ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

تجاوز أرسطو... وتخطى أطروحات أفلاطون في موقفه من المرأة

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء
TT

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

- أورثتِنا محبةَ الفيلسوف ابن رشد يا دكتورة...
أسعد قلبي كلام الطالبة بالجامعة المركزية بالعاصمة، كان ذلك بعد محاضرتي الأسبوعية في مادة الأدب العالمي والمقارن عن تأثير كتب ابن رشد وترجماته في تنوير العقل الإنساني وترشيده. ثم مَن غيره مِن الفلاسفة قَبلَه دافع عن المرأة بكل تلك الشجاعة والجرأة وبكل ذلك الوضوح؟
لكن لماذا كلما رغبتُ في الكتابة عن الفيلسوف والعالِم العربي أبي الوليد ابن رشد 1126 - 1198 أثيري بين الفلاسفة جميعاً، أو كلما ذهبت لكي أحاضر عنه، أو أن أتحدث في محفل ما عن هذا الذي سبق عصره في منهجه التنويري وتصوره الفلسفي العقلاني، صاحب أول موقف دفاعي عن المرأة في تاريخ الفلسفة منذ أن انطلقت شعلتها، والمصرّح بالمساواة بينها وبين الرجل، وكلما هممتُ بالحديث عنه ينتابني شعور بالزهو تارة، وشعور عميق بالذنب تارة أخرى... لماذا؟
هل من باب الشفقة على الحال الراهنة لأمّتِه التي أنتمي إليها، التي رفس حكامٌ لها نعمةَ العقل لدى ابنها، الذي كان يغرف من أنهار جديدة للوعي والعلم، فأحرقوا كتبه، وقلبه، ونفوه، وآلموه، وأهانوه، وحاولوا إخراجه من التاريخ فأخطأوا؟
ألهذا أم لغيرةٍ من أُمَم أخرى كانت تعيش وسط الظلام، فأخذت ما تبقى من كتبه وعقلانيته سنداً لها، منذ فريدريك الثاني في إيطاليا، إلى الملك لويس الحادي عشر في فرنسا وحتى اللحظة الراهنة، فخلقوا مذهباً فكرياً سموه «الرشدية اللاتينية»، وفتحوا أبواباً للنور، وشيدوا ركائز الحضارة، وطوروا النظريات السياسية والاجتماعية لديهم...؟
أم لأنه أول المدافعين عن كرامة النساء وحقوقهن، وحريتهن، وإنسانيتهن في زمن لم يكن زمن التصريح بالأفكار الجريئة ممكناً بأسماء مستعارة على «إنستغرام»؟
ربما لهذا وذاك، ولكن أغلب ظني أن السببَ شعوري الدفينُ بأنني غصنٌ من الشجرة الأولى التي أكل ابن رشد من تفاحها ليدخل الجنة، ثم أكل منه ليصْلى نار جهنم الأرضية؛ جهنم البشر، إنها شجرة الموحّدين التي أنتمي إليها. نعم، كل ما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعِهم، من خير وشر، حدث زمن الموحّدين، زمن سلالة عبد المؤمن بن علي الكومي 1094 - 1163 الذي يجمع المؤرخون على ولادته بناحية مدينة ندرومة، وهي نفسها مدينة أجدادي، فيها وُلدوا وفيها عاشوا وفيها قضوا. المدينة التي اهتم بها عبد المؤمن وبناها وشيدها، تقع في الغرب الجزائري على مقربة من مدينة تلمسان. هي ند تلمسان، ندرومة مدينة أثرية تعج بالأسر ذات الأصول الأندلسية والموريسكية جاءت لاجئة إليها بعد سقوط الأندلس، مزودة بما خف حمله وغلا قدْرُه. مدينة عريقة ما زال كل ما فيها ينضح بمعالم العلم والشعر والموسيقى الأندلسية والنسيج والتاريخ والعمران، وما زالت تتباهى بآخر منبر يعود إلى عهد المرابطين يتصدر مسجدها المسمى «الجامع الكبير»، الذي حفظتُ بين جنباته بعض آيات القرآن الكريم وأنا طفلة، على يد الشيخ سليمان أحد أعلامها ومعالمها. ندرومة أو كما يجتهد المؤرخون في تأويل تسميتها: «ندّ روما» وهي «نظر الماء»!
هكذا إذن، أشعر كأنني معنيةٌ مباشرة بما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعهم، ألسنا في زمن مفاجآت أسرار علم الأنساب الجيني؟!
عندما وُلد ابن رشد، فالأرجح أن عبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية كان في الثانية والثلاثين من عمره، وقد أصبح الخليفة الثاني خلفاً لأستاذه المهدي بن تومرت، بعد شنهما الحروب الطاحنة التي أسقطا على أثرها «دولة المرابطين»، وأقاما على أعقابها «دولة الموحدين»، التي شملت الأندلس وجزءاً كبيراً من بلدان شمال أفريقيا.
وعندما توفي عبد المؤمن بن علي بعمر الثانية والسبعين، كان ابن رشد، على الأرجح، في أوجّ عطائه في السابعة والثلاثين، فقرّبه أولاً الابن الخليفة، أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ثم الحفيد الخليفة يعقوب المنصور، من بعده وضمّاه إلى مجالسهما قبل أن تحل به نكبته.
ولا يخفى على كل متتبع للمسيرة الفريدة للعالِم والفيلسوف والطبيب ابن رشد، أن نجمه ما كان ليلمع أكثر بعد سقوط «دولة المرابطين»، لولا سياسة عبد المؤمن بن علي الكومي، ومَن تلاه من خلفاء الموحدين الذين عُرفوا بتقديرهم للعلم وإقامة المدارس العلمية، والطلب في حضور مشاهير الأساتذة، وتشجيع الفكر، والمجالس الثقافية والمناظرات الفكرية والفلسفية، فبرز علماء وفلاسفة ومفكرون منهم ابن سبعين وابن جبير وابن عربي، وابن طفيل الذي قدم ابن رشد الشاب إلى الخليفة الموحدي أبو يعقوب بن عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي كان من قبلُ حاكماً على إشبيلية في عهد أبيه، وأكثرهم شغفاً بالثقافة والعلم. قرّب أبو يعقوب يوسف ابنَ رشد إليه فأصبح مستشاره وطبيبه الخاص، ونصّبه قاضياً في قرطبة، وهو نفسه مَن طلب منه إعادة ترجمة وشرح أعمال الفيلسوف أرسطو. وبعد وفاة أبي يعقوب يوسف ظل ابن رشد قريباً من مجالس خلفه ابنه المنصور الموحّدي إلى أن هوى نجمه اللامع بطريقة مأساوية، فنفاه ونكل به وأحرق كتبه وألزمه أن يظل حبيس بيته بمراكش، ومات كئيباً منسياً ومهاناً.
لماذا كل هذا الجحود؟ يؤوّل بعض المحللين هذه الارتدادات في المواقف السياسية إلى جملة من دسائس الوشاة في البلاط، وهو ما غيّر مصير فيلسوف قرطبة، فحوّل سؤددَه إلى هاوية. ويبدو أن من الأسباب الرئيسية لنكبة فيلسوفنا التنويري، جرأته في مواقفه المختلفة والتنويرية من قضايا المرأة وحريتها، مواقف جاءت مناقضة لأغلبية المرجعيات الفلسفية والفقهية التي كانت تدرج المرأة خارج سلُّم الجنس الإنساني والدعوة إلى شيطنتها. من هنا يعتبر ابن رشد الأول في تاريخ الفكر مَن انتقد التفسيرات العامية لمفهوم الدين، التي تنتقص من القدرات العقلية للمرأة، ودعا إلى المساواة وتحرر المرأة من الهيمنة الذكورية في المجتمعات.
إن شخصيتَي ابن رشد الإنسان وابن رشد العالم لم تكونا على نقيض أو تعارض، فقد عكست أطروحاتُه الفكرية سلوكاتِه الفعلية، وفي ذلك كان على خلاف مع ما كان يمارسه معاصروه الأندلسيون من فلاسفة وشعراء وفقهاء، فلم يتزوج على زوجته سارة، وظل وفياً لها طول حياته يرعيان أولادهما.
وإذا كان أرسطو قد وصف المرأة في مؤلفه «كتاب السياسة» بأنها «طائر جميل تقتله الأقفاص»، فإن ابن رشد قد تجاوزه، وتخطى أطروحات أفلاطون صاحب كتاب «الجمهورية»، وسبق الجميع برأيه الصريح بالارتكاز على العقل، العامل الأساسي في تقدم الإنسانية بنسائها ورجالها، وبأحقية المرأة في التعلّم والوظيفة، وما حجبها عن الحياة العامة وعدم مشاركتها في تسيير شؤون المجتمع سوى إضعاف لطاقته الاجتماعية.
ويؤكد فيلسوف قرطبة قدرة عقل المرأة على خلق الأفكار، وقدرتهن الطبيعية على أن يكنّ فيلسوفات ومفكرات، وموسيقيات، ومحاربات في الجيوش، وحاكمات في السلطة العليا. ونجد في تلخيص المفكر الفرنسي إرنست رينان Ernest Renan) 1823 - 1892) لكتاب ابن رشد «جوامع سياسة أفلاطون»، الذي فُقِد أصلُه العربي، آراءه التي سبق بها - وبأزمنة طويلة - المدافعين المعاصرين عن قضية المرأة وحقها في المساواة في الوجود والتعليم والعمل والحياة. هي ذي منظومة ابن رشد الفلسفية العقلانية النقدية التي جاء بها منذ القرن الثاني عشر، فكانت القاعدة التي على أساسها غيّر الأوروبيون نظرتهم للمرأة في العصور الحديثة وبالأساس منذ زمن الأنوار، وكان مروره على هذه الأرض، بترجماته وشروحه وفكره، أثراً جلياً في مسار التاريخ الإنساني وتوجهه.
- أليس من واجب كل امرأة وكل رجل يدافع عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، الاعتراف بمرجعية ابن رشد الذي دفع مقابل ذلك حياته، وقد تنكر له يعقوب المنصور الموحّدي؟
- بلى... ونستنتج من سطوع نجم الفيلسوف العقلاني ابن رشد ثم من سقوطه المريع، أن السلطة السياسية قادرةٌ على إعلاء العقل وبناء مشروع فكري حقيقي إذا ما كانت لها الإرادة لذلك، وقادرة على إطفاء نوره إذا ما بدا لها ذلك. تراوحٌ تتحكم فيه طبيعةُ ميزان القوى الذي يجلس على كفّتيه هذا النظام السياسي أو ذاك، في هذا الزمن أو ذاك.
* كاتبة جزائرية


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
TT

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يهدف إلى ترسيخ ممارساتٍ واعية، ومسؤولة، وعادلة في توظيف التقنيات في الصناعات الإبداعية، والحد من مخاطر إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والمحافظة على أصالة الإبداع، والثقافة.

ويستهدف الدليل الإرشادي -الذي يشمل 11 قطاعاً ثقافياً- المؤسسات، والممارسين الثقافيين، ومطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومستعرضاً أبرز أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع.

كما يقدّم إرشاداتٍ تسهم في تمكين العاملين في القطاع الثقافي من مواكبة التقنيات الحديثة، وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة، وتعزيز الابتكار بما يدعم تطوره، ونموه، ورفع مستوى الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية هي: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداةً لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول للمحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها.

ويؤكد الإصدار بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية، والصياغة الفنية النهائية، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مساندةً تدعم قدرات المبدعين، مع الإفصاح عن استخدامه، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات، والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف، والملكية الفكرية.

ويتوافق الدليل مع الإرشادات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وينسجم مع توصية منظمة «الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا). كما يُعد وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في البلاد.

ويأتي الإصدار ضمن جهود الوزارة لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وترسيخ الإبداع البشري، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، والمحتوى الثقافي، والإسهام في حفظ التراث، وإدارته، بما يدعم بناء مستقبل ثقافي رقمي أكثر أماناً، وشمولاً، واستدامة، وينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
TT

مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة دولية، عن أن تغير المناخ يفرض تهديداً لا يحظى بالاهتمام الكافي على إنتاج الكاكاو، يتمثل في الأمطار الغزيرة وتوقيت هطولها، وليس الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فقط؛ ما قد يؤثر في محصول أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته.

ووجد باحثون من جامعة هارفارد الأميركية وجامعة غانا في الدراسة التي نُشرت نتائجها، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». أن أنماطاً جوية واسعة النطاق قد تجعل بعض مخاطر الأمطار الشديدة قابلة للتنبؤ قبل أشهر؛ ما يمنح مزارعي الكاكاو وقتاً لاتخاذ إجراءات تساعد على حماية الأشجار والمحاصيل.

وتعتمد أشجار الكاكاو، التي يمكن أن تعيش لعقود، على سلسلة دقيقة من المراحل لإنتاج محصول جيد، تبدأ بالإزهار والتلقيح ثم تكوين الثمار ونموها. ويمكن للأمطار القليلة جداً أو الغزيرة في التوقيت الخاطئ أن تلحق أضراراً بالمحصول وتؤثر في إنتاج الموسم بأكمله. وأوضح الباحثون أن الأمطار الغزيرة خلال الإزهار، أو التي توفر ظروفاً مواتية لانتشار الأمراض الفطرية خلال الإزهار والمراحل الأولى من نمو الثمار، قد تأثر بدرجة تأثير الجفاف نفسها.

وركز الباحثون في البداية على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو، وحللوا نحو عقدين من بيانات الإنتاج على مستوى المناطق، إلى جانب سجلات الطقس اليومية. وأظهرت النتائج أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التغيرات السنوية في إنتاج الكاكاو في غانا.

واختبر الباحثون مجموعة من العوامل المناخية، بينها متوسط هطول الأمطار، والأمطار الغزيرة، وفترات الجفاف، ورطوبة التربة، ودرجات الحرارة القصوى. وتبيَّن أن أفضل مؤشرين للتنبؤ بالتغيرات في الإنتاج هما الأمطار الشديدة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف.

وتظهر التأثيرات الأشد للأمطار في غانا بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، عندما تكون الأشجار في مرحلة الإزهار وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن، في حين قد يؤدي نقص الأمطار بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) إلى الإضرار بالمحصول أثناء استمرار نمو الثمار. كما يمكن للرطوبة وتناثر مياه الأمطار أن يساعدا في انتشار الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار.

وللتأكد من اتساع نطاق النتائج؛ حلل الباحثون بيانات من الإكوادور وإندونيسيا، وهما من كبار منتجي الكاكاو، ووجدوا نمطاً مشابهاً؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطاراً أغزر خلال مواسم الأمطار بتراجع الإنتاج. ويرى الباحثون أن فهم توقيت الأمطار الشديدة ربما يساعد المزارعين على تحسين توقيت إجراءات مكافحة الأمراض، خصوصاً مع توفر توقعات جوية مسبقة. وقد تشمل إجراءات الحماية زيادة الغطاء النباتي لحماية الأزهار من قطرات المطر الكبيرة، والإبقاء على مزيد من الأوراق المتساقطة على الأرض للحد من تناثر المياه ونقل مسببات العدوى من التربة إلى الثمار.

وحسب الفريق، ترتبط بعض أنماط الأمطار المؤثرة في المحصول بظواهر مناخية واسعة النطاق، مثل «النينيو» والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي؛ ما قد يتيح التنبؤ ببعض مواسم الخطر قبل أشهر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الأمطار ليست التحدي الوحيد؛ إذ يؤثر في إنتاج الكاكاو أيضاً تقدم عمر الأشجار، والتنقيب عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.


القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
TT

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.

المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.

ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة (فيسبوك ميراكي)

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.

وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.

من المقهى إلى المجلس

في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.

وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.

وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.

جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.

لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.

مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

«ميراكي» محاولة للجمع بين القديم والجديد (إنستغرام قهوة ميراكي)

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.

ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.

وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.

أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.

وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.

فنجان يجمع الماضي بالحاضر

تصميم مقهى «كمل ستيب» يستلهم تاريخ المكان ومواده وعادات أهله (موقع المقهى)

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.

فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended