مصري يقتنص جائزة بـ«ورلد برس فوتو» عبر «مشروع توثيقي»

«هنا الأبواب لا تعرفني» يرصد ذكريات سكان «المكس» بالإسكندرية

المصور المصري الشاب محمد مهدي
المصور المصري الشاب محمد مهدي
TT

مصري يقتنص جائزة بـ«ورلد برس فوتو» عبر «مشروع توثيقي»

المصور المصري الشاب محمد مهدي
المصور المصري الشاب محمد مهدي

«هنا الأبواب لا تعرفني» عنوان المشروع الذي فاز به المصور المصري الشاب محمد مهدي في المسابقة الدولية للتصوير الفوتوغرافي «ورلد برس فوتو» لعام 2023، وهو أيضاً عنوان الفقد الذي يشعر به المرء حين يغادر بيته الذي احتضنه لسنوات طويلة وشهد أجمل ذكرياته، وفق ما ما جاء في المشروع.
يستكشف العمل عبر الفوتوغرافيا آثار ارتفاع منسوب البحر على المجتمع المحلي في منطقة «المكس»؛ وهي قرية صيد تقع على طول قناة المحمودية في الإسكندرية (شمال مصر)، ويرصد ذكريات ومشاعر السكان بعد اضطرار بعضهم إلى مغادرة المكان واستعداد بعضهم الآخر إلى الرحيل تنفيذاً لقرار الحكومة المصرية بإخلاء المنطقة بالكامل ونقلهم إلى مساكن أخرى.
تتكون القصص المصوَّرة، المعروضة ضمن عمله الفائز، من عشرات الصور والوثائق التي أدرجها الفنان في منصة إلكترونية تفاعلية، في حين يمثل بناء أرشيف للذكريات الخاصة للأجيال القادمة. واللافت أن الفنان قام بدعوة زوار المنصة أيضاً لتوجيه رسائل إلى سكان أهل المكس، أو كتابة قصص أو قصائد لهم، في حالة من الدعم الإنساني لهم، والتي تصل على الفور إلى «غروب» إلكتروني يضمهم، مما يفتح قناة اتصال بالعالم.
وتسمح تقنية المنصة، عند الضغط على الصور أو الرسائل، بالاستماع إلى أصوات أصحابها الممتلئ بالفقد والحنين. ووفق وصف موقع الجائزة العالمية، فإن «المشروع يمثل رثاءً لأسلوب حياة مشترك على وشك الاختفاء».

فاز بالمسابقة الدولية التي تُعدّ الجائزة الأرفع مستوى في عالم التصوير الصحافي المحترف، هذا العام، 24 مشروعاً جرى اختيارها من بين 60 ألف مشروع، من 127 دولة حول العالم، وحصل المصور المصري محمد مهدي على فئة «أوبن فورمات» - أفريقيا بالمسابقة، وسيتبع ذلك مشاركته مع سائر الفائزين في سلسلة معارض ستقام في 80 دولة تبدأ بهولندا في 20 أبريل (نيسان) الحالي، كما سيجري إدراج مشروعه في كتاب سيُطبع منه 30 ألف نسخة بـ6 لغات، وفق قانون الجائزة.
منذ طفولته كان مهدي مولعاً بحي «المكس». يقول، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت هواية التصوير في سن الرابعة عشرة، وكنت أتدرب عليه في هذا الحي الذي لا يبعد كثيراً عن منطقة العجمي التي أقطن بها، فهو يمثل مكاناً ملهماً لأي مصور أو فنان؛ من فرط جماله، وزخمه الإنساني».
ويتابع: «مرت السنوات وكونتُ علاقات صداقة مع السكان، وحين بدأت دراستي بكلية الفنون والتصميم، كنت وزملائي نذهب في مجموعات لتصوير هذه المنطقة ورسمها».
شعر مهدي بحجم الألم الذي سيطر على سكان المكس؛ بسبب قرار إخلاء المكان: «كانوا يقدّرون أن ذلك أمر ضروري؛ بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر، لكنهم أيضاً كانوا يشعرون كما لو أنهم مثل (السمك حين يغادر المياه)!».
وأضاف: «المكس ليس مجرد مكان عادي للسكن؛ فهي منطقة ذات طابع خاص؛ كونها تطل مباشرةً على البحر بكل هدوئه وصخبه وجمال إطلالته، ولأنها أيضاً تضم ناساً يعملون في الصيد منذ عشرات السنين، توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم؛ فهي تمثل البيت والعمل معاً، ومن ثم الحياة بأكملها».
امتزجت مشاعر مهدي مع أحاسيس أصحاب المكان، وكان معهم يوثِّق لحالة الفقد التي سيطرت عليهم، سواء بالنسبة لهؤلاء الذين هُدمت بيوتهم بالفعل، أو هؤلاء الذين ينتظرون الهدم والنقل: «قررت أن أوثق ذكرياتهم، وأن أتناول تاريخ المنطقة وطبيعة حياتهم وتفاصيلهم اليومية وعملهم بمهنة الصيد، قبل أن يندثر ذلك كله».

يركز الفنان الشاب عمله على المجتمعات غير المرئية في مصر: «أردت أن أقدم لأهل المكس نوعاً من الدعم النفسي عبر الفن، ومن هنا أسست هذا المشروع الذي سيتبعه قريباً صدور كتاب سيضم رسائل أصحاب المكان والردود التفاعلية التي تصلهم من مختلف أنحاء العالم؛ حتى لا يشعروا بأنهم بمفردهم».
جاء فوز مهدي في فئة «أوبن فورمات» بالمسابقة، وهي تمنح المصور مساحة كبيرة من الحرية في اختيار تقنية عمله الفني. يقول: «بدلاً من أن أوثق للمكان والناس، من وجهة نظري وحدي، جعلتهم هم أنفسهم يشاركونني الأمر؛ فطلبت من بعضهم الرسم، ومن بعضهم الآخر رسائل بخط اليد، كما أعطيت البعض الكاميرا وجعلتهم يصورون حياتهم اليومية، وأعطاني البعض صوراً من ألبوم العائلة، فضلاً عن الصور والتسجيلات التي قمت بها، وهكذا أقدم قصة توثيقية إنسانية متكاملة بعيونهم؛ ما يخلق قدراً كبيراً من الواقعية والمصداقية».
وتتعدد الصور والرسائل المؤثرة بالمشروع؛ ومنها رسالة لسيدة تتحدث عن أنها «لا تزال تزور يومياً مكان بيتها بعد هدمه، وتتذكر كيف كانت تجلس، في صباح كل يوم، أسفل الشجرة التي زرعتها أمامه تقرأ القرآن وحولها العصافير، كما تتحدث عن ذكرياتها مع زوجها العطوف والتي شهدتها جدران البيت المتهدم».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي الذي تتحكم فيه تل أبيب من الجانب الفلسطيني.

وأكد مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، أن معبر رفح مغلق من الجانب الفلسطيني بقرار من إسرائيل حتى الآن، بسبب الحرب في إيران وليس هناك أي مؤشرات لفتحه، وهذا ما تبعه توقف مغادرة الفلسطينيين من مصر أو دخول مصابين أو مرضى من القطاع.

معاناة تزداد

الغزي الموجود في القاهرة، معين بركات، يعتبر في حديث لـ«الشرق الأوسط» عودة إسرائيل للغلق تحت ذريعة حرب إيران «متوقعة»، متسائلاً: «ما الذي ننتظره من هؤلاء سوى زيادة معاناة الفلسطينيين».

ومع بدء حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أغلقت إسرائيل معبر رفح الحدودي مع مصر باعتباره إجراء أمنياً، وفق ما أفادت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، لافتة إلى أنه «تم تنفيذ عدة تعديلات أمنية ضرورية، بينها إغلاق المعابر إلى قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح».

وأُعيد في الثاني من فبراير فتح المعبر بعد نحو عامين من سيطرة القوات الإسرائيلية عليه إثر الحرب على غزة.

فلسطينيون يحملون جثة أحد الضحايا عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

المعاناة بدأت منذ عودة فتح معبر رفح الحدودي من الجانب الفلسطيني، بسبب إجراءات إسرائيل، مع العائدين للقطاع، بحسب حديث معين بركات، لافتاً إلى أنه كان يسمح بمرور 50 شخصاً كل يوم، وهناك آلاف في مصر يرغبون في العودة.

وأضاف: «هناك أيضاً ما يقارب 10 آلاف غزي يريدون الدخول لمصر للعلاج عبر المعبر وتوقف ذلك الآن، وهذه معاناة أخرى»، مستهجناً ذريعة إسرائيل لغلق المعبر باندلاع حرب إيران، متسائلاً: «ما علاقة المعبر بحرب إيران؟! هذه حجة للغلق لا أكثر».

وترى الغزية الموجودة في مصر، هناء الطباع، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن المعاناة تزداد للغزيين، سواء الذين لم يستطيعوا العودة للقطاع أو الراغبين في الخروج من القطاع للعلاج، موضحة أن «غلق المعابر جعل الكثيرين عالقين وفي انتظار المجهول».

وأضافت هناء الطباع: «رغم أن معابرنا بعيدة عن الحرب فإننا نستشعر أنها وسيلة ضغط إسرائيلية على المواطنين الغزيين ترتقي لدرجة التعذيب أيضاً»، موضحة أن هناك سيدات غزيات أزواجهن في غزة وكذلك أولادهن، وكان المنطق أن يكون المعبر مفتوحاً لعودتهن.

وهذه معاناة تتفاقم تجاه الغزيين، بحسب توصيف الغزية هناء الطباع، مشيرة إلى أنه للأسف قد تزداد المعاناة لا سيما أن المعابر لن تفتح إلا مع انتهاء حرب إيران، وبالتالي لن يكون قريباً.

وتتصور هناء الطباع أنه في «ظل انشغال المجتمع الدولي بحرب إيران لن يلتفت للمعابر وحق الفلسطينيين في العودة أو العلاج مما يزيد المعاناة للأسف».

رفض مصري لتعطيل الاتفاق

وفتح معبر رفح أحد بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي بدأ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين، الرفض القاطع لأي محاولات للاِلتفاف على هذا الاتفاق أو تعطيله، مشدداً على ضرورة الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية، والشروع في إعادة إعمار قطاع غزة، وفق بيان للرئاسة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بـ«يوم الشهيد والمحارب القديم» (الرئاسة المصرية)

وخلال اتصال هاتفي تلقاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، تم التأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، وشدد الجانبان على «ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون تعطيل، فضلاً عن أهمية البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة إعمار القطاع».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن غلق معبر رفح رغم أنه أحد بنود اتفاق غزة، يعد محاولة ضغط على سكان قطاع غزة، دفعاً في اتجاه سيناريو التهجير، وسط إدخال كميات قليلة من المساعدات ضمن انتهاكات مستمرة من قبل وبعد حرب إيران.

ويشير الرقب إلى أن إغلاق معبر رفح من الجانب الفلسطيني وإعاقة دخول الغزيين من مصر ودخول المصابين والمرضي للعريش يزيد الانتهاكات والمعاناة بصورة لا تحتمل، لافتاً إلى أن التركيز على حرب إيران تزامن معه تراجع الحديث الدولي عن معاناة الفلسطينيين المتواصلة.

ويتوقع الرقب أن يتواصل تحرك الوسطاء، لا سيما من القاهرة، بحيث تعمل مصر على ألا يغلق ملف غزة أو تؤجل بنود اتفاق وقف إطلاق النار، مشدداً على أن التحرك الكبير المصري في ملف فلسطين نابع من أنها تريد ألا يطوى الملف أو تنسى بنوده، أو تتجاوز إسرائيل حقوق الشعب الفلسطيني أو التزاماتها في الاتفاق.


توتر أمني مفاجئ بطرابلس والزاوية في غرب ليبيا

عنصران من «اللواء 51 مشاة» في دورية بشوارع طرابلس (المكتب الإعلامي للواء)
عنصران من «اللواء 51 مشاة» في دورية بشوارع طرابلس (المكتب الإعلامي للواء)
TT

توتر أمني مفاجئ بطرابلس والزاوية في غرب ليبيا

عنصران من «اللواء 51 مشاة» في دورية بشوارع طرابلس (المكتب الإعلامي للواء)
عنصران من «اللواء 51 مشاة» في دورية بشوارع طرابلس (المكتب الإعلامي للواء)

تجدد التوتر الأمني في العاصمة الليبية طرابلس، بالتزامن مع إعلان الأجهزة الأمنية عن اكتشاف «مقبرة جماعية» في ضاحية أبو سليم الجنوبية.

وتحدث سكان ليبيون لوسائل إعلام محلية فجر الاثنين عن توتر أمني مفاجئ في طرابلس، حيث سُمع دوي أسلحة متوسطة بمحيط جامعة طرابلس وطريق الشوك، كما رصدت تقارير إعلامية محلية وقوع إطلاق رصاص داخل منشأة تسيطر عليها «قوة الردع الخاصة» بقيادة سفيان المالطي؛ فيما لم يصدر أي بيان رسمي من وزارة الداخلية، أو مصلحة السجون بهذا الخصوص.

والمنشأة معروفة محلياً باسم «السجن المفتوح»، وهو مركز احتجاز غير رسمي خارج سيطرة مصلحة السجون، ويُستخدم منذ سنوات لاحتجاز معتقلين من قبل «قوة الردع».

خلال اكتشاف «مقبر جماعية» في ضاحية أبو سليم بطرابلس (جهاز دعم المديريات غرب ليبيا)

وفي سياق موازٍ، أعلن جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق التابع لوزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، فجر الاثنين، عن اكتشاف «مقبرة جماعية» داخل مقر سابق لـ«جهاز دعم الاستقرار» في منطقة أبو سليم جنوبي العاصمة طرابلس.

وقال بيان للجهاز إن قوات الشرطة تحركت عقب معلومات موثوقة عن وجود جثامين مدفونة في الموقع، مؤكداً أنه سيوافي الرأي العام بالتفاصيل، والنتائج الأولية للتحقيق فور الانتهاء من رفع الجثامين، وإجراء الفحوصات الطبية، والجنائية.

وأوضح الجهاز أن القتلى، الذين لم يحدد عددهم، «تمت تصفيتهم بطريقة وحشية، وإجرامية، ودفنهم سراً خلال السنوات الماضية على يد عناصر تابعة لـ(جهاز دعم الاستقرار) السابق».

وتُعد منطقة أبو سليم معقلاً رئيساً منذ سنوات للجهاز، الذي تتهمه منظمات حقوقية وجهات أمنية رسمية بارتكاب انتهاكات جسيمة تشمل الاختطاف القسري، والتعذيب، والتصفيات خارج إطار القانون.

وجاء اكتشاف المقبرة بعد تكليف جهاز دعم مديريات الأمن رسمياً من وزير الداخلية بتأمين بلدية أبو سليم عقب اشتباكات سابقة مع عناصر الجهاز، واغتيال رئيسه عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة» في مايو (أيار) الماضي في ظروف مثيرة للجدل داخل معسكر التكبالي جنوبي طرابلس.

وأدى مقتل الككلي إلى انهيار سيطرة الجهاز على منطقة أبو سليم، مما سمح بدخول القوات الأمنية الرسمية إلى المقار التي سيطر عليها سابقاً.

في غضون ذلك، شهدت مدينة الزاوية غربي طرابلس، فجر الاثنين، اشتباكات مسلحة عنيفة أسفرت عن مقتل شخصين على الأقل، وإصابة آخرين بجروح، بحسب مصادر أمنية، وشهود عيان.

واندلعت الاشتباكات في شارع القناعة وسط المدينة بين عناصر تابعة لقوة الدعم بمديرية أمن طرابلس بقيادة محمود بن رجب، وأخرى تابعة للوحدة الأولى للدعم بقيادة محمد بحرون الملقب بـ«الفار».

وترددت أنباء غير مؤكدة عن إصابة بحرون بجروح بالغة خلال المواجهات التي أدت إلى إغلاق الطريق الساحلي الحيوي مؤقتاً أمام حركة المرور.

وتأتي هذه التطورات في سياق توتر أمني متكرر في الزاوية، حيث تتنافس المجموعات المسلحة على النفوذ والسيطرة على طرق التهريب، والموارد، رغم انتمائها اسمياً إلى الجهات الرسمية بغرب البلاد.


تجدد الاشتباكات بين قوات «الوطني الليبي» ومسلحين على الحدود الجنوبية

وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
TT

تجدد الاشتباكات بين قوات «الوطني الليبي» ومسلحين على الحدود الجنوبية

وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)

تجددت المواجهات بين قوات «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر وعناصر مسلحة تتزعمها «غرفة تحرير الجنوب» بإمرة محمد وردقو، وسط حالة من الكر والفر قرب الحدود الصحراوية المتاخمة لدولة النيجر.

وكانت الأوضاع قد تفجرت خلال الشهرين الماضيين على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على نحو 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاءً عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي بمعبر التوم الحدودي مع النيجر يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)

وقال مصدر عسكري بجنوب ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن الصحراء الليبية المترامية «ستظل مسرحاً واسعاً للطامعين في عمليات التهريب عبر الحدود التي ظلت لسنوات مستباحة من العصابات الخارجية، وكيانات داخلية»، متحدثاً عن مجموعة من التحديات التي تواجه أي عملية عسكرية في الجنوب، من بينها وعورة التضاريس الجغرافية التي لا يعلمها إلا أهل الجنوب أنفسهم.

ونوه المصدر العسكري -الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام- إلى أن السيطرة على الحدود «تظل مرهونة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وقوات الأمن، وإنهاء الانقسام بين شرق ليبيا وغربها»، وقال: «لن يتم تأمين الجنوب إلا بالتعاون بين الأطراف المنقسمة كافة».

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» بإمرة وردقو التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

وهذه النقاط هي: منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، وهي واقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ورغم تأكيد «الجيش الوطني» السيطرة والقضاء على التوترات التي تنشأ على الحدود الجنوبية، وتتبع «العناصر الإرهابية، والمرتزقة»، تزعم «غرفة تحرير الجنوب» تمكنها من إحداث «اختراقات عبر هذه النقاط الحدودية».

وكان «اللواء 604 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني» قد أعلن الأسبوع الماضي «انتهاء مهمة قواته داخل الأراضي النيجرية بكل نجاح، بعد تمكنه من تحرير أسراه، ودحر عناصر وردقو، واستعادة الأمن للحدود الجنوبية».

غير أن «غرفة عمليات تحرير الجنوب» قالت إنها «نجحت في صد هجمات الجيش».

وأضافت الغرفة في بيان مساء الأحد أنها «نظّمت دوريات استطلاع عدة، واستحدثت نقاط تأمين جديدة خلال شهر رمضان على طول الشريط الحدودي الجنوبي للوقوف على المواقع السابقة لعصابات التهريب، والجريمة بأنواعها».

وكان حفتر قد قال خلال حضوره إفطاراً رمضانياً لقوات من الجيش، الأحد، إن «مسؤولية القوات المسلحة تمتد إلى دعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على وحدة التراب الليبي»، مشيراً إلى أن «الجيش دحر قوى الإرهاب والتطرف في معارك شهد العالم على بطولتها».

وشدد حفتر على «أهمية الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، وتعزيز برامج التدريب، والتأهيل، ومواكبة التطورات العسكرية الحديثة، بما يضمن قدرة القوات المسلحة على مواجهة مختلف التهديدات الأمنية، والحفاظ على أمن البلاد واستقرارها».

وأضاف: «التطورات الإقليمية المتسارعة تفرض يقظة عسكرية مستمرة لحماية سيادة ليبيا، وذلك يتطلب تعزيز جاهزية الجيش، وتطوير قدراته الدفاعية والتقنية، لمواجهة التحديات الجديدة».

ويتحدر وردقو من أصول تشادية، وكان من سكان منطقة أوزو التي شكلت محور نزاع حدودي طويل بين ليبيا وتشاد؛ وقد حصل على الجنسية الليبية في أوائل التسعينات، على أساس أن هذه المنطقة كانت تحت النفوذ الليبي آنذاك.

رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر يصل ليشارك الإفطار مع القوات المتمركزة في المناطق الحدودية بالجنوب الغربي (رئاسة الأركان البرية)

من جانب آخر، قالت شعبة الإعلام بـ«الجيش الوطني» إن رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر شارك رفقة عدد من القيادات العسكرية وجبة الإفطار مع ضباط وضباط الصف والجنود المتمركزين في المناطق الحدودية بالجنوب الغربي.

ونقلت الشعبة، مساء الأحد، أن خالد «أشاد بالانتصارات التي حققتها القوات المسلحة، وبنجاحها في استرداد الأسرى»، مثمّناً «ما يبذله الجنود من جهود وتضحيات في أداء واجبهم، وتأمين المناطق الحدودية».