متحف «فيكتوريا آند ألبرت» يجذب الزوار بجناح رمضان ويفتح قاعاته للإفطار الجماعي

مؤسسات ثقافية بريطانية تستضيف الصائمين على مدى الشهر

إفطار جماعي في قاعة «رافايل» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (تويتر)
إفطار جماعي في قاعة «رافايل» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (تويتر)
TT

متحف «فيكتوريا آند ألبرت» يجذب الزوار بجناح رمضان ويفتح قاعاته للإفطار الجماعي

إفطار جماعي في قاعة «رافايل» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (تويتر)
إفطار جماعي في قاعة «رافايل» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (تويتر)

كيف تحتفل برمضان في أرجاء متحف عالمي عريق؟ ربما تكون المتاحف بعيدة عن أنشطة الصائمين في شهر رمضان، ولكن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن نجح في جذب أعداد كبيرة من الصائمين (وغيرهم) عبر جناح جديد أفتتح قبل شهر رمضان في باحة المتحف الخارجية، وأطلق عليه اسم «رمضان بافيليون» أو «جناح رمضان».
«جناح رمضان» الذي يتشارك المتحف في إقامته مع جمعية «رمضان تينت بروجكت» (مشروع خيمة رمضان) الخيرية، يقام بدعم من مؤسسة «بينالي الدرعية»، إضافة إلى المؤسسة الخيرية «COSARAF» وجامعة ويستمنستر و«معهد المعماريين البريطانيين» (ريبا).

إفطار جماعي مفتوح في المكتبة البريطانية بلندن (تويتر)

من وحي أول مسجد
تميز «جناح رمضان» (رمضان بافيليون) بلمسة فنية مشحونة بحماليات الفن الإسلامي، التي استمدها المعماري شاهد سليم من الأعمال الفنية في المتحف. يجذب التصميم الجميل والبسيط في آن واحد النظر بألوانه المشرقة والقطع التي تماثل المآذن والسلالم الخشبية التي يلقي من خلالها الأئمة خطبة الجمعة، وغيرها من الأشكال المرتبطة بالمساجد وأماكن العبادة.
تتجاوب تصاميم سليم لجناح رمضان في «فيكتوريا آند ألبرت» مع خطوط أول مسجد أقيم في بريطانيا من تصميم المعماري سير ويليام تشامبرز في منطقة كيو غاردنز في القرن الـ18، بينما تعبر رؤية سليم المعاصرة عن المسجد المجرد في القرن الـ21.
يستمد المعماري إلهاماً من مخطوطات وصور فوتوغرافية من مقتنيات المتحف، إضافة إلى أمثلة أخرى للتصاميم المعمارية للمساجد الأخرى في بريطانيا منذ الستينات. وعبر ألوانه الحية يقدم الجناح نظرة على التاريخ المتغير والتطور الذي مر به تصميم المساجد في بريطانيا، ويتأمل عبرها فكرة العبادة والانتماء والهوية. يتخذ المعماري من الأساليب المختلفة والسمات التي ترتبط بمجتمعات المسلمين في بريطانيا، خطوطه ويعلق: «كلما تأملت المساجد في أنحاء بريطانيا كلما لاحظت أبنية تتحدى الأنماط والأذواق السائدة». ويضيف أن المساجد المحلية «في العادة تصمم وتمول من قبل مجتمعات مهمشة ومحرومة اقتصادياً. رأيت في ذلك مقاومة صلبة وتصميماً على الإبداع. هذه المجتمعات تخلق مفاهيم معمارية جديدة تستمد الإلهام من التجارب الحياتية للمجتمعات المسلمة».
كريستوفر تيرنر أمين الفنون والصور والتصاميم في المتحف، يتفق في توصيف المساجد المقامة في أنحاء بريطانيا على أنها تعتمد على الجهود الشعبية والتمويل الذاتي، وتقام في أماكن مستحدثة، ويضيف: «تصميمات شاهد سليم لجناح رمضان الأول في المتحف مستوحاة من مجموعات (فيكتوريا آند ألبرت)، ويستكشف من خلال التصميمات مواضيع مثل الهجرة والتنوع الثقافي ليخلق مساحة تحتفل بالتجارب المسلمة المعاصرة في بريطانيا».
عمر صالحة الرئيس التنفيذي للمنظمة الخيرية «رمضان تينت بروجكت» (مشروع خيمة رمضان)، علق على الجناح قائلاً: «من الجميل أننا نحتفل بعيدنا العاشر في (مشروع خيمة رمضان) في نفس وقت إطلاق (جناح رمضان) في (فيكتوريا آند ألبرت)، وهو الأول من نوعه في العالم». جدير بالذكر أن «مشروع خيمة رمضان» يهدف في عمله لزيادة الانسجام المجتمعي والانتماء وفهم الخبرات والهوية والتراث الإسلامي. وحسب صالحه فهو «يهدف إلى بناء الجسور مع المجتمعات المختلفة، وتلطيف القلوب والعقول، وتحويل الغرباء إلى أصدقاء». ويعلق على تصميم «جناح رمضان» في المتحف بقوله: «تم تصميم الجناح الرمضاني ليخدم ليس فقط كهيكل مادي وتركيبي يلهم الزائرين المرتبطين بالفنون والعمارة الإسلامية، ولكن أيضاً ليكون مساحة لملايين الزوار للمشاركة والاحتفال والتعرف على الإسلام ورمضان وتاريخ المسلمين وثقافتهم».

«جناح رمضان» في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» (المتحف)

الإفطار المفتوح في المتحف والمسرح
الجناح أثبت في أول عشرة أيام من رمضان أنه إضافة قيمة للمسلمين في بريطانيا، حيث جذب الزوار بأنشطة متنوعة وورش عمل وعروض أدائية أيضاً نظمتها مؤسسة «مشروع خيمة رمضان» التي تنظم 30 فعالية على مدار الشهر في عشر مدن، منها حفلان للإفطار الجماعي في متحف «فيكتوريا آند ألبرت».
الأسبوع الماضي اجتمعت أعداد كبيرة في إحدى قاعات المتحف لتناول الإفطار سوياً، فرشت السفر الرمضانية، واجتمع حولها جمع متنوع من المسلمين وغير المسلمين لتناول وجبة بسيطة تكونت من التمر والحلوى وطبق من أرز البرياني، بدت الأجواء مطمئنة وسعيدة، قام المؤذن برفع الأذان في مساحة مفتوحة في مدخل المتحف، واصطف المصلون خلفه في صلاة الجماعة. علق عمر صالحة على «تويتر» قائلاً: «ليلة تحبس الأنفاس في المتحف العالمي (فيكتوريا آند ألبرت) بمناسبة إقامة أول حفل إفطار جماعي لـ(أوبن إفطار) في لندن في رمضان 2023، أكثر من 500 شخص من مختلف مناحي الحياة يتقاسمون الطعام جالسين جنباً لجنب في قاعة (رافايل)، محاطين برسومات من عصر النهضة عمرها أكثر من 400 عام. أمر رائع».
الجدير بالذكر أن مؤسسة «مشروع خيمة رمضان» بمناسبة احتفالها بمرور عشرة أعوام على إطلاقها تقيم هذا العام حفلات الإفطار في عدد من أهم الأماكن الثقافية في بريطانيا مثل المكتبة البريطانية، التي استضافت الصائمين أول من أمس، وقبلها في استاد تشيلسي لكرة القدم، وفي كاتدرائية مانشستر، وسوف يقيم إفطاراً في قاعة «ألبرت هول» يوم 7 أبريل (نيسان) وفي مسرح شكسبير «ذا غلوب» في العاشر من أبريل.


مقالات ذات صلة

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

العالم شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

أعلنت شرطة لندن، الثلاثاء، توقيف رجل «يشتبه بأنه مسلّح» اقترب من سياج قصر باكينغهام وألقى أغراضا يعتقد أنها خراطيش سلاح ناري إلى داخل حديقة القصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

قال قصر بكنغهام وصناع شاشة جديدة من المقرر استخدامها خلال مراسم تتويج الملك تشارلز الأسبوع المقبل إن الشاشة ستوفر «خصوصية مطلقة» للجزء الأكثر أهمية من المراسم، مما يضمن أن عيون العالم لن ترى الملك وهو يجري مسحه بزيت. فالشاشة ثلاثية الجوانب ستكون ساترا لتشارلز أثناء عملية المسح بالزيت المجلوب من القدس على يديه وصدره ورأسه قبل وقت قصير من تتويجه في كنيسة وستمنستر بلندن في السادس من مايو (أيار) المقبل. وقال قصر بكنغهام إن هذه اللحظة تاريخيا كان ينظر إليها على أنها «لحظة بين الملك والله» مع وجود حاجز لحماية قدسيته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

قدّم رئيس هيئة «بي بي سي» ريتشارد شارب، أمس الجمعة، استقالته بعد تحقيق وجد أنه انتهك القواعد لعدم الإفصاح عن دوره في ترتيب قرض لرئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون. وقال شارب، «أشعر أن هذا الأمر قد يصرف التركيز عن العمل الجيد الذي تقدّمه المؤسسة إذا بقيت في المنصب حتى نهاية فترة ولايتي». تأتي استقالة شارب في وقت يتزايد التدقيق السياسي في أوضاع «بي بي سي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

أكد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، اليوم (الثلاثاء)، أنه يتعين على البريطانيين القبول بتراجع قدرتهم الشرائية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة التاريخية من أجل عدم تغذية التضخم. وقال هيو بيل، في «بودكاست»، إنه مع أن التضخم نجم عن الصدمات خارج المملكة المتحدة من وباء «كوفيد19» والحرب في أوكرانيا، فإن «ما يعززه أيضاً جهود يبذلها البريطانيون للحفاظ على مستوى معيشتهم، فيما تزيد الشركات أسعارها ويطالب الموظفون بزيادات في الرواتب». ووفق بيل؛ فإنه «بطريقة ما في المملكة المتحدة، يجب أن يقبل الناس بأن وضعهم ساء، والكف عن محاولة الحفاظ على قدرتهم الشرائية الحقيقية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

قدّم نائب رئيس الوزراء البريطاني، دومينيك راب، استقالته، أمس، بعدما خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّه تنمّر على موظفين حكوميين. وفي نكسة جديدة لرئيس الوزراء ريشي سوناك، خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّ راب، الذي يشغل منصب وزير العدل أيضاً، تصرّف بطريقة ترقى إلى المضايقة المعنوية خلال تولّيه مناصب وزارية سابقة. ورغم نفيه المستمر لهذه الاتهامات، كتب راب في رسالة الاستقالة الموجّهة إلى سوناك: «لقد طلبتُ هذا التحقيق، وتعهدتُ الاستقالة إذا ثبتت وقائع التنمّر أياً تكن»، مؤكّداً: «أعتقد أنه من المهم احترام كلمتي». وقبِل سوناك هذه الاستقالة، معرباً في رسالة وجهها إلى وزيره السابق عن «حزنه الشديد»، ومشيداً بسنوات خدمة

«الشرق الأوسط» (لندن)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
TT

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)
مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. انتخاب الرئيس الجديد للدولة، الذي لا يملك بسبب تركيبة السلطة «العرقية - المذهبية» في البلاد المزيد من الصلاحيات والذي يجب أن يكون بموجب الدستور كردياً، جاء هذه المرة وسط خلافات كردية - كردية استمرت شهوراً. وطوال هذه الفترة لم يتمكن الحزبان الكرديان الرئيسان؛ أي الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة بافل طالباني، من الاتفاق على مرشح توافقي فيما بينهما. وبالتالي، كان لا بد من اللجوء إلى البرلمان لحسم خيار إحدى الرئاسات من دون توافق، ما أخلّ بمبدأ التوازن الهش الذي تقوم عليه العملية السياسية في العراق. والمعروف، أنه جرى تقسيم المناصب في هذه العملية وفقاً للمحاصصة العرقية والطائفية، بالتالي، أدى هذا الأمر إلى أزمة داخل «البيت الكردي» من شأنها أن تنعكس على البرلمان الاتحادي.

الرئيس الجديد نزار آميدي، وهو وزير سابق وقيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»، حصل على غالبية مريحة داخل البرلمان، إلا أنه على الرغم من حجم هذه الغالبية، فإنها قد تكون مريحة على صعيد كيفية تداول السلطة مع عدم رغبة أي طرف سياسي في البلاد بالتوجه إلى المعارضة.

وهذا ما يعني اللجوء، بعد فترة، لا سيما مع تشكيل الحكومة الجديدة التي يهمين عليها الشيعة، إلى نوع من الترضيات عبر توزيع الحقائب الوزارية والمواقع العليا في البلاد، وذلك وفقاً للأوزان السياسية للأحزاب التي تمثل «مكوّنات»... لا تلك التي تحصل على المقاعد البرلمانية بالضرورة.

ثم إنه مع تحوّل الحكومة الحالية، التي يترأسها محمد شياع السوداني، من حكومة كاملة الصلاحيات إلى حكومة «تصريف أمور يومية» في أعقاب تشكيل البرلمان الحالي وانتخاب رئاسته أواخر العام الماضي، أدى فشل القوى السياسية الشيعية في الاتفاق على مرشح لها لتسلم منصب رئيس الوزراء، إلى نوع من الشلل السياسي. وهذا ما عاشه ويعيشه العراق مع إعلان «الحرب الإيرانية» بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي. وهو واقع أفضى إلى تداعيات خطيرة كان الأخطر فيها هو إغلاق «مضيق هرمز» من قبل إيران، مع الإشارة إلى أن صادرات النفط العراقي تعتمد كلها تقريباً على هذا المضيق. وبالنتيجة، ينذر الوضع الراهن بمخاطر مستقبلية جدية بسبب عجز الحكومة عن تأمين رواتب عشرات ملايين الموظفين الذين يعتمدون كلياً على الخزينة العامة.

قوى «الإطار التنسيقي» قد تعيش أيامها الأخيرة في أعقاب عجزها عن حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الحكومة

خلافات بلا حدود

من جهة ثانية، وفي ظل الانقسام الحاد بين القوى السياسية المكوّنة لكتلة «الإطار التنسيقي» الشيعية، وهي 12 قوة سياسية متباينة الحجوم والأوزان، فإنها على مدى نحو 4 أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية في العراق أواخر العام الماضي - خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 - أخفقت في عملية حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الوزراء.

وللتذكير، بما أن المناصب السيادية العليا الثلاث - أي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان - موزّعة على المكوّنات العرقية والمذهبية الكبرى (الكردية والشيعية والسنية) طبقاً لـ«مبدأ المحاصصة» الذي جرت عليه العملية السياسية بعد عام 2003، فإن حسم مصير رئاسة الحكومة هو العنصر الأهم والأخطر في البنية السياسية الحالية للعراق.

محمد شياع السوداني (آ ب)

منصب رئيس الحكومة

ذلك أن منصب رئيس الحكومة يُعد المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، وهو يكاد يحصر الصلاحيات كافة بيده، بما فيها السلطة العسكرية؛ كون رئيس الحكومة هو نفسه القائد العام للقوات المسلحة.

وفي حين يسري «العُرف»، لا الوزن الانتخابي، على معظم المناصب في الدولة، فإن الإشكالية داخل الوسط السياسي الشيعي تكمن في الخلافات التي تبدو بلا حدود بين القوى التي تمثل «الإطار التنسيقي» الشيعي. وفي الوقت الذي تجرى فيه انتخابات في البلاد كل أربع سنوات، ومعها يتوجب تشكيل الحكومة طبقاً للأوزان الانتخابية، فإن معظم الانتخابات التي أجريت - وهي 6 انتخابات حتى الآن - لم تُحترم نتائجها طبقاً للدستور؛ بسبب غلبة «العُرف» على القانون والدستور. وهذا الأمر يجعل عملية خرق المُدد الدستورية أمراً معتاداً ما دام لم يجر الاتفاق بين القوى السياسية طبقاً للعرف السائد بينها.

تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنه سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، أن حذّر أكثر من ثلاث مرات منذ إجراء الانتخابات الأخيرة، أواخر العام الماضي، من مغبة خرق المدد الدستورية. وعدّ في بيان له أن «التجارب السابقة أثبتت أن تسمية شاغلي المناصب الرئاسية الثلاث، رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، كثيراً ما تتجاوز المدد الدستورية المحددة، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً للدستور، ومخالفة لروح التداول الديمقراطي للسلطة. ويُعزى استمرار هذا الخلل إلى غياب الجزاء أو الأثر القانوني المترتب على هذا التجاوز؛ إذ لم يتضمن الدستور نصاً يعالج هذه المخالفة أو يحدد عواقبها، مما أتاح تكرارها في أكثر من دورة انتخابية».

ولقد بيّن زيدان أنه «من هذا المنطلق، نأمل أن تؤخذ هذه الملاحظة بنظر الاعتبار عند إجراء أي تعديل مستقبلي للدستور، بما يضمن احترام التوقيتات الدستورية ويضع جزاءات محددة على مخالفتها، حفاظاً على استقرار النظام الديمقراطي، وتكريساً لسيادة القانون ومبدأ التداول السلمي للسلطة».

لم تؤخذ التحذيرات على محمل الجد

ولكن من الناحية العملية لم تأخذ القوى السياسية العراقية، مثل هذه التحذيرات على محمل الجد نتيجة الخلافات العميقة بين أطرافها. وهذا الحال جعل عملية تشكيل الحكومات العراقية كل أربع سنوات من أعقد ما يكون.

وفي الحقيقة، لم تتشكل أي حكومة عراقية منذ الحكومة الأولى عام 2005 وحتى آخر حكومة عام 2021 ضمن المدد الدستورية.

ويضاف إلى ذلك أن كل رؤساء الوزارات التي تشكلت بعد أول انتخابات برلمانية كاملة، عام 2005، وهم: نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني جاؤوا عبر مفهوم التسوية لا الوزن الانتخابي. وهذا ما غدا إلى حد كبير ينسحب على الحكومة الحالية التي تعثر تشكيلها حتى الآن، على الرغم من مرور أكثر من أربعة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ثم إنه، مع أن المهلة المتبقية لتشكيل الحكومة العتيدة بعد انتخاب رئيس الجمهورية في الحادي عشر من شهر أبريل (نيسان) الحالي هي 15 يوماً، فإن العقدة الأكبر التي يعانيها الفاعل الشيعي السياسي تتمثل في «الفيتو» الذي وضعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد تولي زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي منصب رئيس الحكومة لدورة ثالثة. وهذا، في وقت بدأت فيه الخلافات داخل مكوّنات التحالف الشيعي تبرز بوضوح معارضة تولي رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، زعيم ائتلاف «الإعمار والتنمية» تشكيل الحكومة وترؤسها، مع أنه هو الفائز الأول بالانتخابات.

مصاعب الحكومة... ومضيق هرمز

في هذه الأثناء، ومع أن قوى «الإطار التنسيقي» تعيش - على ما يبدو - أيامها الأخيرة، في أعقاب عجزها عن حسم هوية مرشحها لمنصب رئيس الحكومة بسبب الضغوط الأميركية، فإن ثمة عاملاً آخر يستحق الأخذ في الحساب. ذلك أنه في ظل استمرار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فإن العراق وبعد إقدام إيران على غلق مضيق هرمز، يجد نفسه أمام عدة خيارات أحلاها مر بسبب توقف صادرات النفط العراقي بنسية تزيد على الـ100 في المائة. وهذا العامل بات يهدد بتوقف رواتب نحو 9 ملايين موظف ومتقاعد عراقي يتسلمون رواتبهم من ميزانية الدولة التي صارت حسب البيانات الرسمية شبه خاوية.

للعلم، قبل الحرب، وبسبب الإنفاق الزائد، فإن الرواتب باتت تدفع كل 45 يوماً تقريباً. وهذا الأمر أوجد نقمة في صفوف الموظفين انعكست على مجمل الحياة الاقتصادية في العراق. وأكثر من هذا، ثمة أزمة اندلاع الحرب في ظل حكومة «تصريف أمور يومية» لا تملك غطاء برلمانياً، لكون البرلمان الحالي ينتظر التصويت على حكومة جديدة لم تتشكل بعد.

بناء عليه، فإن الحكومة الحالية التي يترأسها محمد شياع السوداني تواجه تحديات كبيرة وجدية، أبرزها قلة الصلاحيات التي تجعلها قادرة على مواجهة غلاء الأسعار وأزمة الرواتب، التي يتوقع خبراء الاقتصاد أن تنفجر في الشهر السادس من هذا العام؛ كون صادرات النفط العراقي شبه متوقفة.

وفي حين كان العراق يصدِّر ما قيمته 7 مليارات دولار أميركي قادرة على تمويل رواتب الموظفين، فإنه راهناً لا يصدّر إلا بحدود ملياري دولار، وهو ما يعني بالضرورة اضطرار الحكومة إما اللجوء إلى الاقتراض الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار قيمة الدينار العراقي ورفع قيمة الدولار الأميركي، وإما إلى سحب الاحتياطي النقدي في البنك المركزي... وهو ما يمكن أن يوقع الحكومة في مشكلة أكبر، لافتقار العراق إلى «صندوق سيادي» يمكنه من خلاله مواجهة مثل هذه التحديات غير المنظورة.

مشكلة السلاح

في سياق موازٍ، مع أن الحرب كشفت عن هشاشة الوضع الاقتصادي في البلاد عبر منفذ واحد لتصدير النفط ومنافذ أخرى، إما مغلقة لأسباب سياسية، وإما غير قادرة على تغطية كامل متطلبات الموازنة، فإن ثمة إشكالية أخرى.

وهذه الإشكالية الأخرى التي باتت تواجه العراق حالياً هي أنه لا يمتلك أسلحة دفاعية أو هجومية قادرة على مواجهة الطائرات والمسيّرات التي تنتهك سماءه وسيادته على أرضه.

أيضاً ثمة إشكالية ثالثة تتمثل في السلاح المنفلت في البلاد، الذي جعل من سماء العراق مفتوحة للطيرانين الأميركي والإسرائيلي اللذين يقومان بقصف مواقع الفصائل العراقية المسلّحة، بينما تقوم هذه الأخيرة بتوجيه ضرباتها إلى دول الجوار الجغرافي للعراق بحجة وجود قواعد أميركية فيها. وهذا الوضع أدى إلى حصول مشاكل دبلوماسية بين بغداد وعدد من العواصم العربية والخليجية.


الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

مسعود بارزاني (آ ب)
مسعود بارزاني (آ ب)
TT

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

مسعود بارزاني (آ ب)
مسعود بارزاني (آ ب)

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء الانتخابات، فإن المتغير الحاسم الذي بدا شديد التأثير على الطرفين هو «فيتو» الرئيس دونالد ترمب على تولي نوري المالكي زعيم «دولة القانون»، منصب رئيس الحكومة من قبل «الإطار التنسيقي». ومعلوم أن ترشح المالكي طرح بعد تنازل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني له. وهذا مع التذكير بأن السوداني كان الفائز الأول بالانتخابات، بينما حل المالكي في المرتبة الثانية.

أما على الصعيد الكردي، وكما سبقت الإشارة، جرى انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي بغالبية برلمانية جرى خلالها كسر مبدأ «التوافقية»، الذي سارت عليه العملية السياسية بعد سقوط النظام السابق عام 2003.ولذلك، من منطلق هذا التعقيد، فقد بدا انتخاب آميدي بعد جولتين من التصويت، وسط غياب الحزب «الديمقراطي الكردستاني» (البارزاني)، وائتلاف «دولة القانون» (المالكي)، بمثابة سيادة عُرف جديد في البلاد يقوم على كسر مبدأ «التوافقية».

واليوم، يلفت عدد من المراقبين السياسيين إلى أن ما حدث في جلسة الانتخاب يشير إلى كسر الركود الذي يعرقل تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات بعد أربعة أشهر من إجراء الانتخابات النيابية. ويضيفون أن عوامل هذا الركود تتعدد وتتنوع بين الأزمات الداخلية بين الأحزاب، والحرب الجارية في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ولذا، تتأنى القوى السياسية العراقية قدر الإمكان إلى حين معرفة مُخرجات هذه الحرب التي ستؤثر على التوازنات السياسية في العراق.

نوري المالكي (آ ف ب)

وفي أي حال، بينما رفض المالكي سحب ترشيحه من المنصب بناء على تغريدة ترمب، فإن قوى «الإطار التنسيقي» انشقت على صعيد تأييد سحب ترشيح المالكي أم بقائه ضمن دائرة المرشحين دون حسم. وهذ، مع وجود أمل في أن يحسم الكرد أمرهم على صعيد اختيار رئيس الجمهورية بالتوافق بين الحزبين الكرديين. والحال، أنه مثلما فشل الشيعة في التوافق على رئيس حكومة بعد تغريدة ترمب الحاملة لـ«الفيتو»، فإن الحزبين الكرديين فشلا في التوصل إلى اتفاق. وما ترتب على ذلك هو حصول انقسام كردي - كردي وشيعي - شيعي نتج عنهما انتخاب الرئيس الكردي بغالبية برلمانية، وسط غياب كتلتين كبيرتين انسحبتا من الجلسة هما كتلتا الحزب «الديمقراطي الكردستاني» وائتلاف «دولة القانون»، وهو ما جعل قوى «الإطار التنسيقي» أمام معادلة جديدة على صعيد مرشحهم للمنصب.

كردياً، فإن الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود بارزاني، قرر مقاطعة الرئيس الجديد مع سحب النواب والوزراء لأغراض التشاور. وهذا قرار رأى فيه عدد من المراقبين السياسيين مجرد مناورة من أجل تغيير المعادلة على صعيد تشكيل الحكومة، لا سيما في حال وصل إلى منصب رئيس وزراء شيعي مقرب من «دولة القانون»، بل والمالكي شخصياً. والسبب أن من شأن ذلك محاصرة الصلاحيات التي هي محدودة أصلاً لرئيس الجمهورية، لا سيما مع بدء حراك سياسي وقانوني باتجاه تفعيل صلاحيات الرئيس التي يضمنها له الدستور أصلاً.


«مونديال 2026»: «نيوجيرسي» تعلن عن تذاكر نقل عام للمشجعين بقيمة 150 دولاراً

ملعب ميتلايف في نيوجيرسي (رويترز)
ملعب ميتلايف في نيوجيرسي (رويترز)
TT

«مونديال 2026»: «نيوجيرسي» تعلن عن تذاكر نقل عام للمشجعين بقيمة 150 دولاراً

ملعب ميتلايف في نيوجيرسي (رويترز)
ملعب ميتلايف في نيوجيرسي (رويترز)

أعلن مسؤولون من الاتحاد الدولي لكرة القدم وسُلطات النقل في نيوجيرسي، اليوم الجمعة، أن تكلفة تذاكر النقل العام ذهاباً وإياباً لحضور مباريات «كأس العالم» في الولاية ستصل إلى 150 دولاراً، مقارنة بأقل من 15 دولاراً في الأيام العادية للمسار نفسه.

تأتي هذه الزيادة الكبيرة، التي تُعادل عشرة أضعاف السعر المعتاد، لتُضاف إلى أسعار تذاكر المباريات، التي قد تصل إلى آلاف الدولارات، ما يثير تساؤلات حول التكلفة الإجمالية لحضور البطولة.

وقال الرئيس التنفيذي للجنة استضافة «كأس العالم» في نيويورك/نيوجيرسي إن الطلب المتوقع سيكون مرتفعاً، مضيفاً: «نتوقع نفاد تذاكر وسائل النقل العام، سواء عبر الحافلات السريعة أم القطارات؛ لأنها ستكون الوسيلة الأسرع والأكثر كفاءة للوصول إلى الملعب».

ومن المقرر أن تشمل الخدمة الرحلات ذهاباً وإياباً من مدينة نيويورك إلى ملعب ميتلايف عبر القطارات والحافلات السريعة الخاصة، على أن تكون التذاكر مخصصة فقط لحاملي تذاكر المباريات، وغير قابلة للتحويل أو الاسترداد، مع طرحها للبيع ابتداءً من 13 مايو (أيار) المقبل.

وفي المقابل، ستكون خيارات النقل الأخرى محدودة، إذ ستُغلق مواقف السيارات العامة المحيطة بالملعب، والتي تتسع عادةً لأكثر من 20 ألف سيارة، خلال أيام المباريات.

ويستضيف ملعب ميتلايف 8 مباريات ضمن بطولة «كأس العالم 2026»، من بينها المباراة النهائية، ما يزيد الضغط على البنية التحتية للنقل خلال فترة البطولة.