فارس يواكيم... شاهد على عصره وحكواتي كبير لم يأخذ حقه

عرّب «الشونسونية» وكتب ما يربو على 30 مسرحية 3 منها لصباح

مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
TT

فارس يواكيم... شاهد على عصره وحكواتي كبير لم يأخذ حقه

مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر

الحوار مع فارس يواكيم، متعة. فهو موسوعي الاهتمامات، عاش في بلدان عدة، وأبدع في الكتابة للإذاعة والتلفزيون والمسرح، كأنه يرى فيها وحدة متكاملة، كما عمل في الصحافة والإخراج والترجمة، وكان مديراً لإذاعة ألمانيا الناطقة بالعربية (DW). صديق لأسماء لامعة، سمحت له ذاكرته المتوقدة، أن تبقى صور تلك اللحظات حيّة في ذهنه، وقادراً على استحضارها. في جعبته أسرار وحكايات، بدأ بكتابتها مخصصاً للشخصيات التي واكبها والأحداث التي عاشها، صفحات مثيرة. كما أنه يحضّر كتاباً عن شوشو سيكشف حقائق تغيّر الصورة النمطية التي عرفت عنه، فضلاً عن كتاب يضمّ أجمل المسرحيات التي كتبها له.
كتب يواكيم أكثر من 30 مسرحية، بينها 12 لشوشو مثل «أخ يا بلدنا» و«خيمة الكركوز»، و«زوجة الفرّان» التي قبل أن تقدم للجمهور، توفي شوشو واحترق المسرح، و3 مسرحيات لصباح وهي: «العواصف» و«الفنون جنون» و«الأسطورة». كما كتب سبعة أفلام روائية، مصرية وشامية، قام بتمثيلها محمود ياسين ونيللي وعمر خورشيد وشوشو ودريد لحام ونهاد قلعي وغيرهم، منها «سيدتي الجميلة» و«عندما تغيب الزوجات» و«عشاق» و«فندق السعادة». إضافة إلى المسلسلات العربية والخليجية، وبرامج الأطفال، وأشهرها «افتح يا سمسم» الذي تربى عليه جيل بأكمله.
يقول عن شوشو الذي كتب له غالبية مسرحياته، «وُلد مسرحه بعدما طرده الفنان محمد شامل، مكتشفه، من برنامجه التلفزيوني حين تزوج ابنته رغماً عن إرادته، فصار صعلوكاً بلا عمل». عرض على صاحب سينما «شهرزاد»، أن يحوّل الصالة إلى مسرح، فوافق بعدما درس جدوى المشروع. وكان شوشو بحاجة إلى مال ليبدأ التنفيذ. أقرضه صديقه وجيه رضوان، الصحافي والإذاعي، مبلغاً ووعده أن يدعمه. «شوشو لا يعرف كيف يشغّل مسرحاً، فوجد الشخص المناسب لذلك: نزار ميقاتي الذي كان مخرجاً كبيراً بالإذاعة اللبنانية. ميقاتي رتّب المكان واختار العناصر التمثيلية وهيأ المسرح وسماه (المسرح الوطني). اختلف الرجلان بعد ذلك، وقد وقع نوع من الغيرة بينهما. الناس كانت تأتي لتتفرج على شوشو، والعامة لا تعرف أسماء المخرج أو المؤلف، وأحياناً لا يعنيهم اسم المسرحية، فالمتفرج يبحث عن النجم». لاحقاً صار اسم المسرح «مسرح شوشو». استقلّ نزار ميقاتي وأصبح مدير البرامج في الإذاعة، وشكّل فرقة مسرحية: «لكن الجمهور لم يأت بعدد كاف، إنه معتاد على البطل الشعبي».

فارس يواكيم

يصف يواكيم، شوشو، بأنه «كان جباراً على المسرح، ضعيفاً أمام الكاميرا. يحتاج لسماع تصفيق الجمهور وضحكاته لكي يسلطن ويجود».
كانت فرقة «السيغال» في بيروت تقدّم عروض «الشونسونية»، أو ما يُسمّى «مسرح القوّالين»، أي مشاهد نقدية سياسية كوميدية. بدأته سيدة المجتمع إيفيت سرسق، بمشاهد باللغة الفرنسية، ثم انضم وسيم طبارة إلى فرقتها فأصبحت معظم الاسكتشات بالعربية وقليلها بالفرنسية. ولما صار فارس يواكيم كاتب العروض، صارت كلها بالعربية. وقد لقي هذا اللون من العروض المسرحية إقبالاً كبيراً، وكانت الرقابة تجيز له ما لا تجيزه لغيره. ومؤخراً نشر يواكيم على صفحته الفيسبوكية صورة لفيروز وهي تضحك أثناء حضورها واحدة من مسرحياته. يقول عنها: «كانت حريصة على حضور مسرح الشونسونية عند إيفيت سرسق. هي سيدة تحب الضحك كثيراً». أثناء الحرب، لجأ كثير من الفنانين اللبنانيين إلى الشام، ومن بينهم يواكيم. «قدمنا عروضاً مشابهة في حلب، وكان البرنامج يكتمل بعدنا بوصلة غناء يقدمها إيلي شويري. ذات ليلة طُلب إلينا أن يتغيّر البرنامج، فتقدم فرقة الشونسونية عرضها بعد الثانية عشرة. وعرفنا السبب عندما جاءت فيروز بعد منتصف الليل، وبرفقتها الأخوان رحباني وهدى حداد ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي. فهمنا أنها طلبت تأخير موعد عرضنا كي يتسنى لها مشاهدته، بعدما تنهي حفلاً لها في قلعة حلب».
أما صباح «فعندها ترمومتر لا يخطئ. تعرف ما هي الأغنية التي ستضرب». حين سألها عن الأغنية التي تعتقد أنها ستروج في مسرحية «العواصف» التي كتبها لها يواكيم، أجابته «أخذوا الريح وأخذوا الليل»، وهذا بالفعل ما حصل. وفي «الفنون جنون» عرفت مسبقاً أن أغنية «زي العسل» لبليغ حمدي ستحتلّ الصدارة، برغم وجود أغانٍ أخرى رائعة مثل «ع الصورة» لفريد الأطرش. وفي «الأسطورة» توقّعت أن تنال أغنية «حِبّْ مرتك وبس» القدر الأكبر من الإعجاب. يعلق: «خبرتها طويلة ورهيبة، ولها أكثر من ألفي أغنية. فنانة شديدة الانضباط، تصل إلى البروفة قبل الجميع، ولا تتدخل أبداً في عمل الآخرين».
لكن يواكيم يقول «هربت من العمل مع صباح بعد (الأسطورة) بسبب فادي لبنان. لأنه يريد أن يعمل مخرجاً وملحناً وممثلاً ويرقص الدبكة. وهو يجيد الدبكة فقط. زعلت مني، لأنه كان زوجها آنذاك». يحزن لما آلت إليه حال صباح، بعدما كانت تملك عمارة تسكن فيها أيضاً مي عريضة، وهنري بركات. خسرتها ولجأت إلى فندق. «امرأة لا أكرم منها وقلب ولا أطيب».
أما شوشو فكان يحب الارتجال ويتقنه. حتى أثناء الكتابة، يطلب إضافات أو تغييرات. «كان يحب أن ينال الحصة الكبرى من ضحك الجمهور. لكنه يرضى أن يتولى الممثلات والممثلون الإضحاك ما دام هو غائباً عن الخشبة. وفي حال حضوره يسمح لهم بذلك أيضاً، شرط أن يبقى هو المتفوق».
يروي فارس يواكيم عن التعديلات في المسرحية خلال عروضها، أن «مسرحيات شكسبير التي نقرأها اليوم، هي النسخة الأخيرة من العروض التي كانت تقدم على المسرح. عند العرض يكتشف الفنانون والكاتب، من ردّ فعل الجمهور، مواطن الضعف، فيعملون على استدراكها».
ربطت فارس يواكيم أيضاً صداقة بالشاعر نزار قباني. وفي عام 1976 أقام نزار أمسية شعرية في دمشق جاء لحضورها نحو عشرة آلاف شخص، والقاعة تتسع لألف فقط. ظلّت الحشود في الخارج، فتزاحمت وتدافعت. «قرر نزار في أمسيته اللاحقة في حلب، وقد اصطحبني معه، أن يقيم الأمسية في ملعب لكرة القدم. كان شيئاً مذهلاً. لم أكن قد رأيت في حياتي أمسية شعرية يحضرها عشرون ألفاً». عند الثامنة مساء، أضيئت الأنوار مع دخول نزار، فأطلّ شامخاً أمام الجمهور المتحمس. «كان جريئاً. قرأ قصيدة (الخطاب) وفيها (كنت بعد الظهر في المقهى/ وكان المخبرون كالجراثيم/ على كلّ الفناجين وفي كل الصحون). وكان مثل هؤلاء موجوداً وسط الجمهور!».
ولد فارس يواكيم بالإسكندرية عام 1945، وعاد إلى بلده لبنان عام 1967 بعد تخرّجه في «المعهد العالي للسينما» بالقاهرة. «أدركت أنني مع المنافسة الكبيرة في مصر لن أجد فرصتي. عدت إلى بلدي وقد شحّت الأعمال السينمائية في القاهرة، وصار نجومها يأتون للعمل في لبنان بعد النكسة. سدّت في وجهي أبواب الإخراج، كلما عرضت على مُنتِج مشروعاً قال لي اكتب، نحتاج إلى سيناريوهات».
أفاد كثيراً من صحبة النجوم والمشاهير ونهل من تجاربهم، وعرف كثيرين بحكم عمله. ذات يوم في دمشق التقى عمر الشريف في فندق «ميريديان». «كنت أعرفه. واستفدت من تلك الفرصة وسألته: الشائع بين الناس أن أصولك تعود إلى زحلة، فما هي الحقيقة؟ فأجابني: أصل عائلتي، عائلة شلهوب، من هنا. الخبر من مصدر موثوق، ومع ذلك تعبتُ وأنا أشرح أن عائلة شلهوب دمشقية، وكان منها وزراء ونواب، وتنتمي إلى الروم الكاثوليك، أما شلهوب زحلة فموارنة». ومن الذين ثمة لغط حول أصولهم عبد السلام النابلسي. عائلته فلسطينية الجذور، ونزح أهله إلى عكار شمال لبنان حيث ولد، وذهب إلى مصر شاباً. «أرسله والده ليتعلم في الأزهر وأعطاه رسالة إلى خليل مطران ليعتني به، فطلب من الشاعر أن يقدّمه إلى الممثل الشهير جورج أبيض، وهكذا أصبح ممثلاً». وربما لا يعرف كثيرون أن النابلسي ضليع جداً بالفصحى ويجيد الفرنسية. أعطاه جورج أبيض دوراً تراجيدياً، وحين دخل إلى المسرح، صار المتفرجون يضحكون، فغضب منه أبيض لاعتقاده أنه يهرّج في مسرحية تراجيدية، لكنه أقسم له أنه نفّذ الدور كما طلب منه، غير أن الناس كانوا يضحكون بمجرد رؤيته.
عمل يواكيم في صحف عديدة في بداية حياته المهنية، قبل أن يبزغ نجمه في تلفزيون لبنان، عندما كتب برنامجه الأول «سهرة من الماضي». يروي أنه التقى المذيعة المصرية اللامعة ليلى رستم، وطلبت منه فكرة لبرنامج، وعرضتها على مدير التلفزيون فوافق، ونجح البرنامج واستمر عرضه لأكثر من سنتين في 52 حلقة. «كان جاري الأديب بولس سلامة، مقعداً بعد أن خضع لكثير من العمليات الجراحية. وكان يعرف نصف لبنان تقريباً. وحين كنتُ أحضّر حلقة جديدة من البرنامج، أتلقى منه تفاصيل عديدة عن ضيف الحلقة المقبلة. كنت أجمع المعلومات عن الضيف من الذين عرفوه، ومن الأرشيف». ويكمل: «حين ذهبنا نصوّر في المختارة تحضيراً لحلقة كمال جنبلاط، أخبرني أحد أهالي البلدة أن جنبلاط يكتب شعراً بالفرنسية. حين سألته حاول أن يتهرّب، لكنه أحضر حقيبة تشبه شنطة المدرسة فيها أوراق مكتوب عليها قصائد بالفرنسية. اختار إحداها وطلب مني أن أنسخها. رفضت، لأنني أريد أن أعرضها بخطه على التلفزيون، فنسخها بخط يده وأعطاني النسخة. وتذكّر أن قسماً من المشاهدين لا يعرف الفرنسية، فطلب ترجمتها إلى العربية لترافق النص الفرنسي».
بعد سنتين، أعد برنامجاً جديداً بعنوان «حديث الناس» لتقدمه ليلى رستم، يستعرض أحداث الأسبوع. ضيف الحلقة الأولى كان غسان تويني، حضر إلى الاستوديو قبل موعد البث بنصف ساعة، وبدأ يراجع الأسئلة مع ليلى رستم، وإذا بمكالمة من القصر الجمهوري تفيد بأن الرئيس سليمان فرنجية لا يريد أن يتحدث غسان في التلفزيون. حاول تويني الاتصال بالقصر الجمهوري لمعرفة السبب، دون جدوى. ونشر التفاصيل في اليوم التالي في جريدته «النهار». وبعد موافقة وزارة الإعلام، كانت علياء الصلح ضيفة الحلقة الثانية. «رغم أننا شرحنا لها ما نتعرض له من صعوبات، حين طُرح عليها السؤال البريء: هل كانت تحضر جلسات البرلمان أيام كان والدها رياض الصلح رئيساً للحكومة؟ قالت: (طبعاً. لكنه كان مجلساً نيابياً بامتياز، وليس كما هو الآن زريبة لأولاد العيل). لحظتها عرفت أنه قضي الأمر، وقلت للعاملين معي: العوض بسلامتكم. وفعلاً توقف البرنامج».
تنقل فارس يواكيم في أكثر من سبع مدن قبل استقراره في ألمانيا، حيث أصبح مديراً للقسم العربي من الإذاعة الألمانية. ألف كتباً ذات مضامين بحثية طريفة، من بينها «حكايات الأغاني» و«ظلال الأرز في وادي النيل» و«الإسلام في شعر المسيحيين» و«الأسراب الشامية في السماء المصرية». وهو مترجم أيضاً نقل عن الفرنسية والألمانية، عدة كتب بينها «الإسكندرية سراب» تأليف يواخيم سارتوريوس، و«عنف الديكتاتورية» لستيفان زفايغ. فهل أعطي يواكيم حقه فعلاً، في لبنان والعالم العربي؟
حين نسأله عن سرّ هذه الغزارة مع التنوع، يجيب: «أكتب كل يوم. أخبرني نجيب محفوظ ذات مرة، أنه يكتب دون انقطاع، وحين لا يأتيه الإلهام، يرد على الرسائل. وقد فعلت مثله. رأس مالي أمران: الذاكرة، والسرعة في التنفيذ».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

TT

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)
الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)

كان على العرب أن ينتظروا ثلاثة عقودٍ حتى يبصروا أول أثرٍ لهم في محفل «الأوسكار». فجوائز «الأكاديمية» التي انطلق توزيعها عام 1929، لم تفتح بابها لفيلمٍ عربي إلا في 1959. لكن ذلك الباب بقي موارباً، فـ«باب الحديد» ليوسف شاهين لم يصل حتى إلى القائمة النهائية للترشيح، رغم اختياره رسمياً من قِبَل مصر للتنافس عن فئة أفضل فيلم أجنبي، إلا أن الفيلم المصري الأيقونة، الذي أدّى بطولته شاهين نفسه إلى جانب هند رستم وفريد شوقي، سجّل اسمَه كأول عملٍ سينمائي عربي يُطرح للتأهّل إلى «الأوسكار».





عمر الشريف... أول المرشّحين العرب

أما الترشيح الرسمي الأول لـ«الأوسكار» فجاء من نصيب مصر عام 1963، القلب النابض للسينما العربية آنذاك ومُصَدّرة المواهب إلى هوليوود. كان الفيلم من إنتاجٍ أميركي - بريطاني، لكنّ أحد أبطاله كان النجم المصري الصاعد عمر الشريف الذي يُعَدّ أول فنان عربي يجري ترشيحه لـ«الأوسكار». عن شخصية «شريف علي» في فيلم «لورنس العرب»، ترشّح الشريف إلى جائزة أفضل ممثل بدور مساعد، إلا أنه لم يَفُز بها.

الممثل عمر الشريف في فيلم «لورنس العرب» عام 1962 (كولومبيا بيكتشرز)

«زد»... الجزائر تفوز بأول «أوسكار»

بدءاً من سنة 1967 عرفت الجزائر حقبةً ذهبية في احتفاليات «الأوسكار». كان الترشيح الأول لفيلم «معركة الجزائر» الذي يروي كفاح الشعب الجزائري خلال فترة الانتداب الفرنسي. تنافسَ الفيلم عن 3 فئات هي: أفضل فيلم أجنبي، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو، من دون أن يفوز في أيٍّ منها، إلا أنّ عام 1970 جاء ليعوّض الخسارة ويسجّل الفوز الأول لفيلمٍ عربي بجائزة «الأوسكار». حصل فيلم «زِد» ذو الإنتاج الجزائري - الفرنسي المشترك على جائزتَي أفضل فيلم أجنبي وأفضل مونتاج، مع العلم أنّ الفيلم الناطق بالفرنسية روى حادثة اغتيال السياسي اليوناني غريغوريس لامبراكيس، وهو من إخراج اليوناني كوستا غافراس.

كان التعاون السينمائي الجزائري - الفرنسي في أوجه في تلك الآونة، وقد تكرر الوصول إلى نهائيات «الأوسكار» عام 1984 مع فيلم «الحفل الراقص»، الذي ترشّح عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

مزيد من الأفلام العربية المرشّحة

وسط الإنجازات الجزائرية، حلّ الفيلم الأسطوري «الرسالة» مرشّحاً على «الأوسكار» عام 1977. الفيلم الملحمي الذي يغوص في تاريخ الإسلام، وذو الإنتاج العربي المشترك، أخذ مُنتجَه ومُخرجَه السوري مصطفى العقّاد إلى المنبر السينمائي الأبرز. جرى ترشيح «الرسالة» لـ«أوسكار أفضل موسيقى تصويرية» من تأليف موريس جار، لكنه لم يحصل على الجائزة.





لم تكن التسعينيات فترةً مثمرة على صعيد المشارَكات العربية في استحقاق «الأوسكار»، فاقتصرت على ترشيح وثائقي «نيران الكويت» عام 1993. ركّز الوثائقي على الجهود الدولية لإطفاء النيران المشتعلة في حقول النفط في الكويت إبّان حرب الخليج. أما الترشيح الثاني فكان جزائرياً من جديد، وذلك من خلال فيلم «غبار الحياة» عام 1996. لم يَفُز بـ«أوسكار أفضل فيلم أجنبي»، إلا أنه مهّد الطريق للمخرج رشيد بوشارب لمشوارٍ طويل على هذا المنبر السينمائي الدولي.

2006... فلسطين تدخل هوليوود

شهد «أوسكار 2006» إنجازاً مزدوجاً للسينما الفلسطينية؛ أولاً بترشيح أول فيلم من فلسطين لـ«الأوسكار»، وثانياً بالاعتراف غير المباشر بدولة فلسطين في هوليوود، وذلك بعد سجالٍ طويل داخل «الأكاديمية». دخل المخرج هاني أبو أسعد مع فيلمه «الجنّة الآن» إلى قائمة المرشّحين عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويروي الفيلم قصة آخر 48 ساعة في حياة شابَّين فلسطينيين يستعدان للقيام بعملية انتحارية في إسرائيل. لم يَفُز الفيلم، إلا أنه وضع الحجر الأساس للسينما الفلسطينية في «الأوسكار».





رقم قياسي لرشيد بوشارب

بعد 11 سنة على ترشيح فيلمه الأول، عاد المخرج الجزائري رشيد بوشارب إلى «الأوسكار» عام 2007 مع «أيام المجد»، لكنه تلك المرة أيضاً لم يحقق الفوز عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

كرر بوشارب المحاولة في 2011 في ترشيحٍ ثالث عن فيلم «خارج القانون»، لينال بذلك ثالث ترشيحاته لـ«الأوسكار»، وهو رقم قياسي.

من بين تجارب الترشيح التي تكررت كذلك، عودة المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد عام 2014 مع فيلم «عُمَر» عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

المخرجان الجزائري رشيد بوشارب والفلسطيني هاني أبو أسعد ترشحت أفلامهما أكثر من مرة لـ«الأوسكار» (أ.ف.ب - رويترز)

عودة مصر... ودخول الأردن وموريتانيا

شهدَ عام 2014 عودة مصر إلى «الأوسكار» من خلال ترشيح فيلم «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم عن فئة أفضل وثائقي. ويوثّق الفيلم لثورة 25 يناير (كانون الثاني) من زاوية ميدان التحرير. وفي العام التالي، حققت موريتانيا إنجازها السينمائي الأكبر، بدخول فيلم «تمبكتو» للمخرج عبد الرحمن سيساكو إلى السباق عن فئة أفضل فيلم أجنبي من دون تحقيق الفوز.

كانت سنة 2016 مفصليّة بالنسبة للسينما الأردنية؛ إذ أخذها فيلم «ذيب» إلى العالمية. عن فئة أفضل فيلم أجنبي، ترشّح «ذيب» لمخرجه ناجي أبو نوّار. الفيلم التاريخي الذي استعان بالبدو الأصليين ليروي حقبة حكم السلطنة العثمانية للمنطقة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، شكّل نقلة نوعية للسينما الأردنية.





إنجازات لبنانية وسورية

ضربت السينما اللبنانية موعدها الأول مع «الأوسكار» عام 2018، منافِسةً على جائزة أفضل فيلم أجنبي بـ«قضية رقم 23» للمخرج زياد دويري. ورغم عدم فوزه، فإنّ الفيلم كان فاتحة خير؛ إذ تلاه في العام التالي ترشيح فيلم «كفرناحوم» للمخرجة اللبنانية نادين لبكي عن الفئة ذاتها.

وفي العام نفسه الذي دخل فيه لبنان على خطّ هوليوود، كانت سوريا تحقّق إنجازها الأول مع وثائقي «آخر الرجال في حلب» للمخرج فراس فياض.





«أوسكار» لمصر... من رامي مالك

ما لم يحققه عمر الشريف عام 1963، حققه رامي مالك في 2019. فاز الممثل المصري - الأميركي بـ«أوسكار أفضل ممثل» عن أدائه شخصية مغنّي فريق «كوين» فريدي ميركوري في الفيلم الأميركي «بوهيميان رابسودي»، ليصبح بذلك أول فنان مصري وعربي يفوز عن هذه الفئة في تاريخ «الأوسكار».

الممثل المصري - الأميركي رامي مالك أول فنان عربي يفوز بـ«أوسكار» (رويترز)

في انتظار «الأوسكار» الرابع

كانت سنة 2020 مثمرة بالنسبة للسينما السورية التي حجزت لنفسها مقعدَين على قائمة الأفلام المرشحة لـ«أوسكار أفضل فيلم وثائقي». شكّل «الكهف» الترشيح الثاني للمخرج فراس فياض، أما «من أجل سما» الذي أخرجته السورية وعد الخطيب والبريطاني إدوارد واتس، فوثّق هو الآخر للحكايات الإنسانية على هامش الحرب في سوريا.

عام 2021، فُتح باب «الأوسكار» أخيراً أمام السينما التونسية وأمام إحدى رائداتها المخرجة كوثر بن هنيّة. افتتحت بن هنية مشوارها «الأوسكاري» الطويل بترشيح فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ولم تكد تمضِ 3 سنوات حتى عادت مع وثائقي «بنات ألفة». وفي تعادلٍ مع زميلها الجزائري رشيد بوشارب، ها هي بن هنيّة تعود في 2026 إلى «الأوسكار» للمرة الثالثة مع «صوت هند رجب»؛ الفيلم الذي يروي الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية العالقة في السيارة وسط النيران الإسرائيلية في غزة، والذي خطف الأنفاس في المسابقات السينمائية الدولية.

المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة والترشيح الثالث لـ«الأوسكار» (رويترز)

تُعلّق فلسطين وتونس وسائر الدول العربية آمالها على هذا الفيلم، ليحقّق إنجازاً عربياً جديداً على منبر «الأوسكار»، ويكرر ما صنعه وثائقي «لا أرض أخرى» عام 2025، عندما رفع صوت فلسطين عالياً، حاصداً «أوسكار أفضل فيلم وثائقي»، ومُحققاً أول فوز فلسطيني في هذه الجائزة العالمية.


متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».