عفراء وعروة بن حزام: عناقهما المستحيل نابت عنه شجرتان ملتفّتان على قبرين

ما لم يفسده التشبيب بالمرأة المعشوقة أفسده الفقر والطمع والنكث بالعهود

عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
TT

عفراء وعروة بن حزام: عناقهما المستحيل نابت عنه شجرتان ملتفّتان على قبرين

عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة

لا تختلف قصة الحب المأساوية التي جمعت بين عروة بن حزام وابنة عمه عفراء بنت عقال، عن عشرات القصص المماثلة التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث رابطة الدم التي تجمع بين العاشقَين المنتميين إلى القبيلة نفسها، أو من حيث التفريق بينهما بذرائع مختلفة وما يستتبع ذلك من مكابدات جسدية ونفسية مضنية، وصولاً إلى النهايات المفجعة للعلاقة، التي يصل مسارها التصاعدي في ذراه الأخيرة إلى تصدع الجسد واختلاط العقل وصولاً إلى الموت.
وفي تفاصيل القصة أن عروة لم يكن يتجاوز الرابعة من عمره حين توفي أبوه حزام، فكفله عمه عقال بن مهاصر. وحيث كان عروة وعفراء يقضيان معظم أوقاتهما معاً، فقد ألِف كلّ منهما صاحبه، بما جعل عقالاً يقول لعروة «أبشرْ فإن عفراء ستكون امرأتك». وحين أدرك كل منهما سن البلوغ وفاتح عروة عمه بأمر زواجه، أجابه الأخير بأنه لا يمانع في الأمر، شرط أن يوفر لابنته الحياة الكريمة التي تحتاج إليها.
وإذ سُرّ عروة مما سمعه، انطلق لتوِّه إلى بلاد فارس طالباً المساعدة من ابن عم له شديد الثراء، فأمدّه الأخير بما يحتاج إليه من المال والإبل وكل ما يلزمه لدفع مهر عفراء. لكنّ الرياح في أثناء غيابه كانت تهبّ عكس ما يشتهي، إذ عمد عمه إلى تزويج ابنته من رجل أُمويّ ثريّ اسمه أثالة بن مالك، وبتحريض من زوجته التي خاطبته بالقول: «أنت لا تعرف ما إذا كان عروة حياً أو ميتاً، وهل ينقلب عليك بخير أم لا، فتكون قد حرمتَ ابنتك خيراً حاضراً ورزقاً سنيّاً». ولم يكد أثالة يعقد قرانه على عفراء، حتى ترك منازل بني عذرة عائداً إلى مكان إقامته في الشام.
ويذهب الأصفهاني في «الأغاني» إلى أن عقالاً عمد، تلافياً للحرج من ابن أخيه، إلى ترميم أحد القبور الدارسة، مدّعياً أن ابنته قضت نحبها بفعل مرض مفاجئ، وأنها ووريت الثرى في ذلك المكان. وبعد أيامٍ من تردد عروة باكياً إلى القبر المزعوم، أشفقت عليه إحدى النساء وأطلعته على الحقيقة، فقصد الشام للتوّ، وراح يسأل عن منزل أثالة حتى اهتدى إليه، فأكرمه الزوج وأنزله في بيته أياماً عدة. ثم أقنع إحدى الجواري بأن توصل خاتمه إلى عفراء، التي عرفته فور رؤية الخاتم وأبلغت زوجها بأن ضيفه الزائر ليس سوى عروة بن حزام نفسه.
وإذ يستوقفنا بالتأكيد السلوك المترفع لزوج عفراء الذي غادر منزله تاركاً زوجته وعروة يتبادلان الأحاديث بحرية تامة، إلا أن طلب أثالة من أحد خدمه التلصص على العاشقَين الوالهين وإخباره بما يقولانه ويفعلانه في غيابه، كان يشير في الوقت ذاته إلى دهائه ومكره، حيث أراد أن يمتحن وفاء زوجته من جهة، ويتثبت مما يشاع عن عفة العذريين وشهامتهم الأخلاقية من جهة أخرى. ولا شك في أن ما نقله الخادم لسيده من تشاكي الطرفين ألم الفراق، وامتناعهما عمّا سوى ذلك، هو أمر يسهل تصديقه، ليس لأنه يتواءم مع قيم العذريين المثالية فحسب، بل لأن الطرفين ليسا من السذاجة ليغفلا احتمال لجوء الزوج إلى تكليف من يتلصص عليهما ويضعه في صورة ما يقومان به.
ومع ذلك فإذا أمكننا تصديق العرض الذي قدمه أثالة لعروة، بالبقاء في منزله المدة التي يشاء، فإن ما يصعب تصديقه في رواية الأصفهاني هو قول الزوج لضيفه: «لقد عرفت خبرك وأنك إن رحلت تلفت، فلئن شئت لأفارقنّها ولأنزلنّ عنها»، ومن ثم شكْر عروة له، وقوله بأن الطمع في عفراء كان آفته الكبرى، وأنه قد حمل نفسه على اليأس الذي يُسْلي. فهل يمكن للزوج مهما بلغت شهامته، أن يتنازل عن زوجته لعاشقها المتيم، أم أنه كان يريد الإمعان في اختبار عروة، حتى إذا قبل العرض، كاشفه بوقاحته وطرده من منزله؟
وإذا كان الزوج صادقاً في عرضه، من ناحية أخرى، فهل إن رفض العرض من عروة، أمر عائد إلى الشهامة وحدها، أم هو وليد نزعة العذريين المتأصلة إلى تعذيب الذات وقهرها، وما وصفه علم النفس الحديث بالنزعة المازوشية؟
قد تكون الإجابة عن هذه التساؤلات مزيجاً من الفرضيتين الأخيرتين، ولكن الرواة يُجمعون على التردي المتسارع لأحوال عروة بعد مغادرته منزل حبيبته، ويضيف بعضهم أنه كان كلما أُصيب بالإغماء أُلقي على وجهه خمارٌ لعفراء كانت قد أهدته إياه فاستردّ وعيه. وإذ التقى في طريقه ابن مكحول المعروف بعرّاف اليمامة، ظن الأخير أن به شيئاً من المس، فنظم عروة في ذلك:
وما بي من سقْمٍ ولا طيف جُنّة
ولكن عمي الحمْيري كذوبُ
عشيّة لا خلفي مكرٌّ ولا الهوى
أمامي ولا يهوى هواي غريبُ
ومع عودة عروة إلى منزل أمه وأخواته، حاولن ردعه عمّا يفعله بنفسه فلم يرتدع، بل «كان يأتي حياض الماء التي كانت إبل عفراء ترِدُها، فيلصق صدره بها، فيقال له: مهلاً أنت قاتل نفسك، فلا يقبل حتى يُشرف على التلف». وقد تكون القصيدة التي نظَمَها في أثناء تلاشيه، واحدة من أعذب قصائد العذريين وأكثرهم تعبيراً عن آلام الحب ومكابداته، ومن أبياتها قوله:
تحملتُ من عفراء ما ليس لي به
ولا للجبال الراسيات يدانِ
كأن قطاة عُلّقت بجناحها
على كبدي من شدة الخفقانِ
جعلتُ لعرّاف اليمامة حكْمهُ
وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني
فقالا نعم نشفي من الداء كلّهِ
وقاما مع العُوّاد يبتدران
فما تركا من رقْية يعلمانها
ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا يمين الله والله ما لنا
بما ضُمّنت منك الضلوع يدانِ
أناسية عفراء ذكري بعدما
جعلتُ لها ذكْراً بكل مكانِ
وتتعدد الروايات حول موت عروة، فيذكر ابن أبي عتيق أنه بينما كان يمر بأرض بني عذرة، رأى امرأة تحمل شاباً ملتحياً لا يُحمل مثله في العادة، وحين استفسر منها عن خطْبه أجابته بأنه عروة بن حزام، عاشق عفراء. وإذ سأله الراوي عن حالته، قرأ عليه الشاب أبياتاً من قصيدته النونية، حتى إذا ابتعدا قليلاً سمع الرجل صيحة عظيمة وذهب ليستطلع الأمر، فأخبرته المرأة بأن عروة قد فارق الحياة.
ويروي عروة بن الزبير أنه أراد أن يقف على أحوال ابن حزام فوجده في بيت منفرد خارج وادي القرى، وحوله أمه وخالته وأخوات له وقفن باهتات كالتماثيل، فقال له: أأنت صاحب عفراء؟ قال: بلى، وأنشد أبياتاً له فيها، ثم أسلم الروح. أما مصير عفراء فلم يختلف كثيراً عن مصائر نظيراتها من نساء بني عذرة، حيث يروي صاحب «مصارع العشاق» أنها وقد بلغها نبأ موت عروة، طلبت من زوجها أن يأذن لها بالخروج مع النسوة الأخريات ليرثينه ويبكين عليه. وحين أذِن لها أخذت تندبه وتقول:
ألا أيها الركْب المحبون ويحَكُمْ
بحقٍّ نعيتمْ عروة بن حزامِ؟
فلا هنئ الفتيانُ بعدك غارة
ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
ولكي تستقيم الرواية ويبلغ الحب نهايته العادلة، يتابع السراج قائلاً بأن عفراء ظلت تردد هذه الأبيات حتى ماتت، وتم دفنها إلى جانب عروة. ولأن قصص الحب تحتاج لكي تكتمل إلى بعض «التوابل» الأسطورية، يروي معاذ بن يحيى الصنعاني أنه في طريقه إلى صنعاء شاهد قبرين متلاصقين، قيل له إنهما قبرا عروة وعفراء، ورأى «شجرتين اثنتين لم يُعرف لهما شبيه في تلك الأنحاء، وقد خرجتا من القبر والتفّت كل واحدة منهما بصاحبتها، حتى راح الناس يقولون: تآلفا في الحياة وفي الممات». أما ما نسبه الرواة إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان من أنه قال حين بلغه الخبر «لو علمتُ بشأن هذين العاشقين العفيفين لجمعت بينهما»، فقد نسبوا ما يشبهه إلى قادة ونافذين آخرين، حيث كان الشعور بالذنب هو الوجه الآخر للمحظورات القاتلة، وحيث صحوة الضمير الجمعي لا تتحقق، إذا تحققت، إلا بثمن باهظ وبعد فوات الأوان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إعلان لبيع سيارة الشيخ الشعراوي يجدد حديث «مقتنيات المشاهير»

حظي خبر بيع السيارة بتفاعل «سوشيالي» (حساب المعرض على فيسبوك)
حظي خبر بيع السيارة بتفاعل «سوشيالي» (حساب المعرض على فيسبوك)
TT

إعلان لبيع سيارة الشيخ الشعراوي يجدد حديث «مقتنيات المشاهير»

حظي خبر بيع السيارة بتفاعل «سوشيالي» (حساب المعرض على فيسبوك)
حظي خبر بيع السيارة بتفاعل «سوشيالي» (حساب المعرض على فيسبوك)

جدد إعلان لبيع سيارة امتلكها الشيخ محمد متولي الشعراوي الحديث عن مصير «مقتنيات المشاهير» بعد رحيلهم، مع الإعلان عن بيع السيارة عبر أحد معارض السيارات الخاصة، مع تداول معلومات كثيرة عن السيارة التي امتلكها الراحل في العقد الأخير من حياته.

ويعدّ الشيخ الشعراوي من أشهر الدعاة في مصر والوطن العربي، وهو من مواليد عام 1911 بقرية دقادوس بمحافظة الدقهلية، وشغل العديد من المناصب في الأزهر، وتولّى حقيبة وزارة الأوقاف المصرية في السبعينات، قبل أن يقرر التفرغ للدعوة وتقديم برنامج ديني في التلفزيون المصري.

وتوفي الشيخ محمد متولي الشعراوي بعد صراع مع المرض في 17 يونيو (حزيران) 1998، عن 87 عاماً، تاركاً إرثاً كبيراً من الكتب والحلقات المسجلة التي تتضمن خواطره حول القرآن الكريم.

محمد متولي الشعراوي (وزارة الأوقاف)

السيارة «المرسيدس» موديل 1989 تعد من الطرازات النادرة في السوق المصري بحسب تأكيدات صاحب المعرض الذي يقوم بعرضها للبيع مؤكداً أن مصر لم يدخلها من هذا الموديل سوى 10 سيارات فقط منها سيارة «إمام الدعاة»، وكونها في حالة جيدة بالنسبة للموديل ذاته يجعلها فرصة لهواة السيارات القديمة.

وقال كريم صبيحة مالك المعرض الذي يعرض السيارة لوسائل إعلام محلية أنهم اشتروا السيارة من تاجر سيارات اشتراها من الشيخ عبد الرحيم نجل الراحل؛ ما ساعد في التأكد من صحة ملكيتها وأصالتها التاريخية، مشيراً إلى أن عرض السيارة للبيع جاء لإتاحة الفرصة لمحبيه لاقتناء قطعة تحمل ذكرى شخصية من حياته.

وعرضت السيارة بسعر نحو 600 ألف جنيه (الدولار يساوي 47.25 جنيه في البنوك) بوقت يؤكد فيه صاحب المعرض تلقيه مئات الاتصالات الهاتفية منذ الإعلان عن عرض السيارة للبيع، لافتاً إلى أن الرخصة لا تزال باسم نجل الشعراوي حتى الآن، وسيتأكد مشتري السيارة من هذا الأمر عند إتمام عملية البيع.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها عرض مقتنيات لمشاهير والإعلان عن بيعها من المشاهير، فبعد عرض مقتنيات مدير التصوير الراحل رمسيس مرزوق وبعض مقتينات الفنان الراحل نور الشريف في الأسواق وعبر مواقع التواصل، تبرز عملية بيع مقتنيات المشاهير، ومنها بطاقات الهوية أو جوازات السفر وغيرها من المقتنيات التي نشطت تحركات مجتمعية للحفاظ عليها.

وحظي الخبر بتفاعل «سوشيالي» لافت في مصر، وهو ما يرجعه خبير الإعلام العربي ومواقع التواصل، معتز نادي» إلى «مكانة الشيخ الشعراوي لدى عموم المصريين ومتابعتهم لخواطره، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مقتنيات المشاهير مع تباين التعليقات حول التعامل معها كسلعة للشراء، أو استغلال الاسم في البيع للحصول على أكبر قدر من المكاسب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاهتمام الذي حدث بالسيارة يدفع إلى التذكير بأهمية الاحتفاظ بمقتنيات المشاهير في متحف مثلاً تتولى الأسرة مسؤوليته أو جهة ذات حيثية في الدولة تقدر قيمة إرث الراحل، لكن الأمر يصطدم بحق الأسرة في حرية تصرفها مع الملكية الخاصة التي بحوزتها لشخصية لها مكانة معنوية في نفوس محبيه من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي».

وأكد نادي أن «هذه الواقعة تفتح الباب للحديث بشكل أعمق حول الملف الخاص بالمشاهير ومقتنياتهم، وما يتطلبه الأمر من حل مناسب يوازن بين حماية المقتنيات للمشاهير كذاكرة تتعلق بتاريخهم دون مصادرة حق الملاك والورثة؛ للوصول إلى صيغة حاسمة وواضحة لا تصبح مجرد (تريند) عابر يتجدد، ويزداد التفاعل معه، ثم يختفي بمرور الوقت، كما ظهر في مرات سابقة»، على حد تعبيره.


أرشيف تلفزيون لبنان إلى «سِجل ذاكرة العالم» لمنظمة اليونيسكو

أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
TT

أرشيف تلفزيون لبنان إلى «سِجل ذاكرة العالم» لمنظمة اليونيسكو

أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)

في 28 أبريل (نيسان) 1959، انطلق البث الرسمي لتلفزيون لبنان، ليكون أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط والعالم العربي. ومنذ ذلك التاريخ، شكّل هذا الصرح الإعلامي مرجعية أساسية ارتكزت عليها مؤسسات إعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة، وحمل إرثاً عريقاً لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية للبنانيين.

يملك تلفزيون لبنان أرشيفاً غنياً يعكس تنوّع المجتمع اللبناني بكل أطيافه، فكان الشاشة الأقرب إلى قلوبهم، ومرآة لتقاليدهم ويومياتهم وتحولاتهم. كما شكّلت إنتاجاته الدرامية والثقافية والفنية محطات فارقة في تاريخ الإعلام العربي، متقدّماً برؤيته المستقبلية ومحتواه الريادي على كثير من الشاشات العربية.

مؤخراً، جرى ترشيح أرشيف تلفزيون لبنان، لإدراجه على «سِجل ذاكرة العالم»، التابع لمنظمة اليونيسكو. ويُعد هذا السجل برنامجاً دولياً يهدف إلى حماية التراث الوثائقي الإنساني ذي القيمة الاستثنائية، وضمان حفظه وإتاحته بوصفه جزءاً من الذاكرة البشرية المشتركة.

ويُتاح الترشح لهذا السجل من قِبل حكومات الدول الأعضاء في اليونيسكو، ولجانها الوطنية، والمنظمات غير الحكومية الشريكة للمنظمة، إضافة إلى الهيئات والاتحادات العلمية والجامعات الناشطة في المجالات ذات الصلة. وقد أرسل لبنان مؤخراً ملف ترشيح أرشيفه إلى مقر اليونيسكو في باريس، تزامناً مع فتح باب دورة 2026 - 2027.

وزير الإعلام بول مرقص خلال إلقائه كلمته في حفل الترشيح (موقع رئاسة الجمهورية)

ويعلّق وزير الإعلام بول مرقص، لـ«الشرق الأوسط»، على هذا الترشيح، مشيراً إلى أن المبادرة انطلقت من استوديوهات تلفزيون لبنان في الحازمية، «في تأكيد واضح للأهمية التي تُوليها الدولة لحفظ الذاكرة الوطنية وصَون الإرث الثقافي والإعلامي». ولفت إلى أن حضور رئيس الجمهورية جوزيف عون الحفل الذي أُقيم لإطلاق المبادرة، يشكّل رسالة دعم مباشرة لهذا المسار، كما يرسّخ البعد الوطني لها.

ووفق مرقص، فإن الأرشيف يضم أشرطة وصوراً وبرامج تمتد على عقود طويلة، تُوثّق محطات مفصلية سياسية وثقافية واجتماعية. وتُشكل ذاكرة سمعية وبصرية نادرة تختزن صورة لبنان في مختلف مراحله. ويتابع، في سياق حديثه: «إن ترشيح هذا الأرشيف إلى (سِجل ذاكرة العالم) هو تتويج لجهود متكاملة هدفت إلى الحفاظ عليه مادياً، وترتيبه وحمايته، إلى جانب أرشفته رقمياً بما يضمن استمراريته ووصوله إلى الأجيال المقبلة».

كان الرئيس عون قد أكّد، خلال مشاركته في حفل إطلاق الترشيح، أن أرشيف تلفزيون لبنان هو الكنز الحقيقي الذي يوثّق تاريخ لبنان الثقافي والإعلامي والسياسي على مدى عقود متتالية.

من جهتها، عَدّت المديرة العامة لتلفزيون لبنان أليسار نداف، في كلمةٍ ألقتها، أن مبنى الحازمية يختزن إرثاً وطنياً وفنياً ثميناً يشبه «متحفاً حيّاً» لذاكرة لبنان. وأعلنت أن أرشيف تلفزيون لبنان، الذي يُوثّق الحياة السياسية والثقافية منذ عام 1959، جرى رقمنته بدعم من مكتب اليونيسكو في بيروت ومؤسسة «أليف»، ليصبح متاحاً للجمهور وفق المعايير الدولية المعتمَدة.

نهى الخطيب سعادة من أقدم مذيعات تلفزيون لبنان (فيسبوك)

ويعود العمل على مشروع إنقاذ هذا الأرشيف إلى نحو خمسة عشرة عاماً خَلَت، حيث جرى تحويل الأشرطة القديمة من صيغتيْ «بيتاكام» و«2 إنش» إلى النظام الرقمي. وكانت العملية مكلِّفة وتطلبت تجهيزات خاصة وقِطع غيار نادرة، إضافة إلى عمليات تنظيف يدوية دقيقة. وأسهم هذا المشروع في إنقاذ آلاف الساعات من المواد الأرشيفية.

ويتضمن الأرشيف مراحل بث وعروضاً طويلة تعود إلى أوائل الستينات وحتى اليوم. غير أنّه يفتقد عدداً كبيراً من البرامج التي كانت تُقدَّم مباشرة على الهواء ولم تُسجَّل، ولا سيما نشرات الأخبار وما تخلّلها من لحظات مفصلية. لذا فإن مَشاهد وإذاعات تاريخية، كإعلان اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، أو وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، أو صعود الإنسان إلى القمر، وغيرها من الأحداث الحلوة والمرّة، لم تُحفظ في الأرشيف وبقيت عالقة في ذاكرةِ مَن عايشوها.

في سياق متصل، كان وزير الإعلام السابق زياد مكاري قد وضع، خلال تولّيه مهامه، آلية واضحة لاستعارة أو شراء دقائق من أرشيف تلفزيون لبنان مقابل مبالغ مالية، تُحدَّد قيمتها وفق مدة المقتطف والفترة الزمنية التي ينتمي إليها. فثمن دقيقة من برنامج يعود إلى الستينات، على سبيل المثال، لا يوازي كلفة دقيقة من عمل أُنتج في السنوات الأخيرة. وقد أعلن مكاري، حينها، أن سعر الدقيقة الواحدة من بعض البرامج قد يصل إلى ثلاثة آلاف دولار، مشدداً على أن الاستعمال المجاني لمقتطفات الأرشيف بات ممنوعاً، وأنه لا يجوز أن تتجاوز مدته 15 ثانية.

وعن نسبة الحظوظ التي قد تُخوّل تلفزيون لبنان دخول هذا السجل، يقول وزير الإعلام بول مرقص، لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو حظوظه واعدة؛ نظراً للقيمة التاريخية الفريدة لأرشيفه الرسمي وغير المكرر»، مضيفاً: «كما أنه يحظى بالدعم المؤسسي، على أن يبقى القرار النهائي مرتبطاً باستكمال المعايير التقنية والعلمية التي تعتمدها منظمة اليونيسكو».


مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

جدّدت زيارة اثنين من المشاهير للمناطق الأثرية في مصر، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير؛ الحديث عن استثمار مثل هذه الزيارات في الترويج السياحي، وإبراز المعالم الأثرية عبر منصات دولية.

واستقبلت منطقة الأهرامات، الخميس، الممثل العالمي ويل سميث، وكان في استقباله الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي رحّب به وأطلعَه على أهم ما تحتويه هذه البقعة التاريخية من أسرار وآثار تعكس عراقة الحضارة المصرية القديمة، بالإضافة إلى أهم الاكتشافات الأثرية على مستوى الجمهورية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وأبدى سميث، اهتماماً بالغاً بالتفاصيل التاريخية والأثرية، كما وعد بالعودة إلى مصر مرة أخرى في فصل الربيع مع أسرته لزيارة مصر.

وكان الممثل العالمي قد زار مصر في عام 2017 مع عائلته، حيث التقطوا صوراً أمام أهرامات الجيزة، كما أعربوا عن إعجابهم الشديد بجمالها وروعتها.

ويرى مدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، الدكتور علي أبو دشيش، أن «الدولة المصرية تتبع حالياً استراتيجية ذكية في استثمار القوة الناعمة للمشاهير لتعزيز مكانة مصر السياحية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود مشاهير بحجم ويل سميث أو صُنّاع المحتوى العالميين مثل سبيد في المناطق الأثرية، يحول المعلم التاريخي من مجرد موقع أثري صامت إلى (ترند) عالمي يتصدّر منصات التواصل الاجتماعي».

ولفت إلى أن زيارات المشاهير للأهرامات أو الأقصر هي بمثابة رسالة طمأنة ودعوة مجانية لملايين المتابعين من مختلف الفئات العمرية إلى زيارة مصر. وأوضح أن «النجم العالمي ويل سميث يضفي هيبة وكلاسيكية على المشهد السياحي، ويجذب فئة السياحة الفاخرة والمهتمين بالثقافة. أما سبيد وأمثاله، فهم يخاطبون جيل الشباب الذي يبحث عن المغامرة والعفوية، مما يضع الآثار المصرية ضمن قائمة (الأماكن التي تجب زيارتها) لدى الأجيال الجديدة».

صانع المحتوى سبيد في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

واستقبلت منطقة أهرامات الجيزة والمتحف المصري الكبير «اليوتيوبر» وصانع المحتوى العالمي «IShow Speed» في زيارة تهدف إلى اكتشاف سحر مصر والتعرّف عن قرب إلى حضارتها العريقة وأبرز معالمها السياحية، وفق بيان وزارة السياحة.

ونظّمت هذه الزيارة «لجنة مصر للأفلام» التابعة لمدينة الإنتاج الإعلامي، في إطار الترويج للمقصد السياحي المصري وإبراز ما تزخر به مصر من كنوز حضارية وثقافية فريدة.

وأشار الخبير السياحي، أيمن الطرانيسي، إلى أن «زيارة المشاهير لمصر فرصة ذهبية يجب أن نُحسن استخدامها، فهذا يُعدّ إعلاناً سياحياً مباشراً لمصر دون تكلفة تُذكر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «المهم أن تكون هذه الزيارات منظمة، وتوضح أماكننا السياحية وحضارتنا وسماتها المميزة، والتنوع الشديد في المكونات الحضارية المصرية». وتابع: «لو نجحنا في توظيف هذه الزيارات بشكل جيد فسنجد إقبالاً كبيراً على زيارة مصر خصوصاً من الفئات التي تتابع المحتوى الرقمي».

وخلال زيارته للأهرامات قام اليوتيوبر «Speed» ببث مباشر من داخل الهرم الأكبر، نقل خلاله إلى الملايين من متابعيه حول العالم (وصلوا إلى 48 مليون وفق المسجل في الصورة الرقمية للبث المباشر) تجربة استثنائية من قلب أحد أعظم إنجازات الحضارة الإنسانية والعجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع للعالم القديم، بالإضافة إلى زيارته منطقة تمثال أبو الهول.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، «زيارة النجوم العالميين، مثل ويل سميث أو صناع المحتوى مثل سبيد، ليست مجرد لقطات على (السوشيال ميديا)، لكنها تمثّل قوة ناعمة حقيقية خصوصاً أن الممثلين وصناع المحتوى يتابعهم عشرات الملايين حول العالم، وتأثيرهم يفوق الحملات الإعلانية المكلفة، ويكون لهم مردود كبير لو قاموا بالتصوير أو بث فيديو من المناطق الأثرية والسياحية في مصر».

ولفت إلى أن «أهمية ما يفعلونه هو أن المحتوى الذي يقدمونه يتسم بالعفوية، مثلما فعل (اليوتيوبر) سبيد حين قرر تصوير نفسه وهو يتناول الطعام في محل كشري بوسط البلد، ورأينا جميعاً كيف التفّ حوله الناس، وهذه العفوية تعطي الفيديوهات التي يقدمها من الأماكن الأثرية أو السياحية مصداقية، وتضع متابعيه داخل المكان السياحي أو الأثري وتشوّقهم إليه».

سبيد خلال زيارته للمتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

وزار صانع المحتوى سبيد، المتحف المصري الكبير، وقام بجولة داخل عدد من قاعات المتحف، وعلى رأسها قاعات الملك توت عنخ آمون ومتحف مراكب خوفو، حيث أبدى إعجابه الشديد بالكنوز الأثرية الفريدة وسيناريو العرض المتحفي الذي يبرز عظمة الحضارة المصرية بأسلوب حديث ومبهر. وأعلنت وزارة السياحة أن «اليوتيوبر» العالمي خلال زيارته الحالية لمصر سيقوم بزيارة العديد من الأماكن الأثرية والسياحية، من بينها منطقة خان الخليلي.

ويرى الخبير السياحي المصري، بسام الشماع، أن «زيارة مشاهير العالم للمعالم الأثرية المصرية، ربما تمثّل فائدة مشتركة للمناطق السياحية المصرية والشخصيات التي زارتها».

وأشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «زيارة ويل سميث حين دخل الهرم، أو سبيد، ومن قبلهم مستر بيست أو الموسيقار العالمي ينّي حين جاء وعزف بجوار الهرم أو عندما جاء خوليو إيغليسياس وغنى أمام الأهرامات، أو حتى صور الأميرة ديانا أمام الأهرامات؛ تحظى باهتمام ويُعاد نشرها كل فترة، فهذه الزيارات تمنحهم ذكرى حضارية مهمة».

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه إحدى ركائز الدخل القومي، وحققت خلال العام الماضي أكثر من 19 مليون سائح، وهو رقم قياسي جديد، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.