كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

البحث عن الأثر ما بين التأليف والمحاضرة

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
TT

كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك

ليست الكتابة، بما هي تدوين للأفكار والمعاني، يسعى للتداول والانتشار، هي المنتج الفكري الأمثل والوحيد للباحث والناقد والمؤرخ والمشتغل في حقول المعارف الإنسانية المختلفة، إنها لا تعدو أن تكون صيغة من صيغ الاجتهاد والعمل الذهني الذي يفترض سبلاً متعددة الوجوه والمقاصد، إذ يمكن الفصل بين الإنجاز الثقافي العميق والمؤثر وإصدار المؤلفات المتلاحقة، ما دامت شواهد عدة في تاريخ الفكر والأدب تثبت دور الشفاهي، من التدريس إلى المناظرات، إلى الحوارات الممتدة في الزمن بين أجيال متباينة، وهو افتراض يؤكد أن الولع بمراكمة المنشورات من كتب ومصنفات جماعية ومقالات، ليس بالضرورة منتجاً للأثر، سواء في مجتمع المعرفة أو في المشهد الثقافي، ولا يمكن من ثم أن يتحول إلى هاجس رئيسي وحيد لكل مشتغل بالمعارف.
الكتابة نقيض المحاضرة والإملاء، امتحان مرعب ومحفوف بالشكوك، بينما إلقاء الحديث على مدونين فيه احتفال متنقل، استطراد وخطابة، وتقليب للمعاني والكلمات. لهذا كان الكاتب دوماً شخصاً مهووساً بعدم التكرار؛ لأن الكلمات تتحول في لحظتها إلى جمل، وتراكيب وفقرات، تتوسل أسلوباً ونسقاً، لا ينتظم بيسر. بينما المملي شخص مرتاح يترك محنة الكتابة للمريدين، والتلامذة، وبعدهم للشراح وكتاب الحواشي.
لا جرم إذن أن تملأ «الأمالي» الفصول والأقسام والمجلدات الطوال، نستحضر هنا رحلة ابن بطوطة التي كان إملاؤها في فاس بأمر من السلطان أبي عنان المريني، وقام بتدوينها الفقيه ابن جزي الكلبي. بل إن بعض أصناف هذه المدونات احتفظت بلفظ «الأمالي» عنواناً للتأليف، تنبيهاً لمصدر المكتوب، كتلك التي لأبي علي القالي الأندلسي، الذي اختار ألا يبذل جهداً في وصف ما أملاه، وحين أعجزته الوسيلة في وسم كتابه الذي أعقب «أماليه»، سماه: «ذيل الأمالي».
ويحضر إلى الذهن، في سياق هيمنة نزعة المحاضرة والمناظرة بقصد الإقناع الذهني المبني على الخطاب الشفاهي، النموذج المثير للفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، الذي درس لسنوات في جامعة كمبردج قضايا المنطق وفلسفة اللغة والرياضيات، وكان مؤسساً لقواعد تفكير مستجدة للعلاقات المنطقية بين القضايا الذهنية والعالم، والذي على مكانته الكبيرة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة لم يخلف قبل وفاته إلا مؤلفاً وحيداً صغير الحجم (بعنوان لاتيني) هو: «تراكتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس» (صدر سنة 1921)، وكل ما صدر له بعد وفاته من نتاج فلسفي هو تجميع من قبل تلاميذه لمحاضراته وأبحاثه غير المكتملة.
وفي أواسط الثمانينات من القرن الماضي قام الباحثان المغربيان كمال عبد اللطيف والطاهر وعزيز من شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط، بجمع محاضرات أستاذ تاريخ الفلسفة المصري نجيب بلدي، الذي أقام لمدة طويلة بالمغرب، ونشراها بعنوان «دروس في تاريخ الفلسفة»، (صدرت عن «دار توبقال» بالدار البيضاء، سنة 1987). لم يكن نجيب بلدي يحظى بشهرة كبيرة في الوسط الأكاديمي رغم نهوضه بدور مؤسس في تكوين أجيال من الطلاب والباحثين ممن صنعوا مجد الدراسات الفلسفية بالمغرب، في حين لم يُصدر إلا مؤلف يتيم عن ديكارت في ستينات القرن الماضي.
وقبل إصدار محاضرات نجيب بلدي، قام بعض أساتذة قسم اللغة العربية بالقاهرة بجمع محاضرات الشيخ أمين الخولي ونشرها، وهو الذي لم يكن محتاجاً لمطبوعات لتأكيد دوره الريادي في الدراسات البلاغية والنقدية بالجامعة المصرية، وبعد أمين الخولي ونجيب بلدي جمعت أعمال عديد من المفكرين والأساتذة الرواد في مشرق العالم العربي ومغربه... بيد أنه باستحضار هذين النموذجين، فقط، نقف على ظاهرة ثقافية جديرة بالانتباه في الذاكرة الجماعية والثقافية العامة، وهي انخراط مجموعة من الباحثين في بناء حقول معرفية مختلفة عبر التدريس والتعريف بمناهج جديدة ونحت مفاهيم وترجمة أخرى وتكوين نخب يمتد تأثيرها لعقود طويلة، دون التفات للأثر المكتوب، حيث التحمت لديهم المعرفة بوقعها في المجتمع والوجدان العام. بالطبع لم يكن شاغل من قام بجمع محاضرات هؤلاء المعلمين الرواد هو إخراج كتب تخلد ذكرهم، ولا حتى إتاحة ما قدموه من محاضرات لعموم القراء فحسب، فهذا المأرب على نبله لا يمثل صلب القصد من تحويل تراث شفوي إلى كتاب جامع، وإنما الغاية الأساس، فيما أظن، هي مواجهة منطق اختزال الأثر في التأليف.
غير أنه في حالات أخرى تلتبس النزعة الإملائية بالتأجيل المسترسل للكتابة، ففي بعض مقاطع سيرته البديعة «صور الماضي» تحدث هشام شرابي، عن النزعة الشفاهية لأستاذه شارل مالك التي أخذته إلى الإغراق في مظاهر المحاضرة والسجال، مع ما يتصل بهما من ذوبان في الشأن الثقافي العام، وهي النزعة التي زاغت بصاحبها عن الإنجاز المعرفي «المحفوظ» والمتواتر عبر الزمن، وأبقته أسير التأجيل المطرد لمشاريع التأليف والكتابة، التي كان مؤهلاً لها خلال عمله بالجامعة، قبل أن ينصرف كلية إلى العملين السياسي والدبلوماسي، وتبتلعه طاحونة الخطابة... وفي مقطع دال من سيرة هشام شرابي نقرأ ما يلي: «من كان يستطيع السماع إلى شارل مالك يتحدث عن الفلسفة الإغريقية، عن سقراط وأفلاطون وأرسطو دون أن يقع في حب الإغريق والفلسفة الإغريقية؟... كان الطلبة يصغون إليه كما كانوا لا يصغون إلى أي أستاذ آخر... وكان أصدقاء شارل مالك وتلامذته ينتظرون اليوم الذي سيبدأ فيه بالكتابة والتأليف، إلا أنه، عدا عن مجموعة من الخطب والمقالات باللغة الإنجليزية (التي يجب اعتبارها سياسية إعلامية) لم يكتب إلا كتاباً واحداً في الفلسفة وهو: (المقدمة: القسم الأول)».
ولقد سيطرت سمة التأجيل وما يتصل بها من خضوع لا واعٍ لسطوة المحاضرة، على عدد كبير من المفكرين العرب، ممن حولوا الكتابة إلى صفة مجازية تدل على النيات، أكثر مما تتصل بالرصيد المتحقق، حيث استثمر عدد منهم في العملية التعليمة، وانصرف بعضهم إلى تكوين الطلائع الحزبية، بينما انشغل آخرون بالمهام السياسية مع ما يصاحبها من انصراف للخطابة.
والظاهر أن حسن الظن بالزمن، والنظر إلى المستقبل، بما هو امتداد متدفق دون حد، كان سمة مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية، وبداية تكون نظم التعليم وتأسيس أغلب الجامعات الحديثة، ومن ثم كان الاضطلاع بدور نضالي للنهوض بالمجتمع، لدى نخبة واسعة من الجامعيين أهم من التأليف في حقل الاختصاص، تلك كانت سمة السوسيولوجي المغربي محمد جسوس، وهو شخص لا يعرفه القراء والباحثون العرب جيداً، لسبب بسيط هو أن الكتاب الوحيد الذي صدر له كان من إعداد طلبته. لم يكتب مداخلاته السياسية، ولا محاضراته في علم الاجتماع التي ألقاها على امتداد عقود في قسم الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب بالرباط، كان عمله مختصراً في المحاضرات التي تنطلق عند عتبة الجامعة وعتبة الحزب اليساري الذي كان عضواً فيه. ولهذا كان دوماً هو المبعوث المفضل للمكتب السياسي لحزبه لتأطير الشباب والإشراف على مؤتمراتهم، حيث كان باستطاعته دوماً أن يسل الشوكة من عجين التطاحن السياسي، والوقوف أمام فورة الحماس وجعلها دافعة نحو المستقبل. مع قيمة أساسية في شخصه هو الأكاديمي خريج جامعة برينستون الأميركية، أنه لم يؤمن يوماً بأن الأكاديمية حاجز معرفي مع الآخرين، لقد كان من أوائل المغاربة المختصين في علم الاجتماع، ممن جعلوا المعرفة الفلسفية والاجتماعية غير مقرونة بالجامعة، وإنما بالجدوى المجتمعية والسياسية؛ لذا قد يكون مجموع تلامذته في المجتمع المغربي أكثر بكثير ممن حضر دروسه، وحتى من شبيبة وأعضاء حزبه، كانوا في النهاية جمهور يسار منفتح، اعتقد دوماً أن السياسة عقيدة الحالمين الأبرياء، وأن العمل العام شأن نبيل، وأخلاق لا تخضع للضرورات والمغانم، وإنما للتضحيات التي تستبدل بالسلطة القدرة على توجيه المجتمع والرقي بطبقاته.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
TT

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

عثر علماء آثار في بنما على قبر يُقدَّر عمره بنحو ألف عام، دُفنت فيه إلى جانب بقايا بشرية قطع ذهبية وفخاريات، وفق ما أعلنت المسؤولة عن فريق التنقيب.

وسُجّل هذا الاكتشاف في موقع إل كانو الأثري بمنطقة ناتا، على بُعد نحو 200 كيلومتر جنوب غربي مدينة بنما، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

موقع إل كانو الأثري يرتبط بالمجتمعات التي سكنت المناطق الوسطى من بنما بين القرنين الـ8 والـ11 (أ.ف.ب)

وكان علماء الآثار قد اكتشفوا سابقاً في الموقع بقايا تعود إلى ما قبل فترة الاستعمار الأوروبي التي بدأت في القرن الـ16.

وفي الاكتشاف الجديد، عُثر على بقايا عظمية محاطة بمقتنيات ذهبية وفخار مزخرف بنقوش، ما يشير إلى أن المدفونين في القبر كانوا من النخبة الاجتماعية، حسبما أوضحت جوليا مايو المسؤولة عن أعمال التنقيب.

وقدّرت الباحثة عمر القبر بما يتراوح بين 800 وألف عام، مشيرة إلى أن الرفات المدفون مع القطع الذهبية يعود إلى الشخص الأعلى مرتبة في المجموعة.

وضمّت اللقى المكتشفة سوارين وقرطين وقطعة صدرية مزينة بزخارف تمثل الخفافيش والتماسيح.

في القبر رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

ويرتبط موقع إل كانو الأثري بالمجتمعات التي سكنت المناطق الوسطى من بنما بين القرنين الـ8 والـ11، حيث كان يُستخدم لدفن الموتى على مدى نحو 200 عام.

وقالت وزارة الثقافة إن هذا الاكتشاف يُعد ذا أهمية كبيرة لعلم الآثار في بنما ولدراسة مجتمعات ما قبل الاستعمار الإسباني في أميركا الوسطى.

ويرى خبراء أن هذه الحفريات تعكس اعتقاد تلك المجتمعات بأن الموت لم يكن نهاية، بل انتقالاً إلى مرحلة أخرى يحافظ فيها الإنسان على مكانته الاجتماعية.


لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».