اللواء عباس إبراهيم لـ «الشرق الأوسط» : تعدد الأجهزة الأمنية اللبنانية من زحمة الطوائف

المدير السابق للأمن العام أكد أنه سيعمل في الحقل العام مستقلاً ولن يلتحق بأحد

اللواء عباس إبراهيم (الشرق الأوسط)
اللواء عباس إبراهيم (الشرق الأوسط)
TT

اللواء عباس إبراهيم لـ «الشرق الأوسط» : تعدد الأجهزة الأمنية اللبنانية من زحمة الطوائف

اللواء عباس إبراهيم (الشرق الأوسط)
اللواء عباس إبراهيم (الشرق الأوسط)

خرج اللواء عباس إبراهيم من منصب المدير العام للأمن العام في لبنان، لكن الدور الذي لعبه منذ تعيينه في عام 2011، لم يغادره. صبيحة اليوم التالي لنهاية خدمته، كان المدير العام «السابق» يستقبل في منزله وفداً من عائلة بزي التي أوقف ابنها محمد في رومانيا بناء على طلب السلطات الأميركية. أجرى إبراهيم اتصالات بسفيرة لبنان في رومانيا، كما اتصل بوزير الخارجية عبد الله بوحبيب، وكان مستعداً للاتصال بمديري الأمن العام والاستخبارات في رومانيا عند الحاجة، ليخرج في نهاية المطاف بمجموعة نصائح وإرشادات «واقعية» لكيفية التعامل مع هذا الملف.
بعد خروجه من منصبه الذي دخل إليه في عام 2011، يأخذ اللواء إبراهيم استراحة قصيرة «لجمع الأوراق وتهيئة خططه المستقبلية». عروض كثيرة للعمل في الخارج وصلته، بعضها مغر، لكنها جميعها لا تغريه، فهو يرغب بالعمل السياسي في لبنان ولن يغادره «إلا إذا فقد الأمل».
هذا الدور مستمر بفعل علاقات إبراهيم وخبرته، لكن الخروج من المنصب أتى دراماتيكياً. ففيما كان الجميع ينتظر تمديداً ما لولاية إبراهيم التي انتهت الأسبوع الماضي، فوجئ الجميع بإقفال باب الحلول في بلد اعتاد فيه سياسيون تفصيل القوانين وفق رغباتهم.
يرفض إبراهيم في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الإشارة بإصبعه إلى المسؤول عن فشل محاولات تمديد ولايته، لكنه يشير بطرف لسانه إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «الذي أطلق صفارة الانطلاق الحقيقية»، عندما قال إنه «سيركن للقانون بهذا الموضوع».

ويؤكد إبراهيم أنه لم يكن يرغب بتمديد ولايته لولا عدم القدرة على تعيين أصيل، وأن يبقى في هذا المركز لحين انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة كاملة المواصفات يمكنها تعيين مدير عام أصيل للأمن العام. إبراهيم يقول إنه أبلغ «من يعنيهم الأمر» منذ خمسة أشهر، بأنه لا يرغب بالبقاء في منصبه عند نهاية ولايته. لكنه رضخ لفكرة التمديد «المؤقت». ميقاتي قال إن هناك بعداً قانونياً بحتاً لهذا الموضوع، و«أنا لا أقبل المراجعات السياسية». و«تحدث بطريقة أثارت التباساً عند المواطنين والسلطة السياسية.
علماً بأن مجموعة من القانونيين وجدت مخارج قانونية للتمديد إلا أنه لم يؤخذ بها». يقول اللواء إبراهيم: «ميقاتي كان يريد في البداية قانوناً من دون سياسة، ولاحقاً سياسة من دون قانون، وهذا السبب الذي أوصلنا إلى هنا. بكل بساطة تسلم العميد إلياس البيسري هذا الموقع بالإنابة، وهو من خيرة الضباط، وأنا قلت له إن خبرتي وإمكاناتي بتصرفه. بالشكل قام الكل بما يتوقع منه، فرئيس المجلس النيابي نبيه بري على سبيل المثال دعا إلى عقد جلسة، لكنها لم تحصل. أما الوزير جبران باسيل فقال إنه مستعد لتأمين نصاب للبرلمان لتشريع الضرورة، والضرورة كلمة مطاطة. اشترط باسيل أن يكون قانون التمديد لجميع المديرين العامين، وهو ما لم يؤخذ به، فلم يحصل».
إلا أن إبراهيم يرى إيجابية في طريقة الخروج «التي عكست مشاعر الناس تجاه مدير عام الأمن العام السابق، وكيف كان المواطنون ينظرون لهذه المديرية. هذا الأمر أفتخر به كثيراً ويشرفني ويعوض دراماتيكية الخروج».
كان إبراهيم يلعب دور «وسيط الجمهورية» يتنقل بين المسؤولين محاولاً تقريب وجهات النظر في العديد من الملفات الخلافية. وكان لعملية تأليف الحكومات حصة كبيرة من نشاط إبراهيم، كما حال الكثير من الملفات الخلافية التي نجح في بعضها، وفشل في بعضها الآخر بسبب «النكد السياسي». لكن إبراهيم يؤكد أنه لم يتخط في مسعاه هذا دوره كمدير للأمن العام الذي يتمتع بصلاحيات واسعة جداً من خلال قانون إنشائه، فالأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو من صميم عمله. يقول إبراهيم: «أول أمر قمت به عند تبوئي هذا المنصب، أن قرأت كتاب المديرية وصلاحياتها وصلاحيات المدير العام. واليوم وبعد مرور 12 عاماً لم أستطع أن أفي رغم كل ما قمت به، كتاب القانون حقه، لأن الصلاحيات واسعة جداً».

ويجزم بأن «لا شيء حصل أو قمت به في المديرية كوسيط للجمهورية كان خارج صلاحيات المديرية العامة أو مدير الأمن العام. هناك مديرون لم يمارسوا كل هذه الصلاحيات. ولكنني بالفترة التي تسلمت بها مهامي كانت بأغلبها فترة فراغ على جميع المستويات، والطبيعة تكره الفراغ، وقد ملأت هذا الفراغ بعملي، وأستطيع القول إنني بأكثر المواقع استطعت أن أقوم بوسيط الجمهورية واستطعت تدوير الزوايا والوصول إلى النتائج المتوخاة».
أما في تقييمه لعمل رجال السياسة في لبنان، فيرى أن «النكد هو الغالب على الأداء السياسي، والفعل ورد الفعل هو الغالب على الرأي السياسي. بالإجمال لا تخطيط في لبنان، ونحن نعيش في عالم ردود الفعل. هذه العقلية مردودها سيكون سيئاً إن استمرت، يجب أن نخرج منها وهذا الأداء أداء مدمر. وفعلاً النتيجة أمامنا، ما وصلنا له يجب أن يكون حافزاً لكي يغيروا، ولكن لم يتغير أي شيء».
رغبة إبراهيم بالعمل السياسي ليست سراً، فهو قالها علناً في أكثر من مرة. أما بعد خروجه من الوظيفة إلى عالم السياسة الواسع، فهو يجزم بأنه لن يلتحق بأي فريق على الساحة «ففي كل أدائي، كنت مستقلاً وأوجد حيثية للطريقة التي أفكر بها، أعتقد أنني سأكون مستقلاً إلى حد بعيد من دون الخروج عن الواقع اللبناني، أي الواقع الطائفي والمذهبي الذي يفرض نفسه، ولكني سأحتفظ بهامش كبير جداً عنوانه استقلاليتي، والعمل باستقلالية عن الجميع».
وعن «نفور» الناس من أصحاب المناصب الأمنية، يقول إبراهيم: «أنا من مدرسة تؤمن بأن الأمن في خدمة الإنسان وليس العكس. قد يكون ما مورس في السابق على مدى سنين هو الشواذ والطريقة التي عملت بها هي الصحيحة. وهذا ما جعل المواطن قريباً منا. وأصبح مكتبنا محجة لكل طالب خدمة أو وساطة في أي مكان في العالم، وهذا بنى ثقة بيننا وبين المواطن. ولم يسجل علينا أننا حاسبنا أحداً بحسب رأيه السياسي أو انتقاده للمديرية».
خلال سنواته الأخيرة في المنصب، شهد الأمن العام صعوبات كبيرة وتراجعاً في خدماته، كان أبرز مظاهرها طوابير الناس المصطفة على أبوابه للحصول على جواز سفر. أما وضعه الداخلي فقد تأثر كثيراً بتراجع القدرة الشرائية للبنانيين، ومنهم عناصر وضباط الجهاز. يستعين إبراهيم بكلمة للفيلسوف اليوناني أفلاطون «اشبع ثم تفلسف». ويقول: «عسكرنا كان يعمل وهو يتضور جوعاً، وأنا مقتنع بهذا الأمر.

استطعنا القيام بالكثير من الإجراءات لنسد جزءاً من حاجة العسكر وعائلاتهم، ونؤمن استمراريته في الحياة، لكننا لم نستطع للأسف أن نعيدهم للمستوى الذي كانوا يعيشونه ما قبل الأزمة، لأن هذه مسؤولية الدولة مجتمعة». أما أزمة «جواز السفر»، فهي كما يشدد إبراهيم «ليست مسؤولية الأمن العام، إنما الدولة، وتقاذف المسؤولية ما بين الحكومة وحاكم مصرف لبنان، بمعنى أننا كمديرية أنجزنا المناقصة المطلوبة وكنا بحاجة لـ15 مليون دولار. نحن لا مال لدينا، وعندما نستوفي رسوم جوازات السفر وغيرها نسلمها مباشرة إلى وزارة المالية».
يغادر اللواء إبراهيم موقعه الأمني وهو واثق بنوعية الأمن، لكنه يرفض الاطمئنان «لأنه عندما يطمئن رجل الأمن تقع الكوارث». يؤكد اللواء إبراهيم أنه «بإرادة الأجهزة الأمنية والجيش ووعي المواطنين، الوضع الأمني جيد، ولكن الخوف الكبير هو من الأمن الاجتماعي، هذا خوف وعامل مهم لأن الشعب اللبناني لأول مرة يجتمع بهذا الشكل على أمر واحد وهو الفقر والجوع، وهذا الأمر يوحد. ولكن الوضع الأمني جيد. أما الوضع الاجتماعي فقد يتفاقم إلى صدامات في الشارع بين المواطنين والأجهزة الأمنية، ولكنه لا يشكل خوفاً بالمفهوم الأمني». في المقابل، يشير إلى أن «هناك خلايا نائمة لتنظيمات إرهابية في لبنان، أغلبها تحت المراقبة والمتابعة. والتنسيق بين الأجهزة الأمنية قائم بهذا الموضوع».
لا يفوت إبراهيم في كل مناسبة التأكيد على التنسيق بين الأجهزة الأمنية، لكن عندما نسأله عما إذا كان من الطبيعي وجود هذا العدد من الأجهزة الأمنية في لبنان، يقول: «لا ليس طبيعياً»، ويرد السبب إلى أنه «لدينا زحمة وعجقة طوائف، وهذا السبب. دول العالم تعيد تنظيم أجهزتها في كل فترة وتوحيدها، كل ضمن اختصاصه»، ثم يذهب إلى توضيح إضافي مباشر، قائلاً: «لدينا طوائف تفرض عجقة الأجهزة. للأسف الشيعة لديهم جهاز، والسنة جهاز، والمسيحيون لديهم جهازان للتوازن. وهذا يدفعنا إلى أن نفكر فعلاً بإلغاء الطائفية والذهاب إلى دولة مدنية لنصبح مواطنين وليس طوائف. آن الأوان لكي نصبح مواطنين بهذا البلد ونصبح أكثر تديناً وأقل طائفية. فلنبتعد عن الطائفية ولنقترب من الله».
جانب كبير من دور إبراهيم كان خارجياً، يقول: «تسلمت المديرية مع بدايات الأزمة السورية، وكان لهذه الأزمة انعكاس كبير ليس على لبنان فقط، إنما على العالم، وعندما انقطعت العلاقات الدبلوماسية لأغلب الدول مع سوريا، كان لا بد لهذه الدول بداية على المستوى الأمني أن يكون لها مرتكز بمكان ما لتطل منه على سوريا، والعكس، فكان التلاقي على اللواء إبراهيم أن يكون الشخصية التي تستطيع الكلام مع سوريا والغرب في آن معاً، وعلى مدى 12 سنة تقريباً أنجزنا ما أنجزناه وقمنا بالكثير من المهام، منها ما أعلن عنه، وأكثرها لم يتم الإعلان عنها.
استطعنا تخفيف الكثير من السلبيات نتيجة هذا التواصل، بداية على لبنان وسوريا وانتهاء بالدول الشقيقة والصديقة بالعالم. لذا هذه الأقنية كانت ذات فاعلية وبعض الأحيان انتقلنا من الأقنية الأمنية إلى الأقنية الدبلوماسية فالسياسية. وهناك الكثير من الأمور لم أفصح عنها لحساسيتها، ولكني أعتبر أنني قمت بدوري على أكمل وجه».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)
عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)
عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها «عصبة الأمم» عام 1932، وسط جدل حول تضارب المناسبات في التقويم الرسمي.

وقال رئيس الجمهورية نزار أميدي، في بيان بالمناسبة، إن «العراق في مثل هذا اليوم عام 1932 أصبح دولة مستقلة وعضواً في (عصبة الأمم)»، مشيراً إلى أن «العراقيين بقوا متمسكين بوطنهم رغم ما مروا به من حروب وأزمات وتحديات وصعوبات».

بينما أكد المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، أنها «تجدّد العهد في هذه المناسبة بأن يبقى قرار العراقيين بأيديهم، وأن تتجسد السيادة أمناً وحياة كريمة».

كما شدد القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء، على أن «يبقى القضاء ضمانة للحقوق وحصناً للعدالة»، مضيفاً أن «تسارع التطورات في هذه المرحلة وتزايد التحديات أمام العراق يجعلانه قادراً على حماية حاضره وصناعة مستقبله بمؤسسات راسخة، وقضاء مستقل».

وبعث كل من ملك بريطانيا تشارلز الثالث وإمبراطور اليابان ناروهيتو برقيتي تهنئة إلى الحكومة العراقية بمناسبة «العيد الوطني»، الذي لا يحظى كثيراً باهتمام سياسي وشعبي، بسبب الخلاف التشريعي والسياسي حول اختياره.

وأعرب الملك تشارلز عن تطلعه إلى «استمرار التعاون بين البلدين في مواجهة التحديات المشتركة، ولا سيما ما يتعلق بالمناخ والحفاظ على البيئة والعمل معاً، من أجل إيجاد حلول فعّالة ومستدامة لهذه التحديات».

مروحيات تابعة للجيش العراقي تحلّق في سماء بغداد يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

سجال «اليوم الوطني»

ومنذ سنوات، تخوض النخب الثقافية والسياسية سجالاً حول اليوم الذي يمكن الإجماع عليه «عيداً وطنياً للبلاد». وكان «نظام البعث» المنحل حدّد يوم 17 يوليو (تموز) للتذكير بانقلابه عام 1968 على حكم رئيس الوزراء الراحل عبد الكريم قاسم، في حين كانت تيارات يسارية تحتفي بسقوط النظام الملكي في 14 يوليو (تموز) عام 1958.

وبعد عام 2003، حاول قادة أحزاب معارضة لنظام الرئيس الراحل صدام حسين، تحديد يوم سقوط نظامه في 9 أبريل (نيسان) عيداً وطنياً، وهو ما رفضه الحاكم الأميركي المدني بول بريمر، وفق نبيل الموسوي القيادي في المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي.

لاحقاً، إبان حكومة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، تم الاتفاق على اعتبار يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1932 عيداً وطنياً للعراق.

وقال الكاظمي، في بيان صحافي السبت، إنه «حين اختارت حكومته يوم الثالث من أكتوبر يوماً وطنياً، إحياءً لذكرى انضمام العراق إلى (عصبة الأمم) عام 1932، لم نُرِدْه مجرّد مناسبة في روزنامة الوطن، بل أردناه يوماً يجتمع فيه العراقيون على محبّة وطنهم والاعتزاز بهويّتهم الوطنية الجامعة».

وكان بعض المؤرخين العراقيين خالفوا الحكومة، قائلين إن يوم 3 أكتوبر لا ينبغي أن يكون العيد الوطني، إذ لم يكن الاستقلال عن الانتداب البريطاني سنة 1932 كاملاً، وفق آرائهم.

مع ذلك، رأى الخبير القانوني علي التميمي، وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «يوم 3 أكتوبر، يوم دخول العراق عصبة الأمم سنة 1932 هو الوحيد الذي له أساس قانوني ملزم بوصفه عيداً وطنياً للبلاد».

وأضاف التميمي أن «الفلسفة القانونية لهذا اليوم هي أنه اعتراف دولي باكتمال مقومات الدولة العراقية الحديثة؛ من حكومة مستقلة، وحدود ثابتة، ومصادر مالية، وقضاء مستقل، والتزام دولي، ليصبح العراق أول دولة عربية تنضم إلى (عصبة الأمم) بموجب المادة (22) من عهد العصبة».


«اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل أمام امتحان التنفيذ… الخلاف ينتقل إلى الجدول والضمانات

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل أمام امتحان التنفيذ… الخلاف ينتقل إلى الجدول والضمانات

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ينتقل النقاش اللبناني حول «اتفاق الإطار» مع إسرائيل من المبادئ التي قام عليها إلى امتحان التنفيذ، وسط تركّز الخلاف على ترتيب الخطوات وجدولها الزمني وآليات التحقق والضمانات. ويأتي ذلك في وقت تربط فيه بيروت استكمال انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي يُفترض أن تنتقل إلى سلطة الدولة.

واكتسب هذا المسار زخماً إضافياً بعد لقاء رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في واشنطن، نهاية سبتمبر (ايلول) الماضي، إذ أعلن مكتب سلام رسمياً أنه شدد على تفعيل «الإطار الثلاثي» وترجمة مبدأَي التبادلية والمرحلية إلى خطوات عملية، وعلى وضع جدول زمني واضح وإنشاء آلية موثوقة للتحقق من الالتزامات، فيما جدد روبيو، حسب البيان الرسمي، التزام واشنطن بدعم لبنان في تنفيذ «اتفاق الإطار».

الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

الاتفاق لا يسير

في هذا السياق، قال مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن «اتفاق الإطار مُلتزمٌ به من ثلاثة أطراف: لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل. لبنان ملتزم به بكل مندرجاته، فيما الولايات المتحدة هي الراعية التي وقّعت الاتفاق والضامنة له، وبالتالي المطلوب منها أن تضغط على إسرائيل».

وفيما لفت المصدر إلى أن الانسحاب الإسرائيلي متوقف، أشار إلى أن «موضوع الأسرى لم يُستكمل»، لافتاً إلى أن هناك 34 أسيراً لبنانياً على لوائح وصلت إلى الجانب الإسرائيلي خلال المفاوضات.

اجتماع فلوريدا

وقال المصدر: «الاتفاق اليوم أمام امتحان التنفيذ بانتظار ما سينتهي إليه الاجتماع العسكري المتوقع عقده هذا الشهر (مع الجانب الإسرائيلي) في فلوريدا حيث سيبحث باستمرار إسرائيل في سياسة التدمير والتفجير والتجريف إلى جانب الملفات الأخرى المرتبطة بتنفيذ الاتفاق».

وعن الضمانات، قال المصدر: «الراعي الأساسي للاتفاق هو الولايات المتحدة التي عليها أن تلعب الدور المطلوب منها والضغط على إسرائيل أيضاً».

وتتقاطع مطالبة المصدر بدور أميركي أكبر مع الطرح الرسمي الذي حمله سلام إلى واشنطن، والذي ركز تحديداً على جدول التنفيذ وآلية التحقق، مع التشديد على أن يتقدم مسارا الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح بصورة متوازية.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت جولات سابقة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

مشكلة التنفيذ

من جهته، قال عضو كتلة «القوات اللبنانية» عضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان اللبناني، النائب بيار بوعاصي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «اتفاق الإطار، بخطوطه العريضة وبجانبيه السياسي والعملي، جيد، لكن المشكلة بدأت عند التنفيذ، إذ دخلت عوامل عدة على المسار، حالت دون بدء التنفيذ».

وأضاف: «من الواضح أن إسرائيل لم تلتزم باتفاق الإطار. كان من المفترض أن تنسحب من مناطق معينة لكي ينتشر فيها الجيش اللبناني ويكون هناك مراقبون، لكنها لم تنسحب، ومن هنا تبدأ المشكلة. لا يمكن أن ينتشر الجيش في مناطق لم يحصل الانسحاب الإسرائيلي منها».

وأوضح أن «عدم وجود مراقبين حتى الآن يعود أيضاً إلى أن إسرائيل تضع (فيتو) على مشاركة دول كبيرة موجودة حالياً ضمن قوات الطوارئ الدولية، رغم أننا نتحدث عن مهمة مختلفة تماماً»، مضيفاً: «نحن أمام مسار طويل، لكنه إذا لم يبدأ من مكان ما فلن يصل إلى أي نتيجة».

كيف يمكن الحكم مسبقاً على الجيش؟

وانتقد بوعاصي الحديث على عدم جدية الجيش اللبناني في التنفيذ، قائلاً: «يجب إطلاق هذا المسار لكي يستطيع الإسرائيلي والأميركي، وقبل الجميع نحن كلبنانيين، أن نرى ما إذا كان الجيش قادراً، وما إذا كانت لديه الإمكانات والقرار السياسي اللازمان للانتشار».

وشدد على أن «اتفاق الإطار متعدد الجوانب ولا يمكن اختزاله في المناطق التجريبية فقط، فهو يتناول جوانب عدة ومساراً أوسع، لكن في هذه النقطة تحديداً هناك تأثير كبير للموقف الإسرائيلي ولدور الرعاية الأميركية في الدفع نحو التنفيذ، وكذلك لإزالة العقبات أمام وجود مراقبين دوليين قادرين على مراقبة تنفيذ الاتفاق».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (رئاسة الحكومة)

الجدول والضمانات

وقال بوعاصي إن «المسألة انتقلت فعلياً إلى جدول التنفيذ وضماناته. هذه الأمور تكون أكثر تعقيداً لأننا في حالة صراع، ولو كنا في حالة سلم لكانت العملية أبسط. وقد وُضع الاتفاق لتذليلها لا لأن تصبح هذه الإشكاليات سبباً لعدم البدء».

وهذا التركيز على الجدول والضمانات يلتقي مع الموقف الذي أعلنته رئاسة الحكومة عقب لقاء سلام - روبيو، إذ تحدثت رسمياً عن «جدول زمني واضح» و«آلية موثوقة للتحقق»، في مؤشر إلى أن تفاصيل التنفيذ أصبحت في صلب المرحلة الحالية من المسار.

تجهيز الجيش والغطاء السياسي

ورفض بوعاصي الطرح القائل بضرورة انتظار تجهيز الجيش اللبناني بصورة أكبر قبل بدء تنفيذ مهمته، وقال: «لا شك أنه يجب تجهيز الجيش بأفضل الممكن وتأمين أكبر قدر ممكن من المساعدات له، لكن المؤسسة العسكرية اليوم قادرة على البدء بتنفيذ هذه المهمة، شرط أن يتوافر لها الغطاء السياسي المطلوب».

وختم: «موقفنا السياسي في حزب القوات اللبنانية واضح: نريد تطبيق اتفاق الإطار، وانسحاب إسرائيل، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار، ونحن مصرون على هذه النقاط كلها. وفي الوقت نفسه، نحن حريصون على أن تكون للجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية اللبنانية حصرية السلاح والأمن على كامل الأراضي اللبنانية، وهذا هو المسار الذي أطلقته الحكومة اللبنانية خلال عامي 2025 و2026».


قصف إسرائيلي وتفجير وحرق منازل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد عقب انفجار في المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب انفجار في المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
TT

قصف إسرائيلي وتفجير وحرق منازل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد عقب انفجار في المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب انفجار في المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

واصل الجيش الإسرائيلي، اليوم السبت، تنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير وحرق منازل في مناطق متفرقة من جنوب لبنان، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

واستهدف قصف مدفعي إسرائيلي بلدتي طلوسة وبني حيان بشكل متواصل، وقامت القوات الإسرائيلية بإحراق عدد من المنازل في بلدة حولا قضاء مرجعيون، في جنوب لبنان، حسب ما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

ونفّذت القوات الإسرائيلية عدداً من التفجيرات الضخمة استهدفت بلدة المنصوري الجنوبية، وشن الطيران الحربي الإسرائيلي، صباحاً، غارتين استهدفتا بلدة بني حيان في جنوب البلاد.

وتشن إسرائيل حرباً على لبنان منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على شمال إسرائيل. واحتلّت القوات الإسرائيلية عدداً من بلدات جنوب لبنان.

وأُعلن في 20 يونيو (حزيران) الماضي عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.