الخرطوم: احتدام معركتي «القيادة العامة» والقصر الرئاسي

قبل ساعات من «هدنة إنسانية هشة»... وآلاف المدنيين محاصرون في العاصمة

سكان الخرطوم يحاولون الفرار منها تحت القصف أمس (أ.ف.ب)
سكان الخرطوم يحاولون الفرار منها تحت القصف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخرطوم: احتدام معركتي «القيادة العامة» والقصر الرئاسي

سكان الخرطوم يحاولون الفرار منها تحت القصف أمس (أ.ف.ب)
سكان الخرطوم يحاولون الفرار منها تحت القصف أمس (أ.ف.ب)

اشتدت حدة المعارك في السودان، لليوم الرابع على التوالي أمس، بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، إذ استخدم الجيش سلاح الطيران في قصف مكثف على مقر القيادة العامة للجيش حيث سيطرت على أجزاء منه قوات «الدعم السريع». واشتدت المعركة في محيط القيادة العامة، قبل ساعات من بدء هدنة لمدة 24 ساعة، وافق عليها الطرفان بوساطة من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي اتصل بقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، وقائد «الدعم السريع» الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي».
وأعلن بلينكن أنه حضّ كلاً من البرهان وحميدتي، في اتصالين هاتفيين، على «الموافقة على وقف لإطلاق النار مدته 24 ساعة للسماح للسودانيين بلمّ شملهم بأمان مع عائلاتهم والحصول على إمدادات الإغاثة التي تمس الحاجة إليها». كما اتصل بلينكن أيضاً بكل من وزيري الخارجية؛ السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، لهذه الغاية. وأعلن الطرفان المتحاربان في السودان موافقتهما على هدنة لمدة 24 ساعة، جاءت بعد التدخل الأميركي واتصالات لدول في الإقليم لتخفيف الضغط على المدنيين المحاصرين وسط القتال الدائر منذ أيام.
- قصف جوي
في غضون ذلك، قصف الطيران الحربي للجيش مواقع حول القيادة العامة للجيش والقصر الرئاسي وسط العاصمة الخرطوم، بزعم سيطرة قوات «الدعم السريع» عليها، التي بدورها تصدت بالمضادات والقذائف المحمولة للطائرات أثناء عبورها الأجواء فوق تلك المواقع الاستراتيجية. وتواصلت العمليات الحربية العنيفة لليوم الرابع على التوالي؛ حيث وسّع الجيش السوداني من عملياته الجوية في المناطق التي تنتشر فيها قوات «الدعم السريع» بالخرطوم ومدن البلاد الأخرى.

ومنذ الصباح الباكر، تحلق طائرات الجيش السوداني فوق مناطق متفرقة من مدن العاصمة السودانية المثلثة: الخرطوم، وأم درمان، وبحري. وسمع دوي الضربات الجوية المتواصل بقوة في الأحياء المتاخمة لمقر القيادة العامة للجيش في وسط الخرطوم، الذي أعلن في وقت سابق عن اعتزامه توجيه ضربات عسكرية محددة حول المقر، تستهدف قوات الدعم السريع.
وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن طائرات الجيش نفذت ضربات على معسكرات ومواقع تابعة لقوات «الدعم السريع» في مدينة أم درمان، ونشر نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات وصوراً لحرائق وألسنة اللهب تتطاير في تلك المواقع.
- معركة القصر الرئاسي
وفي موازاة ذلك، احتدمت الاشتباكات أيضاً بين الجيش و«الدعم السريع» في محيط القصر الجمهوري الرئاسي بالخرطوم، بالإضافة إلى استهدافه بالطيران. ونشرت الصفحة الرسمية لـ«الدعم السريع» على منصة «فيسبوك» مقاطع مصورة لقواته داخل القصر الجمهوري والقيادة العامة للجيش.
وبحسب بيانات الجيش السوداني، فإنه يسعى إلى خوض معارك كبيرة خلال الساعات المقبلة في مواجهة قوات «الدعم السريع» التي تتحدث عن إحكام سيطرتها على مواقع عسكرية استراتيجية للجيش بالخرطوم، الذي بدوره يؤكد سيطرته على معظم المقار العسكرية، بما في ذلك القيادة والقصر الرئاسي. ومن المقرر أن تبدأ الهدنة الإنسانية مساء أمس، لمدة 24 ساعة، لكي تسمح للمواطنين بالتحرك وقضاء حاجاتهم، وسط شكوك بين المدنيين بالتزام الطرفين بالهدنة. وأعلنت الأمم المتحدة أمس بحسب بعثتها في السودان «يونتامس» مقتل 185 وإصابة أكثر من 1000 شخص وسط المدنيين، منذ اندلاع الاشتباكات يوم السبت الماضي، فيما تتحدث منظمات وهيئات طبية محلية عن سقوط أعداد أكثر. وأثناء ذلك، أعلن قائد الدعم السريع «حميدتي» الموافقة على هدنة لمدة 24 ساعة، كما أعلن عضو مجلس السيادة، الفريق شمس الدين كباشي، قبول الجيش بالهدنة. إلا أن المتحدث الرسمي نفى علم الجيش بأي تنسيق مع الوسطاء والمجتمع الدولي حول هدنة، مشيراً إلى أن إعلان «التمرد» للهدنة بهدف التغطية على الهزيمة الساحقة التي سيتلقاها خلال ساعات.
- حشد القوات
وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش، نبيل عبد الله، في بيان نشر على الصفحة الرسمية، في منصة «فيسبوك»: «نستغرب من حديث العدو عن هدنة، في ظل معلوماتنا المؤكدة لحشد قوة كبيرة في مدينة مروي بغرض تأمين هبوط طائرة مساعدات عسكرية من جهات إقليمية». وأضاف أن العدو يستنفر قواته من مدن دارفور (نيالا، الفاشر، الجنينة، الطينة) للحضور إلى العاصمة الخرطوم. وقال عبد الله، وفقاً للبيان: «دخلنا مرحلة حاسمة، وجهودنا منصبة نحو تحقيق غاياتها على المستوى العملياتي».

أعمدة الدخان تغطي سماء العاصمة أمس (رويترز)

وقالت قوات «الدعم السريع»، في بيان، أمس، إنه بناء على الاتصال المباشر بين قائدها «حميدتي» مع وزير الخارجية الأميركي، وجهود الدول الشقيقة والصديقة، وافقنا على وقف مؤقت لإطلاق النار وفتح مسارات آمنة لعبور المدنيين وإخلاء الجرحى لمدة 24 ساعة. وأكد قادة «الدعم السريع» التزام القوات بالتوجيهات الصادرة بشأن الهدنة المؤقتة، اعتباراً من فجر اليوم.
واتهمت قوات «الدعم السريع»، في بيان، الجيش بعدم الالتزام بالهدنة، وأن طائراته توجه ضربات داخل المناطق المأهولة بالسكان، واعتبرت ذلك تجاوزاً سافراً لأسس ومبادئ القانون الدولي والإنساني. وأشارت إلى أن الطيران الحربي التابع للجيش وجّه ضربة عسكرية استهدف بها مركزاً طبياً لقوات «الدعم السريع» في ضاحية شمبات السكنية بمدينة بحري، إحدى المدن الثلاث للعاصمة الخرطوم. وأوضحت أن الضربة الجوية استهدفت المركز، وبداخله أسرى من الجيش السوداني، وعدد من المصابين من العسكريين والمدنيين الذين يتلقون المساعدات الطبية والإنسانية.
- بعثة الأمم المتحدة
وكان رئيس بعثة الأمم المتحدة بالسودان، فولكر بيرتس، كشف في مؤتمر صحافي عقب إحاطته لمجلس الأمن الدولي، أمس، عن أن الطرفين؛ الجيش و«الدعم السريع» لم يلتزما بهدنة لفتح مسارات آمنة للمدنيين لمدة ساعات يومياً من الساعة 4 عصراً إلى 7 مساء للحالات الإنسانية. وأعلن الجيش السوداني عن توسيع نطاق عملياته بعد أن نجحت قوات المرحلة الأولى في امتصاص الصدمة وتأمين الموقف، وأن الظروف مهيأة للانتقال للمرحلة التالية بقوات جديدة.
وبالتزامن مع العمليات العسكرية الميدانية، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيان مناشدة للمجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجميع المنظمات الإقليمية، بإدانة «تمرد قوات الدعم السريع على القوات المسلحة، بوصفها المؤسسة الرسمية الشرعية المسؤولة عن الاستقرار في السودان». وقالت، في بيان: «ندعو الأمم المتحدة لإدانة القوات المتمردة لانتشارها واستمرارها في القتال في المدن والمناطق السكنية. الأمر الذي يعرض المدنيين بما فيهم النساء والأطفال للخطر». وكان قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان أصدر قراراً بالعفو عن كل من يضع السلاح من ضباط وجنود «ميليشيا الدعم السريع، واستيعابهم في القوات المسلحة اعتباراً من تاريخ التبليغ».
- تحالف «الحرية والتغيير»
من جانبها، قالت قوى الحرية والتغيير في السودان، في بيان لها، أمس (الثلاثاء)، إنها على تواصل مع القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حول أحكام الهدنة الإنسانية. ودعا بيان قوى الحرية والتغيير إلى «عدم التهاون مع الانتهاكات التي تحدث ومحاسبة مقترفيها». كما شددت «الحرية والتغيير» على ضرورة تكاتف كل القوى المحلية والدولية لمعالجة «الكارثة الإنسانية» التي نتجت عن اندلاع المعارك في السودان، وأكدت على ضرورة «التزام القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بتيسير الوصول للمستشفيات والمرافق الرئيسية وتوفير المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية». كما دعا البيان إلى ضرورة عزل خطابات من وصفهم «فلول النظام البائد»، التي قال إنها تنشر «خطابات تأجيج الحرب وإشعالها رغبة في العودة للسلطة».
ويقضي سكان الخرطوم، الذين يعيشون حالة ذعر، آخر أيام رمضان، وهم يشاهدون من نوافذهم الدبّابات تجوب الشوارع، بينما تهتزّ المباني ويتصاعد الدخان نتيجة الحرائق التي تسبّبت بها المعارك. ويجد الأشخاص المضطرون لمغادرة منازلهم أنفسهم وسط طوابير طويلة للحصول على الخبز والوقود في المتاجر والمحطات التي ما زالت تفتح أبوابها، في ظلّ انقطاع للكهرباء.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم الجمعة، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ووفق الأمم المتحدة، يواجه السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم مع دخول الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» عامها الرابع.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.