سهرة ودم وروايات كثيرة

سهرة ودم وروايات كثيرة
TT

سهرة ودم وروايات كثيرة

سهرة ودم وروايات كثيرة

في ذاك المساء المشؤوم تجمّع الرجال كلّهم في الغرفة الغربيّة من منزول وجيه القرية. ذاك أنّ الغرف الشرقيّة من البيت الضخم تُركت لأفراد عائلته يتدبّرون فيها أمورهم بعيداً من أعين الزوّار. وبينما السهرة على وشك أن تُقلع، بدا الجميع، كما عادتُهم دائماً، مُتعبين ضعيفي الهمّة، بعد يوم طويل من الكدح في الحقول وفي تعمير بيوت المهاجرين. فهذا يسأل عن الساعة، وذاك يتثاءب، والثالث يقول إنّ التعب يعصره من قدميه حتّى رأسه.
وحدهما جميل وابنه ميلاد لم يظهر عليهما التعب. كانت حيويّةٌ غامضة تتدفّق منهما وتتجمّع في أعينهما كأنّها تتأهّب للوثوب إلى خارج جسديهما. فوق هذا جاء كلّ منهما إلى بيت الوجيه حاملاً عصا قصيرة غليظة ومشكوكة بالرؤوس الخشبيّة النافرة التي يقال إنّها صُنعت للقتل المحتوم. وهذا ممّا لم يكن مألوفاً في تلك السهرات التي يلتقي فيها أقارب أو أصدقاء، بحيث ظُنّ لوهلة أنّهما يتزيّنان أو يتسلّيان ويسلّيان باستعراضهما أموراً غريبة وغير متوقّعة. كذلك لم يكن مألوفاً أن يجلس الساهرون كما جلسا، مُستَنفَرين كما لو أنّهما يبحثان عن شرّ قادم لا محالة.
وبالفعل وصل الشرّ حين دخل توفيق وابنه إبراهيم من باب الغرفة الغربيّة العريض. وإذ أحسّا، لدى رؤيتهما جميل وميلاد، بشيء من الحرج الذي عبّر عنه ارتباك جسديهما، اتّجهت عصا ميلاد فوراً نحو إبراهيم الذي حاول حماية رأسه بيديه الاثنتين، لكنّ العصا كانت من القوّة بحيث طحنت أصابعه قبل أن تُحدث شرخاً صغيراً في رأسه الذي خرج منه دم كثير وسريع. وفي اللحظة ذاتها تقريباً كانت عصا جميل تنقضّ على رأس توفيق الذي كان يهمّ بمساعدة ابنه، مادّاً إحدى يديه نحو ميلاد علّه يُبعده عنه. ولم تكن عصا جميل أقلّ نشاطاً من عصا ابنه، إذ أسقطت توفيق على الأرض حيث ارتسمت بقعة دم ساخن.
في هذه الغضون لم ينجح الوجيه صاحب البيت، ولا الساهرون الآخرون، الذين استيقظوا على نحو غير معهود فيهم، في أن يردّوا الضاربين عن المضروبين، وإذ هرعت نساء العائلة القادمات من الغرف الشرقيّة، فإنّ صوت الصراخ الذي يُسمع غالباً عند تلقّي أخبار الموت، سريعاً ما حلّ محلّ لهفتهنّ وحيرتهنّ.
لكنْ في الأيّام التالية فاض الكلام الذي يُتداوَل في البيوت وفي مقهيَي القرية بالشروح والتفسيرات، وهي كلّها كانت تقود أصحابها إلى أخبار الماضي. وفجأة غدا المسنّون والمسنّات الأعلى صوتاً بين السكّان، إذ هم الذين يعرفون ما يجهله الأبناء والأحفاد من أحداث قديمة ربّما كان لها ضلع في الحادث الأليم. وراح الصغار يستفهمون ويستشيرون كبار السنّ بعدما كانوا يتجاهلونهم ويسخرون بقدر من المواربة من آرائهم، ولم يكونوا يتردّدون أحياناً في إسكاتهم بقلّة تهذيب ملحوظة.
لكنّ كبار السنّ رووا أخباراً على كثير من التضارب. فأحدهم قال إنّ توفيق زوّر وثيقة أتاحت له الاستيلاء على أرض يملكها جميل، بينما روت إحدى المسنّات أنّ جميل هو الذي زوّر الوثيقة بما أتاح له الاستيلاء على أرض تعود ملكيّتها إلى توفيق. وبدورها قالت مُسنّة أخرى إنّها رأت بعينيها الاثنتين إبراهيم، في منطقة البساتين، وهو يحاول التحرّش بمريم، ابنة جميل وأخت ميلاد، إلاّ أنّ زوجها المسنّ روى رواية تفيد بأنّه بعينيه الاثنتين رأى ميلاد، قرب النهر، وهو يحاول التحرّش بسُميّة، ابنة توفيق وأخت إبراهيم.
ولم يمض سوى يومين أو ثلاثة حتّى اندفع السكّان إلى مناقشة موضوع آخر. فثمّة من قال إنّ جميل وعائلته أعرقُ في القرية من توفيق وعائلته. ذاك أنّ أجداد الأوّلين وفدوا إليها قبل عقود عدّة، بينما جاء الأخيرون قبل عقدين على الأكثر. لكنّ المشكّكين بهذه الرواية قدّموا معلومات مفادها أنّ توفيق وعائلته تعود أصولهما البعيدة إلى القرية، وإن أقاموا لبضع سنوات مهاجرين في قرى أخرى، بينما أجداد جميل وعائلته جاءوا إلى القرية مطرودين من قريتهم الأصليّة، حيث ارتكبوا جريمة موصوفة وعاثوا فساداً هم مفطورون عليه.
وسريعاً ما تدخّل الأقارب الذين صاهروا هذه العائلة أو تلك، فجعلوا يروون قصصاً تنسب الفضائل لمن صاهروهم، وتستبعد إقدام أقاربهم على عمل شرّير. وهكذا استمرّت الحال في القرية إلى أن أشاع ابن أخت جميل أنّ خاله توفّي للتوّ من جرّاء ضربات أنزلها به توفيق وإبراهيم. وبينما كانت تنتشر الشائعة هذه، كان أقارب توفيق، الذي قضى متأثّراً بجراح تلك الليلة الدمويّة في بيت الوجيه، يدفنونه في مقبرة القرية.
وقد مضت الروايات الكثيرة في سبيلها، كما مضى أهل القرية يستأنفون عيشهم ووئامهم ويسهرون في الغرفة الغربيّة من منزول الوجيه. أمّا الأخير فراح في كلّ سهرة يروي لزوّاره القصّة نفسها. ذاك أنّه علمَ بأنّ الدولة كانت تنوي إرسال محقّق يحقّق فيما حصل ويجلو الحقيقة، لكنّه بكلّ قوّة تصدّى لهذا المسعى ونجح في إحباطه حفاظاً على كرامة القرية وعزّة أبنائها. كان الزوّار، في تلك الأثناء، يطربون لتلك القصّة ذاتها سهرةً بعد أخرى، ويزدادون اقتناعاً بأنّ الوجيه لا يتعب من الدفاع عنهم ولا يكلّ.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أدوار لا تنسى للممثل الراحل سام نيل

سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
TT

أدوار لا تنسى للممثل الراحل سام نيل

سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)

كان الممثل سام نيل -الذي توفي يوم الاثنين عن عمر ناهز 78 عاماً- ممثلاً غزير الإنتاج، إذ شارك في أكثر من 150 فيلماً وعملاً تلفزيونياً على مدار خمسة عقود. وُلد نيل في آيرلندا الشمالية ونشأ في نيوزيلندا، وتميز بقدرته على توظيف جاذبيته ذات الطابع الخشن (ولكنته الفريدة) في أدوار متنوعة شملت أفلام الحركة (الأكشن) الضخمة وأفلام الرعب الكلاسيكية التي تحظى بشعبية وجماهيرية واسعة. وفي تصريح لصحيفة «شيكاغو تريبيون» عام 1995، قال نيل: «لم تكن لدي صورة نمطية محددة، ولم أسعَ يوماً لخلقها أو امتلاكها؛ مما منحني حرية هائلة في اختيار ما يروق لي في أي وقت». وتلك الروح المفعمة بالفضول والمرونة هي التي لازمته طوال مسيرته المهنية.

فيما يلي قائمة ببعض أبرز أعماله التي لا تُنسى.

فيلم «الحديقة الجوراسية» (1993)

انطلق نيل نحو النجومية بفضل أدائه لشخصية عالم الحفريات الدكتور آلان غرانت -الواقعي والمشاكس المحبب- في فيلم «الحديقة الجوراسية» (Jurassic Park)؛ وهو العمل الذي حقق نجاحاً عالمياً ساحقاً للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، وكان بمثابة انطلاقة لواحدة من أكثر سلاسل الأفلام استمراراً ونجاحاً في تاريخ هوليوود. في هذا الفيلم الذي يتمحور حول المخلوقات الضخمة والمقتبس عن رواية لمايكل كرايتون، شارك نيل البطولة كل من لورا ديرن، وجيف غولدبلوم، وريتشارد أتينبورو، وصامويل إل جاكسون؛ وهي مجموعة متنوعة من الشخصيات اجتمعت لتقييم حديقة ترفيهية سرية للغاية، أُعيد فيها إحياء الديناصورات لأغراض علمية «نظرياً»، ولكن بهدف تحقيق الربح في المقام الأول. وحينما تسوء الأمور وتخرج عن السيطرة، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين للنجاة بحياتهم والهروب من تلك الوحوش التي تعود لعصور ما قبل التاريخ.

وقد عاد نيل لاحقاً لتجسيد الشخصية ذاتها في فيلمي «الحديقة الجوراسية 3» (2001) و«العالم الجوراسي: الهيمنة» (2022). وفي تصريح لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2022، قال نيل: «غالباً ما تُعرف أفلام «الحديقة الجوراسية» بأنها أفلام ديناصورات، لكن إذا لم تكن مهتماً بالشخصيات البشرية، فلن تنجح هذه الأفلام. فالديناصورات تلعب أدواراً ثانوية، وإن كانت أدواراً مذهلة».

فيلم «إيفينت هورايزن» (Event Horizon) 1997

وظّف نيل مواهبه في رحلة إلى الفضاء الخارجي ضمن هذا الفيلم الذي يمزج بين الخيال العلمي والرعب ويحمل طابعاً يثير الذهول؛ وهو من إخراج بول دبليو. إس. أندرسون. ورغم أن الفيلم مُني بفشل تجاري ونقدي عند طرحه -إذ كتب ناقد نيويورك تايمز أن أندرسون «يُغرق كل مشهد تقريباً بمؤثرات بصرية مبهرجة في محاولة عقيمة للتغطية على فقر المضمون الفكري»- فإنه تحول لاحقاً إلى عمل كلاسيكي يحظى بتقدير كبير لدى شريحة واسعة من الجماهير.

تدور أحداث الفيلم في عام 2047، حيث يلعب نيل دور «الدكتور وير»، وهو عالم مختل عقلياً فقد زوجته التي انتحرت مؤخراً. يُستدعى «وير» للمشاركة في مهمة إنقاذ سرية للعثور على سفينة الفضاء «إيفنت هورايزن» (Event Horizon) - وهي سفينة صممها بنفسه وفُقدت قبل سنوات خلال رحلتها الأولى، قبل أن تظهر فجأة وبشكل غامض بالقرب من كوكب نبتون. وكان «وير» قد جهّز السفينة بجهاز مغناطيسي لطيّ الفضاء، يتيح قطع مسافات شاسعة في لمح البصر. لم يكن أعضاء المهمة يدركون أن السفينة قد وقعت تحت سيطرة قوة واعية وشريرة، ستشرع قريباً في ممارسة إرهاب نفسي ضدهم. ويُعد أداء نيل -الذي جسّد شخصية رجل محطم تحول إلى تجسيد للشر المطلق، في تحول جذري ومذهل يبتعد تماماً عن شخصية «الدكتور غرانت» الرصينة والموثوقة التي قدمها في فيلم «Jurassic Park»- أداءً صادماً، بل وأسطورياً في نظر عشاق هذا النوع من الأفلام.

في فيلم «صيد أكتوبر الأحمر» (آي إم دي بي)

فيلم «صيد أكتوبر الأحمر» (The Hunt for Red October) 1990

قبل بضع سنوات من تحقيقه نجاحاً جماهيرياً ساحقاً، شارك نيل في بطولة فيلم الإثارة والتجسس هذا -الذي تدور أحداثه حول الغواصات إبان الحرب الباردة- إلى جانب كل من شون كونري، وأليك بالدوين، وسكوت غلين، وجيمس إيرل جونز. الفيلم مقتبس عن رواية للكاتب توم كلانسي ومن إخراج جون مكتيرنان.

يؤدي نيل دور القائد السوفياتي «بورودين» -وهو شخصية مثالية تتسم بوقار هادئ- بصفته الرجل الثاني بعد القائد «ماركو راميوس» (الذي لعب دوره شون كونري). ويقود راميوس تمرداً على متن الغواصة «أكتوبر الأحمر»، وهي غواصة مجهزة بصواريخ تكفي لتدمير معظم المدن الأميركية الكبرى، فضلاً عن تزويدها بنظام تقني متطور للغاية يتيح لها الإفلات من الرصد. ولعل أبرز ما يُذكر عن أداء نيل -الذي جسّد شخصية الضابط المخلص لرفيقه حتى الرمق الأخير- هو إلقاؤه لما يُعد ربما أكثر عبارات الفيلم رسوخاً في الذاكرة: «كنت أود رؤية مونتانا».

من فيلم «في فم الجنون» (آي إم دي بي)

فيلم «في فم الجنون» (In the Mouth of Madness) (1995)

يُعد هذا الفيلم الجزء الثالث والأخير مما أطلق عليه المخرج جون كاربنتر اسم «ثلاثية نهاية العالم» (Apocalypse Trilogy)، والتي سبقتها أفلام «الشيء» (The Thing) عام 1982 و«أمير الظلام» (Prince of Darkness) عام 1987. يلعب الممثل نيل دور «جون ترينت»، وهو محقق تأمين يتسم بالغطرسة والتشكيك، يُكلَّف بمهمة العثور على الكاتب الشهير «ساتر كين» -مؤلف قصص الرعب الذي يحاكي أسلوب ستيفن كينغ- بعد اختفائه مؤخراً. في هذه القصة التي تستكشف موضوعات تتعلق بحدود الواقع وقوة وسائل الإعلام الجماهيرية، نجد أن قراء «كين» يصابون بالجنون بشكل متزايد نتيجة تأثرهم بأسلوبه القصصي. لا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يبدأ «ترينت» في فقدان توازنه العقلي مع تغلغل هذه الظاهرة الغريبة في كيانه؛ مما يتيح للممثل نيل فرصة أخرى لاستعراض قدرته الفائقة على الانتقال بالشخصية من نقيض إلى نقيض - وهو أداء يبعث على القشعريرة والرهبة، على غرار ما قدمه في فيلمي «أفق الحدث» (Event Horizon) و«البيانو» (The Piano).

شارك سام نيل في موسمين من مسلسل «بيكي بلايندرز» (آي إم دي بي)

مسلسل «بيكي بلايندرز» (Peaky Blinders) (2013-2014)

في مسلسل درامي تاريخي من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) يدور حول عالم العصابات في أوائل القرن العشرين، لعب نيل دور المفتش «تشيستر كامبل» خلال الموسمين الأولين من المسلسل الذي امتد لستة مواسم. يُجسّد نيل شخصية «كامبل»، وهو شرطي بروتستانتي من أيرلندا الشمالية يُرسَل لفرض النظام في مدينة برمنغهام الإنجليزية، حيث يواجه «تومي شيلبي» (الذي يؤدي دوره كيليان مورفي)؛ تلك الشخصية الغامضة والخطيرة التي تتزعم عائلة «شيلبي» الإجرامية. وقد كتب الناقد مايك هيل عن الموسم الأول للمسلسل قائلاً: «يتمحور العمل في الغالب حول التناقض بين طبع شيلبي المتقلب والآسر -حيث تلعب عينا مورفي المميزتان دوراً محورياً في التعبير عن ذلك- وبين التعصب الأخلاقي الصارم لدى كامبل». وفي عام 2012، استذكر نيل كيف طُلب منه تخفيف حدة لهجة أيرلندا الشمالية، نظراً لأن المسلسل كان موجهاً للسوق الأميركية. وصرح لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) قائلاً: «طلب مني المنتجون ألا تكون لهجتي قوية للغاية لضمان سهولة فهمي من قبل الجمهور، لكن لهجة آيرلندا الشمالية بحد ذاتها صعبة للغاية». وأضاف: «ربما كانت لدي تلك اللهجة يوماً ما، لكنها تلاشت تماماً بفعل الاحتكاك مع أقراني في ساحات اللعب بنيوزيلندا؛ فلم يعد لها أي أثر الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز»


التنقيب في «موقع حلِّيت» ‏يكشف عن شواهد أثرية لأقدم مناجم الذهب بالجزيرة العربية

يتمتع موقع حليت الأثري ببنية تحتية متكاملة تبرز الدور الحضاري للجزيرة العربية خلال الفترة الأموية (هيئة التراث)
يتمتع موقع حليت الأثري ببنية تحتية متكاملة تبرز الدور الحضاري للجزيرة العربية خلال الفترة الأموية (هيئة التراث)
TT

التنقيب في «موقع حلِّيت» ‏يكشف عن شواهد أثرية لأقدم مناجم الذهب بالجزيرة العربية

يتمتع موقع حليت الأثري ببنية تحتية متكاملة تبرز الدور الحضاري للجزيرة العربية خلال الفترة الأموية (هيئة التراث)
يتمتع موقع حليت الأثري ببنية تحتية متكاملة تبرز الدور الحضاري للجزيرة العربية خلال الفترة الأموية (هيئة التراث)

أعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، الانتهاء من مشروع تنقيب «موقع حليت الأثري» في محافظة الدوادمي بمنطقة الرياض للموسم الرابع 2026، كاشفة عن شواهد أثرية لأقدم مناجم الذهب في الجزيرة العربية.

‏ووثّق الموسم الرابع للتنقيب بموقع حلِّيت الأثري بمنطقة الرياض، جوانب من تاريخ التعدين والتجارة في صدر الإسلام؛ كاشفاً عن جزء من قرية متكاملة بمسجدها وأسواقها وورش عملها. وأظهرت النتائج الكشف عن لقى ومعثورات جديدة، تعزز أهمية الموقع بوصفه أقدم مناجم الذهب بالجزيرة العربية، وتبرز عمقه الحضاري، ومن بين المعثورات: 18 وحدة معمارية، ووزنة حجرية نقش عليها مقدارها «رطل»، وحلي، وأدوات للزينة، وبقايا أوانٍ وأدوات فخارية، وحجرية، وزجاجية.

‏يعد موقع حلِّيت الأثري بمحافظة الدوادمي في الرياض منجم ذهب تاريخياً ومستوطنة إسلامية مبكرة (هيئة التراث)

‏ويُعد موقع حلِّيت الأثري بمحافظة الدوادمي في الرياض، منجم ذهب تاريخياً ومستوطنة إسلامية مبكرة تكشف عن حياة المعدّنين وأسواقهم قبل أكثر من 13 قرناً. ووصفت هيئة التراث الموقع بأحد مواقع التعدين التي تعود إلى العصر الأموي، وله ذكر في المصادر التاريخية المبكرة باسم «معدن النجادي» نسبة إلى مالكيه أبناء نجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص.

‏ويتمتع موقع حليت الأثري ببنية تحتية متكاملة، تبرز الدور الحضاري للجزيرة العربية خلال الفترة الأموية، وقد تطابقت معثوراته الكتابية مع التحاليل العلمية التي أُجريت في المواسم السابقة. وتهدف هيئة التراث من خلال هذا المشروع إلى الكشف عن ملامح الموقع، وتوثيقه، والمحافظة عليه، وذلك ضمن مسؤولياتها تجاه التراث الثقافي، وحمايته والعناية به، وإبراز الدور الحضاري للسعودية على مختلف العصور الزمنية، والفترات التاريخية.

وصف الموقع بأحد مواقع التعدين التي تعود إلى العصر الأموي (هيئة التراث)

من بين المعثورات 18 وحدة معمارية ووزنة حجرية نقش عليها مقدارها «رطل» (هيئة التراث)


«القاهرة للمونودراما» يراهن على برنامج «ثري» بالعروض والورش

دكتور أسامة رؤوف رئيس المهرجان يتوسط مسؤولي جمعية «دبا للثقافة والفنون بالفجيرة» (إدارة المهرجان)
دكتور أسامة رؤوف رئيس المهرجان يتوسط مسؤولي جمعية «دبا للثقافة والفنون بالفجيرة» (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة للمونودراما» يراهن على برنامج «ثري» بالعروض والورش

دكتور أسامة رؤوف رئيس المهرجان يتوسط مسؤولي جمعية «دبا للثقافة والفنون بالفجيرة» (إدارة المهرجان)
دكتور أسامة رؤوف رئيس المهرجان يتوسط مسؤولي جمعية «دبا للثقافة والفنون بالفجيرة» (إدارة المهرجان)

يراهن مهرجان «أيام القاهرة الدولي للمونودراما» في دورته التاسعة الحالية على برنامج ثري بالعروض والندوات والورش الفنية التي يقدمها عدد من المسرحيين المصريين والأجانب، ومن بينهم مدرب التمثيل الإيطالي باولو أفاتانيو الذي قدم فقرة فنية على المسرح لاقت تفاعلاً واسعاً من الحضور خلال حفل الافتتاح الذي أقيم الاثنين بالمسرح المكشوف بدار الأوبرا المصرية للمهرجان الذي يقام بإشراف من وزارة الثقافة.

وشهد حفل الافتتاح تكريم شخصيات عربية ودولية، حيث تم تكريم اسم الفنان الراحل فاروق الفيشاوي تقديراً لمسيرته الفنية الحافلة، فبخلاف رصيده السينمائي والتلفزيوني الكبير، قدم نشاطاً مسرحياً منذ بدايته الفنية وحتى رحيله من بينها مسرحيات «بداية ونهاية»، و«الناس اللي في التالت»، و«البرنسيسة».

وتسلم جائزة تكريمه نجلاه أحمد وعمر فاروق الفيشاوي، حيث صعدا معاً على المسرح، ووجه عمر الشكر لإدارة المهرجان، فيما مازح أحمد الفيشاوي شقيقه وقال: «شغلني كثيراً كيف سنُقسم أنا وعمر هذه الجائزة».

أحمد وعمر الفيشاوي في حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

كما كرم المهرجان الفنانة ميمي جمال التي أعلن رئيس المهرجان عن تغيبها لظروف طارئة، وكانت الفنانة قد حرصت على حضور المؤتمر الصحافي الذي عقد قبل أيام من بدء المهرجان، وقالت في تصريحات لها بالمؤتمر، إنه «شرف كبير أن يتم تكريمها في هذا المهرجان عن مسيرتها الفنية، مُعبرة عن اعتزازها بتاريخها الفني وبكل ما قدمته من عروض مسرحية مع كبار نجوم ومخرجي المسرح».

وقدمت ميمي جمال أعمالاً مسرحية أثرت بها المسرح المصري، ومن بينها: «نمرة 2 يكسب»، «مطرب العواطف»، «أنا مين فيهم»، و«القشاش».

واستهل حفل افتتاح مهرجان «أيام القاهرة الدولي للمونودراما» بعرض فيلم تسجيلي يوثق لمسيرة المهرجان على مدى دوراته السابقة، وقال رئيس ومؤسس المهرجان الدكتور أسامة رؤوف في كلمته إن «المهرجان يواصل رسالته في جمع المسرحيين من أنحاء العالم كافة تحت مظلة الإبداع وتبادل الحوار الثقافي، كما أن الدورة التاسعة تمثل محطة جديدة في مسيرته نراهن فيها على عروض وفعاليات وورش فنية مهمة».

الفنانة ميمي جمال حضرت المؤتمر الصحافي وغابت عن التكريم (إدارة المهرجان)

وتعتمد عروض «المونودراما» على ممثل واحد فقط يسرد الحدث، وقد يجسد عدة شخصيات داخل النص، وهو ما يتطلب من الممثل قدرات أدائية عالية لتوصيل رسالة العرض.وتشارك بمسابقة المهرجان عروض من عدة دول عربية وأجنبية من بينها السعودية، فلسطين، الأردن، العراق، تونس، ألبانيا، وأستراليا.

وشهد حفل الافتتاح تكريم المخرج المسرحي الكبير سمير العصفوري، وتسلم تكريمه ابنتاه منى والمخرجة تغريد العصفوري وحفيداه، ويملك العصفوري تاريخاً طويلاً من الأعمال الكلاسيكية والفنية الناجحة على غرار «إيزيس في باريس»، «مأساة الحلاج»، «العيال كبرت»، و«إنها حقاً عائلة محترمة».

وعربياً؛ كرم المهرجان جمعية «دبا للثقافة والفنون» بإمارة الفجيرة بدولة الإمارات تقديراً لدورها في دعم الحركة المسرحية العربية وتعزيز التعاون الثقافي والفني بين المسرحيين العرب، وعلى المستوى الدولي تم تكريم الفنانة الألبانية جوستينا ألياج التي تسلمت تكريمها احتفاء بتاريخها المسرحي الحافل، وعرض المهرجان فيلماً قصيراً عن مسيرة كل من المكرمين.

وحضر حفل الافتتاح عدد لافت من فناني المسرح المصري والعربي والدولي ومن بينهم الفنان سامي مغاوري، والفنانة سما إبراهيم.

الممثلة الألبانية جوستينا ألياج تتسلم تكريمها (إدارة المهرجان)

ويشارك في مسابقة المهرجان هذه الدورة عدد من العروض العربية والدولية، حيث تُقام العروض على مسرح الغد بالقاهرة، فيما تضم لجنة تحكيم المسابقة كلاً من المخرج والممثل السوداني علي مهدي أحد أبرز رموز المسرح السوداني، إلى جانب مدرب التمثيل الإيطالي باولو أفاتانيو، والدكتورة عبير منصور رئيس قسم المسرح بكلية الآداب.

ويشارك بالمسابقة عرضان من مصر، هما «سما» من إنتاج مسرح الهناجر وتأليف سونيا بوماد وإخراج أيمن مصطفى وبطولة مروة عبد المنعم، و«موت مفاجئ» من تأليف هاني مهران وإخراج أدهم صفوت وبطولة عاصم ترك، وإنتاج أكاديمية الفنون.

وتشهد الدورة التاسعة للمهرجان إقامة عدد من الورش والفعاليات الفنية من بينها ماستر كلاس للفنان الإيطالي باولو أفاتانيو يقدمه تحت عنوان «مقدمة إلى الكوميديا البصرية»، فيما يقدم الفنان حسام داغر ورشة تحت عنوان «معنى التمثيل... حين يصبح الممثل الواحد ممثلاً عن البشرية»، ويقدم الفنان عمرو عبد العزيز ورشة بعنوان «الكوميديا بين المونولوج والمونودراما والحكي»، كما يقيم المهرجان مسابقة بين المؤلفين العرب في مجال المونودراما، ومسابقة للمسرح المدرسي.

«سما» أحد العروض المصرية بالمهرجان (إدارة المهرجان)

وبحسب الناقد المسرحي محمد بهجت، فإن المونودراما تُعد أصعب أنواع المسرح كتابة وتمثيلاً وإخراجاً، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنها تعتمد على ممثل واحد يملأ الفراغ المسرحي على مدى فترة العرض، مؤكداً أن «الكتابة بها أصعب وتتطلب مؤلفاً بارعاً وحكّاء عظيماً، حيث يكتب النص على لسان شخصية واحدة تتشكل في الأدوار، وهذا صعب في الكتابة والتمثيل».