كنغسولفر تكيف رواية ديكنز مع مكانها وزمانها في «ديمون كوبرهيد»

كتبت روايتها الجديدة في «المنزل الكئيب» الذي أكمل فيه «ديفيد كوبرفيلد»

باربرا كنغسولفر
باربرا كنغسولفر
TT

كنغسولفر تكيف رواية ديكنز مع مكانها وزمانها في «ديمون كوبرهيد»

باربرا كنغسولفر
باربرا كنغسولفر

- تعالج رواية كنغسولفر ثيمات الفقر والبطالة واستغلال الأطفال في بيوت الحضانة والأطفال
في يوم أخمن أنه في أحد الشهرين الأخيرين من 2018، وفي أثناء جولتها لترويج روايتها «بلا مأوى، 2018» في إنجلترا، تدخل الروائية الأميركية باربرا كنغسولفر، بصحبة زوجها، قصر «المنزل الكئيب» - فندق بسرير وإفطار يقع فوق الجرف المطل على مدينة برودستيرز وخليج الفايكنغ في مقاطعة كنت، يعود تاريخ بنائه إلى 1801. كان في الأصل منزلاً لقائد الحصن المحلي إبان الحروب النابوليونية، ويسمى «فورت هاوس». في هذا النزل كتب الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز جزءاً كبيراً من روايته «ديفيد كوبرفيلد، 1850»، وألهمه فكرة روايته «المنزل الكئيب، 1853». كان ديكنز قد استأجر «فورت هاوس» من 1837 إلى 1859 ليقيم فيه مع أسرته. بعد وفاته في 1870 غُيِّرَ اسم النزل إلى «المنزل الكئيب» تكريماً وتخليداً لذكرى الروائي الإنجليزي الكبير.
اكتشاف كنغسولفر لارتباط المكان بديكنز وبروايته «ديفيد كوبرفيلد»، على نحو خاص، هو ما دفعها وزوجها إلى الإقامة فيه، حسب ما ذكرت في بعض حواراتها الصحافية والمتلفزة. وكانا النزيلين الوحيدين أثناء إقامتهما فيه. هناك، وخصوصاً في المكتب الذي أكمل فيه ديكنز روايته «ديفيد كوبرفيلد»، قضت كنغسولفر الليلة الأولى تفكيراً واشتغالاً على مشروع روايتها الجديدة «ديمون كوبرهيد» التي صدرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. كان ديكنز إلى جانبها، كما تقول، طوال الوقت وخلال السنوات التي استغرقتها الكتابة.

تتعدد ماهية وطبيعة علاقة راوية كنغسولفر برواية ديكنز في أحاديث وحوارات الروائية، فمرة تصفها بأنها ترجمة معاصرة لـ«ديفيد كوبرفيلد»، أو تشير إلى أنها مبنية على هيكل روايته، أو أنها تكييف وملاءمة لشكل روايته مع مكانها وزمانها، كما تقول في بداية صفحة العرفان – الامتنان، التي أرفقتها في نهاية الرواية: «إنني ممتنة لتشارلز ديكنز لتأليفه (ديفيد كوبرفيلد)، ونقده المتقد للفقر المؤسساتي وآثاره المدمرة على الأطفال في مجتمعه. هذه المشكلات لا تزال معنا. في تكييف روايته مع مكاني وزماني، ومع العمل لسنوات، مع غضبه وإبداعه وتعاطفه بجانبي، صرت أفكر فيه كصديقي العبقري».
بالإمكان وصف علاقة «ديمون كوبرهيد» برواية ديكنز بأنها علاقة تكييف وملاءمة أو ترجمة أو محاكاة أو استلهام أو استيحاء، أو بأنها كل هذه الأشياء والعلاقات مجتمعة في نص واحد. رواية كنغسولفر نص لا يضمر تعالقاته التناصية مع رواية ديكنز كنص سابق رئيسي، أو هو إعادة كتابة لها. إنه نص سردي ما بعد حداثي تتمثل فيه، على نحو واضح، فحوى ما يقوله غراهام أَلِن في «التناص، 2000»: «لم يعد ممكناً في عصر ما بعد الحداثة... الحديث عن الأصالة أو تفرد العمل الفني، سواء أكان لوحة أم رواية، لأن كل عمل فني هو تجميع من أجزاء وقطع من الفن الموجود بالفعل». والمؤلفون، حسب قوله: «لا يختارون الكلمات من نظام لغة فقط، بل يختارون الحبكات والملامح الأجناسية والشخصيات والصور وأساليب السرد حتى العبارات والجمل من النصوص الأدبية السابقة ومن الموروث الأدبي». تُذَكِّرُ رواية كنغسولفر، مع أخذ الاختلافات بعين الاعتبار، برواية مواطنها مايكل كننغهام «الساعات» بعلاقاتها وتعالقاتها التناصية مع رواية فرجيينا وولف «السيدة دالوي»، وبرواية جون ماكسويل كوتزي «فو-Foe» كإعادة كتابة لرواية دانيال ديفو «روبنسون كروزو»، على سبيل المثال.

تطلب بناء «ديمون كوبرهيد» على هيكل رواية ديكنز، خلق عدد من التوازيات والتناظرات بين النص السابق والنص اللاحق، وعلى أكثر من مستوى وناحية. فمن ناحية النوع والشكل، «ديمون كوبرهيد» هي سيرة ديمون كوبرهيد الذاتية، أي أنها »Bildungsroman» سرد لقصة حياته من الطفولة إلى سن الرشد، يسردها ديمون نفسه بضمير المتكلم؛ وهي في الوقت نفسه، ومن زاوية أخرى، »Kunstlerroman »صورة للفنان في شبابة كما هي رواية ديكنز «ديفيد كوبرفيلد». سأتناول هذه الثنائية الشكلية والنوعية لاحقاً.
وثمة توازيات أخرى بين أسماء ووظائف بعض الشخصيات في الروايتين. والتوازي الآخر الذي يضاهي في الأهمية التناظر الشكلي والأجناسي بين الروايتين يتجسد في الجانب الثيمي - الموضوعاتي، أو البعد «الديكنزي» الذي يشمل الجانب الموضوعاتي والموقف منه.
«ديمون كوبرهيد» سيرة الشخصية المركزية دامون فيلدز، الملقب بديمون كوبرهيد بسبب لون شعره النحاسي، تركز على سيرورة نمو وعيه ونضجه النفسي والأخلاقي خلال السنوات التكوينية إلى بلوغه سن النضج والرشد. يرافق خلالها القارئ ديمون كوبرهيد، وهو يروي قصة حياته منذ اللحظات الأولى بعد مولده إلى النهاية، وهي بداية رحلته إلى المحيط برفقة الفتاة آنغوس وينفيلد. ينظر ديمون من الحاضر، زمن السرد، إلى الماضي، زمن الحدث. يمتزج في سرده التأمل والنقد والاحتجاج على ظروف وأوضاع الفقر والمعاملة السيئة والاستغلال التي يعيشها الأطفال غير المحظوظين أمثاله؛ اليتامى أو من آباؤهم في غياهب السجون أو في مراكز إعادة التأهيل للتعافي من الإدمان، خصوصاً بسبب ما يعرف بوباء المواد الأفيونية الذي انتشر في إقليم أبالاتشيا في التسعينات من القرن العشرين، زمن أحداث الرواية.
وُلِدَ ديمون لأم مراهقة ومدمنة، أغمي عليها أثناء ولادته، وخرج من رحمها وهو لمّا يزل في الكيس، يحاول لكم الكيس ليخرج منه، «مثل ملاكم أزرق صغير» كما تقول جارتهما السيدة بيغوت التي أنقذته وأمه باستدعاء سيارة الإسعاف. ويتذكر ديمون كلام السيدة بيغوت بأن خروجه وهو لا يزال في الكيس «وعد من الرب بأنه لن يغرق». ديمون لم يغرق في الماء، ولكنه غرق في ماء الإدمان، فالطفل الذي يولد لأم مدمنة هو مدمن. هكذا يعلق ديمون في لحظة السرد على ما حدث له ولغالبية أترابه وزملائه في بيوت الرعاية.
باستثناء سنوات الطفولة السعيدة المبكرة التي قضاها مع صديقه مات بيغوت «ماغوت»، والفترة التي عاشها في رعاية السيد وينفيلد مدرب كرة القدم في المدرسة الثانوية، كانت حياة ديمون انتقالات من أسرة حاضنة إلى أخرى، سواء بسبب دخول أمه المتكرر في مركز إعادة التأهيل والعلاج من الإدمان أو بعد وفاتها بجرعة زائدة من الـ«Oxycodone-OxyContin» مخدر الألم القوي المسبب للإدمان، هو ذاته السبب في إدمان ديمون بعد أن وصفه الطبيب له بعد تعرضه لإصابة في ركبته أثناء مباراة لكرة القدم.
تنتهي الرواية، وقد تعافى ديمون وتطهر من إدمانه بعد 3 سنوات ونصف سنة قضاها في مركز إعادة التأهيل، والعمل بعد خروجه في مدينة نوكسفيل بعيداً عن مقاطعة لي كاونتي، مسقط رأسه ومكان الحدث.
يتخلل سرد تفاصيل حياة ديمون ومعاناته وخروجه في النهاية معافى ومتطهراً من إدمانه، حكاية تطوره كفنان بصري، بدءاً بشغفه المبكر بالصور، ومشاهدة أفلام الأبطال الخارقين أو قراءة قصص مغامراتهم في المجلات المصورة، والرسم الكاريكاتيري في دفتره للتسلية أو السخرية من زوج أمه برسمه كشخصية شريرة، ثم تلقيه الرعاية والتشجيع من مُدرسة الفن في المدرسة الثانوية، والرسم الكاريكاتيري في الجريدة المحلية وإبداعه شخصية البطل الخارق «Red Neck»، وانتهاء بنشر حلقات روايته المصورة الأولى» graphic novel» في موقعه على الإنترنت وتلقيه العروض من ناشرين قبل نهاية الرواية. وهو توازٍ آخر مع نظيره في رواية ديكنز. لكن التناظر الآخر الذي لا يقل أهمية عما سبق هو تجلي البعد أو العنصر الديكنزي في رواية كنغسولفر. «ديمون كوبر هيد» رواية ديكنزية »Dickensian»، ليس لأنها مبنية على هيكل رواية ديكنز فحسب، أو بسبب التوازيات والتناظرات التي سلطت الضوء على بعضها، ولكن لتناولها بعض الثيمات والقضايا التي تميزت بها الرواية عند تشارلز ديكنز بشكل عام.
تعالج رواية كنغسولفر ثيمات الفقر والبطالة واستغلال الأطفال في بيوت الحضانة والأطفال الذين تيتموا أو فقدوا آباءهم بسبب الإدمان أو السجن أو بسبب الجرعات الزائدة من المخدرات. وتصور بشكل خاص الآثار الكارثية لوباء المواد الأفيونية الصناعية المخدرة للألم التي روّجتها شركات الأدوية في منطقة أبالاتشيا في تسعينات القرن الماضي، مُدّعِية أنها لا تسبب الإدمان، ولكن اتضح العكس. ولا تزال المنطقة تعاني من ارتدادات وآثار الوباء. فقد ديمون أمه، ثم حبيبته دوري، وكاد يلاقي المصير نفسه، لو لم يدخل مركز إعادة التأهيل بإلحاح وإقناع من الممرضة جون بيغوت، إحدى الشخصيات القليلة في الرواية التي لم تسقط في هاوية الإدمان.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد 53 عاماً... «ناسا» تُعيد البشر إلى عتبة القمر

4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
TT

بعد 53 عاماً... «ناسا» تُعيد البشر إلى عتبة القمر

4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)

بدأت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، الاثنين، العدّ التنازلي لأول إطلاق بشري صوب القمر منذ 53 عاماً.

ووفق «أسوشييتد برس»، يتأهَّب صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي»، البالغ ارتفاعه ما يعادل 32 طابقاً، للانطلاق، مساء الأربعاء، وعلى متنه 4 رواد فضاء. وبعد قضاء يوم كامل في مدار حول الأرض، ستعمل كبسولة «أوريون» على دفعهم في رحلة ذهاب وإياب إلى القمر. وهي رحلة مباشرة من دون توقُّف، تتضمَّن فقط الدوران حول القمر والعودة سريعاً، لتنتهي المهمّة التي تستغرق 10 أيام تقريباً بالهبوط في مياه المحيط الهادئ.

بين الأرض والفضاء يُعاد رسم الطريق التي لم تُنسَ (رويترز)

وفي تصريح لها، قالت مديرة الإطلاق، تشارلي بلاكويل ثومبسون: «بذل فريقنا جهوداً مضنية للوصول بنا إلى هذه اللحظة، وتؤكد جميع المؤشرات الحالية أننا في وضع ممتاز جداً».

وأفاد مديرو المهمّة بأنّ الصاروخ في حالة جيدة عقب آخر جولة من الإصلاحات، في حين أشار خبراء الأرصاد الجوّية إلى أنّ الأحوال الجوّية ستكون مواتية للإطلاق.

رحلة بلا هبوط لكنها مليئة بما يكفي من المعاني (أ.ف.ب)

وكان من المفترض انطلاق مهمة «أرتميس 2» في فبراير (شباط)، وإنما أُرجئت بسبب تسريبات في وقود الهيدروجين. ورغم معالجة تلك التسريبات، واجهت المهمّة عائقاً آخر تمثّل في انسداد خط ضغط الهيليوم، مما اضطر الفريق إلى إعادة الصاروخ إلى الحظيرة أواخر الشهر الماضي. وقد عاد الصاروخ إلى منصة الإطلاق قبل أسبوع ونصف الأسبوع، في حين وصل الطاقم الأميركي الكندي المشترك إلى موقع الإطلاق، الجمعة.

وعلى نقيض برنامج «أبولو»، الذي أرسل الرجال فقط إلى القمر بين 1968 و1972، يضم الطاقم الافتتاحي لمهمة «أرتميس» امرأة، وشخصاً من ذوي البشرة الملوَّنة، ومواطناً غير أميركي.

بين الأرض والفضاء يُعاد رسم الطريق التي لم تُنسَ (رويترز)

وصرّح قائد مهمة «أرتميس 2»، فيكتور غلوفر، بأنه يأمل أن يراهم الشباب ويشعروا بـ«قوة الفتيات»، وأن ينظر إليه الأطفال ذوو البشرة السمراء قائلين: «مهلاً، إنه يشبهني، وانظروا ماذا يفعل!».

وفي الوقت ذاته، يتطلع غلوفر، وهو من ذوي البشرة السمراء، إلى اليوم الذي «لا نضطر فيه إلى الحديث عن هذه الإنجازات الأولى»، ليصبح استكشاف الكون جزءاً غير متجزئ من «تاريخ البشرية».

يُذكر أنّ لدى «ناسا» مهلة تمتدّ خلال الأيام الستة الأولى من أبريل (نيسان) لإطلاق مهمة «أرتميس 2» قبل أن تضطر إلى التوقُّف والانتظار حتى نهاية الشهر.


«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
TT

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج أندراش فولدش إن فيلمه الوثائقي «80 صحافياً غاضباً» وُلد من قلب لحظة مهنية حرجة عاشها بنفسه داخل واحدة من كبرى غرف الأخبار في المجر، مشيراً إلى أنه كان يمارس عمله اليومي بشكل طبيعي، قبل أن يفاجَأ بدخول شخصيات قريبة من السلطة المؤسسةَ وإعلانهم السيطرة عليها، وهو ما عدَّه بداية واضحة لانهيار الاستقلال التحريري.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يتردد في التقاط الكاميرا فوراً، مدفوعاً بغريزته الصحافية، وشعر بأن ما يحدث ليس مجرد تغيير إداري عابر، بقدر ما يمكن أن يكون لحظة مفصلية تستحق التوثيق، لافتاً إلى اعتقاده، في البداية، أن التصوير سيستمر لأيام قليلة، لكن مع تصاعد الأحداث يوماً بعد يوم، تحولت التجربة إلى مشروعٍ استمر 5 سنوات كاملة جرى خلالها التصوير في سرية تامة؛ خوفاً من الضغوط والتهديدات القانونية.

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية عدة (الشركة المنتِجة)

يتناول الوثائقيُّ، الذي عُرض ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية»، لحظة حاسمة في تاريخ الصحافة المَجرية، حين تتعرض منصة إخبارية مستقلة، تُعدّ من كبرى المؤسسات الإعلامية المستقلة بالبلاد، لضغوط سياسية متصاعدة تنتهي بتغيير إدارتها والتأثير المباشر على خطها التحريري.

ومن داخل غرفة الأخبار، تُوثق الكاميرا تفاصيل هذا الانهيار التدريجي، حيث تتصاعد التوترات بين الصحافيين والإدارة الجديدة، إلى أن يصل المشهد إلى ذروته باستقالة جماعية لأكثر من 80 صحافياً؛ في خطوة احتجاجية دفاعاً عن استقلالهم المهني.

يتتبع الفيلم فترة ما بعد الانهيار، حيث يخوض الصحافيون تجربة شاقة لإعادة بناء كيان إعلامي مستقل من الصفر، عبر تأسيس منصة جديدة تعتمد على دعم الجمهور، في مواجهة واقع سياسي وإعلامي أكثر تعقيداً.

ومن خلال شهادات شخصية ولقطات حية، يتحول الفيلم إلى رحلة إنسانية تكشف صراعاً ممتداً بين الرغبة في الحفاظ على القِيم المهنية وضغوط السلطة، ليطرح في النهاية سؤالاً أوسع حول قدرة الصحافة على البقاء حرة في بيئات تتآكل فيها الضمانات الديمقراطية.

يقول المخرج المجري إن «تصوير هذه اللحظات لم يكن مخططاً أو مُعدّاً له مسبقاً، بل جاء بشكل طبيعي وسط حالة من الارتباك والغضب داخل غرفة الأخبار، حيث كان الصحافيون يعيشون صدمة إقالة رئيس التحرير وتبدُّل ملامح المؤسسة»، موضحاً أن زملاءه لم يكونوا منشغلين بالكاميرا بقدر انشغالهم بمصيرهم، وهو ما أتاح تسجيل لحظات إنسانية شديدة الصدق، وتقبلوا لاحقاً فكرة تحويل هذه المادة إلى فيلم، باعتبار أن توثيق ما حدث جزء من مسؤوليتهم المهنية.

ويرصد الفيلم لحظة انهيار موقع «Index.hu» من داخل المؤسسة، وهو من أبرز المنصات الإعلامية المستقلة بالمجر. وأكد المخرج أنه واجه صعوبات كبيرة في إنجاز الفيلم، خاصة على مستوى التمويل، حيث رفضت المؤسسات داخل المجر دعم المشروع بسبب طبيعته النقدية، كما ترددت دُور العرض نفسها في استضافة الفيلم، ما اضطره لنقل الإنتاج إلى الخارج والاعتماد على دعم أوروبي.

وثّق الصحافي والمُخرج المجري ما حدث في جهة عمله (الشركة المنتجة)

وأشار إلى تعرضه لتهديدات قانونية خلال التصوير، وهو ما أكد له أن العمل على هذا المشروع لم يكن مجرد تجربة فنية، بل مواجهة حقيقية مع الواقع، لافتاً إلى أنه شعر بحاجته إلى مسافة فنية عن القصة، فاستعان بالمُخرجة آنا كيش لتُشاركه في الإخراج؛ لكونها لم تكن جزءاً من الوسط الصحافي، مما منح الفيلم نظرة أكثر توازناً وإنسانية، وساعد على تحويل المادة الخام إلى سرد قادر على الوصول إلى جمهور أوسع.

وقال: إن «التحدي الأكبر كان في التعامل مع الكمّ الهائل من المواد المصورة التي تجاوزت 140 ساعة، قبل أن تُكثَّف في نسخة نهائية مُدتها 94 دقيقة»، مضيفاً أنهم اختاروا التركيز على البعد الإنساني للقصة، بدلاً من تقديمها كتحليل سياسي مباشر؛ لأن ذلك يجعلها أكثر قرباً وتأثيراً.

واختتم حديثه بتأكيد أن الفيلم لا يخصّ المجر وحدها، فهو يحمل دلالة أوسع؛ لأن الضغوط على الإعلام لم تعد ظاهرة محلية، مؤكداً أن «الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات».


محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري محمد رجب إنَّه يستعدُّ للعودة إلى السينما خلال الفترة المقبلة من خلال فيلمَين جديدَين سيقدمهما مع المنتج أحمد السبكي، أحدهما سيبدأ تصويره قريباً بعد الاستقرار على تفاصيله الفنية، مشيراً إلى أنَّ حرصه على تقديم أدوار مختلفة وراء التدقيق في اختياراته الفنية.

وأضاف رجب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنَّ مسلسله «قطر صغنطوط» الذي عُرض في رمضان الماضي كان بالنسبة له خطوةً مختلفةً يسعى إليها منذ سنوات، لكون شخصية «ياسين أبو النجا» ظلت حلماً يطارده لفترة طويلة، إذ بدأ التحضير لها قبل نحو 4 سنوات، وكان يفكِّر خلالها في كيفية العودة إلى الجمهور بشكل جديد ومغاير لما قدَّمه مؤخراً.

وأوضح أنَّه خلال السنوات الماضية انشغل بتقديم أعمال اجتماعية وأدوار تقليدية ارتبطت بصورة «الأخ الكبير» أو الشخصيات الجادة. وتابع: «هذا جعلني أشعر بحاجة ملحة لتغيير جلدي الفني، لذا وجدت في العمل الرمضاني فرصةً لتقديم تجربة مختلفة لم أقدِّمها منذ فيلم (الباشا تلميذ) الذي شاركت فيه مع كريم عبد العزيز قبل أكثر من 22 عاماً».

وأكد أنَّ فكرة العمل ظلَّت مُؤجلَّةً رغم جاهزيتها نسبياً؛ بسبب ارتباطه بأعمال أخرى، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة لتقديمها، لافتاً إلى أنَّ تأجيل تنفيذ المشروع في السابق لم يكن له أي علاقة بعوائق إنتاجية، بل بسبب عدم اكتمال ملامح الشخصية بالنسبة له، نظراً لتعقيدها، مما استلزم العمل عليها لفترة طويلة وصلت إلى 8 أشهر بالتعاون مع الكاتب سمير مبروك، والمخرج هاني حمدي، إلى أن خرجت بالشكل الذي يرضيه.

محمد رجب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

ونفى رجب أن يكون العمل قد أُنجز على وجه السرعة بسبب انطلاق تصويره في وقت متأخر قبل بداية رمضان، ولكن فريق العمل استفاد من التحضيرات الكثيرة التي سبقت انطلاق التصوير، مؤكداً أنَّه يشعر بتقديم تجربة درامية متكاملة ومختلفة في تفاصيلها، عكست المجهود المبذول فيها.

وعن الانتقادات التي تعرَّض لها المسلسل فور إعلان اسمه «قطر صغنطوط»، أبدى رجب تعجبه من الهجوم على العمل فور إعلان اسمه، في حين يشير الواقع إلى ارتباط الاسم بالأحداث بشكل أساسي، وهو ما كشفت عنه الحلقات.

وأكد رجب عدم التفاته إلى محاولات السخرية التي تسعى لتحقيق نسب مشاهدة بمواقع التواصل الاجتماعي، لأنَّ هذا النوع من النقاشات والأحاديث لا علاقة له بالواقع، مشيراً إلى أنَّه يستمع للنقد القائم على مشاهدة العمل من متخصصين، وحديثهم عن التجربة والتعليقات التي يبدونها على دوره بشكل خاص، وعلى العمل بشكل عام، «لأن هذا النوع من النقد يساعد الممثل على تطوير أدواته».

المسلسل عُرض خلال رمضان الماضي (الشركة المنتجة)

وأوضح رجب أن «طبيعة العمل الفني تحتمل وجود رؤى مختلفة في التقييم، وحتى في تقديم الفكرة والمعالجة نفسها، وهناك أعمال وتجارب قد تواجه ظروفاً أو مؤثرات تجعل صُنّاعها يقدمونها بشكل مغاير».

ونفى أن تكون التعليقات السلبية والساخرة عن المسلسل قد تركت أثراً فيه على المستوى الشخصي، وعدَّ أن بعضها أسهم في الترويج للعمل بدافع فضول الجمهور لمشاهدة المسلسل، مما كان له تأثير إيجابي في ارتباط الجمهور بالعمل والأحداث ومتابعته حتى النهاية.

رجب لم ينفِ وجود بعض الأخطاء في الجوانب التقنية التي رُصدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها ظهور الكاميرا في بعض المشاهد، وهو الأمر الذي أرجعه لضغوط التصوير وسرعة تنفيذ العمل للالتزام بموعد العرض المحدد، مشيراً إلى أنَّ هذه الأخطاء، وإن كانت بسيطة، لم تؤثر على العمل، فإنها استوجبت منه، بوصفه ممثلاً، ومن فريق العمل الاعتذار عنها.