فارس يواكيم... شاهد على عصره وحكواتي كبير لم يأخذ حقه

عرّب «الشونسونية» وكتب ما يربو على 30 مسرحية 3 منها لصباح

مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
TT

فارس يواكيم... شاهد على عصره وحكواتي كبير لم يأخذ حقه

مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر
مع نزار قباني وبينهما ليلى رستم وهدباء ابنة الشاعر

الحوار مع فارس يواكيم، متعة. فهو موسوعي الاهتمامات، عاش في بلدان عدة، وأبدع في الكتابة للإذاعة والتلفزيون والمسرح، كأنه يرى فيها وحدة متكاملة، كما عمل في الصحافة والإخراج والترجمة، وكان مديراً لإذاعة ألمانيا الناطقة بالعربية (DW). صديق لأسماء لامعة، سمحت له ذاكرته المتوقدة، أن تبقى صور تلك اللحظات حيّة في ذهنه، وقادراً على استحضارها. في جعبته أسرار وحكايات، بدأ بكتابتها مخصصاً للشخصيات التي واكبها والأحداث التي عاشها، صفحات مثيرة. كما أنه يحضّر كتاباً عن شوشو سيكشف حقائق تغيّر الصورة النمطية التي عرفت عنه، فضلاً عن كتاب يضمّ أجمل المسرحيات التي كتبها له.
كتب يواكيم أكثر من 30 مسرحية، بينها 12 لشوشو مثل «أخ يا بلدنا» و«خيمة الكركوز»، و«زوجة الفرّان» التي قبل أن تقدم للجمهور، توفي شوشو واحترق المسرح، و3 مسرحيات لصباح وهي: «العواصف» و«الفنون جنون» و«الأسطورة». كما كتب سبعة أفلام روائية، مصرية وشامية، قام بتمثيلها محمود ياسين ونيللي وعمر خورشيد وشوشو ودريد لحام ونهاد قلعي وغيرهم، منها «سيدتي الجميلة» و«عندما تغيب الزوجات» و«عشاق» و«فندق السعادة». إضافة إلى المسلسلات العربية والخليجية، وبرامج الأطفال، وأشهرها «افتح يا سمسم» الذي تربى عليه جيل بأكمله.
يقول عن شوشو الذي كتب له غالبية مسرحياته، «وُلد مسرحه بعدما طرده الفنان محمد شامل، مكتشفه، من برنامجه التلفزيوني حين تزوج ابنته رغماً عن إرادته، فصار صعلوكاً بلا عمل». عرض على صاحب سينما «شهرزاد»، أن يحوّل الصالة إلى مسرح، فوافق بعدما درس جدوى المشروع. وكان شوشو بحاجة إلى مال ليبدأ التنفيذ. أقرضه صديقه وجيه رضوان، الصحافي والإذاعي، مبلغاً ووعده أن يدعمه. «شوشو لا يعرف كيف يشغّل مسرحاً، فوجد الشخص المناسب لذلك: نزار ميقاتي الذي كان مخرجاً كبيراً بالإذاعة اللبنانية. ميقاتي رتّب المكان واختار العناصر التمثيلية وهيأ المسرح وسماه (المسرح الوطني). اختلف الرجلان بعد ذلك، وقد وقع نوع من الغيرة بينهما. الناس كانت تأتي لتتفرج على شوشو، والعامة لا تعرف أسماء المخرج أو المؤلف، وأحياناً لا يعنيهم اسم المسرحية، فالمتفرج يبحث عن النجم». لاحقاً صار اسم المسرح «مسرح شوشو». استقلّ نزار ميقاتي وأصبح مدير البرامج في الإذاعة، وشكّل فرقة مسرحية: «لكن الجمهور لم يأت بعدد كاف، إنه معتاد على البطل الشعبي».

فارس يواكيم

يصف يواكيم، شوشو، بأنه «كان جباراً على المسرح، ضعيفاً أمام الكاميرا. يحتاج لسماع تصفيق الجمهور وضحكاته لكي يسلطن ويجود».
كانت فرقة «السيغال» في بيروت تقدّم عروض «الشونسونية»، أو ما يُسمّى «مسرح القوّالين»، أي مشاهد نقدية سياسية كوميدية. بدأته سيدة المجتمع إيفيت سرسق، بمشاهد باللغة الفرنسية، ثم انضم وسيم طبارة إلى فرقتها فأصبحت معظم الاسكتشات بالعربية وقليلها بالفرنسية. ولما صار فارس يواكيم كاتب العروض، صارت كلها بالعربية. وقد لقي هذا اللون من العروض المسرحية إقبالاً كبيراً، وكانت الرقابة تجيز له ما لا تجيزه لغيره. ومؤخراً نشر يواكيم على صفحته الفيسبوكية صورة لفيروز وهي تضحك أثناء حضورها واحدة من مسرحياته. يقول عنها: «كانت حريصة على حضور مسرح الشونسونية عند إيفيت سرسق. هي سيدة تحب الضحك كثيراً». أثناء الحرب، لجأ كثير من الفنانين اللبنانيين إلى الشام، ومن بينهم يواكيم. «قدمنا عروضاً مشابهة في حلب، وكان البرنامج يكتمل بعدنا بوصلة غناء يقدمها إيلي شويري. ذات ليلة طُلب إلينا أن يتغيّر البرنامج، فتقدم فرقة الشونسونية عرضها بعد الثانية عشرة. وعرفنا السبب عندما جاءت فيروز بعد منتصف الليل، وبرفقتها الأخوان رحباني وهدى حداد ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي. فهمنا أنها طلبت تأخير موعد عرضنا كي يتسنى لها مشاهدته، بعدما تنهي حفلاً لها في قلعة حلب».
أما صباح «فعندها ترمومتر لا يخطئ. تعرف ما هي الأغنية التي ستضرب». حين سألها عن الأغنية التي تعتقد أنها ستروج في مسرحية «العواصف» التي كتبها لها يواكيم، أجابته «أخذوا الريح وأخذوا الليل»، وهذا بالفعل ما حصل. وفي «الفنون جنون» عرفت مسبقاً أن أغنية «زي العسل» لبليغ حمدي ستحتلّ الصدارة، برغم وجود أغانٍ أخرى رائعة مثل «ع الصورة» لفريد الأطرش. وفي «الأسطورة» توقّعت أن تنال أغنية «حِبّْ مرتك وبس» القدر الأكبر من الإعجاب. يعلق: «خبرتها طويلة ورهيبة، ولها أكثر من ألفي أغنية. فنانة شديدة الانضباط، تصل إلى البروفة قبل الجميع، ولا تتدخل أبداً في عمل الآخرين».
لكن يواكيم يقول «هربت من العمل مع صباح بعد (الأسطورة) بسبب فادي لبنان. لأنه يريد أن يعمل مخرجاً وملحناً وممثلاً ويرقص الدبكة. وهو يجيد الدبكة فقط. زعلت مني، لأنه كان زوجها آنذاك». يحزن لما آلت إليه حال صباح، بعدما كانت تملك عمارة تسكن فيها أيضاً مي عريضة، وهنري بركات. خسرتها ولجأت إلى فندق. «امرأة لا أكرم منها وقلب ولا أطيب».
أما شوشو فكان يحب الارتجال ويتقنه. حتى أثناء الكتابة، يطلب إضافات أو تغييرات. «كان يحب أن ينال الحصة الكبرى من ضحك الجمهور. لكنه يرضى أن يتولى الممثلات والممثلون الإضحاك ما دام هو غائباً عن الخشبة. وفي حال حضوره يسمح لهم بذلك أيضاً، شرط أن يبقى هو المتفوق».
يروي فارس يواكيم عن التعديلات في المسرحية خلال عروضها، أن «مسرحيات شكسبير التي نقرأها اليوم، هي النسخة الأخيرة من العروض التي كانت تقدم على المسرح. عند العرض يكتشف الفنانون والكاتب، من ردّ فعل الجمهور، مواطن الضعف، فيعملون على استدراكها».
ربطت فارس يواكيم أيضاً صداقة بالشاعر نزار قباني. وفي عام 1976 أقام نزار أمسية شعرية في دمشق جاء لحضورها نحو عشرة آلاف شخص، والقاعة تتسع لألف فقط. ظلّت الحشود في الخارج، فتزاحمت وتدافعت. «قرر نزار في أمسيته اللاحقة في حلب، وقد اصطحبني معه، أن يقيم الأمسية في ملعب لكرة القدم. كان شيئاً مذهلاً. لم أكن قد رأيت في حياتي أمسية شعرية يحضرها عشرون ألفاً». عند الثامنة مساء، أضيئت الأنوار مع دخول نزار، فأطلّ شامخاً أمام الجمهور المتحمس. «كان جريئاً. قرأ قصيدة (الخطاب) وفيها (كنت بعد الظهر في المقهى/ وكان المخبرون كالجراثيم/ على كلّ الفناجين وفي كل الصحون). وكان مثل هؤلاء موجوداً وسط الجمهور!».
ولد فارس يواكيم بالإسكندرية عام 1945، وعاد إلى بلده لبنان عام 1967 بعد تخرّجه في «المعهد العالي للسينما» بالقاهرة. «أدركت أنني مع المنافسة الكبيرة في مصر لن أجد فرصتي. عدت إلى بلدي وقد شحّت الأعمال السينمائية في القاهرة، وصار نجومها يأتون للعمل في لبنان بعد النكسة. سدّت في وجهي أبواب الإخراج، كلما عرضت على مُنتِج مشروعاً قال لي اكتب، نحتاج إلى سيناريوهات».
أفاد كثيراً من صحبة النجوم والمشاهير ونهل من تجاربهم، وعرف كثيرين بحكم عمله. ذات يوم في دمشق التقى عمر الشريف في فندق «ميريديان». «كنت أعرفه. واستفدت من تلك الفرصة وسألته: الشائع بين الناس أن أصولك تعود إلى زحلة، فما هي الحقيقة؟ فأجابني: أصل عائلتي، عائلة شلهوب، من هنا. الخبر من مصدر موثوق، ومع ذلك تعبتُ وأنا أشرح أن عائلة شلهوب دمشقية، وكان منها وزراء ونواب، وتنتمي إلى الروم الكاثوليك، أما شلهوب زحلة فموارنة». ومن الذين ثمة لغط حول أصولهم عبد السلام النابلسي. عائلته فلسطينية الجذور، ونزح أهله إلى عكار شمال لبنان حيث ولد، وذهب إلى مصر شاباً. «أرسله والده ليتعلم في الأزهر وأعطاه رسالة إلى خليل مطران ليعتني به، فطلب من الشاعر أن يقدّمه إلى الممثل الشهير جورج أبيض، وهكذا أصبح ممثلاً». وربما لا يعرف كثيرون أن النابلسي ضليع جداً بالفصحى ويجيد الفرنسية. أعطاه جورج أبيض دوراً تراجيدياً، وحين دخل إلى المسرح، صار المتفرجون يضحكون، فغضب منه أبيض لاعتقاده أنه يهرّج في مسرحية تراجيدية، لكنه أقسم له أنه نفّذ الدور كما طلب منه، غير أن الناس كانوا يضحكون بمجرد رؤيته.
عمل يواكيم في صحف عديدة في بداية حياته المهنية، قبل أن يبزغ نجمه في تلفزيون لبنان، عندما كتب برنامجه الأول «سهرة من الماضي». يروي أنه التقى المذيعة المصرية اللامعة ليلى رستم، وطلبت منه فكرة لبرنامج، وعرضتها على مدير التلفزيون فوافق، ونجح البرنامج واستمر عرضه لأكثر من سنتين في 52 حلقة. «كان جاري الأديب بولس سلامة، مقعداً بعد أن خضع لكثير من العمليات الجراحية. وكان يعرف نصف لبنان تقريباً. وحين كنتُ أحضّر حلقة جديدة من البرنامج، أتلقى منه تفاصيل عديدة عن ضيف الحلقة المقبلة. كنت أجمع المعلومات عن الضيف من الذين عرفوه، ومن الأرشيف». ويكمل: «حين ذهبنا نصوّر في المختارة تحضيراً لحلقة كمال جنبلاط، أخبرني أحد أهالي البلدة أن جنبلاط يكتب شعراً بالفرنسية. حين سألته حاول أن يتهرّب، لكنه أحضر حقيبة تشبه شنطة المدرسة فيها أوراق مكتوب عليها قصائد بالفرنسية. اختار إحداها وطلب مني أن أنسخها. رفضت، لأنني أريد أن أعرضها بخطه على التلفزيون، فنسخها بخط يده وأعطاني النسخة. وتذكّر أن قسماً من المشاهدين لا يعرف الفرنسية، فطلب ترجمتها إلى العربية لترافق النص الفرنسي».
بعد سنتين، أعد برنامجاً جديداً بعنوان «حديث الناس» لتقدمه ليلى رستم، يستعرض أحداث الأسبوع. ضيف الحلقة الأولى كان غسان تويني، حضر إلى الاستوديو قبل موعد البث بنصف ساعة، وبدأ يراجع الأسئلة مع ليلى رستم، وإذا بمكالمة من القصر الجمهوري تفيد بأن الرئيس سليمان فرنجية لا يريد أن يتحدث غسان في التلفزيون. حاول تويني الاتصال بالقصر الجمهوري لمعرفة السبب، دون جدوى. ونشر التفاصيل في اليوم التالي في جريدته «النهار». وبعد موافقة وزارة الإعلام، كانت علياء الصلح ضيفة الحلقة الثانية. «رغم أننا شرحنا لها ما نتعرض له من صعوبات، حين طُرح عليها السؤال البريء: هل كانت تحضر جلسات البرلمان أيام كان والدها رياض الصلح رئيساً للحكومة؟ قالت: (طبعاً. لكنه كان مجلساً نيابياً بامتياز، وليس كما هو الآن زريبة لأولاد العيل). لحظتها عرفت أنه قضي الأمر، وقلت للعاملين معي: العوض بسلامتكم. وفعلاً توقف البرنامج».
تنقل فارس يواكيم في أكثر من سبع مدن قبل استقراره في ألمانيا، حيث أصبح مديراً للقسم العربي من الإذاعة الألمانية. ألف كتباً ذات مضامين بحثية طريفة، من بينها «حكايات الأغاني» و«ظلال الأرز في وادي النيل» و«الإسلام في شعر المسيحيين» و«الأسراب الشامية في السماء المصرية». وهو مترجم أيضاً نقل عن الفرنسية والألمانية، عدة كتب بينها «الإسكندرية سراب» تأليف يواخيم سارتوريوس، و«عنف الديكتاتورية» لستيفان زفايغ. فهل أعطي يواكيم حقه فعلاً، في لبنان والعالم العربي؟
حين نسأله عن سرّ هذه الغزارة مع التنوع، يجيب: «أكتب كل يوم. أخبرني نجيب محفوظ ذات مرة، أنه يكتب دون انقطاع، وحين لا يأتيه الإلهام، يرد على الرسائل. وقد فعلت مثله. رأس مالي أمران: الذاكرة، والسرعة في التنفيذ».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
TT

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

كلّما انضمّ طبق جديد إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، يكون الأمر بمثابة احتفاءٍ ليس بنكهة الطبق فحسب، بل بمكوّناته وبطريقة تحضيره واستهلاكه وبقيمته الثقافية والمجتمعية. لذلك فإنّ الكُشَري المصري المنضمّ حديثاً إلى قائمة المنظّمة العالمية هو أكثر من مجرّد خليطٍ من المكرونة، والأرز، والعدس، والبصل المقلي، والحمّص، و«الشطّة». فبالنسبة إلى اليونيسكو، ترمز هذه الأكلة الشعبية المصرية الشهيرة إلى مصر بمختلف أطيافها ومناطقها، وقد استحقّت، عن جدارة، دخول القائمة التي تضمّ أكثر من 50 طبقاً تقليدياً من حول العالم.

الكُشَري المصري بخلطته المميزة (بكسلز)

الكُشَري العالمي

الكُشري العابر للمحافظات وحتى للحدود المصرية، سلَكَ طريقه إلى العالمية بفعل ميزاته المتعددة التي جعلته أحد رموز الثقافة المصريّة، يعود إلى نهايات القرن الـ19، وقد جرى تناقله عبر الأجيال. الطبق غير مكلِّف وهو بمتناول الجميع، من ربّات المنازل، مروراً بعربيّات الكشري المنتشرة في أحياء القاهرة، وصولاً إلى المطاعم الفخمة التي أضافته إلى قوائم طعامها.

لكنّ الكُشَري ليس الطبق العربي الأول الذي جرى إدراجه على قائمة اليونيسكو. فما الأطباق العربية التي تحوّلت إلى رموز لبلادها؟

الكُشَري المصري طبق شعبي جامع وعابر للمناطق والمستويات والثقافات (رويترز)

المنقوشة... سفيرة الأكل اللبناني

في كل حيّ من أحياء لبنان، وفي كل زاوية وكل شارع يُطالعُك «فرن مناقيش». وكأنّ المنقوشة من عُمرِ البلد، لا يكتمل الصباح دون رائحتها. المؤكّد أن فطيرة الزعتر المستديرة تلك، تخطّت شهرتها الوطن الصغير ودخلت قائمة اليونيسكو للتراث غير المادي في عام 2023.

شعبيّتها، ورائحتُها الزكيّة، ونكهتُها الشهية، كلّها عناصر منحتها جواز سفر إلى العالمية. وهي مثل الكُشري المصري، تُعَدُّ غذاءً شعبياً غير مكلف، وعابراً للطبقات الاجتماعية. أما الفرق بينهما فهو أن الكُشري يُحضّر داخل المنزل وخارجه، في حين يكاد يقتصر تحضير المنقوشة في لبنان على الأفران. ولبعض تلك الأفران حكايات توارثتها أجيال حفاظاً على تراث المنقوشة.

إضافةً إلى خليط الزعتر والسمّاق والسمسم والزيت المرافق الأشهر لعجينة المنقوشة، تنتشر نكهات أخرى مثل الجبنة، والكشك، واللبنة. وغالباً ما تُضاف الخضر كالطماطم والخيار والنعناع إليها.

المنقوشة اللبنانية نجمة الفطور دخلت قائمة اليونيسكو عام 2023 (الشرق الأوسط)

الهريس... نجم المطبخ الخليجي

في عام 2023 كذلك، انضمّ الهريس الخليجي إلى قائمة اليونيسكو التراثية الثقافية. الطبق المنتشر في عدد من الدول الخليجية؛ وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، جرى اختياره من قِبل المنظّمة العالمية بعد تقييم المعارف، والمهارات، والممارسات المحيطة بإعداده.

والهريس طبق تقليدي يُحضَّر من القمح واللحم والسمن، ويُطهى بكميات كبيرة نظراً للجهد المطلوب في إعداده. يُعدّ جزءاً أساسياً من المناسبات العائلية والأعياد، ورمزاً للضيافة والكرم وتعزيز الروابط الاجتماعية.

تنتقل مهاراته ومعارفه عبر الأجيال، كما يُدرَّس في المؤسسات التعليمية. وقد جرى اختياره؛ ليس لقيمته الغذائية ورمزيّته الوطنية فحسب، بل لأنه جزء أساسي في دعم زراعة القمح.

الهريس... قمح ولحم وسمن وتقاليد متجذّرة في المجتمع الخليجي (ويكيبيديا)

المنسف الأردني... أكثر من أكلة

كل مَن زار الأردن، حتماً لم يغادرها دون أن يتذوّق المَنسف، إنه الطبق الأول في المملكة، ويُعدّ تحضيره تقليداً تراثياً، ما دفع به في عام 2022 إلى قائمة اليونيسكو. ولدى اختياره من قِبل المنظّمة الثقافية العالمية، جرى الأخذ في الحسبان مكانته المركزية في المناسبات بالأردن، وكونه تجسيداً للشعور العميق بالانتماء الاجتماعي. كما أنه يرتبط بنمط الحياة الزراعية الرعوية، حيث تتوفر اللحوم ومنتجات الألبان بكثرة.

ولتحضير المنسف، تُسلق قِطع كبيرة من لحم الضأن أو الماعز مع التوابل في صلصة اللبن، وتُقدَّم مع الأرز، أو أحياناً البرغل، فوق طبقة من الخبز الرقيق. يُعد تحضير المنسف بحد ذاته مناسبة اجتماعية يتخلّلها الغناء وسرد الحكايات.

المنسف أشهر الأطباق الأردنية على الإطلاق (الشرق الأوسط)

الهريسة التونسية

في عام 2022، أضافت اليونيسكو إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي الهريسة التونسية، وهي توابل مصنوعة من معجون الفلفل الحار. تُعَدّ الهريسة جزءاً أساسياً من المؤن المنزلية والتقاليد الغذائية اليومية للمجتمع التونسي. عادةً ما تُحضّرها النساء في أجواء عائلية احتفالية مع الأصدقاء والجيران.

تقضي التقاليد والموروثات بألّا يُزرع الفلفل الخاص بالهريسة، خلال فترات معينة تُعد مشؤومة. أما التحضير فيبدأ بتجفيف الفلفل الحار تحت أشعة الشمس، ثم يُشقّ ويُزال ساقه وبذوره. وبعد ذلك، يُغسل ويُطحن ويُتبّل بالملح والثوم والكزبرة. تُحفظ الهريسة في أوانٍ زجاجية أو فخارية لاستخدامها لاحقاً.

تُنقل المعارف والمهارات المتعلقة بزراعة الفلفل الحار وبصناعة الهريسة بين مجتمعات المزارعين، أو من خلال مدارس ومعاهد الزراعة التونسية.

الهريسة أو معجون الفلفل الأحمر الحار التونسي (بيكساباي)

الكسكس... إرث عابر للأجيال

توضح أمينة اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي أنّ نجوم القائمة ليست الأطباق بحدّ ذاتها، بل الممارسات الثقافية المرتبطة بها والمتوارثة عبر الأجيال، كأساليب الزراعة والتحضير والاستهلاك. وهكذا هي الحال بالنسبة إلى الكسكس، الذي انضمّ إلى القائمة سفيرٍاً للمطابخ: التونسي والمغربي والجزائري في عام 2020.

ووفق اليونيسكو، فإنّ للكسكس طقوسه التي تجعل منه طبقاً فريداً. يبدأ ذلك بزراعة الحبوب، ثم تُطحن البذور للحصول على سميد يُرقّق يدوياً، ويُطهى على البخار، ثم يُسلق. ترتبط هذه الممارسات بمجموعة من الأدوات والأواني الخاصة ذات الصناعة الحِرفيّة. يُقدّم الطبق مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم، وفقاً للمنطقة والموسم والمناسبة. الكسكس طبق غني بالرموز والمعاني والأبعاد الاجتماعية والثقافية، وكلها مرتبطة بالألفة ومشاركة الطعام والترابط.

يُقدَّم الكسكس مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم (بيكساباي)

قهوة وتمر

إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي أضيفت القهوة العربية، وهي رمز من رموز حسن الضيافة والكرَم، وكذلك نخيل التمر وما يتصل به من معارف ومهارات وتقاليد وقيمة غذائية واقتصادية.

الجدير بالذكر أن اليونسكو في طور إعداد أطلس دولي للأغذية، ومنصة رقمية لحماية وتعزيز ونقل تقاليد الغذاء إلى الأجيال المقبلة. يهدف هذا المشروع، المموَّل من المملكة العربية السعودية، إلى إبراز تنوّع ممارسات الغذاء كتراث حي، وربطها بالتنمية المستدامة، ومن المتوقع إطلاقه بحلول نهاية عام 2026.


دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
TT

دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»

تزامناً مع الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يوافق 8 مارس (آذار) من كل عام، وشهرها العالمي الذي يواكب هذا الشهر أيضاً، تُبرز دراما رمضان المصرية قضايا نسائية شائكة، تُسلط الضوء على المعاناة التي تواجهها في حياتها، منذ طفولتها وحتى تصبح زوجة وأماً وامرأة تحاول إثبات وجودها في المجتمع، طارحة أزمات مجتمعية قد تدفع بالمرأة لجرائم ترتكبها تحت وطأة ظروف قاسية، ليقتص منها القانون، وتاركة للمُشاهد الحكم في النهاية.

ولفت مسلسل «حكاية نرجس» الأنظار بقضيته المقتبسة من قصة حقيقية لامرأة تعيش بالإسكندرية (شمال مصر)، تؤدي دورها الفنانة ريهام عبد الغفور، بأداء لفت الأنظار من الحلقة الأولى، وحاز إشادات نقدية وإعجاب الجمهور عبر مواقع «السوشيال ميديا»؛ إذ تعاني «نرجس» من عدم القدرة على الإنجاب، ويعيّرها الجميع، بمن فيهم أسرتها وزوجها الذي يتزوج بأخرى، لكنها تتمسك بالانفصال عنه، وحين تتزوج بآخر يحذره زوجها الأول من أنها لا تنجب، وتلجأ لحيلة لإيهام زوجها الثاني بأنها سليمة، وتتحول من القوة إلى الضعف وتخبر أسرة زوجها أنها حامل، ويكون عليها تدبير طفل بأي طريقة، فتنزلق لسلسلة من الأكاذيب والجرائم في محاولة يائسة لتحقيق استقرار تحلم به، لتواجه مصيراً لم تتوقعه. المسلسل فكرة وإخراج سامح علاء، وسيناريو وحوار عمار صبري.

ريهام عبد الغفور لفتت الأنظار في «حكاية نرجس»

وسلط مسلسل «توابع» الضوء على قضايا إنسانية مهمة، مثل قضايا التحرش والعنف ضد المرأة، من خلال بطلته «شهيرة خطاب» التي تؤدي دورها ريهام حجاج، والتي تعمل مؤثرة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وتكتشف مرض طفلها بمرض نادر، وتواجه صراعات نفسية عميقة ترتبط بماضيها. وقدمت الحلقة الأخيرة للمسلسل دعماً للمرأة في مواجهة العنف الأسري والتحرش، من خلال التنويه بالخط الساخن لمكتب شكاوى المرأة للإبلاغ عن أي حالات في الواقع. والعمل من تأليف محمد ناير، وإخراج يحيى إسماعيل.

وفي مسلسل «الست موناليزا» تبددت أوهام بطلته القادمة للقاهرة لأول مرة، أملاً في زواج يحقق لها الاستقرار، لكنها تُصدم من واقع فُرض عليها ويعرضها للسجن، قبل أن تنجح في التصدي لكل هذه المؤامرات وتستعيد نفسها في النهاية.

روجينا وخالد كمال في مسلسل «حد أقصى» (الشركة المتحدة)

كما تناول مسلسل «حد أقصى» أزمة امرأة تتعرض للغدر؛ إذ تنقلب حياة بطلته «صباح» التي أدت دورها الفنانة روجينا، حين تكتشف وجود مبلغ ضخم في حسابها ليزج بها في دهاليز غسل الأموال، في الوقت الذي تفاجأ بغدر الزوج، لتخوض رحلة قاسية لإثبات براءتها والإيقاع بأفراد العصابة.

ويطرح مسلسل «روج أسود» قصصاً مستوحاة من الواقع لنساء يلتقين داخل محكمة الأسرة ويعانين مشكلات في حياتهن الزوجية والعائلية، عبر قضايا متعددة تتجاوز الخيانة والانفصال إلى قضايا اجتماعية أكثر عمقاً. وهو من بطولة رانيا يوسف، ولقاء الخميسي، ومي سليم، وفرح الزاهد، ومن تأليف أيمن سليم، وإخراج محمد عبد الرحمن حماقي.

ريهام حجاج قدمت مسلسل «توابع»

وتلفت الناقدة صفاء الليثي إلى أن الاهتمام بقضايا الطلاق في دراما رمضان لا يركز على الجانب النسوي فحسب، بل يهتم بمنظور الرجل أيضاً، على غرار مسلسلَي «كان ياما كان»، و«أب ولكن»، واللذين يشيران إلى نتائج تدخل الأسر في حياة الأزواج، وتؤكد هذه الأعمال في النهاية أن الطلاق لن يكون في صالح الابنة بشكل خاص، مشيرة إلى أن الأخ كان دوماً سنداً لشقيقته، لكنه يظهر في أكثر من عمل مثل «علي كلاي» و«حد أقصى» و«اتنين غيرنا»، ضد أخته، ويكون أكثر قسوة عليها من الأب نفسه، ولافتة إلى أن «تكرار ظاهرة (الأخ النذل) يؤكد أن بها تلامساً مع الواقع»، وفق تعبيرها.

وتضيف الليثي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية أكثر قسوة حين تكون المرأة عاقراً؛ إذ يعاملها الجميع كما لو كانت هي المسؤولة عن ذلك، وهو أمر يحدث في مجتمعاتنا الشرقية في الواقع، ويكشف تناقضاً شديداً».

مي عمر في «الست موناليزا»

وتؤكد الكاتبة عزة كامل أن الدراما في السنوات الأخيرة اهتمت بالتركيز على أزمات الاضطهاد والتمييز ضد المرأة وتسلط الرجل، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الدرامي بما يحققه من إمتاع بصري وفني يكون له تأثيره الكبير بشكل أو بآخر على المجتمع، مثلما حدث في فيلمَي «أريد حلاً»، و«جعلوني مجرماً»، واللذين تسببا في تغيير قوانين، وحتى بعيداً عن القوانين يمكنه أن يؤثر في الجمهور نفسه، وفق قولها.

وتشير إلى أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية شائكة لمجتمع يوصم دائماً المرأة التي لا تنجب، ولا تحصل على قيمتها الاجتماعية إلا إذا أنجبت ولداً، وهذا موجود للأسف في الواقع، ومن المهم أن تتصدى الدراما له».


«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
TT

«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)

يحيي العالم في 8 مارس (آذار) من كل عام اليوم الدولي للمرأة، وهي مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات النساء في مختلف المجالات، إلى جانب تجديد الدعوات لتعزيز المساواة في الحقوق والفرص.

واعترفت الأمم المتحدة رسمياً بهذه المناسبة عام 1977، لتصبح منذ ذلك الحين محطة سنوية لتسليط الضوء على التقدم الذي أحرزته النساء حول العالم، وكذلك التحديات التي لا تزال قائمة، لا سيما في مجالات العمل والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية.

ويأتي إحياء المناسبة في عام 2026، الذي يصادف مرور 115 عاماً على انطلاقها عالمياً، في وقت تشهد فيه مدن عدة حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بالمساواة في الحقوق وضمان تطبيقها بصورة كاملة.

عرض أزياء تاريخي بعنوان «3 قرون من الموضة» خلال احتفالات اليوم الدولي للمرأة في سان بطرسبورغ بروسيا (إ.ب.أ)

ويُحتفى باليوم الدولي للمرأة هذا العام تحت شعار «الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات»، في دعوة إلى اتخاذ خطوات حاسمة لتفكيك العوائق التي تعرقل تحقيق المساواة، بما في ذلك القوانين التمييزية وضعف الضمانات القانونية والممارسات الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات.

ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، تشير بيانات دولية إلى أن النساء حول العالم لا يتمتعن سوى بنحو 64 في المائة من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، وهو ما يعكس استمرار الفجوات القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وتشمل هذه الفجوات مجالات أساسية من الحياة اليومية، مثل العمل والموارد المالية والسلامة الشخصية وحقوق الأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال والتقاعد.

وفي إطار إحياء هذه المناسبة، شهدت عدة مدن حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بتعزيز حقوق النساء وتحقيق المساواة في الأجور وتوسيع فرص التعليم وضمان العدالة للنساء، إضافة إلى تعزيز مشاركتهن في مواقع صنع القرار، وفق ما أوردته تقارير نشرتها «وكالة أسوشييتد برس».

نساء يرفعن شعارات ولافتات خلال احتجاج بمناسبة اليوم الدولي للمرأة في كراتشي باكستان (إ.ب.أ)

وأفادت الوكالة بأن ناشطين وناشطات تجمعوا في مدينة كراتشي الباكستانية للمطالبة بتعزيز الحماية القانونية للنساء، بينما شهدت إسطنبول التركية مظاهرات رُفعت خلالها شعارات داعمة لحقوق المرأة.

كما أشارت تقارير «أسوشييتد برس» إلى أن إحياء هذه المناسبة اتخذ طابعاً احتفالياً في بعض الدول، حيث جرى تنظيم فعاليات مجتمعية وتقديم الزهور تكريماً لدور النساء في المجتمع.

وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايد الأهمية في تسليط الضوء على هذه المناسبة، إذ تسهم في نشر أخبار الفعاليات والمبادرات حول العالم وتمكّن الحركات النسوية من إيصال رسائلها إلى جمهور أوسع، خصوصاً في البلدان التي تواجه فيها هذه الحركات قيوداً سياسية أو اجتماعية.

وتعود فكرة تخصيص يوم عالمي للاحتفاء بالمرأة إلى بدايات القرن العشرين. ففي عام 1909 طُرحت الفكرة لأول مرة في الولايات المتحدة بمبادرة من الحزب الاشتراكي الأميركي، قبل أن تقترح الناشطة الألمانية كلارا زيتكن تعميمها عالمياً خلال مؤتمر للنساء الاشتراكيات عُقد في كوبنهاغن عام 1910.

وبدأت الاحتفالات بهذه المناسبة في عدد من الدول الأوروبية عام 1911، قبل أن يترسخ موعد الثامن من مارس لاحقاً بعد مظاهرات نسائية في روسيا عام 1917 طالبت بالخبز والسلام خلال الحرب العالمية الأولى.

وخلال العقود اللاحقة تحوَّل اليوم الدولي للمرأة إلى مناسبة عالمية تجمع بين الاحتفاء بالمكتسبات التي تحققت للنساء والدعوة إلى مزيد من التقدم في مجال الحقوق.

ومع استمرار التحديات، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن امرأة أو فتاة تُقتل كل عشر دقائق على يد أحد أفراد الأسرة أو شريك لها، في مؤشر على استمرار ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي في كثير من أنحاء العالم.

وفي حين يواصل العالم إحياء هذه المناسبة سنوياً، يبقى الثامن من مارس فرصة لتجديد النقاش العالمي حول حقوق النساء والتأكيد على أن تحقيق المساواة الكاملة بين النساء والرجال لا يزال هدفاً تسعى إليه المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.