الإقصائية في الذهنية العربية

الإقصائية في الذهنية العربية
TT

الإقصائية في الذهنية العربية

الإقصائية في الذهنية العربية

في روايته «بلاد القائد» - منشورات «المتوسط» - تعاطى الكاتب اليمني علي المقري، مع إشكالية الرغبة الإقصائية في الذهنية الجمعية، الفاعلة في التحولات العربية الراهنة. بما تكتنزه - هذه الرغبة - مِن انتهازيةٍ لكل ما يعمل على تحقيقها، واستثمارٍ لمرونتها التي تمنحها تواؤماً مع مختلف مجالات الحياة، وتُمَكِّنها من التماهي في تلافيف البنية الثقافية. ويُعَدّ مجال السلطة والحكم أكثر مجالات الحياة احتفاءً بهذه الإشكالية العربية التي تشمل - على حدٍّ سواء - القادة والمناضلين الذين يصلون إلى السلطة؛ لتجذّرها في البنية الفكرية والثقافية الراسخة في مجتمعاتهم.
قامت سردية الحكاية في هذا العمل على الشخصيتين الرئيستين: «القائد» و«كاتب سيرته»؛ إذ تبلور نموذجُ الحاكم الديكتاتوري من خلال شخصية «القائد»، مع إثراء هذه الشخصية بمحمولات دلالية ذات قصديةٍ في تشبيكِ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من مقومات السلطة الديكتاتورية في عددٍ من البلدان العربية. وقد حضر «اليمن» بشكلٍ ثانوي، في الحديث العابر عن الرقم (33)، بما فيه من إحالةٍ غير مباشرةٍ إلى فترة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح. أمّا السيادة المركزية لإحالات هذا العمل، فقد كانت لتفاصيل من أحداث «الربيع العربي» في «ليبيا»، ولما ترتب على هذه الأحداث من تحوّلاتٍ مثخنةٍ بحروبها الجديدة.
استضاءت سردية العمل بالأرضية الصلبة التي يستمدُّ منها الديكتاتور قُوّته، تلك الأرضية المُخْتَزلة في استقواء الحاكم بتاريخه الوطني الثوري في وجه سلطةٍ كان يغلب عليها أن تكون استعمارية، وهي السلطة التي كانت مستهدفة بنضال «القائد» حتى وصلت به ثوريته إلى قيادة البلد بعد الاستقلال، ثم أقام حكْمَه على أسسٍ من الشدة والقسوة والقبضة الأمنية الحديدية ذات الأساليب والوسائل المتنوعة، بين: الترغيب والترهيب، أو العقاب الوحشي لكل مَنْ ترى فيه العينُ البوليسية شبهةً فيها تهديدٌ لسلطة «القائد».
يصل الطغاة - بإحكام سيطرتهم على شعوبهم - إلى الاطمئنان، الذي يُسفرُ عن رغبتهم في توريث السلطة، وعن رغبتهم - أيضاً - في تخليد ما استطاعوا بناءه في الذهنية الجمعية مِنْ وَهْم تفرُّدهم واستثنائيتهم؛ إذ يستأنسون - لتحقيق تلك الرغبة - بكل مُتاحٍ، بما في ذلك توظيفهم للكتابة الثقافية والأدبية.
كثّفت الرواية من الرمزية إلى الثقافة والكتابة في شخصية «كاتب سيرة القائد»، المسحوق بالحاجة المالية، غير القادر على إنقاذ زوجته من مرض «السرطان»؛ لذلك لم يجد حرجاً في موافقته على المشاركة في تدوين سيرة «القائد»، فتضَمّنَتْ موافقته - تلك - نوعاً من تصالحه الذاتي مع سطوة الواقع واحتياجاته المالية، بما في هذا التصالح من مواربةٍ لانهزام رؤيته التي لطالما كانت مناهضةً لما آل إليه مصيرُه من عمل مع السلطة.

التّصَدُّع في السلطة

أمسك السياق السردي بالتصدّع، من بداية خيوطه الداخلية في عائلة «القائد»؛ فابنته «الشهباء» هي مَن اقترح اسم الكاتب الذي اشترك في كتابة سيرة أبيها؛ إذ سبق أن تشكّلت معرفتُها به - معرفةً أدبيةً - من خلال قراءاتها لرواياته التي ينحو فيها منحًى استكشافيّاً للحرمان والكبت في حياة الأنثى. وبعد استقدامه إلى بلدها، التقت به؛ فتنامت علاقتهما بتسارعٍ أفضى إلى مكاشفتها له بحرمانها المماثل لحرمان شخصيات رواياته، وإلى حديثها عن واحدةٍ من تلك الشخصيات، التي قابلت - في سردية إحدى رواياته - رجلاً. صارحت ابنة القائد الكاتبَ بأنها مثل تلك الشخصية، وأنهُ هو رجلُها الذي ترغب فيه زوجاً لا دواءً آنيّاً لحرمانها فحسب. لم يكن في مستطاعه الاعتذار، فتوافقا على نوعٍ من الزواج السري المتجانس في سِرّيّته مع مهمة الكاتب السرية في تدوين سيرة «القائد».
وبالتوازي مع هذا الاستقصاء السردي، كان السياق الروائي ممسِكاً بخيوط التصدع الخارجي، الذي ظهرت ملامح منه في رغباتِ التمزيقِ لصورة القائد المثالية في الذهنية الاجتماعية، مع التأثيث السردي لهذا الاستقصاء بالوقوف على نقطة التصدع الخارجي الأولى، تلك الغائرة في عفوية ميلاد القائد المُفْرَغة من مستقبل قيادته، والتي تضَمّنها حلمُ امرأةٍ بموته فور ولادته، لكنه لم يمت، وكُتبتْ له حياةٌ غير متوقعة، وصلت به إلى سدة الحكم. انتقم من امرأة الحلم، فاختفتْ من الحياة، لكن لم يختفِ معها حلمها؛ فقد تبَنّتْه ابنة أخيها «سحر»، الطالبة التي أخذتها منحة دراسية إلى خارج الوطن، وهناك قررت الإخلاص لحلمها، فطلبت اللجوء السياسي، وأنشأت على الفضاء الرقمي مدوّنتها التي أسمَتْها: «الحالمة بموت الرئيس»، وفيها رعت الحلم ودوّنت تفاصيله اليومية.

الحرب وارتكاسات التّحَوّل

منذ أن انصدم ابنُ القائد بخبر سقوط النظام في بلدٍ حليفٍ مجاور، حركت أحداث «الربيع العربي» مياه الاستقرار في «بلاد القائد». انتفض الناس، وتعالت أصوات الاحتجاجات، واجهها القائد بقوةٍ مفرطة، تصاعدت أعداد الضحايا، طالب المحتجون بالتدخل العسكري الدولي لحمايتهم، نالوا الاستجابة، فسردت الحرب حكايتها الخاصة، وإلى بعضٍ من تفاصيلها أشار «كاتب سيرة القائد»:
«لم نعد نسمع سوى أصوات الانفجارات والرصاص طوال الأيّام والليالي. أصوات الطائرات المروحية وهي تحلّق فوقنا في بداية الثورة، تحوّلت إلى أصوات صواريخ (سكود) و(كروز) وطائرات (توماهوك)، حسب ما يقول العارفون بالفوارق بين الأصوات».
كذلك هي إشاراتُه إلى تداعيات الأحداث: سقوط النظام، ومقتل القائد، واستمرارية الحرب، من ذلك إشارته إلى ما أرعبَه وهو يشاهد بعضاً مما تناقلتْه الهواتف الذكية: «في مقاطع الفيديو الموزّعة، لاحظتُ أيضاً، مئات العمارات التي سُوِّيت بالأرض، وانتشار تعليق الرؤوس المقطّعة على أعمدة الكهرباء، سواء من أتباع النظام أو من أتباع الثّوّار والميليشيات المتعدّدة، وكأن الكل صار ضدّ الكل، يصرخون بلا معنى؛ إذ بدت لهم الثورة وكأنها تعني التقارب مع الموت أكثر ممّا تعني الاقتراب من الحياة».
نجا «كاتب سيرة القائد» - من الواقع الجديد الطافح موتاً وعداوةً - إذ لاذ بصفةٍ جديدةٍ توَفِّر عليه تبعات مهمته الحقيقية، فكان يعرّف نفسه بأنه باحثٌ في التراث الثقافي لبلاد القائد، الذي كانت سيرته قد استكملت نصفها الأول، أمّا نصفها الثاني فلم يعد القائد هو الفكرة الرئيسة فيه، بعدما صار الواقع فاعلاً في تقديم قادته وأفكاره الخاصة، بما في ذلك موتُ القائد الذي لم يَعُد حلماً، بل حقيقةً جاءت «سحر» - من مهجرها - للمشاركة في معايشتها، والاضطلاع مع جيلها باستكمال النصف الآخر من كتاب البلاد، النصف الذي سيُدَوَّنُ فيه واقعٌ جديدٌ وزمنٌ قادمٌ لم تعد ملامحهُ خافيةً على أحد؛ إذ فتحت سردية العمل - من خلال هذا المنحى السردي بنباهةٍ استشرافيةٍ ذكية - أفقاً روائياً سيتسارد فيه الواقع القادم، بأحداثه الخاصة، المأمول فيها أن تكون مغايرةً لسابقاتها، مع ما في استشرافِ القادم من تلميحٍ إلى أن أحداثه لن تختلف كثيراً عن سابقاتها؛ إذ استند هذا التلميح إلى واقعيةِ الصيرورةِ، التي ستُعَزِّزُ بالحاضرِ الملموس امتدادَ الماضي إلى القادم، امتداداً تُحَتّمُه فواعلُ البنيةِ الثقافية الاجتماعية، المجبولة على بطء استجابتها لمتغيرات الحياة؛ وبذلك كان هذا التحول - بصورته المأساوية واستشرافه القاتم - انعكاساً لرسوخ الإشكالية الإقصائية في الذهنية العربية، وفاعليتها في تدوير الاستبداد وإعادة إنتاجه، بعدما صنّفت المجتمع تصنيفاً مفخّخاً بعواملِ العدائية والاقتتالِ الذي تتشاركه الفصائل المتعددة؛ تأسيساً لإقصاءٍ واستئثارٍ قادمين، ستفرضهما أقوى الفصائل وأقدرها على الظفر بالنصيب الأكبر من السلطة - إن لم تظفر بها كلها - ومن ثم صياغتها لوَهْم فرادتها واستثنائيتها في الذهنية الجماهيرية المُهيّأة - بما يكفي من سباتٍ - لصناعةِ ديكتاتوريةٍ نضاليةٍ إقصائية قادمة!
* شاعر وناقد أكاديمي يمني


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.