«الدولار بمائة ألف ليرة» يفرض إيقاعاته على عيش اللبنانيين

توظيفات المصارف «محجوزة» وإضرابها قيد المعالجة

الدولار بمائة ألف ليرة في لبنان (د.ب.أ)
الدولار بمائة ألف ليرة في لبنان (د.ب.أ)
TT

«الدولار بمائة ألف ليرة» يفرض إيقاعاته على عيش اللبنانيين

الدولار بمائة ألف ليرة في لبنان (د.ب.أ)
الدولار بمائة ألف ليرة في لبنان (د.ب.أ)

سطعت شاشات التطبيقات الهاتفية ببلوغ انهيار الليرة اللبنانية سقف الأرقام الستة إزاء الدولار الأميركي، ليضرب رمزيا الفئة النقدية الأكبر في التداول (مائة ألف ليرة)، تزامنا مع انخراط المصارف بتنفيذ جولة جديدة من الإضراب العام؛ اعتراضاً على «تعسّف» بعض القرارات القضائية، فيما تضرب موجات الغلاء المتوالية بحدة بالغة وبوتيرة غير مسبوقة كامل مكونات منظومة الاستهلاك، وبما يشمل أكلاف الخدمات العامة والحكومية.
ووسط ترقب عام لردة فعل السلطة النقدية على «فشل» التجربة الأحدث للتدخل المفتوح في إدارة أسواق العملات وعرض الدولار بسعر 70 ألف ليرة مطلع الشهر الحالي، ومن ثم رفعه تباعاً ليصل إلى 76 ألف ليرة، رصدت «الشرق الأوسط» تكثيفاً للاتصالات المباشرة بين حاكمية البنك المركزي وأركان جمعية المصارف بهدف التنسيق لكبح التدهور الحاصل، عبر إجراءات عاجلة ومشروطة بتغطية حكومية تتكفل بمعالجة الأسباب الدافعة لقرار إضراب المصارف، مما يقضي بالنتيجة إلى وقف الإضراب وحصر تنفيذه في الأسبوع الحالي.
وريثما تتضح نتائج هذه الاتصالات والاجتماعات بين كبار المسؤولين في الحاكمية والجمعية، علم أن الجهود تتركز على إعادة تزخيم مبادرة عرض الدولار من قبل البنك المركزي، ولا سيما لجهة تمكين الأفراد وممثلي الشركات من إجراء المبادلات النقدية عبر منصة «صيرفة»، وباعتبار أن إقفال البنوك وفروعها يحول دون تنفيذ الجزء الوازن منها.
وتشير المعطيات إلى أولوية تصويب النقاش بين ثلاثية الحكومة و«المركزي» والمصارف في مقاربة نواة الأزمة النقدية، وبالاستناد إلى ما أظهرته وثيقة مصرفية مدعومة بإحصاءات، بشأن حقيقة تقلص السيولة النقدية بالعملات الأجنبية لدى البنوك اللبنانية إلى مستويات سلبية، بينما يبلغ إجمالي توظيفاتها وودائعها لدى البنك المركزي نحو 86.6 مليار دولار، وفق ما تظهره ميزانية مصرف لبنان الموقوفة في منتصف الشهر الماضي.

تصنيف البنوك

ففي رد سبق التدهور المستجد، وحمل توقيع أمين عام جمعية المصارف الدكتور فادي خلف، حول كفاية السيولة المتوفرة لمقابلة الودائع في الميزانيات وامتناع البنوك عن سدادها لصالح المودعين، تم تصنيف توظيفات البنوك إلى أربع فئات رئيسية تشمل وضعية الحسابات لدى البنوك المراسلة في الخارج، ومحفظة سندات الدين الدولية المصدرة من الدولة اللبنانية، وصافي التسليفات القائمة للقطاع الخاص من أفراد وشركات، ومقيمين وغير مقيمين.
وبالإضافة إلى محفظة التوظيفات لدى «المركزي»، ورد في بيان الشروحات، الذي تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أن ودائع المصارف لدى المصارف المراسلة بلغت رصيداً سلبياً وقدره 204 ملايين دولار، كما هي الوضعية بنهاية الشهر الأول من العام الحالي، إذ إن التزامات المصارف اللبنانية تجاه المصارف المراسلة بلغت 4.369 مليار دولار، فيما بلغت ودائعها 4.165 مليون دولار.
وتعود الفئة الثالثة لتوظيفات السيولة إلى محفظة السندات المحررة بالدولار الأميركي، والتي أصبحت قيمتها بعد تنزيل المؤونات 2.9 مليار دولار، علما بأنه سبق لحكومة الرئيس حسّان دياب قبل 3 سنوات، الإعلان عن وقف كامل مستحقات «اليوروبوندز» من أقساط وفوائد، مما أفضى تلقائيا إلى استحقاق كامل السندات التي تناهز 30 مليار دولار، وتتوزع تواريخ استحقاقاتها حتى عام 2037.
أما الفئة الرابعة للسيولة، فهي ترد ضمن بند تسليفات المصارف للقطاع الخاص بالعملات الأجنبية، والتي تدنت إلى 9.785 مليار دولار بنهاية الشهر الأول من العام الحالي. علما بأن إجمالي محفظة التسليفات المصرفية للقطاع الخاص بلغت مستويات 34 مليار دولار قبل انفجار الأزمة. ثم انحدرت تباعاً وبحدة خلال السنوات الثلاث الماضية، بفعل تمكين المقترضين من سداد كامل المبالغ بالسعر الرسمي السابق لليرة البالغ نحو 1515 ليرة لكل دولار، مما كبّد ميزانيات البنوك خسائر توازي فروقات سعر الصرف الواقعي في الأسواق الموازية.
وتبيّن هذه الأرقام، وفق استنتاج خلف، أن لا سيولة لدى المصارف، سواء من ناحية ودائعها بالدولار المحلي لدى مصرف لبنان وهي غير قابلة للسحب نقدا أو التحويل إلى الخارج، ومن ناحية أرصدتها السلبية لدى المصارف الأجنبية أو لناحية محفظتها من سندات الدين الحكومية بالدولار المصنفة «غير قابلة للتسييل» إلا بما يناهز 6 في المائة من أصل السعر.

الدائنون يربحون 28 مليار دولار على حساب المودعين

أما من ناحية رصيد القروض للقطاع الخاص، فيؤكد خلف أن «المدينين يقومون بتسديدها إما بالليرة وإما بالشيكات المصرفية التي تعود لتودع لدى المصرف المركزي كخيار وحيد فتلقى مصير باقي الودائع لديه. وقد أدت هذه الآلية الخاطئة والمفتعلة من قبل الدولة إلى سداد ما يقارب 28 مليار دولار من القروض منذ بدء الأزمة وحتى اليوم، خسرها المودع من السيولة التي كان يفترض أن تؤول إليه. من هنا يصح القول إن أغنياء اليوم هم دائنو الأمس. 28 مليار دولار ربحها الدائنون على حساب المودعين بإهمال من الدولة، حتى لا نقول عن سابق تصور وتصميم».
وردا على مطالبة المساهمين بإعادة رسملة مصارفهم من أموالهم الخاصة لإعادة الانتظام إلى القطاع، فيوزعهم الأمين العام للجمعية أيضا ضمن أربع فئات. مبينا أن ارتباط المصارف بأسماء رؤساء مجالس إدارتها، يبعث على الظن بأنهم يملكون المصرف، بينما قد يفاجأ البعض أن ثمة رؤساء لمجالس الإدارة لا يملكون أكثر من 10 في المائة من أسهم مصارفهم، وتتوزع بقية المساهمات على مساهمين محليين وأجانب أو على صغار المساهمين الذين اشتروا أسهمهم عبر بورصة بيروت.
ويشمل التوزيع الواقعي لمالكي أسهم المصارف، رئيس وأعضاء مجلس الإدارة. وهؤلاء قد لا يملكون وحدهم ما يكفي لإعادة رسملة مصارفهم، وفقا لتقديرات أمين عام الجمعية. كذلك الأمر بالنسبة للمساهمين الكبار من لبنانيين وأجانب. فمعظمهم كان قد أودع الجزء الأكبر من أمواله في المصرف. ومن خسر أمواله ليس مستعداً أن يجازف من جديد بالاستثمار في مصارف من المحتمل أن تذهب أرباحها في السنوات القادمة إلى صندوق استعادة الودائع.
أما بالنسبة لصغار المساهمين الذين اشتروا أسهمهم عبر بورصة بيروت والذين يشكلون نسبة مهمة من رأسمال المصرف. فهؤلاء تآكلت مساهماتهم مع الهبوط الحاد في أسعار أسهم المصارف، وقد يكون من الصعب إقناعهم بالاستثمار من جديد في القطاع المصرفي اللبناني في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
TT

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)
وقفة أهالي المعتقلين المرحّلين إلى العراق عند زيارة الوفد الأممي الشدادي في الحسكة (مرصد الحسكة)

وصل وفد أممي، الأربعاء، إلى مدينة الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، للقاء أهالي المعتقلين الذين رُحّلوا إلى العراق، وفق ما ذكرته «مديرية إعلام الحسكة»، ضمن جولة يجريها الوفد للاطلاع على أوضاع الأهالي وتقييم الواقع الخدمي والمعيشي في المنطقة، وسط مطالبات بخطوات عملية حيال ملف المعتقلين السوريين الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق، لإعادة أبنائهم ومحاكمتهم في سوريا.

وعقد وفد الأمم المتحدة، الأربعاء، لقاء مع ذوي المعتقلين لدى «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» ممن رُحلوا إلى العراق. وقالت مصادر أهلية في الشدادي لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المعتقلين يأملون أن تتواصل الأمم المتحدة مع الجانب الأميركي وقوات «التحالف الدولي ضد داعش»، للنظر في مصير أبنائهم الذين رُحلوا إلى العراق بتهمة الانتماء إلى التنظيم. ولم يصدر عن الوفد أي تصريح حتى نشر التقرير.

وشددت المصادر على أن المطلوب أولاً كشف بقوائم الأسماء الذين رُحلوا، مع الإشارة إلى أن «الأهالي لا يعرفون ما إذا كانت الحكومة السورية قد تسلمت من (التحالف) أو السلطات العراقية قائمة بأسماء المعتقلين المرحلين؛ إذ إن طلبات البحث عن أسماء مفقودين، غالباً، لا تلقى إجابة لدى الحكومة»، لافتة إلى «هناك من الأهالي من عرف أن ابنه ضمن المرحّلين إلى العراق من التقارير المصورة التي بثتها وسائل الإعلام، أو نقلاً عن محتجزين مفرج عنهم».

تنفيذ عمليات نقل لعناصر «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق خلال فبراير 2026 (رويترز)

ويبلغ عدد السوريين الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش»، في عملية قادتها «القيادة المركزية الأميركية»، نحو 3543 معتقلاً، وفق بيان من وزارة العدل العراقية صدر في فبراير (شباط) الماضي، جاء فيه أن العدد الكلي للمعتقلين المنقولين بلغ 5703 ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 4253 عربياً و983 أجنبياً، لافتاً إلى أن عدد العراقيين بلغ 467، ويتوزع المتبقون على عدد آخر من الجنسيات.

وواصلت مجموعة من أهالي المعتقلين لدى «قسد» تنفيذ اعتصامات سلمية في العاصمة دمشق لثالث يوم على التوالي، وتجمع العشرات منهم في «ساحة الأمويين»، بعد اعتصام مماثل نفذوه أمام وزارة الخارجية في اليومين السابقين، رافعين لافتات تطالب الحكومة السورية بالتحرك العاجل والتواصل مع الجهات العراقية والتحالف الدولي وكل الجهات المعنية لإعادة أبنائهم ومحاكمتهم في سوريا.

وقال الإعلامي خليل حسين، من منطقة الجزيرة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، إن عائلته لا تزال تبحث عن شقيقه المعتقل في سجون «قسد» منذ سنوات، وأوضح أن «الأهالي يطالبون بالكشف عن قائمة أسماء المعتقلين الذين رُحلوا إلى العراق، وتوضيح التهم الموجهة إليهم والأسس القانونية لعمليات الترحيل، وضمان حماية حقوقهم ومنع تعرضهم لأي انتهاكات خارج البلاد».

تجمع لأقارب المعتقلين الذين أُفرج عنهم من سجن «الأقطان» في الرقة (رويترز)

وكشف خليل حسين عن أن السجون التي تسلمتها الحكومة السورية من «قسد»، ومنها سجن «الأقطان» الذي كان يضم نحو 1800 سجين، «لم يُعثر فيها ولا في المحاكم على أوراق ووثائق تتعلق بالمحتجزين وقضاياهم»، مؤكداً على «ضرورة معالجة هذا الملف بشفافية لمعرفة مصير المفقودين، لدواعٍ إنسانية، فهناك مئات العائلات لا تزال تنتظر تسلُّم الحكومة ما تبقى من سجون (قسد) ومراكز الاحتجاز، على أمل التوصل إلى معرفة مصير المفقودين».

مرافقة مركبات عسكرية أميركية حافلات تنقل معتقلي «داعش» من سوريا إلى العراق... يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت الحكومة قد تسلمت من «قسد» سجن الرقة المركزي «الصوامع»، وسجن الطبقة، وسجن الشدادي، وسجن دير الزور، ومؤخراً تسلمت سجن الحسكة المركزي «غويران»، وسجن «علايا» في القامشلي، في إطار «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» بين الحكومة و«قسد». وقال النائب العام السوري، حسان التربة، إن وزارة العدل تعمل على تسلّم إدارة السجون في المحافظة وربطها بالمنظومة القضائية، بالتنسيق مع الإدارة العامة للسجون التابعة لوزارة الداخلية.

النائب العام السوري القاضي حسان التربة زار السجن المركزي في حي غويران بالحسكة واطلع على أوضاع النزلاء تمهيداً لإنشاء مكتب قانوني لمتابعة شؤونهم (مرصد الحسكة)

وشهد تسليم الملف القضائي في محافظة الحسكة تعثراً بسبب خلافات بشأن آلية دمج الجهاز القضائي، حيث تطالب «قسد» بالاحتفاظ به ودمج كتلة واحدة، في حين تصر الحكومة على إعادة هيكلته. وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ الاتفاق، أحمد الهلالي، إن وزارة العدل عرضت في القامشلي خطة لتسلم القصور العدلية وفق «اتفاق 29 يناير»، وطلبت قوائم موظفي وقضاة الإدارة الذاتية لدمجهم في المؤسسة القضائية، إلا إنها لم تتسلمها حتى الآن، مشيراً إلى أن الموجودين بالقصر العدلي في القامشلي رفضوا تسليم المبنى ورفضوا عودة القضاة إلى مكاتبهم دون «مسوغ مشروع».


جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات «حزب الله» على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وبانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات المباشرة التي يفترَض أن تبدأ بين لبنان وإسرائيل، وأن يكون بند الانسحاب الإسرائيلي أساسياً، فقد برزت ملامح هذه المعادلة بوضوح يوم الثلاثاء، حين أعلن «حزب الله» في بيان أنّه نفّذ رداً على ما وصفها بـ«الخروق الفاضحة والموثّقة من قِبل الجيش الإسرائيلي، والتي تجاوزت 200 خرق منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وشملت استهداف مدنيين وتدمير قرى ومنازل في جنوب لبنان». وأوضح البيان أنّ الردّ تمثّل في استهداف مربض مدفعية في مستوطنة كفرجلعادي، التي عُدَّت مصدر القصف الأخير باتجاه بلدة يحمر الشقيف، وذلك عبر صلية صاروخية وسرب من المسيّرات الانقضاضية.

عمليات هدم وتدمير ممنهجة تقوم بها القوات الإسرائيلية في المناطق التي تسيطر عليها في جنوب الليطاني (أ.ف.ب)

والأربعاء، عاد وأعلن «حزب الله» عن استهدافه بمسيَّرة انقضاضية مربض المدفعية المستحدث التابع للجيش الإسرائيليّ في بلدة البيّاضة «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، واستمرار عدوانه على القرى في جنوب لبنان بالقذائف المدفعيّة».

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن «(حزب الله) أطلق مسيّرة باتجاه جنودنا في خط الدفاع الأمامي في جنوب لبنان»، لكنه قال إن «سلاح الجو اعترض المسيَّرة ولم تعبر من جنوب لبنان إلى إسرائيل»، مشيراً «إلى أن ذلك يعدّ خرقاً لوقف إطلاق النار».

عمليات محدودة تجنباً لرد إسرائيلي واسع

ويقول الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) يحاول اعتماد قواعد اشتباك جديدة، لكنه لا يملك القدرة العسكرية اللازمة لفرضها، وهو في الوقت نفسه يدرك أن أي تصعيد خارج الإطار القائم سيقابله رد إسرائيلي واسع».

من هنا، يلفت قهوجي «إلى أن الحزب يتحرك ضمن هامش محسوب، عبر تنفيذ عمليات محدودة داخل ما يُعرف بـ(منطقة الاشتباك) أو (المنطقة الصفراء) التي أنشأتها إسرائيل، في محاولة لتثبيت معادلة مختلفة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة».

ويشدد على «أن قواعد الاشتباك تُفرض بميزان القوى لا بالنيات»، مؤكداً «أن إسرائيل هي التي تملك القدرة على تحديد نطاق العمليات وسقفها، وهو ما يظهر من خلال توسيع نشاطها ليشمل مناطق جنوب الزهراني، وليس فقط جنوب الليطاني»، مشيراً في الوقت عينه إلى الاختلاف الكبير في القدرات العسكرية، سواء من حيث دقة الإصابات أو القدرة النارية والانتشار الجغرافي؛ ما يمنح إسرائيل تفوقاً عملياً في إدارة المواجهة».

صورة الردع بـ«انتظار إيران»

ويرى قهوجي «أن طبيعة العمليات التي ينفذها الحزب تعكس إدراكه لهذا الواقع؛ إذ تظل في إطار محدود ورمزي، وغالباً ما تستهدف مناطق مفتوحة، مع إعلان إصابات لأهداف عسكرية من دون أدلة واضحة، في محاولة للحفاظ على صورة الردع أكثر من إحداث تغيير فعلي في ميزان القوى».

ويرى «أن الحزب يعي أن إسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بالقرى الحدودية، وأنه غير قادر في المرحلة الحالية على حمايتها أو استعادتها في حال توسّع المواجهة. لذلك؛ يقتصر دوره على (جبهة إسناد إيران)، من خلال إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل ضمن سقف محسوب، مع السعي للحفاظ على قدراته العسكرية وعدم استنزافها إلى حين استئناف الحرب ضد إيران».

أسير من «حزب الله» و3 قتلى خلال ساعات

في المقابل، استمرّت الخروق الإسرائيلية للهدنة، حيث سُجّل يوم الأربعاء سقوط قتيل وجريحين جرّاء غارة نفّذتها مسيّرة إسرائيلية على أطراف منطقة الجبور في البقاع الغربي، قبل أن تتعرض بلدة الطيري لقصف إسرائيلي، في منطقة كان فيها عدد من الصحافيين والمدنيين، حسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى سقوط قتيلين وإصابة صحافيين، مشيرة إلى أن «قوات الاحتلال حاصرت الصحافيتين آمال خليل وزينب فرج، ومنع الصليب الأحمر والجيش اللبناني من التوجه إليهما لبعض الوقت»؛ وهو ما استدعى استنفاراً في لبنان. وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أنه «يتابع مع قوات (يونيفيل) والجيش اللبناني محاصرة قوات الاحتلال الإسرائيلي صحافيين ببلدة الطيري ونحمّل إسرائيل مسؤولية سلامتهم».

من جهة أخرى، أفادت «الوطنية» أن عناصر الدفاع المدني اللبناني في مركز رميش أسعفوا جريحاً من «حزب الله» كان قد وصل إلى عين إبل زحفاً من بنت جبيل، قبل أن تتواصل مع الصليب الأحمر اللبناني لنقله إلى منطقة آمنة. ولفتت الوكالة إلى أن «القوات الإسرائيلية في دبل علمت بوجود الجريح، فطلبت عبر اتصال هاتفي من المسعفين تسليمه، مهددة بقصف سيارة الإسعاف، إلا أن المسعفين رفضوا ذلك، وبعدها قرر الجريح التوجه سيراً نحو دبل لتسليم نفسه، حرصاً على سلامة المسعفين وأهالي المنطقة، علماً أنه كان قد فقد كمية كبيرة من الدم نتيجة إصابته».

عمليات تفجير ممنهجة

في غضون ذلك، تتواصل العمليات الإسرائيلية جنوب الليطاني بوتيرة متصاعدة، مع تنفيذ عمليات تفجير ممنهجة في أحياء سكنية في مدينة بنت جبيل وبلدات بيت ليف وشمع وطير حرفا وحانين، إلى جانب تجريف الطرق في وادي السلوقي بواسطة آليات مدعومة بجرافات عسكرية. كما طالت عمليات النسف منازل وممتلكات في بلدة عيتا الشعب، حيث جرى تدمير ما تبقى من محال تجارية على الشارع العام.

خلال تشييع عناصر في «حزب الله» قُتلوا في المواجهات مع إسرائيل في بلدة كفرصير في جنوب لبنان (د.ب.أ)

وفي بلدة الخيام، تستمر عمليات التفجير بشكل شبه متواصل مستهدفة المنازل والمباني والمساجد، بالتوازي مع أعمال هدم وتجريف للبنى التحتية تنفّذها جرافات، في مشهد يوحي بمحاولة طمس معالم البلدة بالكامل. كذلك، نسفت القوات الإسرائيلية فجراً عدداً من المنازل في بلدة البياضة، حيث سُمع دوي الانفجارات في أرجاء مدينة صور.

وفي سياق تبرير هذه العمليات، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، أنّ الجيش نفّذ ضربة جوية «لإزالة تهديد فوري» بعد رصد عنصرين قالت إنهما «اخترقا خط الدفاع الأمامي» في منطقة وادي السلوقي. وأشارت إلى أنّ قوات من اللواء السابع، بقيادة الفرقة 36، تواصل عملياتها جنوب هذا الخط لمنع أي تهديد على بلدات الشمال.

كما أكدت استمرار عمليات «تطهير المنطقة»، مشيرة إلى أنّ القوات عثرت خلال عمليات تمشيط في عدد من البلدات، بينها الخيام وبيت ليف وعدشيت القصير والطيبة، على أسلحة وذخائر ووسائل قتالية، مؤكدة أنّ الجيش سيواصل العمل لإزالة ما وصفته بالتهديدات ضد إسرائيل.


صراع على الحصص يعطل مفاوضات الحكومة العراقية


من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
TT

صراع على الحصص يعطل مفاوضات الحكومة العراقية


من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

شهدت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي في العراق حالة من الانسداد السياسي لتكليف رئيس جديد للوزراء، في ظل خلافات داخلية تتوزع بين مقاربتين أساسيتين: آلية اختيار المرشح لرئاسة الحكومة، وتوزيع الحصص والحقائب الوزارية بين أطراف الإطار.

وبحسب مصادر، فإن اجتماع قيادات «الإطار التنسيقي»، الذي تأجل مرات عدة خلال الأيام الماضية، يتركز اليوم (الأربعاء) على محاولة التوصل إلى «حل وسطي» يجمع بين رؤيتين متباينتين: الأولى تعتمد مبدأ «الوزن الانتخابي» داخل الكتل المنضوية، والأخرى تقوم على «التوافق السياسي» لاختيار مرشح توافقي يحظى بقبول جميع الأطراف.

ويأتي ذلك في وقت لم يتمكن «الإطار التنسيقي» من حسم اسم المرشح خلال اجتماعين سابقين، بعد تعادل الأصوات بين مرشحين رئيسيين، ما عمّق حالة الانقسام الداخلي وأجّل الحسم إلى اجتماع يُعوَّل عليه أن يكون حاسماً، أو يُؤدي إلى تأجيل جديد في حال استمرار الخلاف.

قبل نهاية المهلة

وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي عراقي إن حسم ملف اختيار رئيس الوزراء قد يتم خلال الساعات المقبلة، في ظل اقتراب انتهاء المهلة الدستورية.

وأضاف المصدر، في تصريح: «أتوقع أن يُحسم الملف بطريقة أو بأخرى، لأن يوم السبت المقبل تنتهي المهلة بشكل نهائي، كما أن استمرار التأخير بات ينعكس سلباً حتى أمام قواعدهم».

وتابع: «في حال اعتماد معيار الوزن الانتخابي داخل التحالف، فإن مرشح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إحسان العوادي، سيكون الأوفر حظاً. أما إذا بقي القرار محصوراً داخل قيادات الإطار، فإن التنافس سيظل ضمن 12 صوتاً، وقد يميل الترجيح إلى باسم البدري».

وتشير المعطيات إلى أن الخلاف لم يكن محصوراً بآلية اختيار رئيس الوزراء، بل امتد ليشمل التوازنات الداخلية المتعلقة بتوزيع الوزارات والحقائب السيادية، وهو ما جعل بعض الأطراف تربط بين دعمها لأي مرشح وبين حجم حصتها في الحكومة المقبلة، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد التفاوضي.

وبرز في هذا السياق تنافس بين مرشحين بارزين، حاز كل منهما دعماً متقارباً داخل «الإطار التنسيقي»، ما أدى إلى تعادل فعلي في موازين التصويت، وأعاد طرح خيار «مرشح التسوية» كحل بديل في حال فشل التوافق أو الحسم بالأغلبية.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

معادلة الكتلة الأكبر

ويضم «الإطار التنسيقي» الذي تشكّل بعد الانتخابات الأخيرة مجموعة من القوى الشيعية الرئيسية، من بينها ائتلافات يقودها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وحيدر العبادي، إضافة إلى ائتلاف رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني الذي يدير حكومة تصريف أعمال، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية المحددة لتكليف رئيس حكومة جديد من قبل رئيس الجمهورية.

وكان انتخاب الرئيس الجديد نزار آميدي قد فتح الباب أمام استحقاق تشكيل الحكومة، وسط مهلة دستورية تنتهي في 26 أبريل (نيسان) الحالي، ما يضع القوى السياسية أمام اختبار حاسم لتجنب العودة إلى حالة الانسداد.

وفي موازاة ذلك، يرى مراقبون أن الخلافات داخل الإطار التنسيقي باتت تعكس تبايناً أعمق بين مَن يفضل تثبيت معادلة «الكتلة الأكبر» داخل البرلمان كمرجعية للتكليف، وبين مَن يدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة تُنهي الانقسام عبر التوافق على مرشح واحد، مع إعادة ترتيب التوازنات الوزارية بين المكونات.

ومع استمرار التعقيدات، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، بين التوصل إلى اتفاق متأخر، أو اللجوء إلى خيار التأجيل، أو الذهاب نحو مرشح تسوية، في مشهد سياسي يعكس هشاشة التفاهمات داخل البيت الشيعي، واتساع الهوة بين الحسابات الانتخابية ومتطلبات التوافق الحكومي.