تشارك السعودية اليوم على مستوى رفيع في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، في دلالة آخرى على الاهتمام السعودي بمصر وأهمية العلاقات بين البلدين.
وأيام تمرّ على «إعلان القاهرة» الشامل الذي توّجت جهوده السعي الحثيث من السعودية ومصر إلى تحقيق أقصى درجات التعاون، حيث حملت بعض بنوده تعزيزا للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية.
وسارت العلاقات على نحو مختلف عبر ذلك الإعلان، حيث أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، رغم إجازته الخاصة، في اتصال هاتفي مع الرئيس المصري عقب ساعات من «إعلان القاهرة»، أن العلاقة بين البلدين «استراتيجية وتكاملية»، قائلا إن الإعلان يحمل «مضامين عليا ومهمة للأمتين الإسلامية والعربية».
وبددت تلك الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، كل الشكوك حول العلاقة والتعاون بين الرياض والقاهرة، فتهشمت معها أصوات حاولت النيل من المواقف السعودية الدائمة تجاه جمهورية مصر العربية، خاصة بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين.
وكشف الإعلان عن ولادة القوة العربية المشتركة بنواة سعودية - مصرية مشتركة، وفتح آخر على صعيد العلاقات الاقتصادية بمشاريع مشتركة، وتكثيف للاستثمارات المتبادلة، علاوة على تعيين الحدود البحرية بين البلدين، وعبر عنه حينها أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي، بقوله إن الروابط بين السعودية ومصر تعد ركيزة للعمل العربي المشترك وضمانة للأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور فهد السقاف، أستاذ العلاقات الدولية، إن إعلان القاهرة دمغ الكثير من الأقوال التي كانت تحاول النيل من العلاقات بين البلدين، وأوضح الرؤية الحقيقية التي تنتهجها الأنظمة السياسية في عملها الذي يحتاج كثيرا من الصمت من أجل شعوب المنطقة.
وبـ«إعلان القاهرة»، أحبطت السعودية ومصر محاولة استقطاب الأزمات إلى الداخل، فقبل برقية التعزية التي بعث بها الملك سلمان إلى الرئيس المصري بعد الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها نقاط تفتيش أمنية في سيناء أوائل شهر يوليو (تموز) الماضي، جاءت الصورة مختلفة من الداخل السعودي ضد من يحاول تعكير صفو الأساس التاريخي الذي بنيت عليه السعودية منذ عهد الملك المؤسس.
فمن باب الإعلام، ظهرت شخصيات امتهنت الاحتجاج خاصة بعد سقوط حكم الإخوان في مصر، وجعلت من السعودية مرمى للانتقاد التي وقفت مع مصر في مسيرتها وتحقيق الأمن فيها، في سعي دائم لفصل العهود السابقة عن الحاضر الزاهر والمستقبل التنموي الذي يرسمه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
الخطاب الإعلامي الذي يمتهنه بعض المعارضين للوقفات السعودية مع مصر ويحاولون عبره استقطاب جمهور كبير من المتعاطفين، ساعين بذلك لقيادة حملة مضادة للقيادة المصرية الحالية، يحمل تفسيرات مراقبين بأنه لم يكن سوى ردات فعل مستمرة، ومحاولة الإيهام بعلاقة متبدلة مع مصر.
ودأبت بعض الخطابات الإعلامية المضادة لنهج الدولة على ترويج تلك الأنّات المؤدلجة، وإدخالها ضمن السجال السياسي الذي وجد في العلاقات السعودية - المصرية وما تتعرض له مصر منذ أشهر من حرب شرسة من الإرهاب، فرصة إعادة الصراعات الصفرية.
لكن ما يؤكد على مواصلة المملكة نهجها والتزامها مع مصر، تلك الرسالة الجوابية في فبراير (شباط) الماضي، التي جدد فيها خادم الحرمين الشريفين للرئيس المصري، وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب حكومة وشعب جمهورية مصر العربية، وأن «موقف المملكة تجاه مصر واستقرارها وأمنها ثابت لا يتغير، وأن ما يربط البلدين الشقيقين نموذج يحتذى في العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك، وأن علاقة المملكة ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين».
وجدد لاحقا خادم الحرمين الشريفين وقوف المملكة مع مصر ضد كل من يهدد أمنها، وقال الملك سلمان في برقية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: «إننا إذ نستنكر هذه الأعمال الإجرامية النكراء التي هي من أعظم الجرائم في الإسلام، لكونها جرائم ظلم وعدوان آثم، وإفساد في الأرض، وهتك لحرمات الأنفس المعصومة، وتعدٍ على الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين، لنؤكد لفخامتكم وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب بلدكم الشقيق في مواجهة كل ما يستهدف أمن مصر واستقرارها».
وعدّ بكري مصطفى، الباحث السياسي في «مركز القاهرة للدراسات السياسية»، زيادة حدة تلك الأصوات من الداخل المصري أو السعودي، محاولة لتبرير خسارة أحزابهم الدينية عبر تعلقهم بطموح ديمقراطي لم يستطيعوا تحقيقه، وأضاف أن محاولة مؤيدي تنظيم «الإخوان» على وجه الخصوص في تقديم روح ثورة جديدة، هي انتكاسة لهم ولإعلامهم، وأن النيل من المواقف التي تحمي الدول يستوجب دخول السلطات مباشرة لمحاربتها.
وقال بكري خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات السعودية - المصرية تتجلى كل يوم بصورة زاهية مع كل محاولة لبث الفرقة بين البلدين، وعدّ أن «من يحاول الإساءة إلى تاريخ البلدين في الأمس أو اليوم بتفريق العهود أو مراحل الحكم، إنما يسير بلا إدراك في فهم مقتضيات الأمور، ومحاولة الكسب السياسي مجرد شعارات لم تشفع للأحزاب الدينية بالبقاء».
المحلل السياسي السعودي عبد الرحمن الطريري، امتدح خلال حديث لـ«الشرق الأوسط» ما وصفه بـ«الحزم» بوصفه مبدأ للعدل في الحكم في عهد الملك سلمان، وقال إن «المرجفين حاولوا استغلال لطف النبلاء، والذي ينظر للمشهد بكامله، يعي الوقفات الحاسمة في هذه الفترة».
وعد الطريري أن موقف السعودية راسخ ضد الإرهاب بكل أنواعه وتيارات مؤيديه، وأن «الموقف تجاه مصر ثابت لم يتغير، مهما حاول البعض تغيير ذلك، أو حاولوا اختلاق الخلافات»، وأضاف أن «قوة العلاقات السعودية - المصرية هو تجاوزهم للخلافات دوما وعدم الالتفات لها».
كراهية بعض الأصوات السعودية المتولدة لم تكن أرضيتها وليدة اليوم، بل كانت ثورة 30 يونيو (حزيران) ووقوف الرياض مع القاهرة في اختيارها الشعبي ضد حكم الإخوان، منطلقا للإساءات على نسيجهم الوطني وضد الشعب المصري وجيشه، وهو ما دعا تيارات آيديولوجية لتكون وقود فتنة كبيرة على أراضي مصر، مستهدفين كذلك قيادة بلدهم، وليسيروا في مسار اختلاق الرؤى والأحداث والوقائع، وبثها بصور كثيرة لتحقيق أهدافهم، بعد وصول الإخوان للسلطة التي غادروها في عام.
«خطابات الفتنة» الممنهجة، استغلت ساحة الدولة المصرية وأحداثها، وهدفهم الاستراتيجي الساحة السعودية، جاعلين نصب أعينهم هدفا كبيرا يقصدون به ضرب مصداقية المملكة، وهو ما تنبهت له الرياض مبكرا عبر عدد من الخطابات الملكية، وأنها «لن تسمح بأن يستغل الدين لباسًا يتوارى خلفه المتطرفون والعابثون والطامحون لمصالحهم الخاصة».
ويلحظ الراصد لتلك الدعوات محاولات توتير العلاقة من رموز دينية، على وجه الخصوص، بين العهود الملكية السابقة والعصر الحالي، عبر ستار التحزيب، رغم تأكيدات الملك سلمان أنه وضع نصب عينيه مواصلة العمل على الأسس التي قامت عليها المملكة، مؤكدا كذلك تصديه لأسباب الخلاف ودواعي الفرقة، والقضاء على تصنيف المجتمع بما يضر الوحدة، وأن أبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات.
ومن منبع اهتمام الرياض الرسمي بالأوضاع في مصر، استغلت الرموز الحركية في السعودية ذلك لتوجيه الاتهامات لحكومة المملكة بأنها من «ساهم في زيادة وهج النار المشتعلة»، وهو أسلوب تنتهجه المنظمات الإرهابية في استغلال الأحداث بغية تحقيق الأهداف الاستراتيجية. ويحمل بعض المحللين أدبيات برنامج الإخوان المسلمين الذي هو عندهم مجرد غطاء لمشاعر معادية للغرب، بينما هو واقع في وحل مختلف يهدف إلى تغيير اتجاه بوصلة الحدث للخراب الداخلي.
وشدد الملك سلمان على القضاء على الفساد ومحاسبة المقصرين، حيث قال في أحد خطاباته إن «الأمن مسؤولية الجميع، ولن نسمح بالعبث بأمننا»، وقال إن «الأمن نعمة عظيمة، وهو الأساس في رخاء الشعوب واستقرارها، وعلى الدوام أظهر المواطن السعودي استشعارًا كبيرًا للمسؤولية، وشكل مع قيادته وحكومته سدًا منيعًا أمام الحاقدين والطامعين».
محور السعودية ـ مصر يُبحر في فضاء التعاون الشامل ويهشّم الإعلام المعادي
الرياض تشارك في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة
الرئيس السيسي لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في القاهرة في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
محور السعودية ـ مصر يُبحر في فضاء التعاون الشامل ويهشّم الإعلام المعادي
الرئيس السيسي لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في القاهرة في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




