حيدر حيدر... عناد الأمل

«يوميات الضوء والمنفى» ولدت من مخاض نصف قرن

حيدر حيدر
حيدر حيدر
TT

حيدر حيدر... عناد الأمل

حيدر حيدر
حيدر حيدر

في كتابه «يوميات الضوء والمنفى»، الصادر حديثاً عن دار «ورد»، يبدو حيدر حيدر «جلجامش» حديثاً، ناضل، سافر، كتب. وفي كل ما يعمل يبحث عن المستحيل، رأى الكثير ولم يفقد عناده. في رحلته تآكل الوطن من تحت قدميه ولم يبق له سوى حصين البحر وطناً مؤكَّداً؛ تلك القرية الصغيرة التي أنجبته وأنجبت سعد الله ونوس، هي حصنه الأخير المؤكَّد حيث كان يعود إليها كل مرة، وحيث يعيش الآن منذ عودته النهائية إلى سوريا عام 1986.
بالمولد (1936) يبدو حيدر طليعة مَن سيُعرَفون بعد ذلك بـ«جيل الستينيات» الأدبي العربي؛ ذلك الجيل الذي تعانقت في حياته السياسة والكتابة بشكل كبير. ولعلَّها مصادفة أن يولَد صنع الله إبراهيم بعده بعام، وأن يكونا أكثر الأدباء العرب تمسكاً بالسياسة ممارسة ونصاً إلى اليوم.
يُلخص حيدر رؤيته ورؤية الكثيرين من كُتّاب جيله في الستينيات والسبعينيات: «ما كان الأدب يوماً إلا مَعبراً وجسراً للعمل الثوري»، يعود في موضع آخر ليقرر: «مياه كثيرة مرت تحت الجسر. وفي السماء عبَرت غيوم، وأنا الآن أعبر حالة مراجعة»، ثم يقرر: «الآن أنتمي إلى الأدب بكُلّيتي. هناك أشياء أرغب في قولها في هذه الآونة. رغم أن وطن العرب محكوم بالفاشية العسكرية. وزمن الكتابة والأدب مطوَّق بأنشوطات الإعدام».
هذا الاقتباس الذي سُقته للتو يتعلق بوضعه ورؤيته عام 1977، وفي الجملة نفسها نتبيّن أنه ليس منقطعاً بكُلّيته للأدب، بالإضافة إلى أنه كان منخرطًا في العمل بإدارة الإعلام الفلسطيني في بيروت، لكننا يمكن أن نفهم «الانقطاع» هنا بمعنى الممارسة لا الرؤية. الانقطاع عن العمل الثوري السري وقول ما يريده عبر الأدب، وليس الانصراف التام عن السياسة. في النص نفسه نقرأ: «لست وحيداً. المستقبل والقادمون والمقاومة تضيء. أرى الضوء رغم الظلام الحالك».
عناد الأمل، سمة طبعت حياة حيدر حيدر. بسبب العناد وبفضله لا نكاد نلمح تخلياً سياسياً أو تغييراً في الموقع الذي اختاره حيدر حيدر لنفسه من البداية. وأما الضوء في عنوان الكتاب فنرى انعكاساته هنا وهناك داخل المسيرة. ومض سريع يبرق للمحاصَرين تحت ظلام كثيف ثم يختفي.
في تقديمه يؤكد الكاتب أن هذه (اليوميات/ الاعترافات) وُلدت من مخاض نصف قرن: «ما كنت لأفكر بنشرها في هذه المرحلة الصعبة والوحشية جراء الرقابة وحساسية السلطة السياسية إزاء النقد وكشف المستور». في جملته هذه مفارقة ساخرة؛ فالدول تفرج حتى عن وثائقها بعد مرور عقدين أو أكثر قليلاً، بينما لا يجد الكاتب العربي ما يكفي من حرية لرواية ذكريات عمرها خمسون سنة، في ظل سلطة تراخت قبضتها عن كثير من الأشياء باستثناء الثقافة!
يوجه الكاتب شكره لزوجته أسمى التي أخرجت له خمسة دفاتر عمرها أكثر من خمسين عاماً عمل عليها مراجعة وتحريراً من جانبه، وعملت عليها تنضيداً لمدة شهرين، وجرى حذف لأسباب سياسية، وجرت إضافة.
من يتجاوز هذا التقديم يصعب عليه التسليم باستقرار الكتاب في جنس اليوميات الوارد في العنوان؛ ذلك النوع الذي يُدوَّن عبر الزمن حاملاً وعي المراحل المختلفة تاركًا للقارئ رؤية تطور تلك المسيرة. لكن السرد في «يوميات الضوء والمنفى» أقرب إلى السيرة المتناغمة أسلوبياً بما يتميز به سرد حيدر حيدر من لغة شاعرية في تجلّيها المتقدم، كما نستشعر، في القسم الأكبر من الكتاب، روح النظرة إلى الماضي من اللحظة الحاضرة.
هناك محطات من السرد تحمل تواريخ محددة، باليوم، لكنها قليلة تُخلي موقعها لجنس المذكرات بما تحمل من طعم الذكرى والتفكير في المصائر.
الكتاب، الذي يقع في 310 صفحات، مقسم إلى أربعة أقسام متفاوتة الطول تصنع مساراً دائرياً، من الطفولة في حصين البحر والمراهقة، ثم العودة إلى القرية نفسها، وبين الرحيل والعودة دوران متكرر بين بيروت، والجزائر، وفرنسا، وقبرص.
حظي حيدر بطفولة عادية لكنها قاسية، ليس بها شيء خارق، مقتضَبة طولًا في الكتاب، كما في الحياة. أب محبوب مثقف بمعايير زمانه ومكانه يختطفه الموت، ويترك طفله الشرس مع أم قاسية، ثم نُزوح إلى المدينة للدراسة من بعد المرحلة الابتدائية مباشرة، فلا يعود يعرف من بيت الطفولة سوى فصل الصيف، ولا يتذكر منه سوى حب الطفولة الذي كان مزيجاً من الحب والأخوّة والصداقة.
بصفته كاتباً، حقق حيدر حيدر معجزة الانتشار من قريته منذ العودة والاستقرار فيها، دون أن يضطر للنزوح إلى مدينة كبيرة، ولا يبدو الأمر مصادفة بقدر ما هو عقيدة فكرية وروحية. يكتب: «على أبواب المدن تنتهي حدود البراري، ينتهي عالم الحرية الطلق ليبدأ عالم السجن والخوف وفقدان الأمن والتدجين»، هذه الكلمات كتبها ضد مدينة صغيرة هادئة، لا مدينة مليونية، فما رآه الصبي لم يكن سوى طرطوس. ومن طرطوس إلى معهد المعلمين في حلب وبداية الاهتمام بالسياسة والعمل الثوري، ثم ولع الكتابة الذي سيتضافر فيما يلي من مراحل مع الاهتمام السياسي. وفي الستينيات سيعرف دمشق. كتابة وقراءة وعيش كثيف، بين المسرح والحانات الرخيصة. وتهتز الأرض على وقع الهزيمة العربية المروِّعة في يونيو (حزيران) 1967.
المسؤولون المباشرون سوَّغوا الهزيمة، أما الشعب فلا. تطوَّع الشاب وانخرط في التدريب الفدائي، سبتمبر (أيلول) 1968، ضمن عناصر حزبية، وكانت رؤيته أن الإفساح لحرب العصابات مع إسرائيل هو الحل، لكن الأنظمة العربية في طوق المواجهة فضّلت حروب الجيوش النظامية، وانتصرت في الحزب شراهة السلطة لا التضحية.
هذا الإحباط هو الذي سيحمله إلى الجزائر معلمًا في مدرسة لأبناء الشهداء وسط غابة على مشارف عنَّابة، هنا يسطع النور مجدداً، نور من السماء يستمده المسافر من حالة السفر حيث «خفقة القلب بنشوة السفر كخفقان القلب بوردة الحب. ثمة رائحة تنتشر وتعبق. اهتزازات لا مرئية تهز شغاف الروح». مستبشراً يرى السفر والهجرة حرية وكسراً للقضبان، لكن الوافد فقَد أجنحته عندما نزل إلى الأرض. في الجزائر لا ينظرون للغرباء بارتياح؛ لأنه يذكّرهم بالوجه الكبير للمستعمر الذي خرج مطروداً.
لم تمرَّ الثورة الجزائرية العظيمة على النفوس دون أثر: «كل شيء في الجزائر منوَّر عدا البشر» المجتمع كتيم، والمدرسة حريصة على التعريب بأي ثمن؛ نكاية في المستعمر، فكان الارتماء في الجانب المحافظ من الفكر الإسلامي، ولهذا كانت إقامة حيدر هشة ومهدَّدة دائماً. يستدعيه مدير المدرسة لينبهه إلى الالتزام بحدود المنهج وعدم الخوض في السياسة مع التلاميذ بعد وشاية من أحدهم.
ولم تكن عين الوافد على الجزائر تحديداً، بل على الدول التي تحررت من الاستعمار وتسلَّمها الضباط. عينه في الأساس على مصر وسوريا، وإحباطه من برجوازية عسكرية لا تتمسك بشيء سوى بالسلطة، ولبيروت مكانة خاصة؛ فهي الحلقة الضعيفة المختارة للفوضى دوماً، والتي ظلّت جرحاً شخصياً، يشعر بأنه خانها كلما اضطر لمغادرتها.
كان الانتقال من دولة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة مرتبطاً بمهمة سرّية، حيث يضيق الوقت على الكتابة دائماً ويتقلص، في فترات طويلة، إلى تسجيل اليوميات.
لا يبدو حيدر غاضباً إلا في مواجهة السلطة العسكرية المعنية بالبقاء أكثر من عنايتها بتقدم أو نصر، وفي مواجهة الإحساس بالعجز أمام اجتياح بيروت. في رسالة إلى ابنه مجد (أكتوبر 1982) يصف قسوة الاجتياح وإحباطه الكبير: «هناك أشياء كثيرة سقطت. أكاذيب وخدائع وانفعالات وديكورات ثورية، وليس هذا السقوط محزناً بقدر ما هو موقظ». هكذا لا يغيب عناد الأمل في أكثر اللحظات قسوة.
في مقابل الغضب السياسي، لا نلمح حيدر الرجل أو الكاتب غاضباً. في الحب يتفهم الطرف الآخر تماماً، يصف الأخطاء المشتركة التي أودت بعلاقة. وفيما يخص رفاق القلم، لا نعثر على صورة سلبية لكاتب من مجايليه إلا مرة واحدة مع كاتب بصفته ناشر أعماله، وغير ذلك لا نرى سوى المودّة الشديدة لأدونيس، والصحبة الحسنة لهاني الراهب وسعد الله ونوس الذي خاطر بنفسه وشارك في تهريبه إلى بيروت، بينما كان مطلوباً من السلطات.
ويأتي يوم تنتهي فيه حياة الهروب، يعود إلى مطار دمشق من لارناكا بجواز سفر يمني في مايو (أيار) 1986، غير مطمئن تماماً، لكنه قال لنفسه: «بعد خسارة بيروت، لا خسارة أخرى تهمّ». والتقى المواطن اليمني المزيف بأسرته الحقيقية ولم يصدِّق نفسه حين عانقهم في مطار دمشق.
لكنه سيصدّق نفسه حين عودته إلى حصين البحر مباشرة بعد حفلٍ أقامه الأصدقاء في دمشق يوم وصوله. وإلى اليوم يعيش كاتباً كسولاً خلفه خيبات الجماعة، يكتب كل عام أو عامين، وإنساناً يحيا، يقرأ، يصطاد، ويتأمل. ولا ينهي «يوميات الضوء والمنفى» إلا بغضبة ضد ما طرأ على ساحة الأدب من تسليع وسباقات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
TT

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس. أحياناً ينجح المؤلف والمخرج وأبطال العمل في تحقيق هذا الهدف، فيمضي المتفرّج وقتاً من المرح والتسلية. ومرات أخرى تتشتت المسرحية بين الإطالة والسطحية، مستجدية فرحة مصطنعة.

الثلاثي عون ومنيمنة وبلعط في أداء منسجم (الشرق الأوسط)

في مسرحية «خلِّيني خبرك ليه؟» يحاول المخرج برونو جعارة العودة بالمسرح اللبناني إلى زمن أعمال الـ«فودفيل». ففي تلك الحقبة، خلال الثمانينات والتسعينات، كان الراحل مروان نجَّار من أبرز صنّاع هذا النوع المسرحي. وشكّل جعارة أحد أركانه الأساسية من خلال تعاونه معه. وتأتي لمساته الحديثة المبنية على خبرات متراكمة لتشكِّل جسراً بين فودفيل الأمس واليوم، إذ يزوّد العمل برؤية إخراجية ترتكز على الحركة والمقالب، فيخفف من الزوائد والمبالغات لتوليد مشاهد مشبّعة بالكوميديا. ومع فيفيان بلعط، وعلي منيمنة، وغريتا عون، وبولين حداد، وضياء منصور، يبني عالمه المسرحي، متكئاً عليهم وهم يلبسون أكثر من شخصية بحرفية تمثيلية لافتة.

تتناول المسرحية موضوع الخيانة الزوجية في قالب «farce» قائم على مقالب متتالية تنقل المشاهد من الواقع إلى فضاء مرح. فتدخل لوريس (فيفيان بلعط)، المتطوِّعة في جمعية خيرية، مصادفة إلى منزل أنيس (علي منيمنة) وتتورّط في محاولة إصلاح مشكلاته الزوجية. ومع سلسلة من المواقف المبنية على سوء الفهم، تخرج الأمور عن السيطرة، وتتحوَّل الزيارة إلى عاصفة من الكوميديا والقفشات الساخرة. وهكذا نتابع عملاً يتمحور حول الزواج والخيانة والخير والشر، قبل أن تُسدل الستارة على نهاية سعيدة تحمل رسائل إنسانية تقوم على فكرة الحب الصادق.

تسرق فيفيان بلعط وهج العمل من اللحظات الأولى، معتمدة على خفة ظلها والحركات الهزلية لرسم الابتسامة على وجوه الحضور. وتستند إلى تعابير الوجه ولغة الجسد وتقليب المواقف لاستمالة الجمهور. ويطلّ علي منيمنة في أداء كوميدي نشاهده للمرة الأولى منذ فترة طويلة. فبعد تجربته السابقة في مسلسل «فاميليا»، يتجه بثبات إلى عالم المسرح الكوميدي، ويوظّف عفويته وحنكته التمثيلية في خدمة العمل مقدّماً جهداً جسدياً وتمثيلياً ملحوظاً.

سرقت بلعط وهج «خليني خبرك ليه» منذ أولى لحظات العمل (الشرق الأوسط)

وفي إطار تقديم شخصيات عفوية ترسّخ الضحكة لدى الجمهور، يلجأ جعارة إلى عكس الأدوار، فيحوّل ضياء منصور إلى امرأة. ويعزف على الوتر نفسه مع علي منيمنة. وهي فكرة رائجة في أعمال الـ«فودفيل» تترك أثراً ترفيهياً إيجابياً لدى المشاهد. وينجح منصور في تقديم الشخصية من دون مبالغة، تاركاً لها مساحة التفاعل مع مشاهد بُنيت عليها. فيدخل منزل أنيس بشخصية صديقة، مخفياً حقيقة كونه زوج المرأة التي خانته.

يُحيك جعارة قصة تتوه عمداً في شبكة المقالب وتقنيات الـ«فودفيل» التي طالما برع فيها، ليشيّد عليها بناءً مسرحياً هدفه الأول أخذ الجمهور في رحلة ديناميكية مفعمة بالضحك. وتنجح غريتا عون في تجسيد دور المرأة المتسلّطة حيناً والرومانسية حيناً آخر، وقد تكون الأكثر بروزاً بفضل طاقة تمثيلية عفوية لا تكلف فيها ولا مبالغة.

وجاءت لمسات الديكور بسيطة ومقتصدة، ملوِّنة المسرحية بمشهدية دافئة تناغمت مع موضوع العمل.

تفاعل الجمهور مع أحداث المسرحية طيلة عرضها لنحو 90 دقيقة، ونجح برونو جعارة في صنع حبكات كوميدية متقنة. تُعرض المسرحية على خشبة «بيريت» في الأسابيع المقبلة. وهي من كتابة برونو جعارة بالتعاون مع فيفيان بلعط.

جعارة ينجح لمرة جديدة بتقديم عمل يحمل مرونة استثنائية، ويتنقل بسلاسة بين الأساليب.


حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
TT

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

قال الفنان المصري حمادة هلال إنّ الجزء السادس من مسلسل «المدّاح» يُعد الأصعب لجهتَي التنفيذ والتصوير، مؤكداً أنّ معظم مَشاهده تحمل مجهوداً بدنياً ونفسياً كبيراً، خصوصاً المَشاهد الخارجية التي صُوِّرت في المغرب، وتحديداً في مدينة شفشاون وسط الجبال والشلالات.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «الوصول إلى بعض مواقع التصوير تطلَّب السير لأكثر من ساعة وربع الساعة داخل مناطق جبلية شديدة الوعورة، بالإضافة إلى الطقس البارد، وهي أمور استطاع فريق العمل التغلُّب عليها لحماستهم للتجربة».

حماده هلال شدَّد على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية (حسابه في «فيسبوك»)

وعن عنوان الجزء الجديد «أسطورة النهاية»، أوضح هلال أنّ «كلّ جزء من أجزاء العمل حمل اسم أسطورة مختلفة، مثل (أسطورة العهد)، و(أسطورة العشق)، و(أسطورة العودة)، بينما تأتي (أسطورة النهاية) ذروة المسار الدرامي للحكاية، إذ تتجمَّع الخيوط الكبرى للصراع وتُطرح الأسئلة المصيرية عن التحولات الكبرى للشخصيات، وهو ما سيتكشَّف تباعاً في الحلقات».

وعلَّق على عودته لتقديم جزء سادس بعد الإعلان سابقاً أنّ الجزء الخامس سيكون الأخير، فقال إنّ «القرار كان حقيقياً في وقته»، موضحاً أنّ «الفريق أراد التوقف قليلاً لالتقاط الأنفاس وتجديد الطاقة والبحث عن أفكار جديدة»، لكنه أشار إلى أن «الضغط الجماهيري الكبير، إلى جانب حماسة قناة (إم بي سي مصر)، والمنتجَيْن صادق الصباح وأنور الصباح، لعبا دوراً أساسياً في إعادة إحياء المشروع وتقديم الجزء الجديد هذا العام».

هلال في لقطة من كواليس «المدّاح» (حسابه في «فيسبوك»)

وأضاف أنّ «صناعة جزء سادس بعد 5 أجزاء ناجحة تُعد تحدّياً شديد الصعوبة كتابةً وتنفيذاً، نظراً إلى طبيعة العمل والصراعات والأحداث فيه بشكل رئيسي»، مشيراً إلى أنّ «طبيعة العمل يفترض أن تجعل تصويره يستمر لأكثر من عام، وتحضيرات أطول، لكن إتقان الفريق، بالإضافة إلى الجهد المُكثَّف للمخرج أحمد سمير فرج، جعلا المسلسل يُنجَز في وقت قياسي رغم كل العقبات».

وتحدَّث هلال عن تأثير شخصية «صابر المدّاح» فيه فنياً، مشيراً إلى أنها نقلته إلى منطقة أكثر نضجاً في الأداء والوعي بالتمثيل، لكنها لم تؤثّر في حياته، لكونه يتعامل مع الشخصية على أنها عمل فنّي له بداية ونهاية، مع قدرته على الفصل الكامل بينها وبين حياته الخاصة، وقدرته على تقديم أدوار أخرى مختلفة.

وعن تحضيراته للجزء الجديد، أشار إلى أنه «كان دائم النقاش مع المؤلفين حول ضرورة تكثيف الأحداث والاعتماد أكثر على الصورة والإيقاع السريع»، مشيراً إلى أنّ «جمهور (المدّاح) يميل إلى التشويق البصري والحركة والتصاعد الدرامي المستمر، من دون الإغراق في الحوارات الطويلة، رغم أهميتها الدرامية».

وتوقّف عند عودة عدد من النجوم الذين غابوا عن أجزاء سابقة، فقال هلال إنها عودة أسعدته كثيراً، فالمسار الدرامي فرض عودة بعض الشخصيات المحورية لاستكمال الصراع بشكل منطقي ومتوازن، والشخصيات العائدة هذه المرّة تحمل تحوّلات مختلفة وصراعات أكثر حدّة، الأمر الذي ارتبط بالسيناريو المُحكم المكتوب للأحداث.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب في ملصق ترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وأكد هلال أنه لا يؤمن بفكرة «البطل الأوحد»، مشدّداً على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية، وأنّ نجاح العمل يعود إلى تكامل أداء جميع العناصر، من ممثلين وصنّاع، وليس إلى فرد واحد فقط، لافتاً إلى أن فريق العمل في «المدّاح» أسرة واحدة.

ووعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري، وأفكاراً جديدة في بناء الشر والصراع الدرامي، إلى جانب مستوى إنتاجي أكثر طموحاً بشكل متصاعد بالحلقات المقبلة، مشيراً إلى «دور المخرج أحمد سمير فرج الذي ينجز العمل في زمن قياسي، بينما التنفيذ يفترض أن يستغرق وقتاً مضاعفاً».

وعن ارتباط الجمهور بشخصية «المدّاح» وتأثير ذلك على خياراته الفنية، قال هلال إنّ «هذا الارتباط يمثّل مسؤولية كبيرة وضغطاً مضاعفاً، لكنه في الوقت عينه يشعر بالامتنان لكون العمل أصبح علامة مميزة في مسيرته الفنّية»، مؤكداً أنه يسعى دائماً إلى التنوّع في أدواره من دون التفريط في هذا النجاح.


«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
TT

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

أطلقت منظّمة «كير» الدولية في لبنان حملة «كرامة بلا مساومة» في محاولة لإعادة طرح قضايا حسّاسة مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، والأمان في السكن، والوصول إلى المساعدة، بلغة أكثر اتصالاً بتجارب الناس اليومية، وبما يُعيد وضعهم في مركز الخطاب الإنساني.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يضع ممثل «كير» الدولية في لبنان، سيريل باسيل، الحملة في سياق أوسع من فيديوهات وأرقام. يقول إنّ دور المنظّمة «أن تُغني الخطاب الإنساني باستمرار عبر مبادرات مُبتكرة تخلق مساحات جديدة للنقاش حول القضايا الاجتماعية المُلحّة»، ويضيف أنّ الهدف الدائم هو «إبراز حاجات المجتمعات التي نعمل معها، والدفع نحو إجراءات جماعية تُسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً». خلف هذه العبارات يبرز التحدّي الأساسي الذي واجهته الحملة، المتمثّل في إيجاد لغة قادرة على تناول قضايا حسّاسة، مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، وحماية النساء والفتيات، وآليات الإبلاغ، بطريقة تحافظ على وضوحها وقوتها، من دون أن تنزلق إلى خطاب تعليمي جاف أو تفقد معناها وسط كثافة المنشورات اليومية.

خلف كلّ حركة يد معنى يبحث عن طريقه إلى مَن حُرموا طويلاً من الوصول (منظّمة «كير»)

يشرح باسيل أنّ اللغة المعتادة وطرق التواصل المألوفة «تصل إلى حدودها»، خصوصاً في زمن تحكمه المنصّات الرقمية. ومن هذا المنطلق، اتجهت «كير» إلى مقاربة تقوم على سرد إنساني قريب من الناس لكسر إرهاق الجمهور الذي يمرّ سريعاً فوق المحتوى المُتشابه. كانت الحملة، وفق ما يوضح، بحثاً عن «أساليب ديناميكية» قادرة على الوصول إلى فئات جديدة، مع وضع الشمولية في صميم الرسالة لضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات المهمَّشة التي لا تصلها الرسائل عادة عبر القنوات التقليدية.

هذا المنطق انعكس في اختيار الإعلامية اللبنانية نسرين الظواهرة لتكون وجهاً أساسياً في المواد المرئية. باسيل يرى أنّ حضورها في الحملة لم يكن تفصيلاً. يقول إنها مِمّن يملكن قدرة على مخاطبة جمهور «من مختلف الفئات العمرية والخلفيات»، مع مساحة ثقة لافتة يتشاركها «نساء ورجال»، وهو ما يمنح الرسائل الحسّاسة فرصة لعبور الحواجز النفسية قبل الحواجز المعرفية. ويضيف أنّ قدرتها على الإيصال «بوضوح وثقة وتأثير» ضرورية عندما تُناقش قضايا اجتماعية معقّدة، خصوصاً أنها تستخدم منصاتها للحديث عن حقوق النساء والفئات المهمَّشة وحاجاتها، بما ينسجم مع جوهر الحملة.

أما الظواهرة فتقرأ مشاركتها من زاوية شخصية ومهنية تتقاطع مع مرحلة جديدة في مسارها. في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، تقول إنها تعلَّمت منذ بداياتها أنّ الإعلام «رسالة مرتبطة بالضمير»، ولا ترى المهنة مساحة للتسلية أو للاستثمار في العلاقات العامة. تصف موقع الإعلامي بما يشبه «المسؤولية الأخلاقية» التي تتجاوز نقل الخبر، وتضيف: «أحبُّ أن يكون لي أثر وأترك بصمة. هذه رسالتي، ولا أريد أن أمرَّ مثل مَن لا يقولون شيئاً». في هذا المنعطف من نضجها الإعلامي، بدا لها أنّ الانخراط في حملة حقوقية امتداد طبيعي لالتزامها.

تتوقّف الظواهرة عند تفاصيل تُضيء ما تحاول الحملة الاقتراب منه، مشيرةً إلى أنّ العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان. تتحدَّث عن منازل لا خصوصية فيها، عن غياب الأقفال، وازدحام يُنتج واقعاً يومياً مُثقلاً بالانكشاف، وعن نساء وفتيات يحتجن إلى معرفة حقّهن في الرفض. تقول: «اشتغلنا على معنى كلمة (لا). كلمة كاملة، لا تحتاج صاحبتها إلى أن تُبرِّر ما بعدها». وتضيف أنّ العمل جرى «بمباشرة وجرأة من دون ابتذال»، مع الحرص على تقديم الرسالة بطريقة جاذبة تبتعد عن الصياغات النمطية.

في امتداد هذا التوجُّه، جاءت مشاركة نادرة سماحة، خبيرة لغة الإشارة وامرأة من ذوي الإعاقة السمعية، لتضيف طبقة أخرى إلى معنى الوصول. سماحة تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها وافقت فوراً عندما طُلبت منها المشاركة، مع اعتقاد أولي بأنّ دورها سيقتصر على ترجمة الكلام داخل «مربّع صغير» في زاوية الشاشة كما يحدث غالباً. لكنها فوجئت بأنّ الحملة تمنحها حضوراً أوسع: «هنا شعرتُ بالمساواة. جميل أن يتساوى الصمّ مع مَن يسمعون كلّ شيء». وتشرح أنّ المساحة ليست تفصيلاً بصرياً، فـ«المربّع الصغير قد يُتعب المتابعين الصمّ»، بينما حضورٌ أوسع يمنحهم إحساساً حقيقياً بالمشاركة ويجعلهم جزءاً من الرسالة منذ البداية.

مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء (منظّمة «كير»)

تربط سماحة هذا الخيار بصورة أشمل عن الدمج. تؤكد أنّ إشراك الأشخاص الصمّ في العمل والحياة العامة ضروري، لأنّ كثيرين ما زالوا ينظرون إليهم بعين الشفقة أو يفترضون عجزهم. تقول إنّ التكنولوجيا ساعدت في تغيير الواقع، وهذه المُشاركات «زادت الوعي وعمَّقت فكرة الدمج»، فلم يعد مجتمع الصمّ هامشياً أو منفصلاً. وتلفت إلى حقّ الوصول إلى المعلومات: «نحن أفراد صمّ لدينا حقوق مثل أيّ إنسان»، وتضيف أنّ الترجمة بلغة الإشارة شرط للفَهْم والمشاركة، مع التوقّف عند نقص عدد مترجمي لغة الإشارة في لبنان وأملها في سدّه مستقبلاً.

على هذا الخطّ، يعود باسيل ليؤكد أنّ الشمولية في عمل «كير» مشاركة فعلية ذات معنى، موضحاً أنّ إشراك سماحة وجهاً أساسياً كان خياراً مقصوداً لضمان «التمثيل الحقيقي والملكية المشتركة للرسالة». وربما يفسّر ذلك كيف خرجت الحملة من إطارها التنظيمي إلى مساحة تداول أوسع عبر 5 مواد مرئية تناولت الرضا والموافقة، والسكن الآمن ودور المساعدات النقدية، وأثر انعدام الأمن الغذائي، وآليات المساءلة وسبل الإبلاغ الآمن، مع الترويج لخطّ الطوارئ 1745 على هيئة قناة موثوقة لتقديم الشكاوى وطلب الدعم. بعض الفيديوهات تجاوز 200 ألف مشاهدة عضوية، وانتشر تلقائياً عبر مُشاركات من أطباء وخبراء لغة إشارة ومؤسّسات إعلامية وفنانين وشخصيات عامة، في مؤشّر على أنّ الرسالة وجدت طريقها إلى الناس، وفتحت مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء.