«قلة الموارد» تهدد بصدام اجتماعي لبناني ـ سوري

مع تفاقم التردي الاقتصادي و«الحملات العنصرية» ضد النازحين

النازحون السوريون في لبنان تحولوا إلى مادة سجال داخلي (أ.ب)
النازحون السوريون في لبنان تحولوا إلى مادة سجال داخلي (أ.ب)
TT

«قلة الموارد» تهدد بصدام اجتماعي لبناني ـ سوري

النازحون السوريون في لبنان تحولوا إلى مادة سجال داخلي (أ.ب)
النازحون السوريون في لبنان تحولوا إلى مادة سجال داخلي (أ.ب)

على طريقة المثل اللبناني القائل إن «القلة تولد النقار»، بلغ الاحتقان بين المجتمع اللبناني المضيف والمجتمع السوري النازح، مستويات غير مسبوقة في الآونة الاخيرة مع استفحال الأزمتين المالية والاقتصادية في لبنان والتدهور المتواصل في سعر الليرة اللبنانية، ما أدى لتفاقم الصراع على مقومات العيش، كما على الخدمات وفرص العمل. ونبهت مصادر عدة من مخاطر تحول هذا الاحتقان إلى إشكالات ومواجهات بين الطرفين تؤدي لانفجار أمني انطلاقاً من مخيمات النازحين السوريين. وفي هذا الإطار، حذر أمس الحزب التقدمي الاشتراكي من «الحملة العنصرية المستمرة» ضد اللاجئين، ونبه في بيان، إلى أن «التمادي السافر ينذر بعواقب أكثر خطورة اجتماعياً، إذ يشحن النفوس ويخلق التوترات ويضرب ما تبقى من أمن».
وخرج مؤخراً محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، بمواقف عالية النبرة بموضوع النزوح السوري، منتقداً مطالبة النازحين بزيادة التقديمات لهم، ومطالباً بعودتهم. وأثار قوله في فيديو مسجل إن راتبه كمحافظ، وهي أعلى وظيفة إدارية في الدولة اللبنانية، أقل من راتب النازح السوري في لبنان، سجالاً واسعاً بين اللبنانيين والسوريين. كذلك أدى فيديو انتشر لنازح سوري يجيب عن أسئلة رئيس بلدية القاع (شرق لبنان) بشير مطر، إلى استياء عدد كبير من اللبنانيين، بعدما تبين أن الرجل السوري متزوج من 3 نساء ولديه 16 طفلاً ويقبض نحو 16 مليون ليرة لبنانية عن أولاده، وهو ما يعادل نحو 160 دولاراً أميركياً، مقراً أنه يتلقى الطبابة والتعليم والغذاء والخدمات من قبل الأمم المتحدة، في وقت يفتقر فيه قسم كبير من اللبنانيين لهذه الخدمات.
وتستغرب صباح (40 عاماً) وهي نزحت إلى لبنان مع أولادها الـ3 من حلب قبل 11 عاماً، تصوير بعض اللبنانيين كأن السوريين يعيشون في أفضل أحوالهم بلبنان، فيما هم بالحقيقة يعانون الأمرين. وتصف صباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الوضع الذي ترزح وعائلتها تحته، كما الغالبية العظمى من النازحين، بـ«الصعب جداً»، قائلة: «كانت المفوضية تعطي 27 دولاراً للشخص الواحد شهرياً، أما اليوم فلا نتقاضى إلا مليون ومائة ألف ليرة لبنانية (نحو 10.5 دولار)، وهو مبلغ لم يعد يكفي لشيء بعدما باتت كل مصاريفنا بالدولار». وتتحدث المرأة الأربعينية عن «مضايقات كثيرة» تتعرض لها، لافتة إلى أن «الصرافين ينتقدوننا دوماً، ويقولون إن الأموال التي نصرفها بالدولار هي من الأمم المتحدة، وحقيقة الأمر أن أخي في الخارج يرسل لي المال كي أطعم أولادي». وتضيف: «كذلك كلما اتجهنا إلى صراف آلي واحد تم تحديده لنا لقبض الأموال التي ترسلها المفوضية، ما يؤدي لصفوف طويلة ممن ينتظرون دورهم، نسمع كثيراً من الانتقادات من المارة الذين يقولون إننا نقبض بالدولار، وبالتالي لا يمكن أن نعود إلى بلادنا». كذلك تشكو صباح أنه في أحد المطاعم، حيث يعمل ابنها، «يتقاضى العاملون اللبنانيون والإثيوبيون رواتبهم بالدولار، أما نحن السوريين، فبالليرة اللبنانية»، وتقول: «رغم صعوبة الوضع هنا، فإن الوضع في سوريا أصعب، ولذلك نحن لا نزال في لبنان ونحلم بالمغادرة إلى بلد ثالث».
ويتجاوز عدد النازحين السوريين في لبنان، بحسب الأجهزة الأمنية اللبنانية المليون ونصف المليون. وغادر عام 2022 أكثر من 5 آلاف نازح سوري، لبنان، إلى بلدان مختلفة، بما في ذلك الأرجنتين وأستراليا وكندا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وغيرها.
واستضافت مئات القرى والبلدات اللبنانية مئات آلاف النازحين على مر السنوات الـ12 الماضية، إلا أنه ومع اندلاع الأزمة المالية في البلد عام 2019 وتدهور الأحوال الاقتصادية والمعيشية، تصاعد خطاب يقول إن السوريين يزاحمون اللبنانيين على المواد الغذائية التي كانت مدعومة، كما على المحروقات والخبز، والأهم على فرص العمل.
ولا تخفي نائبة رئيس بلدية عرسال (شرق لبنان) سابقاً (بعد حل البلدية في البلدة)، والناشطة الاجتماعية ريما كرنبي، أن «الاحتقان بلغ مستويات غير مسبوقة بين اللبنانيين والسوريين في البلدة التي كانت ولا تزال تضم أكبر تجمع للنازحين الذين يبلغ عددهم راهناً 85 ألفاً، بعدما وصل في سنوات ماضية إلى 120 ألفاً»، منبهة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «مخاوف حقيقية من تحول الاحتقان إلى إشكالات بين الطرفين، ما يؤدي لانفجار أمني». وتضيف: «بنهاية المطاف عرسال بلدة فقيرة، أبناؤها يعملون في حرف يدوية، كما النازحين، ما يؤدي لمزاحمة على فرص العمل في ظل الضائقة الاقتصادية الحالية». وتعتبر كرنبي أن «تخصيص الأمم المتحدة المساعدات بشكل أساسي للسوريين، هو ما يؤدي لتفاقم الأحوال، نظراً لانزعاج اللبنانيين الذين يرون مثلاً أبناء النازحين يذهبون إلى المدارس الرسمية في باصات تتكفل الأمم المتحدة بإيجارها، فيما أولاد عرسال غير قادرين على تكبد هذه التكلفة».
ولا تنفي كرنبي أن «هناك كثيراً من أبناء عرسال استفادوا بالعمل في جمعيات تابعة للأمم، كما من الطبابة في المستوصفات المجانية التي أقيمت للنازحين، لكن كان يفترض من البداية تنظيم الوجود السوري، وهو ما لم يحصل رغم تنبيهاتنا المتكررة».
وتعد الناطقة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان ليزا أبو خالد، أن «الأزمة في لبنان تؤثر على الجميع، من لبنانيين ولاجئين. ولهذا فمن الضروري الاستمرار في توجيه الدعم للعائلات والمجتمعات، كما الحرص أيضاً على عدم خفض هذا الدعم»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «9 لاجئين من أصل كل 10 يعيشون في فقر مدقع. ومن خلال التمويل المتاح، تغطّي المساعدات الإنسانية النقدية والغذائية 33 في المائة من اللاجئين الأكثر ضعفاً (مقابل 43 في المائة عام 2022). تقدَّم هذه المساعدة بالعملة المحلية، غير أنها لا تكفي لتأمين احتياجات العائلات المتزايدة، لا سيما مع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان. وتشير أبو خالد إلى أن «معظم اللاجئين السوريين يعبّرون عن رغبتهم في العودة إلى سوريا يوماً ما، إلا أن اتخاذ قراراتهم يستند إلى مجموعة من العوامل كالسلامة والأمن؛ والمسكن؛ وتوفّر الخدمات الأساسية وسُبل العيش»، موضحة أنه «من ضمن مهمّتها لإيجاد حلول للجوء، تساعد المفوضية وشركاؤها في معالجة مخاوف اللاجئين والنازحين داخل سوريا الذين يفكرون في العودة. فتعمل المفوضية وشركاؤها مع جميع المعنيين، بما في ذلك الحكومة السورية والدول المضيفة وأصحاب الشأن لمعالجة المخاوف التي يشير إليها اللاجئون كعقبات أمام عودتهم بأعداد كبيرة. وتواصل المفوضية وشركاؤها العمل مع الجهات الفاعلة الرئيسية لإيجاد حلول طويلة الأمد للاجئين السوريين، بما في ذلك إعادة توطين اللاجئين في بلدان ثالثة».
ويربط مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، عودة النازحين إلى مناطقهم بـ«توفر الاستقرارين السياسي والاقتصادي أولاً، كما بإعادة الإعمار وتهيئة البنى التحتية التي هدّمت نتيجة الصراع، إضافة للتعهد بعدم ملاحقة المعارضين وضمان الخدمات الأساسية ومقومات الحياة الكريمة»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «بالمعنى الميداني ما زال الوضع غير مستقر نسبياً في سوريا، وهو يحتاج إلى تكاتف الجهود الدولية من أجل فرض حل سياسي لتكون البلاد آمنة وتكون العودة طوعية لا بالإكراه والقوة».
وانتقد أمس، الحزب التقدمي الاشتراكي ما سماها «الحملة العنصرية المستمرة» ضدهم، ونبه في بيان، إلى أن «التمادي السافر ينذر بعواقب أكثر خطورة اجتماعياً، إذ يشحن النفوس ويخلق التوترات ويضرب ما تبقى من أمن».


مقالات ذات صلة

لبنان يستأنف تسجيل السوريين الراغبين بالعودة الطوعية

المشرق العربي لبنان يستأنف تسجيل السوريين الراغبين بالعودة الطوعية

لبنان يستأنف تسجيل السوريين الراغبين بالعودة الطوعية

قالت مصادر أمنية في منطقة البقاع اللبناني، أمس لـ«الشرق الأوسط»، إن مكاتب الأمن العام استعادت نشاطها لتسجيل أسماء الراغبين بالعودة، بناء على توجيهات مدير عام الأمن العام بالإنابة العميد إلياس البيسري.

المشرق العربي لبنان يطلق حملة «مسح وطنية» لتعداد النازحين السوريين

لبنان يطلق حملة «مسح وطنية» لتعداد النازحين السوريين

أطلقت وزارة الداخلية اللبنانية حملة مسح وطنية لتعداد وتسجيل النازحين السوريين وتسجيلهم، ضمن إجراءات جديدة لضبط عملهم وتحديد من يوجد في لبنان بصورة قانونية، وذلك في ظل نقاشات سياسية، وضغط أحزاب لبنانية لإعادة النازحين إلى بلادهم. ووجّه وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي، كتاباً إلى المحافظين ومن خلالهم إلى القائمقامين والبلديات والمخاتير في القرى التي لا توجد فيها بلديات ويوجد فيها نازحون سوريون، لإطلاق حملة مسح وطنية لتعداد وتسجيل النازحين السوريين، والقيام بتسجيل كل المقيمين، والطلب إلى المخاتير عدم تنظيم أي معاملة أو إفادة لأي نازح سوري قبل ضم ما يُثبت تسجيله، والتشدد في عدم تأجير أي عقار لأ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بيروت: لا تسرع في ترحيل السجناء السوريين

بيروت: لا تسرع في ترحيل السجناء السوريين

قال وزير العدل اللبناني هنري الخوري لـ«الشرق الأوسط» إن إعادة السجناء السوريين في لبنان إلى بلدهم «قضية حساسة ولا تعالج بقرار متسرع». ويمكث في السجون اللبنانية 1800 سوري ممن ارتكبوا جرائم جنائية، 82 في المائة منهم لم تستكمل محاكماتهم، فيما وضعت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي خطّة لترحيلهم وكلف الخوري البحث في «إمكانية تسليم الموقوفين والمحكومين للدولة السورية بشكل فوري، مع مراعاة القوانين والاتفاقيات ذات الصلة، والتنسيق بهذا الخصوص مع الدولة السورية». وأكد الخوري أن «كل ملف من ملفات السجناء السوريين يحتاج إلى دراسة قانونية دقيقة (...) إذا ثبت أن ثمة سجناء لديهم ملفات قضائية في سوريا فقد تكون الإجراء

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي «اجتماع عمّان» يبحث عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار

«اجتماع عمّان» يبحث عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار

بحث اجتماع تشاوري جديد حول سوريا عقد الاثنين في عمّان، بمشاركة وزراء الخارجية السعودي فيصل بن فرحان والعراقي فـؤاد محمد حسين والمصري سامح شكري والأردني أيمن الصفدي والسوري فيصل المقداد، سُبل عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وبسط الدولة السورية سيطرتها على أراضيها. وأكد نائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، أن الاجتماع هو بداية للقاءات ستتابع إجراء محادثات تستهدف الوصول إلى حل الأزمة السورية ينسجم مع قرار مجلس الأمن 2254، ويعالج جميع تبعات الأزمة الإنسانية والسياسية والأمنية. وشدد الوزير الأردني، على أن أولوية إنهاء الأزمة لا تكون إلا عبر حل سياسي يحفظ وحدة سو

المشرق العربي «اجتماع عمّان» التشاوري: العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين أولوية قصوى

«اجتماع عمّان» التشاوري: العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين أولوية قصوى

بحث اجتماع تشاوري جديد حول سوريا عقد اليوم (الاثنين)، في عمّان، بمشاركة وزراء خارجية كلّ من السعودية ومصر والأردن والعراق وسوريا، في سُبل عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار، وبسط الدولة السورية سيطرتها على أراضيها. ووفقاً لبيان ختامي وزع عقب الاجتماع ونقلته وكالة الصحافة الفرنسية، اتفق المجتمعون على أن «العودة الطوعية والآمنة للاجئين (السوريين) إلى بلدهم أولوية قصوى، ويجب اتخاذ الخطوات اللازمة للبدء في تنفيذها فوراً». وحضّوا على تعزيز التعاون بين سوريا والدول المضيفة للاجئين بالتنسيق مع الأمم المتحدة لـ«تنظيم عمليات عودة طوعية وآمنة للاجئين وإنهاء معاناتهم، وفق إجراءات محددة وإطار زمني واضح»

«الشرق الأوسط» (عمّان)

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

على الرغم من قيود الرقابة العسكرية الشديدة، تتسرب للإعلام العبري والأجنبي معلومات عديدة تبين كيف دارت عمليات الإعداد للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف تحققت المفاجأة التي كان لها دور حاسم في توجيه الضربة الأولى القاصمة، بيد أن المعلومة الأهم في هذه التسريبات هي ما يكشفه الطيارون الإسرائيليون الذين نفذوا عمليات الاغتيال الأولى. فهؤلاء يتحدثون عن «مفاجأة حقيقية» من سهولة نجاحهم في تنفيذها.

ويقصد الطيارون، الذين تحدثوا إلى الإذاعة الرسمية، الأحد، الغارات الأولى التي استهلت بها إسرائيل عملياتها الحربية، والتي لم يعرف بعد مدى الخسائر الإيرانية فيها.

ونقلت الإذاعة الرسمية أنه تم إرسال الطيارين لتدمير 3 مواقع، يجتمع فيها أهم القادة العسكريين والأمنيين، ومعهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعادوا منها وقد اغتالوا معه 42 شخصية قيادية، بينهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وهو نفسه صاحب خبرة عسكرية غنية، إذ كان قد تولى عدة مناصب عليا في الماضي، مثل قائد سلاح الجو ونائب رئيس أركان القوات المسلحة، كما كان مسؤولاً عن الصناعات التي تنتج صواريخ بعيدة المدى ووسائل قتالية نُقلت إلى حلفاء النظام، وكذلك عن منظمة «سبند» التي دفعت مشاريع في مجالات السلاح النووي والبيولوجي والكيميائي.

كما اغتالوا علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الدفاع، الذي تعتبره إسرائيل «من أبرز صُنّاع القرار الأمني في إيران والمستشار الشخصي للمرشد الإيراني علي خامنئي للشؤون الأمنية» وتحمله مسؤولية البطش الشرس في قمع المظاهرات الأخيرة التي أدت إلى مقتل أكثر من 30 الفاً، ومحمد باكبور، قائد «الحرس الثوري» الذي تقول عنه إنه «يعد من العقول المدبرة لـ«خطة تدمير إسرائيل»، وصلاح أسدي، رئيس شعبة الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط الاستخبارات في القيادة العليا للقوات الإيرانية، وغيرهم.

أما الأمر الذي فاجأ الإسرائيليين أنهم استخدموا الأدوات نفسها التي اعتمدوها في يونيو (حزيران) الماضي، خلال الجولة الأولى للحرب، التي أصبحت تعرف بـ«حرب الـ12 يوماً».

ففي حينه، تم رصد اجتماع لرئاسة أركان سلاح الجو الإيراني في طهران، وتم تفجير المكان وقتل غالبية الحاضرين، ومع ذلك فإن الإيرانيين لم يظهروا جدية في الإفادة من تلك التجربة. وتمكن الإسرائيليون من رصد تحركات هؤلاء القادة فرداً فرداً، طيلة 9 أشهر، عبر أجهزة التجسس البشرية والإلكترونية، ومن خلال العمليات التي يقودها عملاء الموساد، الذين أقاموا لهم فرعاً نشطاً داخل الأراضي الإيرانية يعمل على مدار 24 ساعة في اليوم.

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية في طهران الثلاثاء 17 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

وتشير وسائل الإعلام العبرية إلى أن حجم الانكشاف ظهر في أن الإسرائيليين علموا بانعقاد 3 اجتماعات رفيعة المستوى في آن واحد، الثامنة من صبيحة السبت.

ويتضح أن الاجتماع الأهم، الذي جمع بين المرشد خامنئي وبين وزير الدفاع وغيره من القادة العسكريين، كان مقرراً مساء السبت، وفي سبيل التكتيك الأمني تم تبكيره إلى الثامنة صباحاً، وكانت إسرائيل على علم بذلك التغيير أيضاً، إذ إن طائراتها كانت تحلق في الجو عند موعد الاجتماع، وتم تحديد ساعة الصفر لحظة دخول خامنئي بالضبط.

متى اتخذ القرار؟

كشف تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتخذ قرار اللجوء إلى هذه الحرب فقط في يوم الجمعة، أي قبل يوم واحد من تنفيذ الهجوم المشترك مع إسرائيل، فبينما كانت التهديدات الأميركية لإيران تسير جنباً إلى جنب مع المفاوضات بين البلدين، حيث تلقى تقريراً من نائبه جي دي فانس، الذي كان تكلم لتوّه مع المبعوثين ستيف وتكوف وجارد كوشنير، بأن المفاوضين الإيرانيين يتخذون موقفاً عبثياً، وهدفهم بالأساس إطالة المفاوضات.

وبحسب الصحيفة، فإن ترمب أعطى عندها الأوامر، فانطلق الهجوم، الذي يجري الإعداد له منذ شهور طويلة، واتخذ طابعاً عملياً في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ كان يرغب في شنّ الحرب في نهاية الشهر، لكن الضغوط العربية جعلته يعطي مهلة أخرى للمفاوضات.

وتابعت الصحيفة، نقلاً عن مصادرها، أنه «بعد شهر، وتحديداً في 18 فبراير (شباط)، حدّد ترمب لإيران 10 أيام لإنهاء المفاوضات بشكل ايجابي، لكنهم في طهران لم يفهموا الرسالة. وتصرفوا من خلال الاتفاق على استئناف المفاوضات الاثنين المقبل، تماماً كما حصل عشية الحرب في يونيو».

التوقيت

تقول إسرائيل إن توقيت الهجوم حدّدته عملياً إيران. وذلك أن المخابرات الإسرائيلية، نتيجة اختراقها العميق للدولة على اختلاف أجهزتها، حصلت على معلومة ذهبية عن 3 اجتماعات سيعقدها قادة إيرانيون في الثامنة من صبيحة السبت، 28 فبراير. واعتبرت توجيه ضربة قاضية وقاتلة على هذه الاجتماعات سيكون أفضل صدمة معنوية للقيادة الإيرانية.

ونظراً لأن البداية ستكون يوم السبت، فإن الردّ الإيراني سيأتي بأقل تأثير ممكن، على تل أبيب، حيث إنه يوم العطلة الأسبوعية، والإسرائيليون المتدينون يبقون في بيوتهم. فإذا سقطت صواريخ وشظايا ستصيب الحدّ الأدنى منهم.

الرمز

ولم تخلُ الحرب كعادة إسرائيل من رموز دينية، إذ إنها جاءت قبل يوم من عيد المساخر (البوريم) في إسرائيل، أو عيد الفرح والهزل.

ويرتبط «عيد المساخر» بشكل وطيد بإيران، إذ إن نشأته تعود إلى بلاد فارس القديمة. ويحكى أن الزعيم المهووس بالعظمة (هامان) كان يعمل مستشاراً لدى ملك فارس، أحشويروش، الذي لا يعتبر فذّاً في الذكاء، وكان همه الأساس المتع الشخصية وحفلات الطعام والشراب.

ووفق الرواية اليهودية، قد حرّض هامان ملكه على اليهود الأغنياء، وأقنعه بأن يسمح بذبحهم جميعاً، لكن تدخل مستشار آخر للملك، هو اليهودي موردخاي، وأجهض المؤامرة وأنقذ اليهود، بعدما أحضر للملك بنت أخيه الجميلة، إستير، التي كانت ملكة جمال، فأغرته وأقنعته بأن يعفو عن اليهود ويقتل هامان، وهو ما حدث، ومنذ ذلك الحين يقيم اليهود احتفالات يسخرون فيها من هامان وكل عدو آخر، ويرتدون ملابس تنكرية.


تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
TT

تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)

أعلنت لبنان وفرنسا تأجيل المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية، الذي كان مقرراً انعقاده في الخامس من مارس (آذار) في باريس، إلى شهر أبريل (نيسان) المقبل من دون تحديد تاريخ ثابت، «نظراً لعدم توافر الظروف الملائمة للإبقاء على موعده المحدد» في إشارة إلى الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية التي تأثرت بها دول منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وصدر القرار بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيسان اللبناني جوزيف عون والفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأحد، جرى خلاله «البحث في آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة».

وحسب بيان صادر عن الرئاستين، أكد عون وماكرون أن خطورة الوضع الإقليمي تعزز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، وضمان استعادة سيادته الكاملة.

وأشار البيان إلى أن فرنسا ولبنان وشركاءهما في مجموعة الخماسية سيواصلون جهودهم في هذا الاتجاه، بما يضمن استمرار الدعم الدولي للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية وتعزيز مقومات الاستقرار في البلاد.

ووفق البرنامج الذي كانت قد وزعته وزارة الخارجية الفرنسية، فإن المؤتمر كان سينتهي «بالإعلان عن الالتزامات التي قدمتها الأطراف المشاركة التي يبلغ عددها نحو 60؛ منها 50 دولة و10 منظمات إقليمية ودولية».

دورية مشتركة بين الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (حسابها على «تلغرام»)

وقالت «الخارجية» الفرنسية إن ثمة 3 أهداف رئيسية للمؤتمر الذي جرى التمهيد له باجتماع استضافته القاهرة يوم الثلاثاء الماضي. يتمثل الهدف الأول، في «دعم الجيش اللبناني (والقوى الأمنية) لاستعادة سلطة الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتهيئة الظروف لتحقيق استقرار دائم في لبنان والمنطقة». أما الهدف الثاني، فقوامه «ضمان الاتساق بين الالتزامات الدولية المتخذة والتقدم المحرز في تنفيذ خطة نزع السلاح».

وكان قد شارك قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في اجتماع القاهرة الذي بحث تحديد أولويات الدعم العسكري والأمني، سواء فيما يتعلق بالعتاد والتجهيزات، أو التدريب، أو المساعدات اللوجيستية والمالية، في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي ترخي بثقلها على المؤسستين العسكرية والأمنية منذ عام 2019.

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيَّرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)


دمشق: موقف رسمي حذر من التداعيات وآخر شعبي مهلل لانتهاء الهيمنة الإيرانية

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومدنيون قرب حطام صاروخ إيراني اعترضته القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة جنوب سوريا - 28 فبراير (إ.ف.ب)
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومدنيون قرب حطام صاروخ إيراني اعترضته القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة جنوب سوريا - 28 فبراير (إ.ف.ب)
TT

دمشق: موقف رسمي حذر من التداعيات وآخر شعبي مهلل لانتهاء الهيمنة الإيرانية

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومدنيون قرب حطام صاروخ إيراني اعترضته القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة جنوب سوريا - 28 فبراير (إ.ف.ب)
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومدنيون قرب حطام صاروخ إيراني اعترضته القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة جنوب سوريا - 28 فبراير (إ.ف.ب)

تتباين المواقف الرسمية والشعبية السورية في ظل التصعيد الإقليمي والدولي، بين الموقف الرسمي المتضامن مع الدول العربية التي تتعرض لسقوط صواريخ إيرانية والمخاوف من تداعيات الحرب، والموقف الشعبي المهلل لانتهاء حقبة النفوذ الإيراني، ومقتل قادة ساندوا النظام السوري البائد وانخرطوا في تدمير سوريا، عبرت عنها تكبيرات المساجد في حمص وتوزيع الحلويات في دمشق، مع استعادة ذكريات الحرب المريرة التي قادتها إيران في سوريا، فيما تواصل دوي الانفجارات الناجمة عن اعتراض الصواريخ الإيرانية في الأجواء السورية.

وفي اتصال أجراه وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، الأحد، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، بحث الجانبان التطورات الإقليمية الأخيرة وتداعياتها على المنطقة، وفق ما ذكرته وكالة «سانا» الرسمية، وأكد زيادة التنسيق بين البلدين بما يحقق الأمن والاستقرار في ظل التطورات الراهنة.

أطفال سوريون يلهون بحطام صاروخ إيراني اعترضته إسرائيل في ريف القنيطرة الجنوبي بالقرب من بلدة غدير البستان (أ.ف.ب)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، أجرى في وقت سابق، اتصالات هاتفية منفصلة مع كل من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، واتصالاً مع ملك البحرين حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة، وبحث الرئيس الشرع مع القادة الأربعة، التطورات في ظل التصعيد الحاصل وانعكاساته على أمن واستقرار المنطقة، وذلك وفق بيان للرئاسة السورية.

وأكد الشرع أن الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت قطر والسعودية والعراق وعدداً من الدول العربية، تشكّل «تهديداً خطيراً لأمن واستقرار المنطقة»، معرباً عن تضامن سوريا ودعمها الكامل لهذه الدول قيادةً وشعباً، ورفضها القاطع لأي «انتهاك لسيادة الدول العربية أو المساس بأمنها واستقرارها»، مع التأكيد على أهمية التضامن العربي في مواجهة التحديات الراهنة.

كما شدد الرئيس الشرع ورئيس الوزراء العراقي، خلال الاتصال، على حرص الجانبين على استمرار التشاور والتنسيق، وضرورة «تغليب الحوار والحلول السياسية، لتجنيب شعوب المنطقة مزيداً من التوتر والتصعيد».

وعلى المستوى الشعبي، وما إن أعلن عن مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وعدد من القادة الإيرانيين حتى خرج سوريون في حمص ودمشق ومناطق أخرى إلى الشوارع وقاموا بتوزيع حلويات، وكان لافتاً أن الاحتفالات الكبرى كانت بمحافظة حمص، وترافقت مع ارتفاع التكبيرات في عدد من المساجد.

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية- متداولة)

وقالت مصادر محلية متقاطعة في مدينة حمص ومدينة القصير جنوب غربي حمص على الحدود مع لبنان، التي كانت أحد أكبر معاقل «حزب الله» اللبناني والنفوذ الإيراني، إن المحتفلين لم يناموا ليلة أمس، وهم يجوبون الشوارع ويستعيدون ذكريات مريرة، حين أسهمت إيران في تشريدهم وتدمير 70 في المائة من مدينتهم، وأنشئ فيها أكبر مستودعات السلاح التي كانت هدفاً لإسرائيل، وأدت إلى مزيد من الخراب والدمار في المنطقة.

في حي الميدان بدمشق، قامت مجموعة من الأهالي بتوزيع الحلويات في المكان ذاته، الذي قام فيه موالون لإيران بتوزيع حلويات أثناء قصف الغوطة الشرقية بالكيماوي عام 2013. وفي حماة، تم إيقاف مباراة كرة يد لعرض خبر مقتل خامنئي وسط تهليل الجمهور وترديد أغاني الثورة السورية، وفق ما أظهره مقطع فيديو متداول.

أرشيفية لعناصر من الميليشيات الإيرانية في دير الزور بسوريا

ويتهم السوريون الذين ثاروا على نظام الأسد، إيران، بهندسة تدمير سوريا، لا سيما في المناطق التي بسطت فيها نفوذها على طريق الإمداد الذي أنشأته من مدينة الميادين في محافظة دير الزور على الحدود مع العراق، مروراً بتدمر في البادية السورية وحمص، وصولاً إلى مناطق الحدود مع لبنان في محافظتي حمص وريف دمشق، بالإضافة إلى مناطق الغوطة الشرقية ومحيط العاصمة، التي نالت الجزء الأعظم من التدمير.

وأعلنت الحكومة الإيرانية، في بيان رسمي الأحد 1 مارس (آذار)، مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، في هجوم شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يوم السبت.

ومع تواصل التصعيد، سمع دوي انفجارات في سماء العاصمة دمشق الأحد، وقالت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية إنها قد تكون ناجمة عن اعتراض إسرائيل لصواريخ إيرانية، فيما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، الأحد، إغلاق المجال الجوي السوري أمام حركة الطائرات، إضافةً إلى إغلاق جميع المطارات السورية أمام عمليات الإقلاع والهبوط، وذلك لمدة 24 ساعة، بدءاً من الساعة 00:00 من صباح اليوم (الأحد) 1 مارس (آذار) 2026، بتوقيت دمشق.

لقاء المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالرئيس السابق بشار الأسد في طهران في 25 يناير 2001 (إ.ف.ب)

من جهتها، أعلنت السفارة الأميركية بسوريا في منشور عبر منصة «إكس»، عدم تقديمها أي خدمات قنصلية روتينية أو طارئة للمواطنين الأميركيين في سوريا، وقالت إن جمهورية التشيك تعمل قوةً حامية للمصالح الأميركية في سوريا، ويمكن للأميركيين في سوريا المحتاجين لمساعدة طارئة العودة إليها، ومن لا يستطيع يمكنه التواصل مع السفارة الأميركية بالأردن.

وكانت تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة الأميركية تدرس إعادة فتح سفاراتها بدمشق التي أغلقت عام 2011، بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا ضد نظام الأسد.