ما السر وراء كل هذا السحر الطاغي الذي تحمله رواية «الكونت دي مونت كريستو» فتظل بعد مرور كل هذه السنوات منذ كتابتها في عام 1844 مصدراً لا ينضب للسينما والدراما في مصر على مر الأجيال؟
الرواية كتبها الأديب الفرنسي ألكسندر دوما (1802 - 1870)، لتصبح أشهر أيقونات الأدب العالمي التي تدور حول «ثيمة» الغدر والخيانة والانتقام من خلال قصة الشاب الشجاع «إدموند دونتيس»، الذي يعمل بحاراً وينال ترقية ما يثير حقد أصدقائه المقربين فيتآمرون عليه قبيل زفافه. يقضي في السجن سنوات عديدة ثم يهرب ويحصل على ثروة أرشده إليها زميله العجوز الذي مات في محبسه ويسعى لتحقيق العدالة بنفوذه الجديد بعد شرائه جزيرة «مونت كريستو»، وحصل على لقب «كونت». وقعت السينما المصرية في غرام هذه القصة مبكراً حيث ظهر فيلم «أمير الانتقام» بطولة أنور وجدي ومديحة يسري عام 1950 ومن ثمّ توالت الأعمال العديدة المقتبسة عنها.
ويأتي مسلسل «رشيد» الذي يعرض حالياً على «إم بي سي مصر» ومنصة «شاهد» باعتباره أحدث تجليات استلهام تلك الرواية العالمية مصرياً حسب تترات المقدمة نفسها التي تصف العمل بأنه «رؤية معاصرة لرواية الكونت دي مونت كريستو». والملاحظ أن المؤلف وسام صبري أضاف خطاً درامياً للحبكة الأصلية يتمثل في رحلة بحث البطل عن ابنه «سيف» الذي تم إيداعه في ملجأ للأيتام طفلاً وهرب منه مراهقاً.

محمد ممدوح في مسلسل {رشيد}
استثمر صناع العمل في موضوع مشوق، مضمون النجاح، حيث يتعاطف الجمهور مع «رشيد» الشاب المكافح الخلوق ابن الحي الشعبي الذي فقد زوجته وتركت له طفلاً بريئاً فيكون شرطه للزواج الثاني من «أسماء» أن تحب ابنه وتحنو عليه كأنه ابنها وهو ما يتحقق بالفعل.
وتأتي الموجة الثانية من التعاطف مع البطل حين يُلقى به وراء القضبان ظلماً نتيجة تآمر «أمير» أحد أعز أصدقائه عليه، جسد شخصيته تامر نبيل، ويحكم عليه بالسجن المؤبد ويموت أبوه وتهجره زوجته ويسافر صديقه الوفي «صلاح»، لعب دوره خالد كمال، إلى أحد البلاد العربية فيواجه مصيراً موحشاً من الوحدة والألم. وكي يزيد صناع العمل من جرعة التعاطف الجماهيري والتشويق معاً، لجأوا إلى فكرة هروب «سيف» من الملجأ وتحوله إلى تاجر مخدرات في الشوارع والأحياء الراقية بينما لا يجد أبوه وسيلة يتقرب بها إليه سوى أن يتظاهر بأنه أحد زبائن المخدر.
وحسب متابعين، أجاد الفنان محمد ممدوح في تجسيد شخصية «رشيد» الأب المدمر نفسياً بسبب مرارة الظلم التي يتجرعها كل مساء. وجاءت يومياته في السجن شديدة الإقناع لا سيما المشاهد التي تدور في مطبخ السجن وعنابر النوم والمزرعة، وهو ما يحسب لمخرجة العمل مي ممدوح.
ونالت الفنانة ريهام عبد الغفور، إشادة عبر تجسيدها شخصية «أسماء» سواء في مرحلة الفتاة الفقيرة التي تحلم بالستر والزواج، أو مرحلة الثراء حين أصبحت تمتلك محل كوافير في منطقة راقية وتعيش جواً من الاستهتار واللامبالاة.
ويظهر الفنان صلاح عبد الله بأداء مميز في الحلقات الأولى مجسداً شخصية رئيس مجموعة استثمارية، لكنه يلتزم بالقيم والأخلاقيات الأصيلة للطبقة الشعبية قبل أن يلقى مصرعه في جريمة غامضة، فهل شعر بالتردد إزاء مساحة الدور المحدودة؟ طرحنا السؤال عليه فأجاب: «رحبت بالدور دون تردد، قدّمت شخصية رجل الأعمال، لكن بمفاتيح مختلفة منها البساطة والقيم بعيداً عن الصورة النمطية لرجل الأعمال الفاسد أو الانتهازي، ومقتل الشخصية هو حجر الزاوية الذي تنطلق منه الأحداث والحبكة فيما بعد إذ يُتهم رشيد بقتلي ويسجن ظلماً».
ويضيف صلاح عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت بالتعاون مع المخرجة مي ممدوح التي تمتلك رؤية جديدة وعيناً جيدة ووعياً مختلفاً وطازجاً في قيادة العمل رغم أن المسلسل أولى تجاربها درامياً».
وأكد الناقد سيد محمود أن «صناع العمل كانوا على دراية جيدة بجغرافية المكان حيث تدور الأحداث وهو حي حلوان العريق من حيث الشوارع والمساجد وحركة الكاميرا في الميادين، ما أضفى حيوية واقعية على مشاهد المسلسل في مرحلة ما قبل السجن أو الثراء الذي لحق بكل من رشيد وصديقه وزوجته السابقة».
وأضاف محمود أن «عملية سرد الأحداث والتقطيع والربط بين أكثر من حقبة زمنية تمت بكفاءة لافتة، فلم يشعر المتفرج بالارتباك أو التوتر رغم تعدد المستويات الزمنية وتداخلها».
وتابع: «الفنان محمد ممدوح ظهر في حالة جيدة للغاية من حيث اللياقة الذهنية وأيضاً البدنية بعد أن فقد الكثير من وزنه، وأعتقد أن هذا الدور سيكون بمثابة نقطة تحول في مسيرته إذا استطاع البناء عليه. أما الفنانة ريهام عبد الغفور التي اعتبرها البعض، فنانة رقيقة وناعمة، فظهرت كنمرة حقيقية وممثلة تتلون ونراها في كل دور كأنما هي كيان جديد مدهش. وتبقى الروعة في استعادة الممثل الكبير حسن العدل في دور والد رشيد حيث يطل بإشراقة كاملة».








