البرهان و{حميدتي}... نهاية عنيفة لصداقة قديمة

علاقة الرجلين وأسباب الحرب بين الجيش و«الدعم السريع»

قائد الجيش الفريق البرهان (أ.ف.ب)  -  قائد قوات {الدعم السريع} محمد دقلو {حميدتي} (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان (أ.ف.ب) - قائد قوات {الدعم السريع} محمد دقلو {حميدتي} (أ.ف.ب)
TT

البرهان و{حميدتي}... نهاية عنيفة لصداقة قديمة

قائد الجيش الفريق البرهان (أ.ف.ب)  -  قائد قوات {الدعم السريع} محمد دقلو {حميدتي} (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان (أ.ف.ب) - قائد قوات {الدعم السريع} محمد دقلو {حميدتي} (أ.ف.ب)

أنهى النزاع المسلح الذي وقع أمس بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد دقلو «حميدتي»، علاقة صداقة وتعاون قديمة بين الرجلين، التي بدأت مع بداية النزاع في إقليم دارفور في عام 2003 إبان حكم الرئيس المخلوع عمر البشير. فكوّن حميدتي وقتذاك مجموعة صغيرة مسلحة تتصدى لحركات مسلحة أخرى في الإقليم تقاوم نظام البشير. لذا فاختار البشير دعم جماعة حميدتي، فيما كان البرهان ينسق عمليات الجيش في دارفور حيث نشأت العلاقة بين الرجلين. ومع الوقت كبر حجم قوات حميدتي التي أصبحت مع الوقت تابعة للجيش، لكنها احتفظت دائماً بنوع من الاستقلالية في قيادتها وعملياتها.
ثم تعززت هذه العلاقة في أبريل (نيسان) 2019، تحت ضغط الثورة الشعبية الكبيرة التي طالبت بسقوط نظام البشير، فاتفق الرجلان على إسقاط البشير المدعوم من «الإخوان المسلمين»، وتشكيل مجلس عسكري لحكم البلاد ترأسه البرهان، بينما احتل حميدتي منصب نائب رئيس المجلس العسكري. ومنذ سقوط البشير مرت العلاقة بتوترات محدودة بين الرجلين بين الحين والآخر، لكنها كانت قصيرة وتُحل دائماً سريعاً وتعود الثقة بينهما.
- المرحلة الثالثة في الخلاف
أما المرحلة الثالثة في العلاقة فقد بدأت بعد فترة بسيطة من الانقلاب الذي دبره الرجلان على الحكومة المدنية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين أعاد البرهان عناصر نظام البشير إلى مواقع حساسة في السلطة، وهو ما اعترض عليه حميدتي الذي يعتبره الإسلاميون خائناً؛ لأنه طعن البشير من الخلف، ويبادلهم حميدتي إحساس العداء. وراح الخلاف في المواقف السياسية يتطور تدريجياً بين الرجلين ويظهر أحياناً إلى السطح في تصريحات تلميحية أحياناً، ومباشرة في أحيان أخرى.

غير أن فشل انقلاب أكتوبر في تشكيل حكومة طوال أكثر من عام، وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد، دفع الأطراف المختلفة من عسكريين ومدنيين إلى توقيع اتفاق إطاري في ديسمبر (كانون الأول) 2022 الذي لقي قبولاً واسعاً بين المدنيين وأطراف مهمة ومؤثرة من المجتمع الدولي والإقليمي. ورغم أن البرهان وحميدتي وقعا هذا الاتفاق، الذي يقضي بنقل السلطة إلى المدنيين وعودة العسكريين إلى ثكناتهم، فقد ظهر خلاف جديد هو الأقوى بين الجيش والدعم السريع حول تنفيذ أحد بنود الاتفاق الإطاري المتعلق بالإصلاح العسكري ودمج قوات الدعم السريع في الجيش.
- تباين المواقف
واختلف الطرفان حول عدة قضايا في هذا الأمر، أهمها من يتولى هيئة القيادة الجديدة الموحدة. فبينما طالب حميدتي أن يرأس الهيئة رئيس الدولة المدني المرتقب، طالب البرهان بأن يرأسها قائد الجيش. كما طالب حميدتي بالتخلص من الضباط الموالين للإسلاميين في الجيش بالتزامن مع دمج قواته فيه. ورغم الوساطات الأممية والإقليمية والمحلية لخفض التوتر بين القوتين العسكريتين، فقد تطور الصراع بشكل متسارع خلال الأسابيع الأخيرة حتى وصل حد الصدام المسلح الذي وقع أمس (السبت)، والذي وصف فيه حميدتي صديقه القديم البرهان بأنه «مجرم وكاذب»، بينما وصف الجيش قوات الدعم السريع بأنها ميليشيا متمردة، بعد أن كان يصفها بأنها جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، بل هي «وُلدت من رحم الجيش».
وفي آخر حلقات التصعيد خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت حدة التصريحات والحرب الكلامية بين الطرفين، التي كان من ضمنها ما صرح به نائب قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو (أخو حميدتي) حين وجه حديثاً مباشراً إلى قادة الجيش المسيطرين على مفاصل السلطة في البلاد، قائلاً: «رسالتنا إلى إخواننا في السلطة، تسليم السلطة للشعب من دون لف ولا دوران». وأضاف: «من اليوم فصاعداً لن نسمح بقتل الشباب المتظاهرين أو اعتقال السياسيين. ففي صدورنا الكثير وصمتنا كثيراً، ولا نريد أن نصبح سبباً فيما يحدث، لكن لن نتزحزح أو نرجع من المبادئ الأساسية التي تجمع وتنصف الشعب السوداني».
من جانبه، قال البرهان، في خضم التصعيد الكلامي: «نحن كعسكريين يهمنا دمج الدعم السريع... وبغير هذا لن يذهب أي شخص في الاتفاق للأمام»، ما فهمه الكثيرون أنه يشترط دمج الدعم السريع في الجيش أولاً قبل المواصلة في تنفيذ بقية الاتفاق الإطاري. وأبدى الكثيرون استغرابهم من تصريح البرهان نظراً إلى أن الدمج منصوص عليه أصلاً في الاتفاق، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.
- الخلاف حول «الاتفاق الإطاري»
وتفاقم الخلاف على الاتفاق الإطاري وتحول إلى ملاسنات بين الرجلين، وإلى اتهامات تستبطن تهديدات، لتبلغ ذروتها بانسحاب الجيش السوداني والقوات العسكرية من «ورشة» الإصلاح الأمني والعسكري التي انسحب منها ممثلو الجيش. ثم أصبح التراشق الكلامي بين الرجلين علنياً وأكثر وضوحاً إثر فشل اللجان الفنية المشكلة من الطرفين للاتفاق على الفترة الزمنية اللازمة لإدماج قوات الدعم السريع، ويرى الجيش أن تتم في حدود 3 سنوات، فيما يصر الدعم السريع على ألا تقل عن 10 سنوات، كما فشلت اللجان في الاتفاق على رئاسة هيئة القيادة والسيطرة على القوات، فبينما يتمسك الجيش بقائده العام البرهان رئيساً للقيادة، تتمسك الدعم السريع بأن تؤول قيادة القوات العسكرية إلى رأس الدولة المدني الذي ينتظر تسميته بعد توقيع الاتفاق النهائي.
واعتبر حميدتي ما يقوم به الجيش محاولة وضع العربة أمام الحصان للحيلولة دون تكوين حكومة مدنية، وأن قيادات الجيش يخططون للبقاء في السلطة، مستخدماً مفردة «مكنكشين» الشعبية قوية الدلالة على التشبث بالسلطة. ثم بدأت عمليات تحشيد وتحشيد مضاد للقوات، فالجيش السوداني حذر «الدعم السريع» واتهمها بتحشيد أعداد كبيرة في العاصمة الخرطوم وبعض المدن، وهو ما يؤكده شهود عيان. لكن حميدتي، بموازاة ذلك قال إنه متمسك بالاتفاق الإطاري وتسليم السلطة للمدنيين، وإن قواته حريصة على تعزيز الاستقرار في البلاد.
- التحشيد العسكري
وقبل اندلاع الصدام العسكري بين الطرفين تواصل التحشيد العسكري بين الجانبين في الأيام القليلة الماضية، والتي توجت بتمركز قوة من «الدعم السريع» قرب القاعدة الجوية في مدينة مروي شمال البلاد.
بلغت الأزمة ذروتها في مطار مدينة مروي شمال البلاد، بالقرب من القاعدة الجوية التابعة للجيش السوداني، بنشر قوات «الدعم السريع» لعدد كبير من الآليات والجنود بالقرب من القاعدة العسكرية، زاعماً أنه حشد تلك القوات للدفاع عن قواته حتى لا تستخدم الطائرات ضدها.
وكانت مصادر قد أبلغت «الشرق الأوسط»، في وقت سابق، أن اجتماعاً ضم كلاً من البرهان وحميدتي والقوى الدولية الداعمة للانتقال المدني، والقوى الموقعة على الاتفاق الإطاري، توصل إلى اتفاق على نزع فتيل الأزمة بتقديم تطمينات للدعم السريع، وإخلاء القاعدة الجوية من الطيران الذي يتهدد قوات «الدعم السريع»، لكن قوات الجيش لم تلتزم به، فأصدر حميدتي تعليماته لقواته القادمة من الغرب بمواصلة المسير إلى كل من مروي والخرطوم والارتكاز فيهما.
وظلت الأوضاع متوترة بحدة طوال الأسبوع الفائت، بيد أن وساطات قادتها أطراف متعددة أعلنت فلاحها في نزع الفتيل، وأعلنت عن اجتماع بين الرجلين كان مقرراً أن ينعقد صباح أمس (السبت)، ولكن بدلاً من ذلك وقع الصدام المسلح بين الطرفين، وهو ما كان يخشاه السودانيون رغم علمهم أنه قد أصبح وشيكاً. وتقول مصادر إنه بوقوع الحرب بين الطرفين فقد انتهت الصداقة القديمة بين البرهان وحميدتي، والتي شكلت كثيراً من المشاهد السياسية والعسكرية في السودان منذ عام 2013. فحتى لو انتهت هذه الحرب في أي لحظة، فمن المستبعد أن تعود علاقة الصداقة التي تحولت إلى عداء كبير.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وزير المالية السوداني لـ«الشرق الأوسط»: زيادة الواردات والطلب وراء تراجع صرف الجنيه

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
TT

وزير المالية السوداني لـ«الشرق الأوسط»: زيادة الواردات والطلب وراء تراجع صرف الجنيه

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

عزا وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، التراجع المتسارع في سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات. وأكد أن تدهور سعر صرف العملة الوطنية انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة.

وتأتي تصريحات إبراهيم في وقت تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني حاجز 8 آلاف مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية، وذلك وفقاً لمتعاملين، وسط تقلبات حادة في الأسعار خلال اليوم الواحد، وشحّ في المعروض من العملات الأجنبية، فيما توقع متعاملون في سوق العملات وصول سعر صرف الدولار إلى 10 آلاف جنيه خلال أيام.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» (رويترز)

وقال إبراهيم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن زيادة حجم الواردات نسبة إلى الصادرات تُمثل أحد أهم أسباب ارتفاع الدولار، موضحاً أن أسعار العملات الأجنبية تحددها مستويات العرض والطلب، في ظل طلب مرتفع على النقد الأجنبي.

وربط الوزير «جانباً من زيادة الطلب بالتطورات في منطقة الخليج ومضيق هرمز وباب المندب، وما صاحبها»، وأشار إلى «ارتفاع أسعار البترول وتضاعف تكاليف النقل والتأمين، ما يرفع فاتورة الواردات، ويزيد الحاجة إلى العملات الأجنبية».

واتسعت الفجوة بين السوق الموازية والأسعار المعلنة في المصارف، رغم الزيادات التي أجرتها بعض البنوك على أسعار الصرف، وسجل «بنك النيل» 6900 جنيه لشراء الدولار، و6951.75 جنيه للبيع، في حين ظل سعر السوق الموازية أعلى من ذلك بكثير.

وتوقع تاجر عملة يعمل وسط الخرطوم، عرّف نفسه بالأحرف الأولى من اسمه «ج. م» في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، ارتفاع سعر الدولار إلى 10 آلاف جنيه في غضون أيام، مشيراً إلى الطلب المرتفع على العملات الأجنبية عموماً في البلاد، وقال: «المعروض من العملات الأجنبية قليل جداً»، مشيراً إلى أن بعض التجار أوقفوا التداول بالأسعار السائدة.

مخبز لبيع الخبز السوداني... وفرة وقلة شرائية بسبب الغلاء (الشرق الأوسط)

وتشهد السوق الموازية حالةً من الترقب مع التسارع الكبير في الأسعار، إذ يؤدي إحجام بعض حائزي العملات الأجنبية عن البيع إلى تقليص المعروض، في وقت يتزايد الطلب، بما يضيف مزيداً من الضغوط على الجنيه.

ونفى وزير المالية لجوء الحكومة إلى شراء الدولار من السوق الموازية لتغطية احتياجاتها من النقد الأجنبي، وقال «إن الحكومة تعتمد على شراء الذهب وتصديره للحصول على العملات الأجنبية».

وقال إبراهيم: «الحكومة تشتري الذهب وتصدره للحصول على العملات، ولا يمكن أن تشتري من السوق الموازية، وهي تعلم خطورة هذا الأمر».

ويشكل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي التي تعول عليها السلطات، في وقت تسعى الحكومة إلى زيادة موارد العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، والحد من تسرب حصائل الصادرات إلى السوق الموازية.

وأشار وزير المالية إلى عوامل أخرى، قال إنها تؤثر في سعر صرف الجنيه، من بينها «تداول العملة الوطنية في المناطق الخاضعة» لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وتأتي موجة تراجع الجنيه في ظل أزمة اقتصادية عميقة خلّفتها الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وما صاحبها من تراجع الإنتاج، وتعطل قطاعات اقتصادية وتضرر البنية التحتية وسلاسل الإمداد والتجارة.

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان بنحو 29.4 في المائة خلال 2023، وبنسبة إضافية بلغت 14 في المائة في 2024. فيما هبطت إيرادات الدولة من نحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، إلى أقل من 5 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وأدت الحرب وتراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل واضطراب الأسواق إلى ضغوط تضخمية كبيرة.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدل التضخم بلغ نحو 170 في المائة على أساس سنوي خلال 2024، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل واضطراب سلاسل الإمداد.

وينعكس ارتفاع العملات الأجنبية بصورة مباشرة على أسعار الوقود والأدوية والسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، قبل أن ينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات المحلية.

ويصبح الأثر أشد على أصحاب الدخول المحدودة والعاملين الذين يتقاضون أجورهم بالجنيه، إذ يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى تراجع القيمة الحقيقية للدخول والمدخرات، في وقت يقدر البنك الدولي ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع إلى نحو 59 في المائة خلال 2025.

وقال إبراهيم: «إن الحكومة اتخذت إجراءات لتحسين الوضع الاقتصادي، لكنها تحتاج إلى بعض الوقت حتى تظهر آثارها الإيجابية على المواطنين والبلاد».

«البنك المركزي السوداني» متوقف عن العمل منذ اندلاع الحرب (متداولة)

وأشار إلى «ترتيبات لرفع رواتب العاملين في الدولة خلال الفترة المقبلة»، مؤكداً اهتمام الحكومة بزيادة الإنتاج، خصوصاً في القطاع الزراعي، باعتباره من المداخل لزيادة الصادرات وتوفير الموارد من النقد الأجنبي.

وكانت «اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد» قد أكدت، في اجتماعها الدوري بمجلس الوزراء، ضرورة تحسين وزيادة الإنتاج والإنتاجية في القطاعات الزراعية والحيوانية وغيرهما، والعمل على «تطوير وتحديث البنية التحتية للصادرات السودانية، إلى جانب تشجيع الصناعات التحويلية التي تُضيف قيمة إلى المنتجات المصدرة».

ويعني استمرار اتساع الفجوة بين أسعار المصارف والسوق الموازية مزيداً من الضغوط على القنوات الرسمية للحصول على العملات الأجنبية، في حين يهدد أي ارتفاع جديد في الدولار بموجة إضافية من زيادة أسعار السلع، وتآكل القوة الشرائية للمواطنين.


مصر تجدد رفض الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان

محادثات سابقة بين وزير الخارجية المصري ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في بيروت (الخارجية المصرية)
محادثات سابقة بين وزير الخارجية المصري ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في بيروت (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد رفض الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان

محادثات سابقة بين وزير الخارجية المصري ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في بيروت (الخارجية المصرية)
محادثات سابقة بين وزير الخارجية المصري ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في بيروت (الخارجية المصرية)

أكدت مصر رفضها الكامل لكل الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية، وطالبت بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي جرى بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في إطار التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين وتبادل الرؤى إزاء التطورات الإقليمية وسبل تعزيز العلاقات الثنائية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الأربعاء، تناول الاتصال مستجدات الأوضاع في لبنان، حيث جدد الوزير عبد العاطي «موقف مصر الداعم لسيادة لبنان ووحدته وسلامة أراضيه»، مؤكداً «أهمية التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701».

ولفت إلى دعم مصر لمؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، بما يمكنها من الاضطلاع بمسؤولياتها وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

كما تناول الاتصال الهاتفي مجمل التطورات الإقليمية المتسارعة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد، فضلاً عن انعكاسات التطورات في البحر الأحمر على أمن وسلامة الملاحة البحرية وحرية التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. واستعرض عبد العاطي الجهود الدبلوماسية التي تبذلها مصر لتجنب اتساع دائرة التصعيد وتجنيب المنطقة المزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

وأكدت مصر في إفادات سابقة حرصها على مواصلة دعم لبنان ومؤسساته الوطنية، انطلاقاً من العلاقات الأخوية والروابط الوثيقة التي تجمع البلدين، وبما يسهم في تعزيز أمن لبنان واستقراره.

ورحبت في يونيو (حزيران) الماضي بـ«الاتفاق الإطاري» الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وعدّت «الاتفاق يمثل بداية مهمة». كما شددت حينها على «ضرورة الانسحابات التدريجية لإسرائيل من المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما يتيح انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية».


60 قتيلاً على الأقل في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

60 قتيلاً على الأقل في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

قضى مَن لا يقلون عن 60 عاملاً في انهيار منجم ذهب بولاية غرب كردفان في السودان، وفق ما أفاد به ناجيان «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، في حين لا يزال كثر آخرون مفقودين ويُخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم تحت الأنقاض.

وأفادت منظمة «مرصد كردفان» المحلية؛ المعنية بالدفاع عن الحقوق، بأن بعض عمال المنجم قد يكونون ‌على قيد الحياة ‌تحت الأرض، ​وناشدت بذل ‌جهود ⁠إنقاذ عاجلة. وقالت ​المنظمة، الأربعاء، إن أكثر من 70 لقوا حتفهم أو فُقدوا في انهيار سلسلة من آبار التعدين المتجاورة بمنجم الزرع بمنطقة فوجا، شمال غربي النهود.

واستناداً إلى إفادات شهود، ⁠فقد ذكرت المنظمة أن أحد الناجين ‌تمكن من الخروج الثلاثاء، وأبلغ بوجود ​آخرين لا ‌يزالون على قيد الحياة تحت الأرض. ‌وأشارت إلى أن الموقع ليس به أي فرق إنقاذ مختصة، وأن التربة الرملية الهشة تعوق جهود السكان لإنقاذ العمال وانتشال ‌الجثث باستخدام أدوات بدائية.

وعزت المصادر المحلية الثلاثة، التي تحدثت لـ«رويترز»⁠ الأربعاء، ⁠ارتفاع عدد القتلى في هذا الموقع النائي إلى الافتقار لإجراءات السلامة ومعدات الإنقاذ.

وقال الأمين سليمان، وهو عامل في المنجم، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الآبار في المنطقة متجاورة، وهدم أي بئر يؤدي إلى هدم تلك المجاورة لها، وهذا ما حدث». وأضاف: «حتى الآن أُخرجت 60 جثة، ولكن هناك أناس تحت الأرض منذ أمس، ولا أظن أنهم أحياء».

ومن الصعب تنفيذ عملية إنقاذ واسعة النطاق في غرب كردفان، التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، وكذلك إقليم دارفور المجاور حيث اتهمت بارتكاب إبادة جماعية. وعلى الرغم من إعلان «قوات الدعم السريع» حكومة موازية، فإن قدراتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها لا تزال محدودة، ويعتمد السكان في غرب السودان إلى حد كبير على المساعدات وشبكات المجتمعات المحلية للبقاء على قيد الحياة.

والسودان من أكبر منتجي الذهب في قارة أفريقيا، لكن الغالبية العظمى من الذهب تنتَج عبر طرق تعدين بدائية خطرة، ثم تهرب لاحقاً خارج البلاد. ويعدّ تعدين الذهب مصدراً رئيسياً للدخل لـ«قوات ​الدعم السريع» ​شبه العسكرية، التي تسيطر على الولاية.