في روايته «بلاد القائد» - منشورات «المتوسط» - تعاطى الكاتب اليمني علي المقري، مع إشكالية الرغبة الإقصائية في الذهنية الجمعية، الفاعلة في التحولات العربية الراهنة. بما تكتنزه - هذه الرغبة - مِن انتهازيةٍ لكل ما يعمل على تحقيقها، واستثمارٍ لمرونتها التي تمنحها تواؤماً مع مختلف مجالات الحياة، وتُمَكِّنها من التماهي في تلافيف البنية الثقافية. ويُعَدّ مجال السلطة والحكم أكثر مجالات الحياة احتفاءً بهذه الإشكالية العربية التي تشمل - على حدٍّ سواء - القادة والمناضلين الذين يصلون إلى السلطة؛ لتجذّرها في البنية الفكرية والثقافية الراسخة في مجتمعاتهم.
قامت سردية الحكاية في هذا العمل على الشخصيتين الرئيستين: «القائد» و«كاتب سيرته»؛ إذ تبلور نموذجُ الحاكم الديكتاتوري من خلال شخصية «القائد»، مع إثراء هذه الشخصية بمحمولات دلالية ذات قصديةٍ في تشبيكِ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من مقومات السلطة الديكتاتورية في عددٍ من البلدان العربية. وقد حضر «اليمن» بشكلٍ ثانوي، في الحديث العابر عن الرقم (33)، بما فيه من إحالةٍ غير مباشرةٍ إلى فترة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح. أمّا السيادة المركزية لإحالات هذا العمل، فقد كانت لتفاصيل من أحداث «الربيع العربي» في «ليبيا»، ولما ترتب على هذه الأحداث من تحوّلاتٍ مثخنةٍ بحروبها الجديدة.
استضاءت سردية العمل بالأرضية الصلبة التي يستمدُّ منها الديكتاتور قُوّته، تلك الأرضية المُخْتَزلة في استقواء الحاكم بتاريخه الوطني الثوري في وجه سلطةٍ كان يغلب عليها أن تكون استعمارية، وهي السلطة التي كانت مستهدفة بنضال «القائد» حتى وصلت به ثوريته إلى قيادة البلد بعد الاستقلال، ثم أقام حكْمَه على أسسٍ من الشدة والقسوة والقبضة الأمنية الحديدية ذات الأساليب والوسائل المتنوعة، بين: الترغيب والترهيب، أو العقاب الوحشي لكل مَنْ ترى فيه العينُ البوليسية شبهةً فيها تهديدٌ لسلطة «القائد».
يصل الطغاة - بإحكام سيطرتهم على شعوبهم - إلى الاطمئنان، الذي يُسفرُ عن رغبتهم في توريث السلطة، وعن رغبتهم - أيضاً - في تخليد ما استطاعوا بناءه في الذهنية الجمعية مِنْ وَهْم تفرُّدهم واستثنائيتهم؛ إذ يستأنسون - لتحقيق تلك الرغبة - بكل مُتاحٍ، بما في ذلك توظيفهم للكتابة الثقافية والأدبية.
كثّفت الرواية من الرمزية إلى الثقافة والكتابة في شخصية «كاتب سيرة القائد»، المسحوق بالحاجة المالية، غير القادر على إنقاذ زوجته من مرض «السرطان»؛ لذلك لم يجد حرجاً في موافقته على المشاركة في تدوين سيرة «القائد»، فتضَمّنَتْ موافقته - تلك - نوعاً من تصالحه الذاتي مع سطوة الواقع واحتياجاته المالية، بما في هذا التصالح من مواربةٍ لانهزام رؤيته التي لطالما كانت مناهضةً لما آل إليه مصيرُه من عمل مع السلطة.
التّصَدُّع في السلطة
أمسك السياق السردي بالتصدّع، من بداية خيوطه الداخلية في عائلة «القائد»؛ فابنته «الشهباء» هي مَن اقترح اسم الكاتب الذي اشترك في كتابة سيرة أبيها؛ إذ سبق أن تشكّلت معرفتُها به - معرفةً أدبيةً - من خلال قراءاتها لرواياته التي ينحو فيها منحًى استكشافيّاً للحرمان والكبت في حياة الأنثى. وبعد استقدامه إلى بلدها، التقت به؛ فتنامت علاقتهما بتسارعٍ أفضى إلى مكاشفتها له بحرمانها المماثل لحرمان شخصيات رواياته، وإلى حديثها عن واحدةٍ من تلك الشخصيات، التي قابلت - في سردية إحدى رواياته - رجلاً. صارحت ابنة القائد الكاتبَ بأنها مثل تلك الشخصية، وأنهُ هو رجلُها الذي ترغب فيه زوجاً لا دواءً آنيّاً لحرمانها فحسب. لم يكن في مستطاعه الاعتذار، فتوافقا على نوعٍ من الزواج السري المتجانس في سِرّيّته مع مهمة الكاتب السرية في تدوين سيرة «القائد».
وبالتوازي مع هذا الاستقصاء السردي، كان السياق الروائي ممسِكاً بخيوط التصدع الخارجي، الذي ظهرت ملامح منه في رغباتِ التمزيقِ لصورة القائد المثالية في الذهنية الاجتماعية، مع التأثيث السردي لهذا الاستقصاء بالوقوف على نقطة التصدع الخارجي الأولى، تلك الغائرة في عفوية ميلاد القائد المُفْرَغة من مستقبل قيادته، والتي تضَمّنها حلمُ امرأةٍ بموته فور ولادته، لكنه لم يمت، وكُتبتْ له حياةٌ غير متوقعة، وصلت به إلى سدة الحكم. انتقم من امرأة الحلم، فاختفتْ من الحياة، لكن لم يختفِ معها حلمها؛ فقد تبَنّتْه ابنة أخيها «سحر»، الطالبة التي أخذتها منحة دراسية إلى خارج الوطن، وهناك قررت الإخلاص لحلمها، فطلبت اللجوء السياسي، وأنشأت على الفضاء الرقمي مدوّنتها التي أسمَتْها: «الحالمة بموت الرئيس»، وفيها رعت الحلم ودوّنت تفاصيله اليومية.
الحرب وارتكاسات التّحَوّل
منذ أن انصدم ابنُ القائد بخبر سقوط النظام في بلدٍ حليفٍ مجاور، حركت أحداث «الربيع العربي» مياه الاستقرار في «بلاد القائد». انتفض الناس، وتعالت أصوات الاحتجاجات، واجهها القائد بقوةٍ مفرطة، تصاعدت أعداد الضحايا، طالب المحتجون بالتدخل العسكري الدولي لحمايتهم، نالوا الاستجابة، فسردت الحرب حكايتها الخاصة، وإلى بعضٍ من تفاصيلها أشار «كاتب سيرة القائد»:
«لم نعد نسمع سوى أصوات الانفجارات والرصاص طوال الأيّام والليالي. أصوات الطائرات المروحية وهي تحلّق فوقنا في بداية الثورة، تحوّلت إلى أصوات صواريخ (سكود) و(كروز) وطائرات (توماهوك)، حسب ما يقول العارفون بالفوارق بين الأصوات».
كذلك هي إشاراتُه إلى تداعيات الأحداث: سقوط النظام، ومقتل القائد، واستمرارية الحرب، من ذلك إشارته إلى ما أرعبَه وهو يشاهد بعضاً مما تناقلتْه الهواتف الذكية: «في مقاطع الفيديو الموزّعة، لاحظتُ أيضاً، مئات العمارات التي سُوِّيت بالأرض، وانتشار تعليق الرؤوس المقطّعة على أعمدة الكهرباء، سواء من أتباع النظام أو من أتباع الثّوّار والميليشيات المتعدّدة، وكأن الكل صار ضدّ الكل، يصرخون بلا معنى؛ إذ بدت لهم الثورة وكأنها تعني التقارب مع الموت أكثر ممّا تعني الاقتراب من الحياة».
نجا «كاتب سيرة القائد» - من الواقع الجديد الطافح موتاً وعداوةً - إذ لاذ بصفةٍ جديدةٍ توَفِّر عليه تبعات مهمته الحقيقية، فكان يعرّف نفسه بأنه باحثٌ في التراث الثقافي لبلاد القائد، الذي كانت سيرته قد استكملت نصفها الأول، أمّا نصفها الثاني فلم يعد القائد هو الفكرة الرئيسة فيه، بعدما صار الواقع فاعلاً في تقديم قادته وأفكاره الخاصة، بما في ذلك موتُ القائد الذي لم يَعُد حلماً، بل حقيقةً جاءت «سحر» - من مهجرها - للمشاركة في معايشتها، والاضطلاع مع جيلها باستكمال النصف الآخر من كتاب البلاد، النصف الذي سيُدَوَّنُ فيه واقعٌ جديدٌ وزمنٌ قادمٌ لم تعد ملامحهُ خافيةً على أحد؛ إذ فتحت سردية العمل - من خلال هذا المنحى السردي بنباهةٍ استشرافيةٍ ذكية - أفقاً روائياً سيتسارد فيه الواقع القادم، بأحداثه الخاصة، المأمول فيها أن تكون مغايرةً لسابقاتها، مع ما في استشرافِ القادم من تلميحٍ إلى أن أحداثه لن تختلف كثيراً عن سابقاتها؛ إذ استند هذا التلميح إلى واقعيةِ الصيرورةِ، التي ستُعَزِّزُ بالحاضرِ الملموس امتدادَ الماضي إلى القادم، امتداداً تُحَتّمُه فواعلُ البنيةِ الثقافية الاجتماعية، المجبولة على بطء استجابتها لمتغيرات الحياة؛ وبذلك كان هذا التحول - بصورته المأساوية واستشرافه القاتم - انعكاساً لرسوخ الإشكالية الإقصائية في الذهنية العربية، وفاعليتها في تدوير الاستبداد وإعادة إنتاجه، بعدما صنّفت المجتمع تصنيفاً مفخّخاً بعواملِ العدائية والاقتتالِ الذي تتشاركه الفصائل المتعددة؛ تأسيساً لإقصاءٍ واستئثارٍ قادمين، ستفرضهما أقوى الفصائل وأقدرها على الظفر بالنصيب الأكبر من السلطة - إن لم تظفر بها كلها - ومن ثم صياغتها لوَهْم فرادتها واستثنائيتها في الذهنية الجماهيرية المُهيّأة - بما يكفي من سباتٍ - لصناعةِ ديكتاتوريةٍ نضاليةٍ إقصائية قادمة!
* شاعر وناقد أكاديمي يمني





