تونس: سياسيون واقتصاديون في الصفوف الأولى

أحمد نجيب الشابي   -     محسن مرزوق
أحمد نجيب الشابي - محسن مرزوق
TT

تونس: سياسيون واقتصاديون في الصفوف الأولى

أحمد نجيب الشابي   -     محسن مرزوق
أحمد نجيب الشابي - محسن مرزوق

تسبب تراكم الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، خلال العقود الثلاثة الماضية، خصوصاً بعد «ثورة 2011»، في «احتراق» كثير من الزعماء السياسيين والكفاءات والخبرات الوطنية.
ولقد استفاد الرئيس قيس سعيّد خلال انتخابات 2019 من خيبة أمل غالبية الشعب في الطبقة السياسية القديمة بكل ألوانها الحزبية والسياسية، ونجح رافعاً شعار «فليرحلوا جميعاً».
ولكن بعد منعرج «25 يناير» 2021، أصبح ينتقد بحدة أكبر «المنظومة القديمة» التي حكمت تونس خلال العقود الماضية، وبصفة أخص خلال «عشرية الخراب»، وهي التسمية التي يطلقها على مرحلة ما بعد يناير 2011.
غير أن الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تمر بها البلاد حالياً أعادت الكلام عن «مبادرات سياسية» يقف وراءها مستقلون أو زعماء نقابات وأحزاب. ويرشح أصحاب هذه «المبادرات»، في الكواليس، كما في وسائل الإعلام، أسماء شخصيات اقتصادية وسياسية وطنية عديدة للعب دور في الصفوف الأولى في المرحلة المقبلة، من بينهم وزير الداخلية ورئيس الحملة الانتخابية للرئيس سعيّد سابقاً توفيق شرف الدين، ووزير الزراعة الجديد اللواء عبد المنعم بالعاتي.
أيضاً، بين الشخصيات التي ترشح للعب دور أكبر كل من:
- محمد الفاضل عبد الكافي، وزير الاقتصاد والمالية سابقاً وزعيم حزب «آفاق» الليبرالي المعارض، وهو شخصية في رصيدها خبرة طويلة اقتصادياً ومالياً وأكاديمياً في القطاعين العام والخاص. ولقد رشحته عدة أحزاب لرئاسة الحكومة بعد انتخابات 2019، إلا أن الرئيس سعيد اختار وقتها إلياس الفخفاخ ثم هشام المشيشي.
- أحمد نجيب الشابي، زعيم المعارضة اليسارية في عهدَي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ووزير التنمية في أول حكومة بعد «ثورة 2011»، ثم زعيم الحزب الجمهوري الذي تصدّر معارضة «الترويكا» والحكومات التي قادتها أحزاب «حركة النهضة» و«نداء تونس» و«تحيا تونس». وراهناً، يتزعم الشابي جبهة معارضة تضم 10 أحزاب سياسية.
- مالك الزاهي، وزير الشؤون الاجتماعية الحالي، وهو من بين الشخصيات المقربة من الرئيس قيس سعيّد منذ مرحلة ما قبل انتخابات 2019... وسبق أن كلفته الرئاسة بملفات حوار صعبة داخلياً، خصوصاً مع قيادات النقابات ومنظمات رجال الأعمال. كذلك كلفته مهمات سياسية واقتصادية اجتماعية عديدة في أوروبا والعالم العربي، بما في ذلك إبلاغ رسائل إلى عدد من القادة العرب وقادة أوروبا.
- محسن مرزوق، زعيم حزب «مشروع تونس»، وهو ناشط سياسي وحقوقي يساري سابق ساهم في تأسيس حزب «نداء تونس» مع الرئيس الباجي قائد السبسي وشخصيات نقابية ويسارية ودستورية، من بينها الأمين العام الأسبق لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل»، الطيّب البكوش. تولى حقيبة وزير مستشار في قصر الرئاسة بعهد السبسي، ثم استقال وأسس حزب «مشروع تونس» مع عدد من المنشقين عن السبسي وحزبه.
- حاتم بن سالم، وزير التربية وزير الدولة للخارجية سابقاً، وهو ليبرالي مخضرم تولى مسؤوليات دبلوماسية وحكومية قبل «ثورة 2011» وبعدها. وترأس في عهد الباجي قائد السبسي «مركز الدراسات الاستراتيجية» التابع لرئاسة الجمهورية برتبة وزير.
- توفيق بكار، محافظ «البنك المركزي» وزير المالية سابقاً، وهو شخصية سياسية اقتصادية نجحت خلال السنوات الـ15 الأخيرة من حكم الرئيس بن علي في السيطرة على العجز المالي والتضخم، وأيضاً في إقناع المؤسسات المالية الأوروبية واليابانية والعالمية بتقديم قروض لتونس بنسب فائدة ضعيفة جداً، ودون شروط سياسية اجتماعية. وينتمي بكار إلى «لوبي» خريجي المدرسة العليا للإدارة التي تخرج فيها أغلب الوزراء والمديرين والمسؤولين في تونس.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
TT

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)

تتجه الأزمة داخل السلطة القضائية الليبية إلى مزيد من التعقيد، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، بشأن انتداب وإقالة القضاة، ما يفاقم المخاوف من انقسام المؤسسة، ويعكس اتساع الخلاف داخل أعلى هرم قضائي في البلاد.

ويأتي هذا التطور في بلد لا يزال يعيش انقساماً سياسياً منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وسط تحذيرات قانونيين من أن هذا التطور لم يعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير حكم أو حدود اختصاص، بل أصبح وفق رؤية أستاذ القانون العام الليبي، مجدي الشعباني، أقرب إلى «واقع مؤسسي جديد فرض نفسه داخل السلطة القضائية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الانقسام «لم يعد نظرياً أو محتملاً، بل بات ينعكس عملياً على عمل بعض الهيئات القضائية».

قضاة ليبيون مع رئيس أحد السلطتين المتنازعتين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس الأربعاء (حساب المجلس على «فيسبوك»)

وتصاعد الجدل خلال اليومين الأخيرين، بعد صدور سلسلة قرارات عن المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، برئاسة المستشار عبد الله أبو رزيزة، تقضي بنقل وندب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي، المستشار مفتاح القوي، الذي جرى نقله للعمل في إدارة المحاماة بإحدى محاكم شرق البلاد.

وفي خطوة حملت رسالة رمزية على استمرار عمل المجلس في طرابلس، تسلم عدد من خريجي المعهد العالي للقضاء مهام عملهم، بعد أداء اليمين القانونية أمام أبو رزيزة في مقر المجلس الأعلى للقضاء بالعاصمة.

في المقابل، ردّ المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي برفض قاطع لما وصفه بصدور قرارات وبيانات «منتحلة لصفته»، تتعلق بنقل وندب أعضاء في السلطة القضائية، مؤكداً في بيان رسمي أن تلك القرارات «منعدمة الأثر القانوني». كما أعلن إصدار قرار بتعيين عشرات الملتحقين الجدد بالهيئات القضائية.

اجتماع لأحد المجلسين المتنازعين على المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي الأحد الماضي (حساب المجلس الرسمي في «فيسبوك»)

وأثار هذا السجال قلقاً داخل الأوساط القضائية، إذ وصف القاضي الليبي المستشار حيدر العائب الوضع القائم بأنه «ازدواج في المرجعية العليا داخل السلطة القضائية»، محذراً في منشور عبر «الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية» من أن هذا الانقسام «الخطير» قد يمس بنية العدالة، ويضعف ثقة المجتمع في مؤسساته.

وفي السياق ذاته، حذّرت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية في ليبيا من أن هذا الانقسام غير المسبوق «يهدد استقلال القضاء، وقد يطال وجوده نفسه»، مؤكدة أن الأولوية «باتت الحفاظ على بقاء المؤسسة القضائية ومنع انهيارها».

ويرى الشعباني أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز مسألة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء لتطال شرعية منظومة التقاضي بأكملها. وقال إن وجود مرجعيات متوازية لإدارة الهيئات القضائية «قد يؤدي إلى تضارب في القرارات الإدارية والتنظيمية، بما يهدد استقرار المراكز القانونية ويقوض ثقة المواطنين في العدالة»، مشدداً على أن «القضاء يمثل آخر مؤسسات الدولة التي يمكن أن تتحمل الانقسام».

ويأتي هذا التصعيد على خلفية نزاع قانوني أعاد إلى الواجهة الجدل حول شرعية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بعدما قضت المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب الليبي على قانون النظام القضائي، وهو حكم فتح نقاشاً واسعاً حول الأساس القانوني للمجلس وصلاحياته.

وتفاقمت الأزمة في 18 فبراير (شباط) الماضي مع تصاعد الخلاف حول تنفيذ الحكم القضائي، قبل أن يعلن المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة المستشار مفتاح القوي، نقل إدارة القانون مؤقتاً إلى بنغازي بسبب ما وصفه بـ«القوة القاهرة».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

يأتي ذلك في ظل استمرار الانقسام السياسي في ليبيا بين حكومتين متنافستين: حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة مكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويثير تساؤلات حول فرص احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى واقع دائم داخل المؤسسة القضائية.

ومن منظور الشعباني فإن «الأزمة في الحالة الليبية تجاوزت الإطار التقليدي، إذ باتت أزمة مؤسسية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الواقع السياسي»، موضحاً أن «معالجة الأزمات القضائية في الظروف العادية تتم عبر مسارين متكاملين: قضائي لحسم النزاعات القانونية، وتشريعي لإصلاح النصوص التي تكشف الأزمات عن قصورها».

وقال الشعباني إن «البداية الطبيعية للحل في ليبيا تكون بحسم قضائي، يعيد وضوح المرجعية داخل المؤسسة القضائية، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم لها»، منتهياً إلى أن «أي معالجة حقيقية ستظل بحاجة إلى حد أدنى من التوافق السياسي لتحييد القضاء عن الصراع، لأن انقسامه قد ينعكس في نهاية المطاف على وحدة الدولة القانونية واستقرار مؤسساتها».

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من خطورة النزاع داخل القضاء الليبي، مؤكدة أن المؤسسة القضائية تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة، وأن أي انقسام في بنيتها قد ينعكس على مختلف جوانب الحياة في البلاد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات التي اندلعت في صيف 2024. كما لوحظ غياب حدّة التصريحات من الجانبين، لتحلّ محلها لغة التهدئة، واستحضار القواسم المشتركة، ما يوحي بأن التطبيع بات وشيكاً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى قرب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر؛ حيث كشفت تقارير متطابقة نقلتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية نصف الشهرية، في آخر عدد لها، عن «عدم ممانعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عودة الدبلوماسي الفرنسي لممارسة مهامه بالعاصمة الجزائرية.

وقد برز هذا الملف بوضوح خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير (شباط) الماضي؛ إذ أكد الرئيس تبون خلال محادثات جمعته بالوزير الفرنسي أن السفير روماتيه يمكنه استئناف عمله، حسب التقارير نفسها.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وفُسر «ترحيب» تبون المفترض بعودة روماتيه بأنه خطوة ملموسة نحو التهدئة، تهدف إلى كسر جمود التوتر الذي طبع علاقات البلدين منذ أن أعلن الإليزيه في يوليو (تموز) 2024، دعمه الصريح لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء تحت السيادة المغربية. وعلى أثرها سحبت الجزائر سفيرها من باريس، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

سفير في قلب العاصفة

غاب ستيفان روماتيه عن منصبه منذ أبريل (نيسان) 2025، حين قرر الرئيس إيمانويل ماكرون استدعاءه إلى باريس في ذروة أزمة دبلوماسية حادة، جاءت إثر سلسلة من الأحداث المعقدة، كان أبرزها «قضية خطف اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص»، وقرار الجزائر ترحيل 12 دبلوماسياً فرنسياً، إثر اتهام موظف قنصلي جزائري بباريس بالوقوف وراء عملية الاختطاف، التي لم تُحقق هدفها في النهاية وهو تصفيته، أو على الأقل ترحيله سراً إلى الجزائر.

وزير الداخلية الفرنسي مع عميد مسجد باريس ورئيسة بلدية باريس (مسجد باريس)

وردّت باريس على طرد دبلوماسييها بإجراء مماثل، شمل استدعاء سفيرها وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. كما زاد تقرير بثته قناة «فرانس 2» من حدّة الخلافات، بعد أن أثار محتواه غضب السلطات الجزائرية التي عدّته مسيئاً.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً حاداً في الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني)، بعدما أعلنت «القناة الدولية الجزائرية» الحكومية أن السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أصبح «غير مرحب به» في الجزائر، رداً على مشاركته في وثائقي بثه التلفزيون العمومي «فرانس 2»، عدّته السلطات الجزائرية «اعتداءً على مؤسسات الدولة، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وزير الداخلية الفرنسي خلال إلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني السنوي بمسجد باريس الكبير (المسجد)

وتناول التحقيق ما وصفه بـ«حرب خفية» بين البلدين، تقوم على صراع الروايات وتبادل الاتهامات. كما ظهر فيه المعارض أمير بوخرص مهاجماً الرئيس تبون؛ حيث اتهمه بإعطاء الضوء الأخضر لمحاولة خطفه عام 2024 قرب باريس، وهي قضية تقول التحقيقات الفرنسية إنها تورط فيها 8 جزائريين بينهم دبلوماسيان.

وظهر السفير ستيفان روماتيه في التقرير، معتبراً أن البلدين قادران على تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر عدّت مشاركته «خطأ جسيماً»، ورأت فيها مؤشراً على دعم من الحكومة الفرنسية لمضمونه.

بوادر الانفراج

وشكّلت زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي نقطة تحول محورية؛ حيث ناقش الوزير الفرنسي مع مسؤولين جزائريين ملفات أمنية وسياسية حساسة، كان من بينها الوضع القانوني والبروتوكولي للسفير.

ويُنظر اليوم إلى «الضوء الأخضر»، الذي منحه الرئيس تبون لعودة روماتيه، بوصفه بادرة حسن نية لترميم جسور الثقة، وفق التقارير نفسها التي استندت إليها «جون أفريك». وفي تقدير متتبعي تطورات الأزمة، ستضع عودة روماتيه، في حال تأكدت، حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار الدبلوماسي المستقر، وتنهي واحدة من أصعب فترات الفتور بين باريس والجزائر.

وسبق هذا المؤشر الإيجابي، مبادرة لافتة على تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، تمثلت في موافقة فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين جدد، معلنة بذلك عن طي «أزمة تبادل طرد الدبلوماسيين». وتم ذلك في سياق نتائج زيارة نونيز.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعاد لوران نونيز، الخميس الماضي، إلى العلاقات مع الجزائر بمناسبة حضوره الإفطار السنوي الرمضاني، الذي ينظمه «مسجد باريس الكبير» المموَل جزائرياً، مشيداً في كلمة قرأها، بأهمية الحوار بين باريس والجزائر، منتقداً في الوقت نفسه مواقف سلفه برونو روتايو، الذي تصدّر الأزمة لمدة عام تقريباً، وبعض القوى اليمينية التي تدعو إلى التصعيد مع الجزائر.

وشدد نونيز في خطابه، الذي نشره «مسجد باريس» بموقعه، على أن «الحوار (مع الجزائر) يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتجاوز الخلافات»، مشيراً إلى أن زيارته للجزائر ولقاءه رئيسها، أسهم في إعادة إطلاق التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والهجرة بعد نحو 18 شهراً من الجمود.

وتطرّق نونيز أيضاً إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، مشيراً إلى إحصاء 326 اعتداءً معادياً للمسلمين خلال عام 2025، وذلك بزيادة بلغت نحو 90 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. ومن بين الحوادث التي أثارت صدمة واسعة، أشار إلى مقتل الشاب المالي أبو بكر سيسي داخل مسجد في منطقة غارد بجنوب غربي فرنسا في أبريل 2025، ومقتل التونسي هشام مراوي في منطقة فار بالجنوب الشرقي نهاية مايو (أيار) من العام نفسه، واصفاً مرتكبي هذه الجرائم بأنهم «أعداء للجمهورية».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر (رويترز)

وفي ملف الحجاب، جدّد نونيز رفضه المقترح، الذي تدعمه بعض أحزاب اليمين بمنع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، قائلاً: «لن أكون الشخص الذي يذهب ليقول للأطفال إن ارتداء الحجاب يُهدد العيش المشترك الجمهوري»، عاداً أن مثل هذه الإجراءات «قد تصرف الانتباه عن التحدي الحقيقي المتمثل في مواجهة التطرف الديني».


محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
TT

محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)

أصدرت محكمة استئناف تونسية في وقت متأخر من ليلة الجمعة، حكماً بسجن رئيسة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي، 10 سنوات، بعد جلسة محاكمة استمرت ساعات عدة، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الألمانية».

وأودعت عبير موسي -وهي محامية وسياسية معارضة للرئيس قيس سعيد- السجن منذ 23 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتعود القضية إلى عام 2023 عندما تقدمت عبير موسي بتظلُّم ضد مراسيم أصدرها الرئيس سعيد قبل الانتخابات الرئاسية، عند مكتب الضبط بالقصر الرئاسي، قبل أن تعتقلها قوات الأمن وتودعها السجن بتهمة «الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وإثارة الهرج». كما تواجه رئيسة الحزب تهمتَي تعطيل حرية العمل، واستخدام معطيات شخصية دون إذن صاحبها.

ونفت هيئة الدفاع وجود جرائم مرتكبة، وأعلنت أنها ستلجأ إلى الطور التعقيبي. وقال عضو الهيئة والقيادي بالحزب، كريم كريفة، إن «هيئة الدفاع ترافع في لا جريمة». وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكمها الأول بالسجن 12 عاماً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قبل أن تطعن فيه هيئة الدفاع.

وصدرت الأحكام في جلسة الجمعة، وسط اعتراضات عدد كبير من المحامين وقياديي الحزب الذين تجمعوا خارج المحكمة حتى وقت متأخر في الليل.

ويقبع في السجن عشرات من السياسيين المعارضين، ونشطاء، ورجال أعمال، بتهمة التآمر على أمن الدولة، وهي تهم تعتبرها المعارضة «ملفقة وسياسية»، كما تتهم السلطة التي يقودها الرئيس سعيد بترسيخ نظام حكم فردي.

ويتهم الرئيس سعيد الذي فاز بولاية ثانية من 5 سنوات في 2024، خصومه، بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، وإشاعة الفوضى.