الحرب الروسية ـ الأوكرانية... تعميق جديد في هوة أزمة الغذاء العالمي

أربكت الأسواق وقلصت قيمة الأصول ورفعت الأسعار في الاقتصاد الدولي

تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
TT

الحرب الروسية ـ الأوكرانية... تعميق جديد في هوة أزمة الغذاء العالمي

تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)

مع نهاية العام الأول ودخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني؛ ما زالت تداعياتها الاقتصادية تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وتقوده للدخول في اضطرابات كبيرة، والسير نحو مصير مجهول في بعض الدول ذات الاقتصادات المنخفضة، فيما تصدرت سوق الغذاء العالمية بالذات أنشطة المحاصيل الزراعية الأساسية في مدخلات الأغذية الرئيسية أزمة جديدة، زادت من تكلفتها عالمياً، ما يهدد بتفاقم الأزمة وتعميق هوتها مع استمرار أمد الصراع.
وفي الوقت الذي كانت فيه الاقتصادات العالمية، تستعد للتعافي من آثار جائحة فيروس «كورونا»، وبدأت سلاسل الإمداد العالمية في التحرك نحو إعادة ربط دول العالم ببعضها، وإعادة إيصال المنتجات إلى رفوف الأسواق، جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد من معاناة الاقتصادات العالمية، وتضيف لها أزمات جديدة في نقص الغذاء العالمي، وارتفاع أسعار السلع الأخرى، بسبب مكانة الدولتين في سلة الغذاء العالمي، حيث تصدران ثلث الإنتاج العالمي من القمح والشعير، وأكثر من 70 في المائة من زيت دوار الشمس، و12 في المائة من صادرات الذرة عالمياً، فيما تعد روسيا أكبر منتج عالمي للأسمدة.
- تضخم بخانتين
وذكر تقرير صادر عن البنك الدولي مطلع فبراير (شباط) الجاري، استمرار ارتفاع تضخم أسعار الغذاء المحلية في مختلف أنحاء العالم، إذ أشارت معلومات التقرير التي تشمل بيانات عن تضخم أسعار المواد الغذائية، إلى ارتفاع معدلات التضخم في جميع البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تقريباً، مع ارتفاع مستويات ارتفاع الأسعار بأكثر من 5 المائة في 83.3 في المائة من البلدان منخفضة الدخل، و90.2 في المائة من الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، و91 في المائة في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، ما أدى إلى أن تشهد غالبيتها معدلات تضخم مكونة من خانتين.
وعزا التقرير استمرار ارتفاع معدلات التضخم، إلى عدة عوامل اقتصادية عالمية، تبرز منها في المقام الأول الحرب الروسية الأوكرانية، وتأثيراتها في سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والغاز، وتأزم الأسواق العالمية.
- أسعار القمح
وقفزت أسعار القمح إلى مستوى قياسي، بعد أشهر من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ووصلت الزيادة في مطلع مايو (أيار) 2022 إلى نسبة 40 في المائة، كما شهدت الأسواق العالمية توترات شديدة بسبب عوامل أخرى منها مخاطر الجفاف في جنوب الولايات المتحدة وغرب أوروبا، لتشير التوقعات العالمية الأميركية بانخفاض إنتاج القمح الأوكراني بمقدار الثلث لعام 2022 – 2023.
وتفاقمت أزمة زيادة أسعار القمح، في نهاية مايو 2022، بعد قرار الهند ثاني أكبر منتج للقمح في العالم، حظر تصدير القمح دون إذن حكومي خاص بسبب تراجع إنتاجها جراء موجات القيظ الشديد، ووصلت أسعار القمح إلى 435 يورو (453 دولاراً) للطن في السوق الأوروبية.
- تراجع التصدير
من جانبها، ذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقرير إحصائي حديث، أن أوكرانيا ستسجل أكبر معدل انخفاض في صادرات الحبوب خلال موسم 2022 - 2023 بنسبة 47 في المائة لتنخفض صادراتها من 19 مليون طن في الموسم السابق إلى 10 ملايين طن، كما توقع التقرير أن تستمر روسيا في تربعها على عرش مصدري القمح عالمياً، بحجم صادرات يصل إلى 35 مليون طن سنوياً.
- الأمن الغذائي
وفي أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتخوُّف بعض الدول المصدرة للسلع الغذائية الأساسية، من تفاقم أزمة الغذاء العالمية، تصاعدت السياسات المتصلة بالتجارة التي تفرضها تلك البلدان، وتزايد عدد القيود المفروضة على تجارة الغذاء، بهدف زيادة الإمدادات المحلية وخفض الأسعار، حيث فرضت 19 بلداً 23 قراراً لحظر تصدير المواد الغذائية، كما فرضت 8 بلدان 12 إجراءً للحد من الصادرات. وتوقعت عدة تقارير عالمية حول أزمة الغذاء، أن يواجه ما يصل إلى 205 ملايين شخص في 45 بلداً حول العالم، نقصاً حاداً في الأمن الغذائي والحاجة إلى مساعدات عاجلة.
- خفوت الأصول
وفي قراءة لمشهد الأسواق، فإن الأزمة الأوكرانية أسهمت في ارتباك الأسواق الدولية، وخفضت أداء فئات الأصول العالمية التي شهدت منعطفاً حاداً خلال عام 2022؛ إذ أنهت معظمها العام على انخفاض مضاعف. وأكدت شركة «كامكو» للاستثمار – مقرها الكويت – أن عام 2022 كان استثنائياً؛ حيث شهدت أسواق الأسهم والسندات تراجعات متأثرة بعدة عوامل منها الحرب الروسية - الأوكرانية والتضخم، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بجانب القضايا الجيوسياسية الدولية.
وحسب رصد التقرير، تراجعت المؤشرات بما يقرب من 20 في المائة خلال العام؛ حيث انخفض مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنسبة 22.4 في المائة، في وقت أظهر تقرير صادر عن فايننشال تايمز أن الأسهم والسندات فقدت ما يقرب من 35 تريليون دولار أميركي من حيث القيمة خلال عام 2022.
وأفاد تقرير «كامكو» بأنه بعد الوصول إلى مستويات قياسية في نهاية عام 2021، سجلت أسواق الأسهم العالمية أول انخفاض لها منذ أربع سنوات خلال عام 2022، ما يعكس المعاناة في معظم الأسواق العالمية، مستدلاً بانخفاض مؤشر MSCI العالمي بنسبة 19.5 في المائة، ليعكس انخفاضاً ثنائي الرقم في معظم الأسواق الرئيسية على مستوى العالم. أما على صعيد الأسواق المتقدمة، فقد كانت الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر؛ حيث تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 19.4 في المائة خلال العام.
- النمو العالمي
من ناحيته، قال صندوق النقد الدولي في نهاية يناير (كانون الثاني) المنصرم إن النمو العالمي سيظل ينخفض إلى 2.9 في المائة في عام 2023، وذلك من 3.4 في المائة في عام 2022، وهنا تشير أحدث توقعات الصندوق حول مستقبل الاقتصاد العالمي إلى تحسُن، مقارنة بتوقعات أكتوبر (تشرين الأول)، التي تنبأت بنمو 2.7 في المائة العام الجاري، مع تحذيرات من أن العالم قد ينزلق بسهولة إلى الركود. وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في الصندوق بيير أوليفييه غورينشاس ما نصه: «قد تأتي الاضطرابات الجديدة من تصعيد الحرب في أوكرانيا»، مضيفاً حول توقعات 2023: «علينا أن نكون مستعدين نوعاً ما لتوقع ما هو غير متوقع، لكنه قد يمثل نقطة تحول، مع تراجع النمو إلى أدنى درجاته».
- تريليونا دولار
وحول تكلفة تأثير حرب أوكرانيا في الاقتصاد العالمي، توقّعت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وهي منظمة حكومية تضم 38 دولة، وتعد تجمعاً للاقتصادات المتقدمة مقرها باريس، أن تصل تكلفة تأثير الحرب في أوكرانيا في الاقتصاد العالمي إلى نحو 2.8 تريليون دولار بنهاية 2023.
وأشارت إلى تسبُب الحرب في هز الأسواق في جميع أنحاء العالم، وتفاقم الخلل في سلاسل التوريد والإمدادات العالمية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما أضعف إنفاق الأسر وقوّض ثقة الأعمال التجارية، وتسبب في نقص الغذاء والضروريات الأخرى.
وذكرت أن إطالة أمد الصراع، ستزيد من حالة عدم اليقين التي تلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي، وتهدد بمزيد من الأزمات الاقتصادية وتراكم التشوهات في بعض الاقتصادات العالمية، وإجبار عدد متزايد من الشركات إلى خفض أنشطتها.
- اقتصادات
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عضو مجلس الشورى السعودي فضل بن سعد البوعينين، أن الحرب الروسية الأوكرانية، زعزعت ثوابت الاقتصادات العالمية واقتصادات الدول الأوروبية على وجه الخصوص، مفيداً بأن الاقتصاد العالمي بات من أكبر ضحاياها، لافتاً إلى أن تأثيرها في القطاعات اللوجيستية أسهم في امتداد ذلك التأثير لسلاسل الإمداد، وحدوث تداعيات حادة في اقتصادات الدول.
وأضاف البوعينين أن الحرب تسببت في نشوء أزمات اقتصادية عميقة في جميع القطاعات دون استثناء، ويبرز من أكثر القطاعات المتأثرة بالحرب، أمن الطاقة والأمن الغذائي، ونقص إمدادات الغذاء العالمية، وتضخم الأسعار، متوقعاً أن تتجاوز تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، الأرقام التقديرية والتي قدرتها بنحو 2.8 تريليون دولار، «وقد تتخطاها بكثير».
- الهزة العنيفة
وتوقع عضو مجلس الشورى، أن يستمر الركود الاقتصادي خلال العام الجاري، مع تضخم مطرد في الأسواق العالمية، وربما تشهد الأسواق أزمات جديدة، في الإمدادات وسلاسل النقل ونقص الغذاء وارتفاع معدلات البطالة، وقد يمتد تأثيرها لحدوث هزة عنيفة في النظام المالي العالمي، إذا استمرت الحرب، وتطورت أدواتها الحالية، وربما توسعت رقعتها الجغرافية.
مضيفاً أن مستقبل الاقتصاد العالمي في حال استمرار الحرب، ربما سيقود إلى تضخم الديون السيادية لمعظم الدول، وانفجار فقاعتها وانتقالها لمرحلة أكثر دماراً مما هي عليه اليوم، لافتاً إلى أن اقتصادات الدول الأوروبية ستتضرر على المديين البسيط والبعيد بشكل كبير، وربما أسهم ذلك في تفكك الاتحاد الأوروبي تحت ضغط المصالح الوطنية لكل دولة.
- توجهات مستقبلية
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك فيصل السعودية الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إن الحرب الروسية الأوكرانية زادت من الأزمات الاقتصادية العالمية، وعجلت بالركود الاقتصادي في بعض دول مجموعة العشرين، مشيراً إلى أن أهم الاقتصادات العالمية ستسجل معدلات نمو متدنية، وربما بالسالب خلال 2023، وهو دليل واضح على المعضلة الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
ودعا الدكتور القحطاني، اقتصادات دول مجموعة العشرين إلى أن تتكاتف وتلتف، وأن تزيد من عدد اجتماعاتها خلال هذه السنة؛ من أجل إخراج الاقتصاد العالمي من عنق الزجاجة، وتنشيط المبادرات الاقتصادية التي من شأنها أن تمنع أي انكماش أو ركود اقتصادي مستقبلي.
وحول المآلات المستقبلية للاقتصاد العالمي، في ظل الصراع الروسي الأوكراني، توقّع الدكتور القحطاني، أن تستمر أزمة الاقتصاد العالمي من بينها الغذاء حتى 2028 كحد أدنى، مشيراً إلى أنه حتى لو توقفت الحرب بعد ذلك، فإن اندفاع الاقتصاد العالمي ومحاولته للعودة لمستوياته السابقة قبل الحرب، سيجعلان الوضع صعباً جداً، حيث يتجاوز حجم الاقتصاد العالمي 100 تريليون دولار، ويحتاج لميكنة رقمية ونظم وإجراءات وآليات وأفكار وسنوات لعودته للمستويات السابقة، وانخراط الأسواق في التفاعل مع بعضها البعض.
وشدد الدكتور القحطاني على ضرورة التحرك العالمي، والتعامل بدبلوماسية وذكاء سياسي لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، والاستفادة من الشراكات والعلاقات الروسية مع الدول الصديقة، لإيجاد حل جيوسياسي لهذه الأزمة العالمية، وإيقاف مسيرة تفاقم الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على الأسواق العالمية ودوران عجلة الاقتصاد العالمي.


مقالات ذات صلة

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».