ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

تجاوز أرسطو... وتخطى أطروحات أفلاطون في موقفه من المرأة

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء
TT

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

- أورثتِنا محبةَ الفيلسوف ابن رشد يا دكتورة...
أسعد قلبي كلام الطالبة بالجامعة المركزية بالعاصمة، كان ذلك بعد محاضرتي الأسبوعية في مادة الأدب العالمي والمقارن عن تأثير كتب ابن رشد وترجماته في تنوير العقل الإنساني وترشيده. ثم مَن غيره مِن الفلاسفة قَبلَه دافع عن المرأة بكل تلك الشجاعة والجرأة وبكل ذلك الوضوح؟
لكن لماذا كلما رغبتُ في الكتابة عن الفيلسوف والعالِم العربي أبي الوليد ابن رشد 1126 - 1198 أثيري بين الفلاسفة جميعاً، أو كلما ذهبت لكي أحاضر عنه، أو أن أتحدث في محفل ما عن هذا الذي سبق عصره في منهجه التنويري وتصوره الفلسفي العقلاني، صاحب أول موقف دفاعي عن المرأة في تاريخ الفلسفة منذ أن انطلقت شعلتها، والمصرّح بالمساواة بينها وبين الرجل، وكلما هممتُ بالحديث عنه ينتابني شعور بالزهو تارة، وشعور عميق بالذنب تارة أخرى... لماذا؟
هل من باب الشفقة على الحال الراهنة لأمّتِه التي أنتمي إليها، التي رفس حكامٌ لها نعمةَ العقل لدى ابنها، الذي كان يغرف من أنهار جديدة للوعي والعلم، فأحرقوا كتبه، وقلبه، ونفوه، وآلموه، وأهانوه، وحاولوا إخراجه من التاريخ فأخطأوا؟
ألهذا أم لغيرةٍ من أُمَم أخرى كانت تعيش وسط الظلام، فأخذت ما تبقى من كتبه وعقلانيته سنداً لها، منذ فريدريك الثاني في إيطاليا، إلى الملك لويس الحادي عشر في فرنسا وحتى اللحظة الراهنة، فخلقوا مذهباً فكرياً سموه «الرشدية اللاتينية»، وفتحوا أبواباً للنور، وشيدوا ركائز الحضارة، وطوروا النظريات السياسية والاجتماعية لديهم...؟
أم لأنه أول المدافعين عن كرامة النساء وحقوقهن، وحريتهن، وإنسانيتهن في زمن لم يكن زمن التصريح بالأفكار الجريئة ممكناً بأسماء مستعارة على «إنستغرام»؟
ربما لهذا وذاك، ولكن أغلب ظني أن السببَ شعوري الدفينُ بأنني غصنٌ من الشجرة الأولى التي أكل ابن رشد من تفاحها ليدخل الجنة، ثم أكل منه ليصْلى نار جهنم الأرضية؛ جهنم البشر، إنها شجرة الموحّدين التي أنتمي إليها. نعم، كل ما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعِهم، من خير وشر، حدث زمن الموحّدين، زمن سلالة عبد المؤمن بن علي الكومي 1094 - 1163 الذي يجمع المؤرخون على ولادته بناحية مدينة ندرومة، وهي نفسها مدينة أجدادي، فيها وُلدوا وفيها عاشوا وفيها قضوا. المدينة التي اهتم بها عبد المؤمن وبناها وشيدها، تقع في الغرب الجزائري على مقربة من مدينة تلمسان. هي ند تلمسان، ندرومة مدينة أثرية تعج بالأسر ذات الأصول الأندلسية والموريسكية جاءت لاجئة إليها بعد سقوط الأندلس، مزودة بما خف حمله وغلا قدْرُه. مدينة عريقة ما زال كل ما فيها ينضح بمعالم العلم والشعر والموسيقى الأندلسية والنسيج والتاريخ والعمران، وما زالت تتباهى بآخر منبر يعود إلى عهد المرابطين يتصدر مسجدها المسمى «الجامع الكبير»، الذي حفظتُ بين جنباته بعض آيات القرآن الكريم وأنا طفلة، على يد الشيخ سليمان أحد أعلامها ومعالمها. ندرومة أو كما يجتهد المؤرخون في تأويل تسميتها: «ندّ روما» وهي «نظر الماء»!
هكذا إذن، أشعر كأنني معنيةٌ مباشرة بما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعهم، ألسنا في زمن مفاجآت أسرار علم الأنساب الجيني؟!
عندما وُلد ابن رشد، فالأرجح أن عبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية كان في الثانية والثلاثين من عمره، وقد أصبح الخليفة الثاني خلفاً لأستاذه المهدي بن تومرت، بعد شنهما الحروب الطاحنة التي أسقطا على أثرها «دولة المرابطين»، وأقاما على أعقابها «دولة الموحدين»، التي شملت الأندلس وجزءاً كبيراً من بلدان شمال أفريقيا.
وعندما توفي عبد المؤمن بن علي بعمر الثانية والسبعين، كان ابن رشد، على الأرجح، في أوجّ عطائه في السابعة والثلاثين، فقرّبه أولاً الابن الخليفة، أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ثم الحفيد الخليفة يعقوب المنصور، من بعده وضمّاه إلى مجالسهما قبل أن تحل به نكبته.
ولا يخفى على كل متتبع للمسيرة الفريدة للعالِم والفيلسوف والطبيب ابن رشد، أن نجمه ما كان ليلمع أكثر بعد سقوط «دولة المرابطين»، لولا سياسة عبد المؤمن بن علي الكومي، ومَن تلاه من خلفاء الموحدين الذين عُرفوا بتقديرهم للعلم وإقامة المدارس العلمية، والطلب في حضور مشاهير الأساتذة، وتشجيع الفكر، والمجالس الثقافية والمناظرات الفكرية والفلسفية، فبرز علماء وفلاسفة ومفكرون منهم ابن سبعين وابن جبير وابن عربي، وابن طفيل الذي قدم ابن رشد الشاب إلى الخليفة الموحدي أبو يعقوب بن عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي كان من قبلُ حاكماً على إشبيلية في عهد أبيه، وأكثرهم شغفاً بالثقافة والعلم. قرّب أبو يعقوب يوسف ابنَ رشد إليه فأصبح مستشاره وطبيبه الخاص، ونصّبه قاضياً في قرطبة، وهو نفسه مَن طلب منه إعادة ترجمة وشرح أعمال الفيلسوف أرسطو. وبعد وفاة أبي يعقوب يوسف ظل ابن رشد قريباً من مجالس خلفه ابنه المنصور الموحّدي إلى أن هوى نجمه اللامع بطريقة مأساوية، فنفاه ونكل به وأحرق كتبه وألزمه أن يظل حبيس بيته بمراكش، ومات كئيباً منسياً ومهاناً.
لماذا كل هذا الجحود؟ يؤوّل بعض المحللين هذه الارتدادات في المواقف السياسية إلى جملة من دسائس الوشاة في البلاط، وهو ما غيّر مصير فيلسوف قرطبة، فحوّل سؤددَه إلى هاوية. ويبدو أن من الأسباب الرئيسية لنكبة فيلسوفنا التنويري، جرأته في مواقفه المختلفة والتنويرية من قضايا المرأة وحريتها، مواقف جاءت مناقضة لأغلبية المرجعيات الفلسفية والفقهية التي كانت تدرج المرأة خارج سلُّم الجنس الإنساني والدعوة إلى شيطنتها. من هنا يعتبر ابن رشد الأول في تاريخ الفكر مَن انتقد التفسيرات العامية لمفهوم الدين، التي تنتقص من القدرات العقلية للمرأة، ودعا إلى المساواة وتحرر المرأة من الهيمنة الذكورية في المجتمعات.
إن شخصيتَي ابن رشد الإنسان وابن رشد العالم لم تكونا على نقيض أو تعارض، فقد عكست أطروحاتُه الفكرية سلوكاتِه الفعلية، وفي ذلك كان على خلاف مع ما كان يمارسه معاصروه الأندلسيون من فلاسفة وشعراء وفقهاء، فلم يتزوج على زوجته سارة، وظل وفياً لها طول حياته يرعيان أولادهما.
وإذا كان أرسطو قد وصف المرأة في مؤلفه «كتاب السياسة» بأنها «طائر جميل تقتله الأقفاص»، فإن ابن رشد قد تجاوزه، وتخطى أطروحات أفلاطون صاحب كتاب «الجمهورية»، وسبق الجميع برأيه الصريح بالارتكاز على العقل، العامل الأساسي في تقدم الإنسانية بنسائها ورجالها، وبأحقية المرأة في التعلّم والوظيفة، وما حجبها عن الحياة العامة وعدم مشاركتها في تسيير شؤون المجتمع سوى إضعاف لطاقته الاجتماعية.
ويؤكد فيلسوف قرطبة قدرة عقل المرأة على خلق الأفكار، وقدرتهن الطبيعية على أن يكنّ فيلسوفات ومفكرات، وموسيقيات، ومحاربات في الجيوش، وحاكمات في السلطة العليا. ونجد في تلخيص المفكر الفرنسي إرنست رينان Ernest Renan) 1823 - 1892) لكتاب ابن رشد «جوامع سياسة أفلاطون»، الذي فُقِد أصلُه العربي، آراءه التي سبق بها - وبأزمنة طويلة - المدافعين المعاصرين عن قضية المرأة وحقها في المساواة في الوجود والتعليم والعمل والحياة. هي ذي منظومة ابن رشد الفلسفية العقلانية النقدية التي جاء بها منذ القرن الثاني عشر، فكانت القاعدة التي على أساسها غيّر الأوروبيون نظرتهم للمرأة في العصور الحديثة وبالأساس منذ زمن الأنوار، وكان مروره على هذه الأرض، بترجماته وشروحه وفكره، أثراً جلياً في مسار التاريخ الإنساني وتوجهه.
- أليس من واجب كل امرأة وكل رجل يدافع عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، الاعتراف بمرجعية ابن رشد الذي دفع مقابل ذلك حياته، وقد تنكر له يعقوب المنصور الموحّدي؟
- بلى... ونستنتج من سطوع نجم الفيلسوف العقلاني ابن رشد ثم من سقوطه المريع، أن السلطة السياسية قادرةٌ على إعلاء العقل وبناء مشروع فكري حقيقي إذا ما كانت لها الإرادة لذلك، وقادرة على إطفاء نوره إذا ما بدا لها ذلك. تراوحٌ تتحكم فيه طبيعةُ ميزان القوى الذي يجلس على كفّتيه هذا النظام السياسي أو ذاك، في هذا الزمن أو ذاك.
* كاتبة جزائرية


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
TT

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟ هذا هو السؤال الذي فجّر جدلاً واسعاً في فرنسا، مع شروعها هذا الأسبوع في رفع أسعار الدخول لغير الأوروبيين إلى متحف «اللوفر»، في خطوة أثارت نقاشاً حول ما يُعرف بـ«التسعير المزدوج»، وفق تقرير نشرته «أسوشييتد برس».

وبدءاً من الأربعاء، سيتعين على أي زائر بالغ من خارج الاتحاد الأوروبي وآيسلندا وليختنشتاين والنرويج، دفع 32 يورو (37 دولاراً) لدخول متحف «اللوفر»، أي بزيادة قدرها 45 في المائة، فيما سيرفع قصر فرساي أسعاره بـ3 يوروهات.

وسيكون الأميركيون والبريطانيون والصينيون، وهم من بين أكثر الزوار الأجانب عدداً، من أبرز المتأثرين بهذه الزيادة، إلى جانب سياح قادمين من دول أفقر.

ولا توجد لهذه الخطوة الفرنسية سوابق كثيرة في أوروبا، لكنها أكثر شيوعاً في الدول النامية، حيث تختلف الرسوم في مواقع مثل ماتشو بيتشو في بيرو، أو تاج محل في الهند.

وندّدت نقابات العاملين في متحف «اللوفر» بالسياسة الجديدة، ووصفتها بأنها «صادمة على الصعيد الفلسفي والاجتماعي والإنساني»، ودعت إلى الإضراب احتجاجاً على هذا القرار، إلى جانب سلسلة من مطالب أخرى.

وتقول النقابات إن المجموعة الضخمة للمتحف، التي تضم نحو 500 ألف قطعة، من بينها أعمال كثيرة من مصر والشرق الأوسط أو أفريقيا، تحمل قيمة إنسانية عالمية.

وبينما ترفض النقابات مبدأ التسعير التمييزي من حيث المبدأ، فإنها تبدي أيضاً قلقاً لأسباب عملية، إذ سيُطلب من الموظفين التحقق من أوراق هوية الزوار.

وشبّه الأكاديمي الفرنسي باتريك بونسيه هذه الخطوة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي رفعت إدارته تكلفة زيارة السياح الأجانب للمتنزهات الوطنية الأميركية بمقدار 100 دولار بدءاً من 1 يناير (كانون الثاني).

وكتب بونسيه في صحيفة «لوموند» الشهر الماضي، أن السياسة الفرنسية «تعكس عودة النزعة القومية الصريحة، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم».

«لسنا وحدنا من يدفع»

وتشمل زيادات الرسوم أيضاً مواقع سياحية فرنسية أخرى مملوكة للدولة، من بينها قصر شامبور في منطقة وادي اللوار، ودار الأوبرا الوطنية في باريس.

وبررت الحكومة هذه الزيادات بأسباب مالية، في إطار سعيها إلى جمع ما بين 20 و30 مليون يورو سنوياً، في وقت تتعرض فيه لضغوط لتعزيز الإيرادات وخفض الإنفاق.

وسيُخصص جزء من هذه الأموال لتمويل خطة ضخمة لتجديد متحف «اللوفر»، أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي.

وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو مليار يورو، وقد وصفت النقابات وبعض نقاد الفن الخطة بأنها مُهدِرة للمال.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن حالة متحف اللوفر سيئة، خصوصاً بعد تسرب مياه حديث، ومشكلات هيكلية، وسرقة جريئة في وضح النهار وقعت في أكتوبر (تشرين الأول)، ما زاد من حدة القلق.

وقالت وزيرة الثقافة رشيدة داتي في نهاية عام 2024، عند إعلانها زيادات الأسعار: «أريد أن يدفع الزوار من خارج الاتحاد الأوروبي ثمناً أعلى لتذاكر الدخول، وأن تُخصص هذه الزيادة لتمويل تجديد تراثنا الوطني».

وأضافت: «ليس من المفترض أن يتحمل الفرنسيون وحدهم كل التكاليف».

استثناء أوروبي

ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الخروج عن الأعراف الأوروبية من جانب الدولة الأكثر زيارة في القارة، سيدفع وجهات ثقافية أخرى إلى اعتماد النهج نفسه، أم لا.

ويُعدّ التسعير على أساس العمر أمراً شائعاً في أوروبا، إذ يُسمح لمن هم دون 18 عاماً بالدخول المجاني في مواقع مثل «الأكروبوليس» في أثينا، ومتحف «برادو» في مدريد، أو «الكولوسيوم» في روما، تشجيعاً لهم على الزيارة.

وسيظل متحف «اللوفر» مجانياً للقاصرين من جميع الدول، وللأوروبيين دون 26 عاماً.

وتوفر وجهات أخرى؛ مثل قصر «الدوجي» في البندقية، دخولاً مجانياً لسكان المدينة.

وتنتهج بريطانيا منذ زمن سياسة الإتاحة المجانية الشاملة للمجموعات الدائمة في متاحفها ومعارضها الوطنية.

لكن المدير السابق للمتحف البريطاني، مارك جونز، أيّد فرض رسوم في أحد آخر حواراته قبل مغادرته المنصب، وقال لصحيفة «صنداي تايمز» عام 2024: «سيكون من المنطقي أن نفرض رسوماً على الزوار القادمين من الخارج».

وأثار الاقتراح نقاشاً واسعاً، لكنه لم يُعتمد.

وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، عارضت وحدة السياسات الثقافية، وهي مركز أبحاث بريطاني معني بالمتاحف، هذا التوجه لأسباب عملية وفلسفية على حد سواء.

وخلص التقرير إلى أن الخطوة ستؤدي إلى تقليص أعداد الزوار، وإطالة أوقات الانتظار، وتقويض سياسة قائمة منذ قرون.

وأضاف: «تحتفظ بريطانيا بمجموعاتها الوطنية للعالم بأسره، لا لسكانها فقط».


إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة
TT

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية، وتحذيرها من أن التحركات الرامية إلى حظر الاحتجاجات بعد حادث إطلاق النار الجماعي في سيدني تهدد حرية التعبير.

وقالت لويز أدلر، وهي ابنة أبوين من الناجين من المحرقة، اليوم الثلاثاء إنها استقالت من منصبها بمهرجان أسبوع اديليد للكتاب المقرر في فبراير (شباط) بعد قرار مجلس إدارة المهرجان إلغاء دعوة كاتبة أسترالية من أصل فلسطيني.

وقالت الروائية، والأكاديمية ‌الفلسطينية راندا عبد الفتاح ‌إن الإجراء «عمل مخزٍ وصارخ من العنصرية ‌المعادية ⁠للفلسطينيين ​ومن الرقابة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن ‌رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي اليوم (الثلاثاء) عن يوم حداد وطني في 22 يناير (كانون الثاني) لإحياء ذكرى مقتل 15 شخصاً في إطلاق نار الشهر الماضي خلال احتفال يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وتقول الشرطة إن المسلحين المزعومين استلهما هجومهما من تنظيم «داعش» المتشدد. وأثار الحادث دعوات على مستوى البلاد للتصدي لمعاداة السامية، وتحركات حكومية على مستوى ⁠الولايات، والحكومة الاتحادية لتشديد قوانين خطاب الكراهية.

وأعلن مجلس إدارة المهرجان اليوم (الثلاثاء) أن ‌قراره في الأسبوع الماضي إلغاء دعوة راندا عبد الفتاح ‍باعتبار أن ظهورها في الفعالية الأدبية «بعد فترة وجيزة من حادثة بونداي» لا يراعي الحساسيات الثقافية، ‍جاء «احتراماً لمجتمع يعاني من ألم جراء هذه الكارثة». وأضاف المجلس في بيان «لكن القرار أدى إلى مزيد من الانقسام، ولذا نتقدم بخالص اعتذارنا».

وقال المجلس إن المهرجان لن يقام، وإن أعضاء مجلس الإدارة المتبقين سيتنحون عن ​مناصبهم.

وذكرت وسائل الإعلام الأسترالية أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي ليت، ⁠والأميركي الحائز على جائزة بوليتزر بيرسيفال إيفرت، ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، من بين المؤلفين الذين قالوا إنهم لن يشاركوا في المهرجان الذي سيقام في ولاية جنوب أستراليا الشهر المقبل.

واعتذر مجلس إدارة المهرجان اليوم الثلاثاء لراندا عبد الفتاح عن «الطريقة التي تم بها عرض القرار».

وجاء في البيان «لا يتعلق الأمر بالهوية، أو المعارضة، بل بتحول سريع ومستمر في الخطاب الوطني حول مدى حرية التعبير في أمتنا في أعقاب أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ أستراليا».

وكانت أدلر قد كتبت في صحيفة «غارديان» في وقت سابق أن قرار المجلس «يضعف حرية ‌التعبير وينذر بأمة أقل حرية، حيث تحدد جماعات الضغط والضغوط السياسية من يحق له التحدث، ومن لا يحق له ذلك».


ميلانيا ترمب إن حكَت... وثائقي يواكب يومياتها واعداً بلقطات حصريّة ومحادثات خاصة

TT

ميلانيا ترمب إن حكَت... وثائقي يواكب يومياتها واعداً بلقطات حصريّة ومحادثات خاصة

تطل ميلانيا ترمب في فيلم وثائقي يواكبها في الـ20 يوماً التي سبقت حفل تنصيب زوجها (أ.ف.ب)
تطل ميلانيا ترمب في فيلم وثائقي يواكبها في الـ20 يوماً التي سبقت حفل تنصيب زوجها (أ.ف.ب)

قليلةٌ هي أَوجُه الشبَه بين السيدة الأميركية الأولى وزوجها دونالد ترمب. وتتّضح التناقضات أكثر عندما يتعلّق الأمر بالكلام، فهو يُكثر منه كلّما سنحت الفرصة، أما هي فقليلاً ما يسمع الرأي العام الأميركي لها صوتاً. ميلانيا ترمب قليلة الكلام، ومقلّةٌ في الظهور، لا سيّما خلال الولاية الرئاسية الأولى لزوجها.

لكنّ الزمن الأوّل تحوّل، وقد فرضت ميلانيا على نفسها أو أنّ زوجها وفريقَه هم الذين فرضوا عليها تحوّلاتٍ جذريّة خلال الولاية الثانية. منذ سنة، وحتى اليوم، صارت جزءاً أساسياً من الصورة الرئاسية. تبتسم أكثر، وتبدو ودودة مع زوجها في إطلالاتهما معاً، على خلاف ما كان يصدر عنها من تصرّفات نافرة تجاهه خلال ولايته الأولى.

تحوّلات جذريّة في التصرّفات ولغة الجسد لدى ميلانيا ترمب خلال ولاية زوجها الثانية (أ.ف.ب)

أما مفاجأة الموسم الثاني من عهد ترمب، فوثائقيٌّ بطلتُه ميلانيا ينطلق عرضه على منصة «أمازون برايم» وفي بعض صالات السينما الأميركية ابتداءً من 30 يناير (كانون الثاني)، تزامناً مع احتفال ترمب بمرور عامٍ على دخوله الثاني إلى البيت الأبيض. وللمفارقة، فإنّ العرض الرسميّ الأول سيكون في «مركز كيندي الثقافي» الذي أضيف اسمُ ترمب إليه قبل أيام، في ظلّ سخطٍ كبير وسط الفنانين، والمثقفين الأميركيين.

يحمل الفيلم اسم «ميلانيا»، مدّته 104 دقائق، وهو يوثّق يوميات السيدة الأولى خلال الأيام الـ20 التي سبقت حفل التنصيب الثاني لترمب. في الفيديو الترويجي القصير الذي وزّعته ستوديوهات «أمازون»، تطلّ ترمب معتمرةً قبّعتها الشهيرة قائلةً وهي تدخل مبنى الكابيتول في يوم التنصيب: «Here we go again» (ها نحن نُعيد الكَرّة)، في إشارةٍ إلى انطلاقة عهدٍ جديد في مسيرة زوجها الرئاسية.

وفي لقطةٍ تتعمّد إظهار ميلانيا على أنها صاحبة رأي في دائرة القرار، تدخل إلى إحدى قاعات البيت الأبيض حيث يتدرّب الرئيس على خطابٍ سيلقيه، وتجلس جانباً مراقبةً إياه. وعندما يعرّف عن نفسه في الكلمة بوصفه «صانع سلام»، تسمح لنفسها بمقاطعته معلّقةً: «صانع سلام، وموَحِّد».

في مشهدٍ آخر لا تبدو فيه على القدْرِ ذاته من الاطّلاع، والاكتراث، تتحدّث على الهاتف مع الرئيس ترمب مقدّمةً له التهاني بلكنتها الروسية. يردّ عليها سائلاً: «هل تسنّى لك المشاهدة؟»، فتجيب: «كلا لم أفعل. سأشاهده في الأخبار».

لم تتخلّ ميلانيا ترمب يوماً عن لكنتها الروسية وهي أصلاً من سلوفينيا (أ.ف.ب)

وفق المشاهد السريعة التي ضمّها الفيديو الترويجي، فإنّ الوثائقيّ يتنقّل بين البيت الأبيض، والشقة العائلية الفخمة في «برج ترمب» في نيويورك، والمقرّ الصيفي الشاسع في مارالاغو–فلوريدا. وإلى جانب مواكبته اللصيقة لأنشطة ميلانيا ترمب وتحرّكاتها وحواراتها الصحافية، يخصص الفيلم مساحة كذلك لبارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي، وأعزّ شخص في حياة السيدة الأولى. فمن المعروف عنها تعلّقها الكبير بابنها الوحيد، وقضاؤها معظم وقتها إلى جانبه.

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)

ميلانيا ترمب هي المنتجة المنفّذة للوثائقي، ولها بالتالي اليد الطولى في المحتوى، والكلمة الفصل حول كل ما سيُعرض على الشاشة. وقد خرجت السيدة الأميركية الأولى رابحة من المشروع، ليس لأنها نجمته فحسب، بل لأنّ قيمة العقد بينها وبين شركة «أمازون» المنتجة بلغت 40 مليون دولار. وقد فازت «أمازون» بالصفقة بعد منافسة مع كلٍ من «ديزني» و«باراماونت بيكتشرز» على إنتاج العمل، وحصريّة بثّه.

في تعليقٍ لها جرى توزيعه، قالت ميلانيا إن الفيلم المقبل «عمل فريد من نوعه، يوثّق 20 يوماً من حياتي قبل التنصيب... أياماً تحوّلتُ خلالها من مواطنة عادية إلى سيدة أولى، واستعددت للموازنة بين أعمالي التجارية، وتلك الخيرية، وبناء فريقي في الجناح الشرقي، وموظفي البيت الأبيض، وبالطبع رعاية عائلتي».

من جانبها، دعت منصة «أمازون» المشاهدين للدخول إلى «عالم ميلانيا ترمب وهي تُدير خطط التنصيب، وتُواجه تعقيدات انتقال السلطة في البيت الأبيض، وتعود إلى الحياة العامة مع عائلتها». وأفاد الاستوديو بامتلاكه «لقطات حصرية لاجتماعات بالغة الأهمية، ومحادثات خاصة».

لقطة من وثائقي «ميلانيا» تجمعها بزوجها دونالد ترمب (أمازون برايم)

من بين بعض النقاط الجدليّة في الفيلم الوثائقي، أنه من إخراج بريت راتنر الذي غاب عن الساحة الهوليوودية منذ 2017 بعد اتهاماتٍ بالتحرّش وجّهت إليه من قبل عددٍ من الممثلات المعروفات، مثل أوليفيا مون، وناتاشا هنستريدج. وقبل أسابيع، خرجت من بين ملفّات قضية جيفري إبستين صورة مثيرة لعلامات الاستفهام، تجمع راتنر بأحد أشهر شركاء إبستين، جان لوك برونيل.

تعليقاً على الفيلم المرتقب، لفتت شبكة «سي إن إن» الأميركية إلى أنه يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة حول العلاقة بين الرئيس والسيدة الأولى. لكنها في المقابل، شبّهت العمل بالنافذة التي نادراً ما تُفتَح على «إحدى أكثر مستشارات ترمب الموثوقات».

ميلانيا ترمب في حفل تنصيب زوجها مطلع 2025 (رويترز)

لكن إلى أي مدى أصابت «سي إن إن» في التوصيف؟ وهل لآراء ميلانيا أهمية فعلاً بالنسبة إلى دونالد ترمب، أم أن الأمر مجرّد فصل آخر من الحملة الترويجية لعهده الثاني؟

أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يو غوف» الأميركية للأبحاث والدراسات في فبراير (شباط) 2025 أن ميلانيا ترمب هي عاشرة الشخصيات الأكثر تأثيراً على الرئيس الأميركي. سبقَها ترتيباً نائب رئيس فريق موظّفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، والمدّعي العام الأميركي بام بوندي. وقد احتلّ إيلون ماسك صدارة القائمة حينذاك، قبل أن يُستبعد عن دائرة القرار في وقتٍ لاحق.

ميلانيا من بين أكثر الشخصيات تأثيراً على دونالد ترمب وفق استطلاع لـYouGov (أ.ب)

أما مَن واكبوا عن كثب زيارة ترمب إلى المملكة المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، فقد لمسوا تأثير ميلانيا على زوجها، وفق ما نقلت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية. ويتركّز ذلك التأثير على الملفَّين الفلسطيني، والأوكراني، حيث تحدّث ترمب مراراً عن امتداد تعاطف زوجته مع أطفال غزة إليه. أما في الشأن الروسي، فهي غالباً ما تشكّك أمامه في نوايا فلاديمير بوتين في إنهاء الحرب على أوكرانيا، وقد وجدت تلك الآراء صدىً في أذن ترمب ومواقفه.

إلا أنّ محللين أميركيين يقرأون في تلك المسايرة السياسية، استراتيجيةً من قِبَل ترمب لاستمالة الناخبات الأميركيات اللواتي لا يستسغن عادةً مواقفه المتسمة بالذكورية، والخشونة.