حمزة هنداوي: بعض شخصيات روايتي موجودة في حياتي... وأخرى من نسج خيالي

الصحافي الميداني المصري يتحول راوياً في «زوجة أمير الفلوجة»

حمزة هنداوي
حمزة هنداوي
TT

حمزة هنداوي: بعض شخصيات روايتي موجودة في حياتي... وأخرى من نسج خيالي

حمزة هنداوي
حمزة هنداوي

أصدر الكاتب والروائي المصري حمزة هنداوي حديثاً روايته «زوجة أمير الفلوجة» عن دار «ميريت» بالقاهرة. وترصد الرواية ما جرى في منطقة الفلّوجة العراقية من أحداث دموية. ومن خلال شخصياتها تتكشف المشاعر المتباينة للذين عاشوا تلك اللحظات، سواء كانوا عراقيين أم أجانب. عمل هنداوي مراسلاً صحافياً لوكالتي «رويترز» و«أسوشييتد برس»، وسط أعمال القتل والعنف الدموي اللذين صاحبا سيطرة «الجهاديين» على الفلوجة، ومحاولات الأميركان اقتحامها.
هنا حوار معه حول روايته الجديدة وتجربته، بوصفه صحافياً ميدانياً بالعراق أثناء الغزو الأميركي له:

> في روايتك «زوجة أمير الفلوجة» اعتمدت أشكالاً عديدة من الكتابة الصحافية في سرد الأحداث... هل لهذا علاقة بكونك صحافياً؟
- أنا لا أمثل أي شخصية من شخصيات الرواية، وقد اخترت أن أكون الراوي الأمين الذي شاهد وعايش معظم شخصيات الرواية، حقيقية كانت أو محض خيال. ولهذا كان لديّ تصور خاص لكل ما يدور في ذهن كل شخصية. لقد عملت بالصحافة لأكثر من 30 سنة، وبعض من قرأوا الرواية من أصدقائي الروائيين، كان رأيهم أن هناك مشاهد ولقطات من الممكن أن تطول أكثر، وأنها تحتمل إضافات وتفاصيل، ولكن يبدو أن شخصيتي الصحافية طغت على نظيرتها الروائية، فكان الأسلوب الموجز الذي يصل بالمضمون إلى عقل القارئ ببساطة من دون الإسهاب في الوصف.
> صورت صفية زوجة «حسن الأمير الإرهابي» وكأنها تتحكم في تسيير الأمور بما في ذلك علاقتهما الخاصة؟
- صفية لم تكن متحكمة في شيء، والعكس صحيح؛ كانت مستسلمة لمصيرها بعدما تزوجت من «جهادي»، وبمرور الوقت أصبحت لديها قناعة بأن حياته ستنتهي نهاية مأساوية عنيفة، وفي الوقت نفسه كان بداخلها جانب يتطلع للحرية، فلم يكن «الجهادي» مطمحها عندما تزوجت وهي صغيرة جداً. نعم أعطاها هامشاً قليلاً من الحرية، ربما تكون كبيرة بمعايير أمراء «الجهاديين»، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أن منصبه في النهاية كان عملاً جديداً عليه؛ فقد جاء بعد زواجه منها بأعوام، ومن غير الواقعي أن يتخلى تماماً عن أي حسابات مختلفة في علاقته بزوجته، ولا تنسَ أن حبه لها كان جارفاً، وربما لذلك قام ببعض التنازلات.
> أيضاً رسمت «المصور عمر» شخصاً غير مسؤول بعد عودته لبغداد، وتعرضه للقتل، مهدراً جهود الوكالة الصحافية الأميركية التي قامت بإلحاقه بمكتبها في بيروت لإنقاذ حياته؟
- عمر شاب صغير، لا يملك من خبرات الحياة الكثير، ولديه خبرة قليلة جداً في التصوير الصحافي، خصوصاً في أرض المعارك، هو أهوج وكان فرحاً ومنتشياً بوظيفته الجديدة، يسعى لخلق نجاح باهر بشكل سريع ليلفت الأنظار. وسبب رجوعه إلى بغداد، في نهاية الرواية رغم محاولات الجانب الأميركي إخراجه من المشهد القتالي، وتصرفه بطريقة غير مسؤولة متجاهلاً المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها، يمثل جزءاً من طيش الشباب وعدم امتلاك الخبرة الكافية، وجهله بكيفية سير الأمور الأمنية في العراق، وهو ما أدى في النهاية لمقتله على يد راكب دراجة نارية.
> هل تطمح أن تتحول الرواية إلى عمل درامي... أكان سينمائياً أم تلفزيونياً؟
- لا أعتقد أنني كتبت الرواية وعيني على إمكانية تحويلها لمسلسل أو فيلم، كان كل طموحي أن يقرأها البعض، وأن تقدم شيئاً جديداً، يثري فكرة الناس عما حدث بالعراق في تلك الفترة. وبالنسبة للمعارك فأنا شاهدت معارك حقيقية في العراق، وأثناء غزو الكويت باعتباري مراسلاً صحافياً، وفي الحرب الأهلية في جنوب السودان، ومن المنطق أن تكون كتابتي قريبة جداً من الحقيقة، لكني لم أقصد بذلك الذهاب بها نحو «الدراما».
> لماذا اخترت الشكل الروائي وأغفلت أسلوب اليوميات الذي اعتمدته في كتابيك السابقين؟
- كتبت كتابين عن العراق من قبل؛ الأول كان عن يومياتي وغطي عامي 2007 و2008 أثناء الاقتتال الطائفي الذي دار بين السُّنَّة والشيعة، والثاني عن تجربتي الشخصية مع فصيل من المشاة الأميركان كان مقرهم شمال بغداد، في حي سكني اسمه «الحرية»، تعرض لتطهير طائفي، وقد وصلوا إلى هناك بعد انتهاء الاقتتال، وبالتالي لم يكن الفصيل منهمكاً أو داخلاً في صدامات مسلحة مع جماعات مسلحة. كان الجنود يحاولون إعادة الأمن للمنطقة، وبناء جسور الثقة بين السُّنَّة والشيعة، أما عن الرواية فكانت لقناعتي، بأني أستطيع الحكي بشكل مختلف، حيث تمنحك الكتابة القصصية رخصة لتجعل تفاصيل الحياة أكثر تشويقاً، وتوغل في وصف المشاعر الإنسانية للشخصيات. وقد كانت «زوجة أمير الفلوجة» مزيجاً من الخبرات الحقيقية التي عشتها بنفسي. هناك شخصيات خلقتها من صميم خيالي، وأخرى واقعية التقيتها، وكانت موجودة في حياتي.
> في كتابك «سرية يوم القيامة» لجأت إلى كتابة اليوميات... ما الذي دفعك إلى ذلك بينما كان يمكنك أن تلجأ للكتابة الروائية التي اعتمدتها في رواية «زوجة أمير الفلوجة»؟
- عندما كتبت «سرية يوم القيامة»، فكرت أن يكون كتاباً واقعياً يحكي تجربتي، التي ربما لم يمر بها صحافي عربي أثناء حرب العراق؛ كنت موجوداً مع السرية؛ أعيش وسطهم، وأخرج معهم في دوريات سيراً على الأقدام، وقد قمت بخمس أو ست زيارات للعراق خلال السنة التي كانت السرية موجودة فيها بحي الحرية. وعندما انتهت مهمتها، عدت معهم لولاية كانساس الأميركية لكتابة الفصل الأخير من الكتاب. حين وصلنا، أُقيم لهم احتفال ضم الزوجات والأبناء والأهل. وفي اليوم التالي كان لي غداء أخير مع بطل الكتاب النقيب وليم بمطعم مكسيكي، وأخذ يتحدث عن انطباعاته بعد خروجه من العراق، وبعده عنه آلاف الأميال، وقد خدم مرتين في العراق، الأولى كانت مدتها سنة ونصف السنة، والثانية كانت سنة كاملة، وقد شّكل العراق جزءاً كبيراً من حياته وعسكريته.
> في «زوجة أمير الفلوجة» تحدثت عن الصراع الطائفي الذي نما في العراق ما بعد صدام، كيف ترى ذلك... وما الذي قاد إليه من وجهة نظرك؟
- ليست لديّ نظرية سياسية تفسر الاقتتال الطائفي بشكل أكاديمي أو بأي شكل ثانٍ، ولكن يكفي أن أقول إن الذي حدث بالعراق خلاف سياسي أكثر منه ديني؛ بمعنى أنه عندما كان الشيعي يقتل السُّني أو السُّني يقتل الشيعي، لم يكن قتلاً على الهوية، كان خلافاً بين أغلبية شيعية ظلت مقهورة سياسياً لفترة طويلة، ومع قدوم الأميركان، وإزاحة صدام حسين عن المشهد، الذي كان رمزاً لهذا القهر، أصبح السُّنَّة العرب الذين كانت لهم الحظوة في عراق صدام، مجرد أقلية لها جزء من الكعكة السياسية يعكس حجمها، في مواجهة الأغلبية الشيعية.
> تعرضت غالبية شخصيات روايتك «زوجة أمير الفلوجة» لمصير مأساوي جراء العنف... ماذا كنت تريد أن تشير إليه بهذه المصائر الدموية لشخصياتها؟
- الموت الذي أودى بحياة معظم شخصيات الرواية يعكس دموية تلك الفترة، وما مر به العراق من أهوال، ولم يكن لدى أي إنسان يعيش هناك في ذلك الوقت أي ضمان بأنه سيعود إلى منزله في نهاية اليوم، أو أنه سيستيقظ في الصباح وهو ما زال حياً. كان الشك كبيراً حول إمكانية الحياة الآمنة في تلك الفترة، أو مجرد تفادي الموت الذي كان من نصيب الكثيرين، كان العراق دموياً بشكل استثنائي، وكان القتل والدم يأتيان من جهات متعددة؛ من الأميركان، ومن الشرطة الاتحادية، ومن الجيش، ومن الميليشيات الشيعية، ومن المجموعات المسلحة السُّنية.
> هل ترى أن أزمة شخصية مثل «صفية» وهي تبحث عن «الدكتور خاطر»، تشير إلى أنه لا أمل لتحقيق أي قدر من الحياة الإنسانية في مجتمع يضربه العنف ليل نهار؟
- صفية لم تكن سعيدة بكونها زوجة لأمير من أمراء «الجهاديين»، ولهذا رأت في الدكتور بصيصاً من الأمل؛ يمكن أن يخرجها من العراق إلى مكان آمن، ولكن كانت لدي قناعة بأن «خاطر» الأميركي ذا الأصول الفلسطينية، الذي عالجها من إصابتها بمستشفى «ابن سينا» بالمنطقة الخضراء، لم يكن في نيته أخذ صفية والذهاب بها لأميركا، وكان من الواضح أن العشرة أيام التي أمضتها بالمستشفى، قللت فقط من حدة حياته بوصفه جراحاً في مستشفى «ابن سينا»، يتعامل مع الدم والموت بشكل يومي، ولما ظهرت صفية في حياته كانت أشبه بهدية جميلة لم يتوقعها، اهتم بها لفترة، لكن انجذابه لها انتهى بعد أيام قليلة من مغادرتها المستشفى.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
TT

67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)

أدت شكوى أحد الزبائن بشأن «كعكة مخيبة للآمال» إلى إطلاق تحقيق واسع النطاق كشف عن الآلاف من «بائعي الطعام الوهميين» في الصين، ما أسفر عن غرامات باهظة لبعض أكبر الشركات في البلاد، وسلّط الضوء على مخاطر المنافسة السعرية الشرسة، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وبدأ التحقيق - الذي شهد مناوشات بين المحققين وموظفي خدمة التوصيل - الصيف الماضي عندما تلقى رجل في بكين، يُدعى ليو، كعكة عيد ميلاد مزينة بزهرة غير صالحة للأكل، وفقاً لتقارير إعلامية رسمية متعددة. وطلب ليو الكعكة عبر منصة توصيل إلكترونية، ولعدم رضاه عن طلبه، أبلغ السلطات المحلية عن البائع.

وكشفت السلطات الرقابية عن سلسلة متاجر حلويات وهمية، تضمّ ما يقارب الـ400 فرع، تعمل بتراخيص مزوّرة لمتاجر الأغذية، دون وجود أيّ فروع فعلية لها.

وأدى هذا الحادث إلى تحقيق شامل على مستوى البلاد، وكشف عن شبكة توريد أغذية غير رسمية، حيث يقوم أحد التجار بتحصيل ثمن الطلب من الزبون، ثم يعرضه على منصة وسيطة ليتنافس عليه منتجون آخرون، ويتم اختيار صاحب أقل سعر لتنفيذ الطلب، مما يُعرّض جودة وسلامة الغذاء للخطر.

وذكرت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية أنه تم اكتشاف أكثر من 67 ألف بائع وهمي من هذا النوع، باعوا ما يزيد على 3.6 مليون قطعة كعك.

وفي مثال كشفت عنه الوكالة الصينية، دفع أحد المستهلكين 252 يواناً (35 دولاراً أميركياً) مقابل كعكة قطرها ست بوصات، لكن الطلب أُعيد بيعه سراً عبر منصة وسيطة، حيث تنافس البائعون (الخبازون) على تنفيذه بأسعار 100 و90 و80 يواناً، وفاز صاحب أقل سعر. ونتيجة لذلك، حصل البائع الوهمي على المنصة الإلكترونية على ما يقارب نصف السعر الذي دفعه المستهلك، بينما حصلت منصة التوصيل على رسوم خدمة بنسبة 20 في المائة، تاركةً للخباز الحقيقي 30 في المائة من المبلغ وهامش ربح ضئيل.

وخلصت الهيئة الصينية لتنظيم السوق في تحقيقها الأسبوع الماضي، إلى أن سبع منصات توصيل رئيسية، من بينها «PDD» المالكة لمنصة «Temu»، و«علي بابا»، و«Douyin» التابعة لشركة «ByteDance»، و«Meituan»، و«JD.com»، قد أخفقت في توفير الحماية الكافية للمستهلكين والتحقق من تراخيص بائعي المواد الغذائية بشكل صحيح.

وفرضت الهيئة غرامة قياسية بلغت 3.6 مليار يوان (نحو 530 مليون دولار أميركي) إجمالاً، وهي أكبر غرامة منذ تعديل قانون الأمن الغذائي في البلاد عام 2015، وفقاً لوكالة أنباء «شينخوا».

ووفق «سي إن إن»، يُسلّط التحقيق الذي استمر عشرة أشهر الضوء على جهود بكين الرامية إلى الحدّ من المنافسة السعرية الشديدة التي دفعت الشركات إلى حلقة مفرغة لا يمكن تحمّلها، حيث تمثّلت هذه المنافسة في خفض الأسعار على منصات التوصيل على حساب سلامة الغذاء.


السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
TT

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)

حقق المنتخب السعودي للكيمياء 3 ميداليات برونزية دولية في أولمبياد مندليف الدولي للكيمياء 2026، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من 15 إلى 23 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة 161 طالباً وطالبة يمثلون 40 دولة.

ونال الميداليات البرونزية الثلاث الطلاب علي باوزير من إدارة تعليم منطقة الرياض، ومجتبى التاروتي من «تعليم المنطقة الشرقية»، وعبد العزيز الجعيد من «تعليم المدينة المنورة».

ورفع هذا الإنجاز رصيد السعودية، ممثلة بـ«مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع - موهبة» في هذا الأولمبياد إلى 29 جائزة دولية، منها 3 ميداليات فضية و26 ميدالية برونزية، تحققت عبر 14 نسخة منذ بدء مشاركتها فيه عام 2013.

ويُعد «أولمبياد مندليف الدولي» من أعرق وأقوى المسابقات العلمية عالمياً في مجال الكيمياء؛ نظراً لمستوى أسئلته المتقدم وآلية التنافس الدقيقة، إذ انطلقت أول نسخة عام 1967 في مدينة دنيبروبتروفسك بوصفه منافسة سوفياتية، ويُقام باللغة الروسية، وسُمّي باسم ديميتري مندليف صاحب الجدول الدوري للعناصر.

وتأتي هذه المشاركة ضمن برنامج موهبة للأولمبياد الدولي، الذي تنفذه المؤسسة بالشراكة الاستراتيجية مع وزارة التعليم؛ حيث يمر الطلبة برحلة تأهيل متكاملة تشمل منافسات وطنية وبرامج تدريبية نوعية يشرف عليها خبراء محليون ودوليون.

ويخضع الطلبة المشاركون لبرامج تدريبية مكثفة على مدار العام، تتضمن مراحل متعددة من التأهيل العلمي النظري والعملي، ومعسكرات تدريبية داخلية وخارجية؛ تهدف إلى تنمية مهاراتهم في حل المسائل الكيميائية المتقدمة، وتعزيز جاهزيتهم للمنافسة دولياً، بما يسهم في تمثيل السعودية بصورة مشرّفة في المحافل العلمية العالمية.

وتُعد «موهبة» مؤسسة رائدة عالمياً في مجال اكتشاف ورعاية وتمكين الموهوبين، إذ تعمل على تبني استراتيجية وطنية لاكتشاف الموهبة وتنميتها في المجالات العلمية ذات الأولوية الوطنية، بما يسهم في بناء مجتمع معرفي وتعزيز ثقافة الابتكار.


رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
TT

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

لطالما اقترن اسم رسامي الثورة الانطباعية بالطبيعة، وبموسم الربيع بالتحديد، نظراً لما في أسلوبهم من ضربات بالفرشاة كأنها تعيد وضع شعاع الشمس على صفحة النهر أو تنقل مداعبة النسمات لأوراق الشجر.

ويبدو الرسام الانطباعي متمرداً على المدرسة الكلاسيكية في نقل المنظور بحذافيره إلى اللوحة. فإذا كان الفنان في عصر النهضة يقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي جاء فيما بعد، فإن موجة فناني المدرسة الانطباعية جرفت تلك الفكرة، وقرر روادها أن ينقلوا المنظور الذي تهجس به مشاعرهم، حتى لو لم يطابق الأصل.

أبرز رواد تلك المدرسة هو الفرنسي أوغست رينوار، وهو الذي يقيم له متحف «أورساي» للفن الحديث في باريس معرضاً كبيراً يستمر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل. وتأتي أهميته من أن هذا العدد من لوحات رينوار لم يجتمع في مكان واحد منذ ثمانينات القرن الماضي، فقد تم تنظيم المعرض بالتعاون مع المعرض الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الأميركية. إنه التفاهم الجميل الذي يجعل من اللوحات الفنية بضاعة تسافر وتستعار في زمن باتت فيه أسلحة الدمار في صدارة البضائع العابرة للقارات.

من معرض «رينوار والحب... الحداثة الممتعة» في متحف «أورساي» بباريس (المتحف)

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر. ويكشف لنا دليل المعرض عن أن رينوار طوّر بين عامي 1865 و1885 أسلوباً ينحرف عن المألوف الأكاديمي. جاءت لوحاته، الزاخرة بالألوان الغنية بالضوء، لتستكشف العلاقات الإنسانية في البيئات الاجتماعية الحديثة: المقاهي المفتوحة، والشرفات، والحدائق، وقاعات الرقص، بعيداً عن التصوير المثالي أو الدرامي للحب. قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل. رسم البسمة والنظرة، والإيماءة، من زاوية المتفرج لا المتلصص.

قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل ورسم البسمة والنظرة والإيماءة من زاوية المتفرج لا المتلصص (المتحف)

ففي لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق، يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش والرغبة في الحرية الجديدة لأجساد في مجتمع متغير. تابع الحفلات، واستلهم موضوعاته في واقع فرنسا في القرن التاسع عشر. تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة. وتصويراً لعلاقات رجال ونساء سعداء، أو هكذا يبدو عليهم. وجاء في دليل المعرض أن القائمين على متحف «أورساي» يرون أن هذه الأعمال تعكس طريقة مبهجة للعلاقات بين الجنسين، لكنها لا تهمل قضية التوافق بينهما، وبالتحديد نظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى، يعاد طرح موضوع تغيّر النظرة للفنون في ضوء المفاهيم العصرية؛ أي محاولة تطبيق مسطرة «الصواب السياسي» على نتاج عصور سابقة ومجتمعات كانت أقل تزمتاً في التعامل مع هذه المفاهيم الجديدة التي ترفض أي انتقاص لمكانة المرأة. إن رينوار لا يتوقف عند المشاهد الرومانسية، فحسب، بل يجتهد لأنْ يضع شخصياته في شبكات من التفاعلات العاطفية. نرى في لوحاته العائلات في اجتماعها، والأطفال في لهوهم، والأصدقاء في نواديهم. ليس في لوحاته مشاهد عن البؤس والتناقضات الطبقية، فهو لا يقسّم المجتمع الفرنسي إلى نبلاء وفلاحين، بل يقدم التناغم الاجتماعي، غير عابئ بشعارات المصلحين.

تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة (المتحف)

ولد بيير أوغست رينوار في مدينة ليموج، وسط فرنسا، عام 1841، وفارق الحياة في جنوب البلاد عام 1918. وسواء كان محايداً أو ثائراً، فإن لوحاته تبقى متعة للروح وللعينين في كل عصر، ومن مختلف وجهات النظر.