هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

في ذكرى رحيل الكاتب والناقد المغربي «الحذر»

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي
TT

هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي

في السادس عشر من مارس (آذار) حلّت ذكرى رحيل الكاتب المغربي المغترب في النص واللغة والحاضر أبداً في النقد، عبد الكبير الخطيبي، الذي يبدو أن قسماً كبيراً من أعماله بقي في الظل بعيداً عن هالة الضوء، وبقيت كتاباته الفكرية والإبداعية نخبويةً للغاية، قياساً بما تستحقه من الدراسة والنقاش.
لقد سُلّطت الهالة الإعلامية في الغالب على أسماء فكرية تكتب في العام والمشترك، وتنشغل بالعناوين الكبيرة المثيرة للجدل. وربما كان عدد من الباحثين في المغرب وخارجه يستصعبون مهمة الخوض في تجربة الخطيبي الفكرية، ويتفادون الاشتباك مع تركيبتها النظرية قراءةً أو نقداً.
«عارياً من ثيابك الخفيفة، متبخراً، ومع ذلك سوف تكون قريباً جداً منا...» هكذا تخيل الخطيبي بلغة شعرية واضحة مشهدَ الذات، وهي تقرأ سيرتها الخاصة في عمله الروائي «كتاب الدم» الصادر عام 1979. لقد كان يصف شيئاً مما يراه كامناً في طاقة اللغة، بحسٍّ إبداعي رقيق، وهو المفكر وعالم الاجتماع البارز الذي ظل طيلة مشروعه الفكري مشغولاً بسؤال الهوية الكبير، عاكفاً على البحث في تفاصيل هذا المفهوم النظري تراثاً وواقعاً، متخذاً من المفاهيم النقدية الكونية أداة لابتكار مفاهيم جديدة تتبنّى في اشتغالها منهج النقد المتوازي، أو ما سمَّاه «النقد المزدوج» للأفكار والأطراف. فهو من جهة، ينقد محاور كثيرة داخل بنية الفكر الغربي بوصفه ينزع في تأصيل خطابه إلى الهيمنة على الآخر، وهو في المقابل ينقد خطاب الفكر السائد في بلدان عربية كثيرة رآها تتوهم -بشيء من الميتافيزيقا- حالة الوحدة والصفاء العرقي والعاطفة الاجتماعية الجامعة.
ما يمكن أن نلمسه في منجز الخطيبي النقدي هو ذلك الحذر المنهجي العميق من الاصطفاف الآيديولوجي أو حتى الفكري، وهو ليس حذراً من خوض المسائل الجدلية أو نقاش أفكارها، بقدر ما هو حذرٌ موضوعي من كل أشكال التبسيط والأحكام المطلقة والعامة، وهو كذلك حذر من الوصول إلى استنتاجات أحادية إزاء الظواهر الاجتماعية كافة. وما يميز رؤية الخطيبي على هذا الصعيد هو عنصر التوازي العملي بين التفكيك والنقد، فهو يراوح بحذر بين صرامة الروح الفلسفية الجادة وبين السوسيولوجيا كفنّ يمنح الباحث فسحة الوصف والتحليل والتأويل أيضاً.
معظم مؤلفات الخطيبي كانت باللغة الفرنسية، وهو بلا شك يعد واحداً من المؤثرين في المتون البحثية لعدد كبير من الدارسين للحقل الاجتماعي العربي والعالمي على حد سواء. وهو الملهِم بأفكاره الفذة لفئة معتبرة من طلبة العلوم الاجتماعية في مختلف جامعات العالم. والملاحظ خلال السنوات الأخيرة تحديداً أن عدداً غير قليل من رسائل الدكتوراه والماجستير في علم الاجتماع التي أنجزها طلبة مغاربيّون (المغرب وتونس والجزائر)، تناولت باهتمام فكرَ عبد الكبير الخطيبي ورؤاه الحيّة حول الهوية وقضايا المجتمع العربي.
منذ «الذاكرة الموشومة» عمله الإبداعي الأول، وصولاً إلى آخر ما كتبه في علم الاجتماع، اعتمد الخطيبي على السجال المعرفي مع الأفكار الكبرى، محاولاً بناء رؤيته الخاصة للهوية ولعدد من الظواهر الضيقة كطبائع المجتمع الأبوي مثلاً. إنه اشتباك فكري غير جدلي مع الأنساق النظرية المهيمنة، وهو أيضاً تفكيك لما تحفل به الذاكرة الفكرية من مركبات معرفية غير متجانسة في الطرح، ولعل الحديث عن هذه العناصر الفكرية في سياق منجز كامل لكاتب مُجرِّب مثل عبد الكبير الخطيبي خاض في النقد وعلم الاجتماع، كما كتب الشعر والرواية والمسرح، يطرح سؤالاً عن علاقة كل هذه الحقول بعضها ببعض... لكن الحقيقة هي أن الخطيبي كان سبّاقاً إلى تذويب الحدود الفاصلة بين أعماله وأجناسها المختلفة، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي رولان بارت هذه السمة عند الخطيبي قائلاً: إنه لا يكتفي بإلغاء الحدود بين الأشكال الأدبية، بل يقوم بتغيير هذه الأشكال نفسها حاملاً معه القارئ نحو «أرضه الإبداعية» الخاصة.
لقد شُغف الخطيبي بالفكر كما اهتمت أعماله الأدبية الأخرى بالدلالات الثقافية والاجتماعية للفن والإبداع الكتابي خاصة، وهو في ذلك يبدو منسجماً إلى حد بعيد مع البيئة الثقافية التي انطلق منها باحثاً عن حقائق الهوية المتعددة والملتبسة في كثير من الأحيان. فهو إن بدا غير متفق مع كثير من المقاربات التي تشرح آليات التفكير المشكِّل للهوية داخل بيئته المعرفية، فإنه يبقى في الآن نفسه منخرطاً في عمق الاشتغال الجمالي على بنية الفنون والنقد داخل هذه الهوية الفكرية المميزة. نرى ذلك جلياً في أعمال تحفر في سؤال الاختلاف بكثير من المنهجية الفكرية من قبيل «الاسم العربي الجريح»، وهو عمل محوري بالغ الأهمية في تجربة الخطيبي، وقد نقله إلى العربية الشاعر محمد بنيس، كما نلمس شيئاً من تلك الدلالات المتقدة في عمل آخر عنوانه «في الكتابة والتجربة» أصدره الخطيبي باللغة الفرنسية، وترجمه إلى العربية الروائي المغربي محمد برادة.
ينطلق الخطيبي من نقد الميتافيزيقا التي تشكل من وجهة نظره عصب الفكر في العالم العربي، وهو نقد شامل وجذري غير مهادن، يقف عند مفهوم التعدد الذي يميز واقع الهوية العربية اليوم، فيصدم أنصار الوحدة المطلقة بحقائق يراها واقعية وحادّة، تؤكد مدى التبسيط الذي تحمله هذه الفكرة الآيديولوجية «القومية»، رغم كونها لا تزال حاضرة في عمق الفكر العربي المعاصر حتى اليوم. إنها حقائق التغاير والتعدد والتمايز والاختلاف التي تؤكد حسب الخطيبي أن العالم العربي قد تعدد بحكم الواقع، ولا يمكن أن يشكل وحدةً كلية شاملة أو منظومة واحدة، ففكرة الوحدة كما يراها هو كانت دائماً فكرة إطلاقية مرتبطة بمخرجات الميتافيزيقا والمتخيل اللاهوتي الذي تحتضن الآيديولوجيات الوافدة إلى العمق العربي كثيراً من عناصره، رغم تجدد فعل الآيديولوجيا نفسه.
وحفاظاً على قاعدة النقد المزدوج، يتوغل عبد الكبير الخطيبي داخل البنية الزمنية للفكر الغربي؛ بدءاً من أسسه العقلانية اليونانية القديمة، التي كرست فيما بعد مركزية الغرب وهيمنته المكتسبة، ويصل الخطيبي إلى ذروة نقده لهذه البنية، فيشخص بعناية حالة الإرادة الغربية المتجسدة أساساً في الهيمنة وقواعد المادية الحديثة التي تحكمها مقاييس أحادية الرؤية، والتي لا تبتكر أنظمة جديدة خالية من الثوابت، بقدر ما تكتفي بتغيير هذه الثوابت وتدويرها.
ويختلف عبد الكبير الخطيبي كثيراً مع عبد الله العروي في منظوره «التاريخاني» لفعل الحداثة ومآلاتها وإسقاطاتها على عالمنا العربي، ويراه في هذا المسار يخلط بين مفاهيم وجودية عميقة، ويبسّط منظوره الخاص إلى العامل التاريخي. ذلك أن التراكم النظري والمادي لفعل الحضارة يحدث بالفعل منذ بدء البشرية إلى الآن، لكن عامل التاريخ ليس منطقياً دائماً، فهناك قطائع وتناقضات وخسارات وفُروق لا تنسجم مع شرط الاستمرارية التاريخية. ويذهب الخطيبي إلى ما هو أبعد من ذلك فيرفض القول بأننا بوصفنا مجتمعات عربية ملزمون بقطع الخطى نفسها التي سبقنا إليها الغرب، سعياً لبلوغ ما وصل إليه من المدنية والتقدم، بل ينبغي من وجهة نظره استئناف الرحلة نحو الحضارة فوراً، والانطلاق رأساً مما هو متاح وموجود وقائم مدنياً... الآن، دون الرجوع إلى الخلف، ودون الوقوف الكلاسيكي المتوارث عند فكرة «نسيان التراث».
لا يبدو أن الأفكار التي حملها منجز الخطيبي بسيطة أو هادئة في علاقتها مع القارئ العادي، فما كتبه الرجل يختصر مساراً طويلاً من التأمل العملي والنظري في متون فكرية متواترة الطرح ومتقاطعة في اختراقاتها واقتراحاتها، وربما متضاربة أيضاً. لكن الأهم في الوقوف عند ذكرى رحيل هذا السوسيولوجي المغربي هو إمكانية الاستعادة والفهم لما قاله أو تطرقت إليه كتاباته حول قضايا الهوية الثقافية. إنها كتابات تطرح بالفعل أسئلة جادة حول الهوية العربية وإرهاصات الوحدة، وما سوّقته الآيديولوجيا من تبسيط نظري ساذج لأفكار «النهضة» والانبعاث الجماعي «للأمة». كما أن كتابات الخطيبي من حيث إنها علمية منحازة لاستنتاجاتها المستقلة تبقى شجاعة في إشاراتها؛ إذ تنبه باستمرار إلى استبداد المنهجية الغربية في مقاربتها للمسائل الكبرى بشيء من الأصولية الجديدة التي لفظها الواقع، وتجاوزتها اليوم ريح النيوليبرالية الاقتصادية، وما تحمله إلينا من مخرجات ثقافية عاصفة!
* كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».