الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

أصبح كعزاء في عالم لا عزاء فيه

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!
TT

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

عندما أتعب من الفلسفة والعلوم الإنسانية، عندما أتعب من كل ما هو منطق أو عقل أو نقل أرمي بنفسي في أحضان الشعر. في تلك اللحظة لا شيء يعزيني أكثر من قصيدة لأبي تمام، أو بودلير، أو مالك بن الريب التميمي:
«خذاني فجراني ببردي إليكما فقد كنت قبل اليوم صعــــــــــباً قياديا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي وردا على عيني فضل ردائيا»
إلخ... قصيدة عصماء تكفي وحدها لتخليد شاعر... لا أعرف أصلاً فيما إذا كان قد كتب غيرها. لا أعرف عنه أي شيء سواها... إنه شاعر القصيدة الواحدة. وكفاه ذلك فخراً.
ثم ماذا عن سحيم عبد بني الحسحاس؟ ماذا عن قصيدته التي مطلعها:
«عميرة ودع إن تجهزت غادياً
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً»
أغلى من الذهب. لقد شهرته وخلدت اسمه على صفحة الآداب العربية. وبالتالي فيمكن اعتباره هو الآخر أيضاً شاعر القصيدة الواحدة وإن كان قد كتب غيرها. ومعلوم أنه كان عبداً أسود يخدم عند الناس ولكن مولاته وقعت في حبه وحصل ما لا تحمد عقباه. وعلى أثر ذلك قتلوه. هل يحق لعبد أسود أن يضاجع مولاته وهي من النساء المحصنات الحرائر؟ ولم يكن اسمها «عميرة» وإنما «غالية» ولكنه لم يتجرأ على ذكر اسمها الحقيقي لأنها كانت من أشراف تميم، أي من عائلة عربية أرستقراطية، وهو لا شيء. وفيها يقول هذا البيت الذي يساوي ديواناً كاملاً من الشعر العربي وحتماً هو الذي قتله:
«توسدني كفًّا وتثني بمعصم
علي وتحوي رجلها من ورائيا»
ثم يردفه بهذا البيت الذي يساوي ديواناً آخر:
«فما زال بردي طيباً من ثيابها
إلى الحول حتى أنهج البرد بالياً»
وماذا عن المثقب العبدي؟ وهو لمن لا يعرفه شاعر جاهلي كبير من البحرين. يقول لها معاتباً في قصيدة مشهورة:
«أفاطمُ قبل بينك متعيني
ومنعك ما سألتك أن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات
تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي
خلافك ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني
كذلك أجتوي من يجتويني»
حلو. عبقرية الشعر العربي...
أتذكر أني قرأت هذه القصيدة لأول مرة في الثانوي. وإذا لم تخني الذاكرة فقد قرأتها من خلال ما كتبه الدكتور طه حسين عنها في كتابه الشهير «حديث الأربعاء». وكم هو ممتع أن تقرأ شرحها وتحليلها على يد طه حسين! لحظات لا تنسى. تدوخ دوخاناً. يسكرك الأسلوب والصوت الخالد لعميد الأدب العربي. وأعتقد أنه توقف عند هذين البيتين حيث يتصارع الشاعر مع ناقته التي تعاتبه بمرارة لأنه يتعبها دائماً بالسفر والترحال ويكلفها ما لا طاقة لها به:
«تقول إذا درأت لها وضيني
أهذا دينه أبداً وديني
أكل العيش حلٌ وارتحال
أما يبقي عليّ وما يقيني»
ثم توقف أيضاً عند هذين البيتين، حيث يهدد شاعرنا أحد أصدقائه قائلاً له بكل صراحة ودون أي لف أو دوران:
«فإما أن تكون أخي بحق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
عدواً أتقيك وتتقيني»
أعود إلى السؤال: هل أصبحت الحياة كلها صحراء قاحلة ما عدا بقع قليلة من الشعر، من الضوء؟ ربما. هنا أشطب على السياسة العربية، على العصر العربي كله وأتموضع خارجه. وربما سيجت نفسي بالأسلاك الشائكة وانقطعت عن العالم. أكثر مما أنا منقطع ومسيج؟ لم يبق لك حل آخر أصلاً. وها أنذا سارحاً، هائماً على وجهي في الطرقات والدروب فقط مع ظلي (المسافر وظله، نيتشه). هل يستطيعون أن يفصلوك عن ظلك؟ ولكني لا أقصد بالشعر هنا فقط القصائد بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. وإنما أقصد أيضاً الرواية، الأدب، السينما، الدلال، الغنج، الفاتنات الحاسرات هناك في الربيع الباريسي. ولكن ماذا عن الجمال العربي - الأمازيغي؟ لا يضاهى. إنه الجمال المتغطرس الفتاك الذي «يحيي العظام وهي رميم». بصراحة الحياة حلوة يا جماعة. الحياة أكثر من حلوة. وأخشى ما أخشاه أن أموت يوماً ما.
أقصد بالشعر أيضاً ذلك الرجل الريفي التي رأيته مرة في أحد المطارات وهو ذاهب «لبيع» ابنته الفقيرة الوسيمة إلى أحدهم في بلاد الأغنياء لكي تعيش كخادمة وترسل لهم بعض القروش. أو هكذا خيل إلي من نظرات الهلع والاستغاثة التي ارتسمت على وجهه فجأة عندما رآني. نظرات سحقت قلبي... لكأنه كان يقول لي: خذها إذا شئت ولكن احترمها، عاملها بلطف أرجوك. نظرات لم أنسها حتى الآن. في مثل هذه الحالات النسيان جريمة... إنها لخيانة عظمى أن تنسى مثل هذا المشهد. هنا تكمن حقيقتي. هذا هو العالم الوحيد الذي أنتمي إليه، عالم «الناس الفقراء» أو «المذلولين المهانين» كما يقول دوستويفسكي: أي ثلاثة أرباع العرب. هؤلاء وحدهم هم أهلي، وطني، طائفتي، عشيرتي... وفي عصر الطوائف المتناحرة الهائجة على بعضها بعضاً أو التي تكاد تفترس بعضها بعضاً أنتمي إلى فئة الصعاليك الذين لا طائفة لهم ولا قبيلة كالباهي محمد مثلاً. من قرأ كتاب عبد الرحمن منيف عنه «عروة الزمان الباهي»؟ ناجح جداً. أعدت قراءته للمرة الثانية مؤخراً ولم أشبع منه حتى الآن.
وربما قصدت بالشعر أيضاً ذلك النشيج المتصاعد من أعماق العالم، من زلازله وبراكينه... كل شيء يخرجك عن طورك، ينسيك نفسك ولو قليلاً شعر. كل شيء يخلصك من نثرية الوجود، من بلادة الحياة اليومية شعر. طرفة عين غير متوقعة، ابتسامة صغيرة أو حتى شبح ابتسامة على ثغر إحداهن يمكن أن تدخلك في الحالة الشعرية:
«مقاديرُ من جفنيك غيرن حاليا».
هكذا تلاحظون أني لم أتجاوز بعد مرحلة المراهقة ولا يتوقع أن أتجاوزها في المدى المنظور.
بالأمس القريب حام الشعر حولي، تحرش بي قليلاً، ثم تبخر في الهواء. أقسم بالله كدت ألمسه، أقبض عليه قبض اليد... شعرت بالحنين والضياع وبقيت ساعات وساعات وأنا أتجول في الشوارع بلا هدف أو جدوى. رحت ألف حولي وأدور. عم يبحث هذا الشخص؟ عن شيء ضاع؟ عن حلقة مفرغة؟ وإلى متى؟... الشعر مبثوث في كل مكان ومع ذلك فهو من أكثر الأشياء ندرة. أكاد أقول بأنه موجود في كل مكان ما عدا في دواوين الشعراء العرب! كلما كثرت الدواوين الشعرية المتشابهة في العالم العربي قل الشعر، وربما أذن بالانقراض. لحسن الحظ أني لم أنشر أي ديوان شعر حتى اللحظة. لحسن الحظ أني لم أدمر وجودكم، لم أعتد عليكم، على الأقل حتى الآن. ولكن ألا يكفي أني أمطركم بوابل من المقالات والفذلكات والغلاظات التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد؟ والله كرهت حالي. الشعر موجود خارج الشعر في معظم الأحيان. في كل عصر لا يوجد إلا شاعران أو ثلاثة أو واحد أو لا شيء والباقي تفاصيل. قال لي أحدهم مرة متبجحاً: يا أخي الشعر فاكهة، «مجرد تسلية» من وقت لآخر، لا يقدم ولا يؤخر... الشعر «سخافة» في نهاية المطاف ولا يليق بأن «يضيع» المفكرون الكبار وقتهم فيه. كدت أموت من الضحك عندما سمعت هذا الكلام. كدت أسقط على الأرض مغشياً عليّ من شدة الاضمحلال والإهمال والزوال. أعتقد أن عشرات الأكاديميين والمثقفين العرب لم يقرأوا قصيدة واحدة في حياتهم. ولكن ليست هذه هي حالة هيدغر الذي «ضيع» قسماً كبيراً من حياته في قراءة الشعر ومقاربات هولدرلين: إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين، دروب تؤدي إلى لا مكان: عنوان كتاب أجمل من قصيدة شعر. الشعر العظيم بالنسبة لهيدغر هو المحل الذي تتجلى فيه الحقيقة الأصلية، الحقيقة الجوهرية: أي حقيقة العالم، جوهر العالم. ولهذا السبب فإن المفكرين الذين يعجبونني أكثر هم أولئك الذين يهتمون بالشعر، ينصهرون، يذوبون. «ناولوني معجز أحمد»، يقول المعري. لا ريب في أن كانط مفكر عظيم وربما كان أكبر فيلسوف في تاريخ الغرب الحديث ولكنه ليس شاعراً على عكس نيتشه. ولذلك؛ فإن عواطفي كلها تذهب في اتجاه نيتشه. أنا نيتشوي في نهاية المطاف: أي تراجيدي، عدمي، جنوني... ولكن لا أجرؤ على التصريح بذلك خوفاً من القيل والقال. تكفيني مشاكل وإشاعات. ثم إن فيّ كائناً آخر يمشي في الاتجاه المعاكس. وبالتالي، فأنا شخص منشق على نفسه، وتوحيده أصعب من توحيد العرب!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».