعين.

وسرعان ما انتشر المقطع والصور على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدر اسم جيانكارلو إسبوزيتو قوائم التداول، بينما عبّر آلاف المستخدمين عن سعادتهم بالخبر، مقدمين التهاني للممثل الأميركي والمنتج، ومتمنين لهما التوفيق والثبات، كما أشاد كثيرون بما وصفوه بالأثر الذي تتركه المعاملة الحسنة والقيم الإسلامية في التعريف بالإسلام.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار السعودية في تعزيز حضورها على خريطة صناعة السينما العالمية، عبر استقطاب إنتاجات دولية ضخمة وتوفير بيئة متطورة للتصوير والإنتاج، وهو ما جعلها وجهة متنامية لصناع الأفلام من مختلف أنحاء العالم.

ويُعد فيلم «7Dogs» من أبرز المشروعات السينمائية التي يجري تنفيذها في السعودية، إذ يضم نخبة من الممثلين وصناع الأفلام العالميين، وصُورت أجزاء كبيرة منه في مواقع داخل السعودية، في إطار الحراك المتسارع الذي يشهده قطاعا السينما والترفيه، والهادف إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي ودولي للإنتاج السينمائي.

وحقق الفيلم أعلى إيرادات في تاريخ السينما العربية، حسب الإعلان الذي نشره رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ على منصة «إكس»، بأكثر من 18.4 مليون دولار في شباك التذاكر خلال 25 يوماً فقط، مع بيع أكثر من 2.35 مليون تذكرة منذ عرضه.

وتعود بداية مشروع الفيلم إلى عام 2024 وتحديداً إلى لقاء في الرياض بين المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، والمخرجين البلجيكيين من الأصول المغربية، عادل العربي وبلال فلاح، اللذين طرح عليهما آل الشيخ فكرة الفيلم، لتلقى استجابة فورية وحماساً بالغاً من الثنائي الإخراجي، ولإعطاء المشروع صبغته الدولية، جرى استقطاب المنتج العالمي أيفن أتكينسون.

وإلى جانب كريم عبد العزيز وأحمد عز، يضم الفيلم مجموعة من الأسماء العالمية، منهم النجمة الإيطالية العالمية مونيكا بيلوتشي، وجيانكارلو إسبوسيتو، ونجم بوليوود سلمان خان، وسانجاي دوت، وماكس هوانغ، وتارا عماد، وناصر القصبي، وسيد رجب.


«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

«قديم من أيام الإنجليز»؛ عبارة يمكن سماعها على ألسنة المصريين، للإشارة إلى مبانٍ ومنشآت تعود إلى زمن الاحتلال البريطاني لمصر (1882- 1956م)، تنوعت بين مبانٍ إدارية، ومرافق خدمية.

فعلى الرغم من «مساوئ» الاحتلال البريطاني لمصر -وفق مؤرخين- فإنه في الوقت نفسه كان سبباً في وجود بعض المنشآت المميزة والباقية حتى اليوم.

واحتفل مصريون بذكرى مرور 70 عاماً على «جلاء الإنجليز»، الذي وافق يوم 18 يونيو (حزيران) من عام 1956.

وينتشر كثير من المباني والمرافق التي تعود لحقبة الاستعمار البريطاني في أنحاء مصر. ففي القاهرة، وتحديداً بحي الزمالك، يظهر أثر الاحتلال حتى اليوم ممثَّلاً في مستشفى «الأنجلو أميركان»، أحد أقدم مستشفيات مصر، والذي افتُتح عام 1903، وكان مخصصاً في بداياته للرعايا البريطانيين والأميركيين.

فندق «وينتر بالاس» بالأقصر (الموقع الإلكتروني للفندق)

كما تعد مصر الدولة الثانية في العالم بعد إنجلترا في إدخال السكك الحديدية إلى أرضها. ولأنها استعانت بكوادر إنجليزية من مهندسين وفنيين، فقد قرروا بمرور الوقت إنشاء نادٍ رياضي لهم بالقاهرة، وبالفعل افتُتح النادي رسمياً في 1903، ليكون نادي «السكة الحديد» أقدم نادي كرة قدم في مصر والشرق الأوسط حتى اليوم.

وفي الإسكندرية، يقف مبنى المدرسة العريقة «فيكتوريا كوليدج»، التي شُيدت في 1902 لدراسة أفراد الجاليتين اليهودية والإنجليزية، ملمحاً عميقاً على الوجود البريطاني؛ حيث أُنشئت المدرسة على نسق كلية «إيتون» الإنجليزية العريقة.

كما أقام الإنجليز مكابس ومحالج للقطن، وأشهرها مكابس القطن بالإسكندرية، بمنطقة «حمالين الجمارك» في حي الجمرك، بجوار ميناء الإسكندرية. كما يضم الحي منطقة معمارية على الطراز الإنجليزي، خُصصت لإقامة عمال التحميل والميناء. ولا يزال عدد كبير من أبنيتها باقياً. وتتميز بأنها من طابقين فقط، تعلوهما مثلثات هرمية من الطوب الأحمر.

ويعتبر محلج الوادي، التابع لشركة «مصر لتجارة وحليج الأقطان» بمدينة دمنهور بالبحيرة، المعروف باسم «وابور الإنجليز» من أقدم محالج القطن في مصر؛ إذ بُني عام 1907 في عهد الاحتلال البريطاني. كما يوجد محلج سخا بمحافظة كفر الشيخ، وهو من أقدم محالج القطن بالمحافظة؛ حيث بناه الإنجليز سنة 1913.

مستشفى «الأنجلو أميركان» في منطقة الزمالك بالقاهرة (صفحة المستشفى على فيسبوك)

كما يعد مستشفى «عيون دمنهور»، الذي بناه الإنجليز في عام 1908، صرحاً طبياً لا يزال يداوي أعين أهالي محافظة البحيرة.

كذلك لعبت بريطانيا دوراً كبيراً في إصلاح نظام الري في مصر لخدمة زراعة القطن؛ حيث أنشأت خزانات الري، وأعادت تأهيل كثير من السدود بالمحافظات.

وحسب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، الدكتور أحمد غباشي، فإن الاحتلال البريطاني لم يترك تأثيرات عمرانية ولا معمارية بارزة في مصر؛ إذ كان تركيزه الأساسي منذ دخوله عام 1882 منصبّاً على استغلال الاقتصاد المصري، وإحكام السيطرة على موارد البلاد، فقد تعامل الإنجليز مع مصر بوصفها مزرعة لتصدير القطن الخام.

وشدد غباشي على «ضرورة التمييز بين ما بُني في زمن الاحتلال، وبين ما أنشأه الاحتلال فعلياً لخدمة أهدافه»، موضحاً أن «الاحتلال البريطاني وقف ضد أي محاولة للتقدم العمراني أو الثقافي أو التعليمي، باستثناء بعض المنشآت التي ارتبطت بخدمة مصالحه الاقتصادية، مثل محالج القطن والبنوك، كالبنك الأهلي المصري، وهو ما جعل المصريين ينظرون إلى تلك الحقبة بوصفها مرحلة استنزاف، أكثر منها مرحلة بناء أو تطوير».

القاهرة تضم عدداً من المباني العتيقة التي تنتمي لحقبة الاحتلال الإنجليزي لمصر (الشرق الأوسط)

وأضاف أستاذ التاريخ أن ما يُرى من المستشفيات والكباري في تلك الحقبة، مثل كوبري إمبابة وغيره، لم يكن من إنجازات الإنجليز فقط؛ بل جاء أيضاً نتيجة جهود مهندسين أوروبيين آخرين، أو مشاريع مصرية جرت في زمن الاحتلال، لافتاً إلى أنه مقارنةً بالحملة الفرنسية على مصر، تركت الأخيرة أثراً في 3 سنوات فقط، بينما ظل الاحتلال البريطاني مرتبطاً في الذاكرة بالاستنزاف الاقتصادي.

في صعيد مصر، يمتد الأثر الإنجليزي إلى بعض الفنادق التاريخية في الأقصر وأسوان. ففندق «وينتر بالاس» بالأقصر، الذي افتتح في 1903، وضع تصميمه المهندس الإنجليزي جي كروز، على الطراز الفيكتوري، بينما كان صاحب الفكرة هو المستشرق الإنجليزي توماس كوك.

ويُعد صهريج مياه الأقصر من أهم المنشآت التاريخية في المحافظة، والذي بُني عام 1929 تزامناً مع إنشاء شبكة المياه بواسطة الإنجليز، ليكون مؤشراً لاستهلاك مدينة الأقصر واحتياجاتها من المياه.

وتعد محطة مياه غرب سوهاج واحدة من أقدم محطات مياه الشرب في الصعيد، والتي افتتحها الملك فؤاد الأول عام 1930، وما زالت المحطة تحتفظ بمنشآتها وجدرانها ومعداتها الميكانيكية ذات الطابع الأثري، والتي ساهم في إنشائها الإنجليز؛ حيث شُيدت على الطراز الإنجليزي، ومبانيها بالطوب الأحمر.

كوبري إمبابة المعدني بالقاهرة الذي ينتمي لحقبة الاستعمار البريطاني بمصر (الشرق الأوسط)

من جانبها، توضح الفنانة البصرية المتخصصة في التأريخ الوثائقي عبر الفوتوغرافيا، سمر بيومي، لـ«الشرق الأوسط»، أن المباني التي تركها الإنجليز في الإسكندرية والقاهرة، تحمل قيمة جمالية لا يمكن إنكارها، حتى وإن ارتبطت بذاكرة استعمارية مؤلمة. وتبيِّن أن هذه المباني أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للمدن المصرية، وأن التعامل معها فنياً لا يعني تمجيد الاحتلال؛ بل الاعتراف بوجود أثر تاريخي قائم والتعايش معه.

ولكونها تنتمي لمدينة الإسكندرية؛ تبيِّن سمر بيومي أنها تتبنى مبادرة ممتدة لتوثيق المتبقي من ملامح «عروس البحر المتوسط»، كنوع من الحفاظ على هويتها البصرية، من بينها مبانٍ إنجليزية، أبرزها «مغسلة الجرب» لعلاج من يعانون من المرض، والتي تحولت حالياً لوحدة صحية بمنطقة القباري. وأيضاً «وابور الخواجة خوريمة» وهو محلج قطن قديم، ارتبط بأشهر سفاحتين في تاريخ مصر (ريا وسكينة)؛ حيث كان يعمل به عبد العال زوج سكينة.


موجة حر حارقة تضرب أوروبا... وتلقي بظلالها على عيد الموسيقى في فرنسا

امرأة ترتدي قبعة صفراء للوقاية من الشمس وسط باريس (أ.ف.ب)
امرأة ترتدي قبعة صفراء للوقاية من الشمس وسط باريس (أ.ف.ب)
TT

موجة حر حارقة تضرب أوروبا... وتلقي بظلالها على عيد الموسيقى في فرنسا

امرأة ترتدي قبعة صفراء للوقاية من الشمس وسط باريس (أ.ف.ب)
امرأة ترتدي قبعة صفراء للوقاية من الشمس وسط باريس (أ.ف.ب)

دفعت موجة حر قاسية تجتاح أجزاء كبيرة من أوروبا، إلى فرض حظر جزئي على استهلاك المشروبات الكحولية في فرنسا، وضعت باريس خدمات الطوارئ والقوات العسكرية لديها في حالة تأهب لمواجهة حرائق الغابات، وألغت بعض الفعاليات الرياضية في الأماكن المفتوحة، للتعامل مع موجة الحر. وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا، وإغلاق منطقة مخصصة لمشجعي كرة القدم في إسبانيا، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وألغت عدة مدن في فرنسا الحفلات التي كانت مقررة للنسخة الخامسة والأربعين من عيد الموسيقى، الملتقى السنوي للفنانين الصغار والكبار في شوارع البلد وحاناته، بينما توقّعت خدمة الأرصاد الجوية الفرنسية أن تبلغ الحرارة 41 درجة مئوية لمواجهة موجة الحر داخل 35 من أصل 96 مقاطعة أو منطقة بها، مع احتمال بلوغ درجات الحرارة في بعض المناطق إلى 41 درجة مئوية.

بعد اجتماع طارئ، أصدر رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو حظراً استباقياً على استهلاك المشروبات الكحولية، الأحد، خلال مهرجانات «فيت دي لا ميوزيك» السنوية، وغيرها من الفعاليات العامة المقرر إقامتها في تلك المناطق الـ35، الأحد. في الوقت ذاته، أمرت السلطات في باريس بإبقاء المتنزهات مفتوحة على مدار الساعة.

من ناحية أخرى، قام برج إيفل وغيره من المعالم الشهيرة في باريس، بتركيب محطات تبريد بالرذاذ للتخفيف من أثر الحرارة على الجمهور، ضمن مجموعة من الإجراءات التي أعلنت عنها السلطات الوطنية والمحلية بغرض الحد من المخاطر.

وبالمثل، صدرت تحذيرات من موجة الحر في معظم أنحاء ألمانيا، مع اقتراب درجات الحرارة من 38 درجة مئوية. وحذرت هيئة الأرصاد الجوية الألمانية (DWD) من أن الحرارة والرطوبة معاً قد يسفران عواصف رعدية شديدة.

وخلف جبال الألب، بدلت درجات الحرارة المتوقعة التي تتراوح بين 36 و37 درجة مئوية، ملامح الحياة اليومية والسياحة ببعض المدن الإيطالية. واصطف الزوار تحت أشعة الشمس الحارقة خارج الكولوسيوم، حيث حولت حرارة الصيف في روما زيارة المعالم السياحية إلى اختبار للقدرة على التحمل. ولجأ البعض إلى الهروب من الشمس الحارقة، داخل الأماكن تحت الأرض الأكثر برودة، أسفل الآثار شبه المخفية لمعبد كلوديوس. وفي مدينة بولونيا بشمال البلاد، واحدة من أشد المدن حرارة بالبلاد، كان الناس يرشون الماء على وجوههم عند نافورة نبتون، التي تعود إلى القرن السادس عشر، ويحتمون بظلال الأروقة.