زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين

قال للرئيس الروسي عام 2014: مستعد للركوع أمامك حتى لا تندلع الحرب بين بلدينا

زيلينسكي في يوم تنصيبه رئيساً لأوكرانيا في مايو 2019 (أ.ب)
زيلينسكي في يوم تنصيبه رئيساً لأوكرانيا في مايو 2019 (أ.ب)
TT

زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين

زيلينسكي في يوم تنصيبه رئيساً لأوكرانيا في مايو 2019 (أ.ب)
زيلينسكي في يوم تنصيبه رئيساً لأوكرانيا في مايو 2019 (أ.ب)

كثيرة الكتب والتحقيقات التي صدرت في الأشهر الـ12 الأخيرة، أي منذ إطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا صبيحة 24 فبراير (شباط) الماضي، التي يسميها الرسميون الروس «العملية العسكرية الخاصة»، والتي تناولت سيرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وغالبية ما صدر سعت إلى تبيان التحول الكبير الذي طرأ على حياة هذا الرجل الذي تحول إلى رمز يجسد إرادة بلده في مقاومة العدوان الروسي. بيد أن الكثير من الكتابات يمر سريعاً على حقب من حياة الرجل خصوصاً تلك التي أمضاها في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. كذلك تميل غالبية الكتابات إلى التغطية على بعض الأحداث التي من شأنها تشويه الصورة الرسمية التي يراد لها أن تكون ناصعة البياض. من هنا، أهمية التقارير الخمسة المطولة التي كرستها صحيفة «لوموند» لزيلينسكي والتي تغطي ما تسميها الصحيفة «المراحل الخمس» في حياة زيلينسكي؛ من طفولته حتى تحوله إلى رجل الدولة الذي تتسابق الدول الغربية على خطب وده والتجاوب مع مطالبه في سعيه لاستعادة سيطرة بلاده على الأراضي التي احتلتها القوات الروسية. بيد أن آخرين يرون أنه تحول إلى أداة بيد الولايات المتحدة والحلف الأطلسي بشكل عام لإضعاف روسيا والحط من قوتها ومن موقعها على الخريطة العالمية، وهي النظرية التي يروّج لها الروس أنفسهم.

وُلد زيلينسكي في مدينة «كريفي ريه» الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا على بُعد 450 كلم من العاصمة كييف في العام 1978. وما يميز هذه المدينة التي لم تستطع القوات الروسية السيطرة عليها بعدما اقتربت منها دباباتها إلى مسافة 17 كلم، ثلاثة أمور: الأول أنها مدينة صناعية، حيث تُستخرج من مناجمها كميات ضخمة من الحديد. والثاني أنها كانت ذات أغلبية روسية. والثالث وجود جالية يهودية كبيرة فيها. وفي هذه الجالية وُلد فولوديمير «فولوديا» ونشأ وترعرع، كغيره من مواطني الاتحاد السوفياتي، في كنف الحزب الشيوعي منذ نعومة أظفاره، إذ انتمى إلى منظمة الشبيبة الشيوعية. ويشير التقرير إلى أن «فولوديا» أسدل ستارة سميكة على ماضيه الشيوعي وهو يرفض الحديث عنه. والده، ألكسندر، البلغ حالياً 75 عاماً، مهندس إلكتروني وأستاذ في معهد الاقتصاد في المدينة الصناعية التي تضم 600 ألف شخص. وكان ألكسندر متفوقاً إلى درجة أنه أوجد تطبيقات لاستخدام المعلوماتية في استخراج المعادن، فأرسلته الحكومة إلى منغوليا من أجل الاستفادة من مهاراته. وكان الألمان، زمن احتلالهم لأوكرانيا، قد حوّلوا المعهد إلى مقر لـ«الغيستابو»، (البوليس السياسي الألماني)، زمن الحرب العالمية الثانية، ولاحقاً شغلته المخابرات السياسية التابعة للحزب الشيوعي. ويركز التقرير على المصير المؤلم الذي حلّ بيهود أوكرانيا خلال فترة الاحتلال النازي، حيث كان يعيش ما لا يقل عن 2.5 مليون منهم. وقبل الحرب، كانت مدينة «كريفي ريه» تضم سبعة محافل يهودية لم يتبقَّ منها قائماً أي محفل. وما هو موجود راهناً هو محفل واسع أُنشئ بعد الحرب.
في هذه المدينة الصناعية التي لم يعد إليها منذ اندلاع الحرب، نشأ «فولوديا». وفي سن الـ14 عاماً، انتمى إلى «منظمة الشبيبة الشيوعية». لم تكن فترة المراهقة لمن سيتولى أعلى المسؤوليات لاحقاً في بلاده، سهلة له ولعائلته. فالمخدرات والعنف كانا السمة الغالبة لهذه المدينة ذات الغالبية من عمال المناجم ومصانع الصلب. العصابات المحلية كانت لها السيطرة وحروبها الدامية متواصلة. بيد أن والدي «فولوديا» حرصا على توفير تعليم مناسب له، ومنذ العاشرة من عمره مكّناه من الحصول على دروس إضافية وركّزا على تعليمه اللغة الإنجليزية.
والدا زيلينسكي
ومنذ صغره، برزت مواهب «فولوديا» الكوميدية. وباكراً، عَمَد مع آخرين من أصدقائه إلى تشكيل مجموعة صغيرة كان هدفها الأسمى أن تنجح في خوض المباريات الشهيرة لأفضل مجموعة فكاهية في برنامج يسمى «KVN». وكان زيلينسكي، منذ البداية، محركها الأول.

زيلينسكي الفكاهي
مع بداية الألفية الجديدة، بدأ اسم فولوديمير زيلينسكي باللمعان ككوميدي ساخر وجريء لا يتورع عن شيء. وكانت الرافعة بالنسبة إليه «فرقة جامعة كريفي ريه الحكومية» حيث تَسجل طالباً في كلية الحقوق. ونقطة الانطلاق الحقيقية كانت مشاركة الفرقة التي سُميت «كاروسيل» في المنافسة الشهيرة لبرنامج «KVN» في مدينة «سوتشي» المطلة على البحر الأسود، مصيف القيادات وكبار رجال الأعمال الروس. وعاماً بعد عام، حازت الفرقة المشكَّلة من طلاب غالبيتهم في العشرين من العمر وعلى رأسهم «فولوديا» بعض الشهرة، لا بل إنها تمكنت من أن تحصد نجاحاً واضحاً بحيث أخذت تُدعى إلى المهرجانات والحفلات العامة والخاصة فاتخذت اسماً جديداً هو «كفرتال 95»، وأخذت تتنقل من مدينة إلى مدينة ومن جمهورية سوفياتية سابقة إلى جمهورية أخرى. ومن بين الحفلات التي أقامتها، كانت لشبه جزيرة القرم، التي احتلتها روسيا وضمّتها في العام 2014 حصة الأسد. لكن نجاح الفكاهي «فولوديا» لم يثر حماسة عائلته التي كانت تسأله دوماً: «متى ستكون لك مهنة حقيقية؟». ولإرضائها، أنهى الأخير دراسته الجامعية وتسجل محامياً في نقابة المحامين في مدينته. إلا أن طموحه كان في مكان آخر. وأول تجلياته الرغبة في الإقامة في العاصمة الروسية. موسكو كانت قد تحولت إلى مدينة الأنوار والشباب والمال ولا نجاح من غير النجاح فيها.

وإذا كان الرئيس بوتين اليوم هو «العدو» الأول لـ«فولوديا»، وهذا لم يعد اليوم خافياً على أحد، إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن الرئيس الأوكراني لعب أدواراً كوميدية بحضوره. وفي العام 2018، اعترف للصحافي الأوكراني ديميتري غوردون بأنه «لعب أمام جميع الرؤساء الروس لكن الوحيد الذي لم يكن بينهم هو الرئيس يلتسين»، ما يعني، وفق التقرير، أن بوتين يعرف المهرج زيلينسكي منذ كان الأخير في العشرينات من عمره. وقال زيلينسكي للصحافي المذكور: «لقد نظر كلانا إلى الآخر عن بُعد ولكن لا أتذكر أنه أغرق في الضحك للنكات التي ألقيتها». ويقول مَن كان يعرفه في تلك الفترة، إن نكات «فولوديا» كانت «من النوع الثقيل». وفي الفترة المشار إليها، كان بوتين آخر رئيس حكومة في عهد يلتسين، كما كان وريثه المعيّن. والرأي الذائع أن الفكاهي زيلينسكي لم يكن يتردد أمام أي شيء بما في ذلك السخرية من القادة السياسيين أكان في روسيا أم في أوكرانيا. ويشير تقرير «لوموند» إلى أن الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور أيوتشينكو، ترك قاعة المسرح بسبب الانتقادات اللاذعة التي كانت تستهدفه مباشرةً. لم يكن «فولوديا» يعرف الممنوعات بما في ذلك السخرية مما يسمى «هولودومور»، وهو ما يساوي الهولوكوست عند اليهود، ويذكّر بالمجاعة التي فرضها ستالين على أوكرانيا في ثلاثينات القرن الماضي، كما أنه لجأ مرة إلى تشبيه أوكرانيا بـ«ممثلة إباحية ألمانية».
سريعاً جداً، شق الفكاهي زيلينسكي طريقه في عالم المسرح الساخر. صغيراً، كان يحلم بأن يصبح دبلوماسياً، وها هو في موسكو، ولكن لأسباب أخرى. موسكو الجديدة لما بعد انهيار الشيوعية اكتسبت دينامية ثقافية وفكرية من الطراز الأول. إلا أن زيلينسكي رفض العرض الذي تلقاه من «KVN»، وفي العام 2003 تزوج من المهندسة العمرانية أولينا كياشكو التي كان يعرفها منذ صباه. وبفضل فرقته «كفرتال»، وشركة الإنتاج التي أسسها مع أصدقائه وشركائه، تحول زيلينسكي سريعاً إلى نجم فكاهي إنْ في كييف أو في موسكو، حيث نسج علاقات صداقة مع أقرانه الروس. ومع النجاح والشهرة، تأتي الثروة التي ابتسمت لـ«فولوديا» ولفرقته باكراً. ولم يتردد أصحابها في اتّباع نهج فتح حسابات «أوف شور» مصرفية في الملاذات الضريبية إنْ في الجزر البريطانية العذراء أو في قبرص أو في بيليز لحماية أموالهم. ذلك أن أوكرانيا تعرف نسبة استثنائية من الفساد.
من الطرائف التي يرويها التقرير المشار إليه أن فرقة زيلينسكي استُدعيت يوماً إلى حفل خاص قريباً من كييف. ولدى وصولهم إلى مكان الحفل كم كانت دهشتهم كبيرة عندما رأوا أنه قبالة المسرح الصغير الذي أُقيم كانت هناك طاولة وكرسيان فقط. أما الحضور فهما الرئيس الروسي ميدفيديف والأوكراني يانوكوفيتش.

إلى السياسة دُرْ
في الأول من مارس (آذار) 2014، عندما كانت العاصمة كييف مسرحاً لأكبر مظاهرات عرفتها في تاريخها، وساحةُ «ميدان» الواقعة في وسطها ساحةَ صراع بين القوات الأمنية التابعة للرئيس يانوكوفيتش التي أوقعت مئات الضحايا... أسرع زيلينسكي إلى القناة التلفزيونية «1 زائد 1» ليوجه رسالة مباشرة إلى الرئيس بوتين. وقال له: «عزيزي فلاديمير، أتوسل إليك ألا تهمل أي إمكانية لتجنب نزاع مسلح (بين بلدينا). في روسيا وأوكرانيا شعبان أخويان. أتوسل إليك لا تجعل شعبنا يركع. أما أنا، فمستعد أن أجثو أمامك إذا توجب الأمر ذلك». أما بخصوص استخدام اللغة الروسية في منطقة الدونباس وفي شبه جزيرة القرم، فإن رأي زيلينسكي الباحث عن التهدئة والسلام قاطع: «إذا أراد هؤلاء الناس أن يستخدموا اللغة الروسية فلنتركهم وشأنهم. هذا لن يؤدي إلى تمزيق بلدنا». وأهمية ما جاء على لسان «فولوديا» أنها المرة الأولى التي يتوجه فيها إلى السياسيين بلغة غير ساخرة. كانت تلك خطوته الأولى للدخول إلى عالم السياسة. لكنّ زيلينسكي لم ينزل إلى ساحة «ميدان» للتظاهر أو الاعتصام، وفرقته المسرحية بقيت بعيدة عنها بسبب الانتماءات السياسية والجغرافية المتضاربة لأفرادها. كذلك، فإن اهتمامه المفرط بشركة الإنتاج التلفزيونية وعمله كممثل أبقياه بعيداً عن الممارسة السياسية المباشرة. «كفرتال» كانت قد تحولت في العام 2014 إلى أكبر شركة إنتاج، ويؤكد التقرير أن «فولوديا» لا يحب الحروب ولا رؤية الجرحى أو الدماء، وكان قد أُعفي من الخدمة الإلزامية التي مدتها عام ونصف في الجيش.

ليس زيلينسكي الرئيس الوحيد الخارج من رحم المسرح أو السينما. الرئيس الأميركي رونالد ريغان كان ممثلاً وليس من بين المشهورين في هوليوود. زيلينسكي استفاد من مسلسل عنوانه «خادم الشعب» أي «الرئيس»، الذي أنتجته شركته ولعب فيه شخصياً دور الرئيس وسط ديكور رئاسي حقيقي. ويروي المسلسل قصة أستاذ تاريخ اسمه «غولوبوروكو» انتُخب رئيساً دون أن يترشح. هو شجاع ونظيف الكفّ ولكنه محاط بمجموعة من «الأوليغاركيين» الفاسدين. المسلسل كوميدي الطابع لكنه حصد نجاحاً منقطع النظير. «الرئيس» لا يتردد مثلاً في تهديد النواب بإقالتهم جميعاً وإحلال قاصرين مكانهم.
لا يجد حرجاً في نقل خطاب للرئيس الأميركي الشهير لينكولن ليكون خطاب تنصيبه... وخلال فصل واحد أضحى مسلسل «خادم الشعب» أهم نجاح تلفزيوني في أوكرانيا، إذ شاهد حلقاته الأولى ما لا يقل عن 20 مليون مواطن. ممثلوه أصبحوا نجوماً، وشهرة زيلينسكي فاقت جميع التوقعات إلى درجة، يقول التقرير، إنه «إذا ظهر زيلينسكي خلال مأتم، فإن الميت سيستفيق ليشاهده».
يقول التقرير إن النجاح منقطع النظير للمسلسل فتح الباب لعبور زيلينسكي إلى عالم السياسة. وينقل عن ألكسندر رودنينسكي المقرب من الرئيس الحالي أن زيلينسكي «لم يكن يفكر بدايةً بالرئاسة بل رغبته كانت مساعدة مجموعة من المرشحين للوصول إلى مجلس النواب». لكنه بعد ذلك راودته فكرة الترشح للرئاسة. ويضيف رودنينسكي أن زيلينسكي «شخصياً لم يكن يؤمن بأنه قادر على الفوز بها».
كانت الخطوة الأولى للترشح إنشاء حزب جديد سُجل باسم المسلسل، أي «خادم الشعب». أما رئيسه فهو صديق الصبا لـ«فولوديا» المحامي إيفان باكانوف. بيد أن الأمور لم تكن سهلة للمرشح الجديد بسبب المنافسة الشديدة من مرشح جدّي حامل شهادة الدكتوراه في الفيزياء لكنه خصوصاً مغنٍّ مشهور سمّاه البعض «مايك جاجير الأوكراني»، واسمه فاكارتشوك. لكنّ الأخير تراجع بوجه زيلينسكي الذي أعلن ترشحه رسمياً ليلة عيد الميلاد قرب شجرة العيد وبثياب عادية من خلال قناة تلفزيونية. والمدهش أن كثيرين من الأوكرانيين عدّوا ذلك بمثابة «اسكتش» هزلي في سياق مأخوذ من «خادم الشعب». كذلك، فإن زيلينسكي لم يستشر المقربين منه ولم يستمع لتردد زوجته. ثم إن حزبه افتراضي أكثر مما هو حقيقي: لا كادرات، لا مكاتب في المناطق، لا مداومين...
يؤكد التقرير أن زيلينسكي خاض المنافسة من غير برنامج انتخابي ومن غير مهرجانات أو لقاءات صحافية... ما ركّز عليه عنوانه وسائل التواصل الاجتماعي مثل حسابه على «إنستغرام» الذي يتابعه 4.5 مليون شخص والإكثار من ظهوره التلفزيوني على قناة «1 زائد 1». وسريعاً، برز زيلينسكي كمرشح جدّي مع توقع تخطيه عتبة 20 في المائة من الأصوات. وفي الوقت عينه، واصل تصوير مسلسل «خادم الشعب» ما يشكّل خلطاً بين الواقع السياسي والواقع السينمائي. وبالتوازي، فإن منافسه الرئيس المنتهية ولايته بوروشينكو شنّ عليه حملة شعواء متهماً إياه بأنه «مرشح الكرملين»، آخذاً عليه غيابه عندما احتلت روسيا شبه جزيرة القرم وأشعلت الحرب في الدونباس وافتقاره لأي خبرة في إدارة شؤون البلاد. وقال له: «إن ممثلاً يفتقر للخبرة لا يستطيع محاربة المعتدي الروسي»، الأمر الذي كذّبته الأشهر الـ12 المنقضية. وبوروشينكو هُزم وزيلينسكي انتُخب وتحول إلى رمز وأثبت أنه ليس قادراً على قيادة الحرب فقط بل أن يتحول إلى بطل ورمز لشعبه.

الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»
هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟


مقالات ذات صلة

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».