ليلة المصائر والأقدار... حبل المشنقة وشراهة الملاكمين

جنود أميركيون أمام تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد بعد سقوط نظامه (غيتي)
جنود أميركيون أمام تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد بعد سقوط نظامه (غيتي)
TT

ليلة المصائر والأقدار... حبل المشنقة وشراهة الملاكمين

جنود أميركيون أمام تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد بعد سقوط نظامه (غيتي)
جنود أميركيون أمام تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد بعد سقوط نظامه (غيتي)

كان ذلك قبل عقدين. في تلك الليلة اندلع الزلزال. ليلة المصائر والأقدار. دفعت صدام حسين إلى حبل المشنقة. دفعت نظام البعث إلى الركام. أسقطت جدار «البوابة الشرقية»، وصار باستطاعة جمر الثورة الإيرانية التدفق في الإقليم. هزت الليلة الخريطة العراقية وخرائط أخرى. ستطل «القاعدة» وتنحسر. وسيظهر «داعش» وسيتوارى. وسيتنازع المنتصرون على الحصص في دولة هشة لا تشكل فيها الحكومات إلا بعد موافقة الجنرال قاسم سليماني.
في بغداد هاجمتني تلك الأيام. صدّق أو لا تصدّق. اسم الرجل الجالس في مكتب السيد الرئيس، جلال طالباني، وهو زعيم كردي. واسم الجالس في مكتب رئيس الوزراء، إياد علاوي، وهو رجل نجا بأعجوبة من فأس السيد الرئيس الذي انهال عليه في منزله في لندن وأرغمه على علاج دام نحو عام. وبعد علاوي سيشغل هذا المكتب الذي انتقلت إليه الصلاحيات رجل اسمه نوري المالكي جاء من حزب «الدعوة» ومن انتظار طويل ومرير في دمشق. وفي أربيل يجلس رجل اسمه مسعود بارزاني تحت علمي العراق والإقليم بموجب الدستور الجديد الذي نص على عراق فيدرالي. واسم الرجل الجالس في مقاعد «مجلس الحكم» أحمد الجلبي أو عبد العزيز الحكيم. وفي مقر وزارة الخارجية سيلمع نجم معارض كردي مزمن اسمه هوشيار زيباري.
لم يكن أحد يجرؤ على تخيّل مثل هذه المشاهد. كان قادة المعارضة مبددين في عواصم كثيرة: طهران ودمشق وعمّان وبيروت ولندن، فضلاً عن الملاذ الآمن في الشمال الكردي. انتظروا طويلاً مع حلمهم الصعب. انتظروا ساعة سقوط صدام حسين وهاجمهم العمر وزارت التجاعيد وجوههم. بدا صدام شبيهاً بالقدر. لم تقتلعه الحروب ولم تنجح محاولات الانقلاب ولم تثمر الانتفاضات.
قبل عقدين تماماً كانت ليلة المصائر والأقدار. انهمرت آلاف الصواريخ. بدأت الحرب. في تلك الليلة كان الموكب العائد من تركيا يتقدم وسط الظلام الدامس. كانت المفاوضات مع الأتراك بشأن الحرب المقتربة شاقة، إذ اشترطت أنقرة للمشاركة في التحالف الدولي إرسال قوات إلى كركوك والموصل. فجأة بثت إذاعة الـ«بي بي سي» نبأ مفاده أن الحرب بدأت. خيّم الصمت على طالباني، وكان شريكه في السيارة برهم صالح الذي سيتولى الرئاسة لاحقاً. الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد كان هناك، وكذلك هوشيار، وعدد من المعارضين. حققت تلك الليلة حلم الجلبي الذي طرق طويلاً دهاليز الكونغرس لإقناع أميركا بإطاحة صدام. ذات ليلة في بغداد قال لي: «دعك من المزايدين. لو لم يأت الأميركيون لعاش العراقيون في ظل صدام حتى وفاته وربما عاشوا بعده في ظل أحد نجليه. هذا النوع من الأنظمة لا تقتلعه إلا قوة عظمى كأميركا». وقال الجلبي إنه دخل كردستان العراق سيراً على الأقدام في يناير (كانون الثاني) آتياً من إيران. رافقه في زيارته إلى طهران الكاتب كنعان مكية واللواء وفيق السامرائي والدكتور لطيف رشيد الرئيس الحالي. قال إن الوفد اجتمع بوزير الخارجية كمال خرازي ورئيس «مجمع تشخيص مصلحة النظام» هاشمي رفسنجاني والجنرال قاسم سليماني، وإن السلطات الإيرانية أعدّت لهم وداعاً رسمياً.
غيّرت ليلة المصائر الأدوار والملامح والأقدار. ولد عراق لا يشبه العراق السابق. واهتزت توازنات تاريخية. وفتحت الحلبة أمام الملاكمين الجدد، وبدا بعضهم متعطشاً إلى السلطة وشديد الشراهة في ممارستها. فتحت ليلة المصائر الباب أيضاً أمام عقدين من استباحة هيبة الدولة والمال العام.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» الأربعاء، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع تكثيف غير مسبوق للغارات الجوية التي تواكب توغلاً برياً اقترب من الوصول إلى ضفاف نهر الليطاني من ناحية الطيبة - ديرسريان، ويتوسع لمحاصرة مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني.

الدخان يتصاعد من جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن المصادقة على أهداف عسكرية جديدة في لبنان، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي سيتحرك للسيطرة على المنطقة حتى نهر الليطاني. وأكد أن القتال ضد «حزب الله» سيستمر بشكل مستقل عن أي مسار مرتبط بإيران، في وقت نقلت فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر عسكرية تأكيدها استمرار العمليات دون ربطها بالملف الإيراني.

محاولات التوغل

وبدأ الجيش الإسرائيلي بالتمهيد لمحاصرة مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني، حيث تشير محاور التوغل إلى أنه يتقدم من ثلاث جهات، الشرقية من ناحية مارون الراس ويارون اللتين ربط سيطرته فيهما، والثاني من المحور الشمالي عبر عيترون باتجاه أطراف عيناثا، والثالث من المحور الغربي إذ تقدم من القوزح وعيتا الشعب وراميا، باتجاه دبل التي أحكم سيطرته عليها، ويقاتل على أطراف بيت ليف لقطع خطوط إمداد واسعة عن بنت جبيل.

بالموازاة، أحرزت القوات الإسرائيلية تقدماً من الطيبة باتجاه دير سريان التي نفذ فيها سلاح الجوي غارات عنيفة ومتزامنة، في محاولة للتقدم باتجاهها والنزول إلى ضفة الليطاني، بما يمكنه من إطلاق هجمات على وادي الحجير وعزله عن الإمدادات بالأودية من الجهة الشمالية.

وفي السياق نفسه، أحرزت القوات الإسرائيلية تقدماً باتجاه الأحياء الشمالية لمدينة الخيام في القطاع الشرقي، وبات القتال في آخر جيوب في المنطقة، وسط قصف مدفعي إسرائيلي، يوازيه قصف مدفعي من «حزب الله» إلى القوات المتمركزة في الأحياء الشرقية والجنوبية لبلدة الخيام.

وبعد سيطرته على مزرعة حلتا على السفح الغربي لجبل الشيخ، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه اعتقل قائد خلية في تنظيم «سرايا المقاومة اللبنانية»، خلال عملية ليلية خاصة نفذتها وحدة «إيغوز» في منطقة مزارع شبعا جنوبي لبنان، مشيراً إلى أن العملية جاءت بعد متابعة استخبارية، وأن المعتقل نُقل إلى داخل إسرائيل للتحقيق.

غارات متزامنة على محاور متعددة

ميدانياً، شهد جنوب لبنان الأربعاء تصعيداً جوياً ومدفعياً واسعاً، مع سلسلة غارات وقصف طال عشرات البلدات في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية ومرجعيون، في موازاة تحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّر.

وتعرضت أطراف بنت جبيل ومارون الراس ويارون لقصف مدفعي، فيما شنَّ الطيران الحربي غارات على حانين والبرغلية وتول، واستهدف منازل في حاريص وكفرا وحنية. وامتد القصف إلى جويا ودبعال والدوير، بينما طالت المدفعية وادي الغندورية وفرون والخيام. كما شملت الغارات عربصاليم ورشاف والقليلة والحنينة، إضافة إلى حاروف وأرنون والشرقية، حيث دُمّر منزل بالكامل.

صورة التُقطت من منطقة مرجعيون في لبنان تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية كفر تبنيت في جنوب البلاد 24 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وأسفرت الغارات عن سقوط قتلى وجرحى، إذ أدت غارة على منزل في باتوليه إلى مقتل شخص وإصابة آخر، فيما أوقعت غارة على منزل بين زوطر الشرقية والغربية قتيلين ودمَّرت المبنى بالكامل. كما استُهدفت محطة محروقات عند المدخل الشرقي لبلدة الدوير، مما أدى إلى احتراقها وتدميرها جزئياً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الضربات شملت أيضاً محطات وقود تابعة لشركة «الأمانة»، التي يقول إنها تشكّل مصدراً مالياً رئيسياً لـ«حزب الله»، مؤكداً أن استهدافها يندرج ضمن خطة لضرب مصادر التمويل وتقويض القدرات التشغيلية للحزب.

حصيلة الضحايا ترتفع

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بسقوط 9 قتلى و47 جريحاً في غارات استهدفت مناطق عدة، بينها عدلون حيث سقط 4 قتلى، ومخيم المية ومية الذي استُهدفت فيه شقة سكنية، إضافة إلى بلدة حبوش التي شهدت سقوط 3 قتلى وعدد من الجرحى.

وبذلك ترتفع الحصيلة الإجمالية منذ بداية التصعيد إلى 1094، والجرحى إلى 3119 إلى جانب نزوح يفوق المليون شخص من المناطق المستهدفة.

ردّ واسع بالصواريخ والمسيّرات

وأعلن «حزب الله»، الأربعاء، تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وشمال إسرائيل والجولان، مستخدماً الصواريخ والمسيَّرات الانقضاضية والصواريخ الموجَّهة وقذائف المدفعية.

وقال الحزب، في بيانات متلاحقة، إنه استهدف تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية في بلدات القوزح ودبل وبيت ليف والناقورة وعلما الشعب مارون الراس والطيبة، قبل أن يوسّع نطاق ضرباته لتشمل مستوطنة كريات شمونة. وتركّزت العمليات لاحقاً في القوزح، حيث أعلن استهداف دبابتَي «ميركافا» بصواريخ موجَّهة، وقصف تجمعات للجنود بالصواريخ والمدفعية، إضافة إلى استهداف مروحية عسكرية بصاروخ دفاع جوي أثناء محاولتها إخلاء إصابات، مما أدى إلى تراجعها.


«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

‏يتعامل «الثنائي الشيعي»؛ ممثلاً في «حركة أمل» و«حزب الله»، مع قرار طرد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، على أنه حد فاصل بين ما يمكن استيعابه من إجراءات وقرارات بحق فريقهم السياسي، وما لم يعد يجوز السكوت عنه وتمريره.

ولم تنسحب حالة الاستنفار التي يعيشها «الثنائي» وجمهوره للتصدي للقرار، على قرارات أكبر اتُخذت في وقت سابق؛ سواء في 7 أغسطس (آب) الماضي حين قررت الحكومة حصرية السلاح، ولا حين عُلّق أي نشاط عسكري لـ«حزب الله». ففيما غطى وزراء «أمل» القرار الأخير، اكتفى وزراء «الثنائي» بالخروج من الجلسة التي اتُّخذ خلالها القرار الأول.

الكرة في ملعب عون

تشير مصادر «الثنائي الشيعي» إلى أن لديه مجموعة خيارات للتعامل مع هذا القرار، كاشفة لـ«الشرق الأوسط» عن أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية الذي نفى علمه المسبق بقرار وزير الخارجية»، لافتة إلى أن «(الثنائي) أبلغ السفير بالتعامل مع القرار كأنه لم يكن». وتشير المصادر إلى أن «تعليق العمل الحكومي من الخيارات الواردة، مع التشديد على إصرار (الثنائي) راهناً على تفادي أي اهتزاز للاستقرار الداخلي».

موقف «حركة أمل»

وبعد البيان الذي أصدره «حزب الله»، الثلاثاء، واصفاً قرار طرد السفير الإيراني بـ«الخطيئة الوطنية والاستراتيجية الكبرى»، داعياً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى مطالبة وزير الخارجية، بـ«التراجع الفوري عن هذا القرار لما له من تداعيات خطيرة»، أصدرت «حركة أمل»، يوم الأربعاء، بياناً تبنت فيه مطالب «الحزب»، فدعت بدورها المسؤولين الرسميين المعنيين إلى العودة والتراجع عن القرار الذي وصفته بـ«الخطوة المتهورة واللامسؤولة»، مؤكدة أنها «لن تتهاون في تمريرها تحت أي ظرف من الظروف».

وعدّت أنه «كان أجدر بالمسؤولين الرسميين اللبنانيين إعلان حالة طوارئ دبلوماسية على المستوى العالمي لمواجهة ما أعلنه أمس وزير الحرب الإسرائيلي متفاخراً بتدمير كافة الجسور القائمة على طول مجرى نهر الليطاني، وإعلانه نوايا كيانه احتلال مساحة 10 في المائة من مساحة لبنان وجعل حدوده حتى منطقة جنوب الليطاني منطقةً عازلة».

لبنانيون يشاركون في تشييع عنصر من «حركة أمل» قتل بغارة إسرائيلية الثلاثاء (أ.ب)

وكانت وزيرة البيئة، تمارا الزين، المحسوبة من حصة «حركة أمل» الوزارية، قالت في حديث تلفزيوني: «نعوّل على تدارك الموضوع قبل الخميس»، لافتة إلى أنه «ستتم إثارته خلال الجلسة لما له من تبعات كبيرة». ولم تستبعد الزين أن يكون خيار انسحاب وزراء «الثنائي» من الحكومة من الخيارات المطروحة. في المقابل، اكتفت مصادر وزارة الخارجية بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «التراجع عن القرار غير وارد، فهو قرار سيادي».

ابتزاز سياسي

ويعدّ الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور علي مراد أنه «كان على الحكومة اللبنانية أن تتحرك منذ اليوم الأول لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، مع العلم بأننا نعي أنها تتعامل راهناً مع تراكم غير طبيعي منذ عقود من الزمن. فالموقف مثلاً من إيران كان يفترض أن يتغير منذ سنوات، وبالتحديد منذ حديث مسؤولين إيرانيين صراحة عن أنهم يديرون 5 دول عربية»، لافتاً إلى أن «الدولة غير قادرة على تطبيق كثير من القرارات التي تتخذها، ولكن يبقى أن القرارات المتخذة منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام تؤكد أن هناك نية لتغيير الواقع، لكن (حزب الله) و(حركة أمل) يحاولان دائماً شل أي محاولة لتطبيق هذه القرارات عبر تهديد الاستقرار والسلم الأهلي، وبالتالي هما يمارس الابتزاز السياسي».

وشدد مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «المطلوب هو الحسم السياسي والدبلوماسي من قبل الدولة؛ لأنه من غير المقبول أن تذهب إيران إلى تفاوض باسم لبنان واللبنانيين كما هي رغبة طهران و(حزب الله)»، مرجحاً لجوء «الثنائي الشيعي» إلى التصعيد بعد قرار طرد السفير الإيراني، «لكن؛ وبمعزل عن كل ملابسات القرار، يبقى الأساس عدم خضوع المسؤولين اللبنانيين للابتزاز، والثبات في مواجهة كل التهديدات».


فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
TT

فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

وصلت فرق مؤازرة من الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، الأربعاء، إلى مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، آتية من مختلف المحافظات السورية؛ لدعم جهود الاستجابة الجارية منذ 3 أيام في المحافظة التي تتعرض لسيول وفيضانات جارفة بعد سنوات طويلة من الجفاف.

وتسبب فيضان نهر الخابور في منطقتي اليعربية وتل حميس بريف الحسكة في قطع الطريق الدولية ببعض المقاطع، ووصول المياه إلى أحياء الميريديان وغويران في الحسكة، وكذلك وصل الفيضان إلى حي الحمر بمدينة تل تمر، كما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في نهر جقجق؛ المارِ بوسط المدينة، إلى الحدود القصوى لمجرى النهر. وهذا الفيضان يعدّ الثالث خلال أسبوعين، وذلك بعد سنوات من جفاف النهرين وروافدهما التي عادت المياه لتتدفق فيهما.

وقالت وكالة «هاوار» الكردية، إن أكثر من 500 عائلة غادرت منازلها من المناطق الواقعة في حرم نهر الخابور القريبة من المجرى في حي الحمر والميريديان وغويران.

في السياق، ناقش مدير الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، منير مصطفى، مع محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، الأربعاء، خطة الاستجابة للفيضانات في المحافظة.

ووفق وزارة الطوارئ، فقد أجرى مدير الدفاع المدني عقب المناقشات جولة ميدانية في المحافظة برفقة قادة فرق الاستجابة لتقييم الأضرار والاحتياجات؛ الناتجة عن الأمطار الغزيرة وفيضان نهر الخابور وروافده، ومتابعة عمل الفرق لضمان سلامة المدنيين وممتلكاتهم.

وحذرت الأرصاد الجوية، أمس، من منخفض جوي وعاصفة مطرية في عموم المناطق السورية من الأربعاء حتى الجمعة. وقالت «إدارة الإعلام والاتصال» بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لـ«الشرق الأوسط» إن فرق الوزارة تواجه صعوبات لوجيستية بسبب اتساع رقعة الفيضانات والسيول التي تشمل جميع الأراضي السورية؛ نتيجة الأمطار الغزيرة وتتابع المنخفضات الجوية.

ولفتت مصادر إلى أن كمية الأمطار التي هطلت تعدّ ضمن الحد الطبيعي، «إلا إن تتابع المنخفضات أدى إلى تشبع التربة بالمياه، وزادت نسبة تشكل السيول مع كل هطول مطري غزير»، وأضافت: «هناك نحو 120 فريقاً تستجيب على مدار الساعة في مختلف المناطق».

فرق الدفاع المدني تستجيب وتعمل على شفط المياه في شوارع الحسكة (مركز إعلام الحسكة)

ومع أن وزارة الطوارئ ما زالت في طور افتتاح مديرية لها قريباً بمحافظة الحسكة، فإن فرقها تعمل في ريف الحسكة منذ 3 أيام بكامل طاقتها، واستجابت لنحو 50 بلاغاً في مناطق اليعربية وتل حميس، ويجري العمل على فتح قنوات تصريف للمياه، ورفع سواتر ترابية، وشفط مياه من المنازل، وانتشال سيارات عالقة، وإخلاء أسر من منازل غارقة بالمياه، والاستجابة لحالات البيوت والأبنية المنهارة.

وبشأن حجم الأضرار، قالت «إدارة الإعلام والاتصال» إن هناك «تقديرات أولية تشير إلى تضرر أكثر من 300 عائلة وأكثر من 120 منزلاً، ولا تزال عمليات التقييم جارية، لإحصاء حجم الأضرار، فالأمر ما زال في طور الاستجابة» التي تجري بـ«التنسيق مع كل مؤسسات الحكومة السورية في الحسكة، ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا، والصليب الأحمر الدولي، والهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي».

من جانب آخر، عُقد في مقر محافظة الحسكة اجتماع موسّع الأربعاء، بحضور المحافظ، نور الدين أحمد، ضمّ وفداً من مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلى جانب مديريات المياه، والشؤون الاجتماعية، والعمل، والتربية، وفرع الهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي، وبحث «واقع المناطق المتضررة جراء الفيضانات وأوضاع المخيمات، وسبل دعم عودة المهجّرين، كما جرى بحث واقع محطة مياه علوك، ومناقشة الحلول المقترحة لإعادة تفعيلها». ودعا محافظ الحسكة إلى تقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.

وأفادت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عبر قناتها على «تلغرام» بأن فرق الدفاع وصلت الأربعاء إلى مدينة الحسكة وباشرت أعمالها الميدانية فوراً بالتنسيق مع كوادر الوزارة بالمدينة وريفها لتسريع الاستجابة في المناطق الأشد تضرراً.

وتسبّبت العاصفة المطرية في تشكل برك مائية واسعة في الشوارع والساحات، إلى جانب فيضانات بالأرياف الشمالية والجنوبية والغربية للحسكة، فيما غمرت المياه مئات المنازل بمناطق تل حميس وتل براك والشدادي، مما أدى إلى أضرار مادية كبيرة، خصوصاً في المناطق القريبة من مجاري الأنهار.

وكانت محافظة الحسكة وعموم المناطق السورية تعرضت لموجة جفاف قاسية استمرت سنوات، أدت - نتيجة شح المياه الجوفية - إلى خسائر فادحة وتضرر قطاعَيْ الزراعة والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى أزمة في توفر مياه الشرب، وزيادة فترات تقنين المياه... التي ترافقت مع أوضاع الحرب القاسية.