مذكرات كافكا بنسختها الأصلية غير المحررة

بعد قرن من وفاة صاحبها

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

مذكرات كافكا بنسختها الأصلية غير المحررة

فرانز كافكا
فرانز كافكا

لا يوجد في تاريخ القرن العشرين كاتبٌ أصبح رمزاً للسوداويّة والعبث والكوابيس أكثر من فرانز كافكا (1883 – 1924)، حتى قيل إن الكافكاويّة «كل أدب يتقمّص نظرة كئيبة إلى العالم». فهذا الروائي والقاص؛ الذي وضع معظم نصوصه المذهلة بالألمانيّة، تخيّل عوالم يعمّها الظّلام تداخل فيها الواقعي بالعجائبيّ، وتقاطعت أحداثها بالكوابيس، ولا تكاد شخصياتها غريبة الأطوار تنجو من اغترابها الاجتماعي وقلقها الوجودي وشعورها المقيم بالذنب؛ حتى تسقط في جب مآزق سورياليّة تثير الذّعر واليأس والقنوط.
ومما نعرفه عن كافكا اليوم؛ فإن سيرة حياته القصيرة كانت قاتمة ومحبطة كما نصوصه، وخاض صراعات هوياتية ثقافيّة وجندريّة زعزعت من إحساسه بالحياة، وفشل دائماً في تأسيس علاقات إنسانيّة سويّة على تعدد معارفه وعشيقاته، وتجرّع حتى الثمالة كل السواد وخيبات الأمل التي جلبتها كارثة الحرب العالميّة الأولى على جيل الشبان الأوروبيين؛ الذي عاش لحظة الانتقال بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي الحقيقة، فإنّ كافكا، مع هوسه بالقراءة والكتابة، بنى سمعته العالميّة على نصوص لم يوافق عليها ولم يصححها مطلقاً؛ إذ لم يُنْهِ أيّاً من رواياته الثلاث الأهم، والقليل الذي نشره في حياته لم يحظ حينها بأي اهتمام يذكر من القرّاء، وفي وقت ما أطعم النار أغلب مخطوطاته؛ إذ لم تعنه – وفق ما نعلم - الشهرة قط، ولاحقاً - بينما كان يقضي عليه مرض السلّ وهو لمّا يكمل العقد الرابع من العمر - أوصى رفيقه المقرّب ماكس برود بالتخلّص من كل ما تبقى من أوراقه. ولولا أن برود خان صديقه ولم ينفّذ رغبته لضاعت أعمال هذا الأديب العبقري إلى الأبد.
ولكن أَمَا من لحظات مبهجة في حياة هذا اليهودي الكئيب على الإطلاق؟ لعل أفضل فرصة لنا للإطلال من كوّة ضيقة على عالم كافكا الإنسان بحثاً عمّا يغاير أدبه بعد مائة عام على غيابه، قد تكون مفكرته الشخصيّة. فمن المعروف أنّه احتفظ بنوع من مذكرات ثريّة بداية من عام 1909 إلى عام 1923؛ أي ما قبل وفاته المبكرّة بأشهر، جمع فيها من كل الأشياء: الرسائل، ومسودات القصص، ومراجعات المسرح، والملاحظات، والاقتباسات من الصحف والمجلات، والتأملات الذاتيّة، وحتى الأحلام.
لم تكن تلك مادة للنشر بأي حال، وإنما كانت نوعاً من طاولة عمل يعود إليها كافكا بين الحين والآخر، ويلتقط على صفحاتها ما يعبر برأسه من أفكار، ويودعها نظراته فيما يمر بحياته اليوميّة من أحداث وشخصيّات تأتي عفو الخاطر. وهي كانت ضمن الأوراق التي طلب كافكا من صديقه حرقها، وما أنقذها إلا إيمان برود الحاسم بعبقريّة صديقه، وقراره عصيان وصيته.
فضل برود على الأدب العالمي لم يأت خالصاً؛ إذ نصّب نفسه حارساً لصورة كافكا في المخيال الجمعي، فقام بتحرير مكثّف للمذكرات قبل أن يدفع بها إلى المطبعة، فظهرت متماسكة، جادّة، خالية من الظلال السوداء والشوارد السائبة والهفوات البشريّة. وبشكل خاص استبعد كل المقاطع التي يمكن أن تقرأ في سياق ميول مثليّة جنسيّة، واختفت أو تقلّصت حكايات زياراته المتكررة لدور البغاء. لقد تحوّل كافكا بفضل مقص برود إنساناً مترفعاً يرتقي به نقاؤه إلى مكانة مرتفعة فوق أوحال هذا العالم.
نُشرت هذه النسخة المشذبة من المذكرات بالألمانيّة، واطلع عليها العالم الأنجلوساكسوني لأوّل مرّة في أواخر الأربعينات، وبقيت دهراً مصدراً لصورة وحيدة؛ لكن مضللة، عن شخص الكاتب وراء الكتابة، ساهم في تكريسها دون تحدّ الصراع السياسي على ضمّ تراث كافكا بين هوياته الكثيرة: يهوديته وألمانيته وتشيكيّته ونمساويته وأوروبيته، وأيضاً أمميته بوصفه كاتباً عالمياً عابراً للهويات المحليّة.
هذا التضليل الذي استمر لعقود انتهى في أجواء الثقافة الألمانيّة قبل ثلاثة عقود، عندما أعيد نشر المذكرات مجدداً بصيغتها المكتملة دون تدخلات برود، وقد انتظر الكوكب الأنجلوساكسوني الكاتب الأميركي روس بنجامين ليقدّمها هذا العام - بعد قرن من وفاة صاحبها - بهذه الصيغة الأصليّة غير المحررة وفي ترجمة محترفة وحساسة فاق عدد صفحاتها 700؛ رفقة مجموعة ثريّة من تعليقات المترجم وإشاراته، وستغدو دون شكّ مكملاً لا غنى عنه لأعمال كافكا الشهيرة في الرواية والقصّة القصيرة، ووثيقة لا بدّ منها لكل مؤرخ لكافكا ولأدب القرن العشرين.
تجرجر هذه الطبعة كافكا من عليائه المزورة وتعيده إلى الأرض مع بقيتنا من البشر الفانين، لكنّها مع ذلك تقوم بتلك المهمّة بطريقة حميمة لا تؤذي إحساس القراء بطول معاناته، ولا تقلل بأي حال من موهبته العميقة والحقيقية والساطعة.
قراءة هذه المذكرات ليست بالأمر السلس، فهي أشبه بقطع أفكار وبروفات نصوص لا خيط واحداً يجمعها سوى الإحباط والشعور بالعزلة، فكأنها مجموعة من القصائد والأبيات التي كتبت في مناسبات «متفاوتة» وجمعت في دفتر واحد دون نظام. ومن الجلي أن جانباً مهماً من عذابات كافكا، إلى جانب وجع الكتابة وأرقها - «إنني أحسّ بالإمكانية الوشيكة لحال عظيمة من شأنها أن تمزقني وتجعلني قادراً على أي شيء» - وعلاقته المهتزة بوالده، كان مسائل تتعلق غالباً بهويته الجنسيّة المضطربة، وفقدانه الثقة بقدرته الجسديّة التي أنهكها السلّ والأرق والإمساك والأوجاع الدائمة، وهذه مهمّة بشكل أو بآخر لفهم ذلك الاغتراب الحاد الذي كان يحس به وانعكس في النهاية على مضامين نصوصه الأدبيّة الخالدة.
ومع ذلك، تتسلل ملامح لطيفة عن تفاصيل العيش اليومي لكافكا من بين الصفحات؛ فيخبرنا مثلاً عن قضائه كثيراً من الليالي في المسرح، ويبدي آراء محكمة في الأعمال التي رآها على الخشبة حتى تكاد تعتقد أنّه كان ناقداً مسرحيّاً بارزاً، ونفهم أنّه أصبح صديقاً لأعضاء فرق مسرحيّة مغمورة، وتولّه بعدد من الممثلات فيها على نحو يثير تعاطفنا الشديد مع أولئك الممثلين الذين؛ رغم افتقادهم المال والشهرة؛ يستمرون في أداء مهمتهم النبيلة في محاكاة حزينة لمصير البشر البائس. وهناك إشارات إلى بكائه في السينما، وكذلك تفكيره في الانتحار.
ومع كل هذه الكآبة، يبدو من المذكرات أنّه كان قادراً على الضحك الهستيري أيضاً؛ إذ يخبرنا أنّه جلس في حانة بالعاصمة التشيكيّة رفقة صديقه ماكس برود بعد أن غادرا حفلاً للأوبرا، وبينما كان برود يحاول فتح عبوة مياه غازية؛ تناثرت محتوياتها كما رذاذ المطر على كل ملابس كافكا الذي ضحك بشدة حتى خرج المشروب الذي كان يشربه من أنفه.
على أنّ ما يجعل هذه النسخة من المذكرات فائقة الأهميّة للتأريخ الأدبي، احتواؤها – على خلاف النسخة التي حررها برود - على المسودات الأوليّة والبدايات التي عدل عنها لقصصه، فكأننا نقبض على نَفَسِ كافكا الأدبي الخاص وهو يتطور رويداً وريداً في الوقت الحقيقي لحياته القصيرة.
صورة كافكا بعد قراءة هذه النسخة من المذكرات أكثر اكتمالاً، وأقرب إلى الإنسانيّة والواقع؛ من التقديس والنمذجة المزيفة التي قدّمتها طبعة برود، وتوفّر انطباعاً غنياً عما سماه كافكا «ذلك الكون الهائل الذي أمتلكه في رأسي»، وهي تمكننا من استيعاب التجربة التي أنتجت تلك المجموعة المبهرة من روايات وقصص قصيرة وثّقت تضاؤل الفرد في كتل الآيديولوجيات الشمولية الهائلة التي هيمنت على بدايات القرن العشرين، والمناخات الحداثيّة التي أخذتنا تالياً إلى مأساة الحرب العالميّة الثانيّة وخروج أوروبا من مركز التاريخ. قراءة مزعجة من دون شك؛ لكنّها قيّمة ولا تقدّر بثمن.

«يوميات فرانز كافكا»
The Diaries of Franz Kafka، Translation: Ross Benjamin، (The Schocken Kafka Library)، Schocken Books،


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «حكايات من خزانة الوطن»، افتتح معرض استعادي للفنان والناقد التشكيلي المصري الراحل عز الدين نجيب، يضم أعمالاً فنية تكرس لأرشيف بصري للروح المصرية عبر مفردات مختلفة من ملامح البسطاء والأماكن المميزة مثل واحة سيوة وطبيعة البيوت والعادات والتقاليد المصرية وتنوع البيئة المصرية.

المعرض الذي ينظمه قطاع الفنون التشكيلية بقاعة «الباب سليم» بساحة دار الأوبرا المصرية يستمر حتى 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي ويضم 35 لوحة من أعمال الفنان التي تعكس رؤيته للشخصية المصرية بكل ما تنطوي عليه من تفرد وأصالة. ووفق منسقة المعرض، نسرين عز الدين نجيب ابنة الفنان الراحل، فالمعرض يعكس المرحلة الأخيرة من أعمال نجيب التي أنجزها بين 2005 و2018.

جانب من معرض عز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

وتضيف نسرين لـ«الشرق الأوسط»: «عنوان المعرض مستلهم من أسلوب الفنان الذي كان مهموماً دائماً بالوطن، سواء وهو يكتب أو يرسم كان مهموماً بمصر وأهلها، وأغلب اللوحات تعبر عن البيئة المصرية وحياة البسطاء، هذه هي السمة الغالبة على لوحات المعرض».

ويعدّ عز الدين نجيب (1940 - 2023) من أهم الفنانين ونقاد الفن التشكيلي المصري وهو من جيل الستينات واهتم كثيراً برسم مشاهد من الشارع المصري والبيئات المختلفة، كما كانت له كتابات أدبية في القصة والرواية، بالإضافة لشهرته الواسعة في نقد الفن التشكيلي، واهتمامه بالحرف التقليدية والتراثية التي أصدر عنها موسوعة كاملة مصورة.

ويقدم المعرض الاستعادي رؤية بصرية فريدة تعكس براعة الفنان الراحل في تحويل المرئي إلى حلم، والواقع إلى أسطورة رمزية تشكيلية تُخلّد ما كان مهددا بالاختفاء، ليصنع بذلك أرشيفا شعوريا وبصريا يستلهم الروح المصرية الخالصة وعمق هويتها.

ويصف نقيب الفنانين التشكيليين بمصر، النحات طارق الكومي، أعمال عز الدين نجيب ومعرضه الاستعادي الذي حضر افتتاحه بأنه «حالة بصرية فريدة من نوعها، وبعض الأعمال كانت مفاجأة للحضور والجمهور من محبي الفنون الجميلة حيث لم يتم عرضها من قبل».

الفنان محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية ونسرين عز الدين نجيب خلال افتتاح المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذا المعرض مهم جداً لاستعادة مراحل تجربة الفنان الكبير عز الدين نجيب، ومن المهم للطلبة ودارسي الفنون زيارة هذا المعرض لفهم مراحل التجربة الفنية للفنان الراحل، وأتمنى إقامة معرض متنقل لأعمال الفنان في مكتبات الثقافة الجماهيرية أو مكتبة القاهرة»، مشيراً إلى اهتمام الفنان الراحل بالهوية الوطنية والبيئات المصرية الساحرة مثل منازل سيوة وغيرها من الأماكن التي تعبر عن مصر.

ويأتي المعرض في هذا التوقيت تحية وفاء مستحقة لمسيرة إبداعية امتدت لأكثر من ستة عقود، جسد خلالها الراحل عز الدين نجيب حالة استثنائية فريدة في المشهد الثقافي المعاصر؛ فلم يقتصر دوره على بصمته الخاصة بصفته فناناً تشكيلياً، بل امتد ليكون مفكراً وناقداً غاص في جذور الهوية عبر مؤلفاته وموسوعاته، وأديباً أثرى المكتبة العربية بروايات مثل «نداء الواحة» و«أيام العز»، فضلاً عن «دوره الريادي بوصفه مؤسساً ميدانياً أرسى دعائم الثقافة الجماهيرية وتراث الحرف التقليدية»، وفق بيان لقطاع الفنون التشكيلية.

الفنان فريد فاضل بجوار بورتريه لعز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

ويرى الناقد التشكيلي المصري، هشام قنديل، أن الفنان الراحل عز الدين نجيب أبدع في تكوين مساحة، بل ساحة فنية كبرى لها لوحاتها وقصائدها مليئة بخيال مبدع وروح فياضة بثراء الأركان والأشكال كل علي حدة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «اكتشفت مبكراً أن نجيب يتوحد أحياناً بالفن فيصعب التحاور البسيط معه لأنه يتوحد باللون حتى يخفي فيه آلامه وهمومه وما أكثرها في سنوات شبابه».

من لوحات عز الدين نجيب (الشرق الأوسط)

«فهو يتجول تارة في درجات الزرقة وأخرى في السواد حيث يختفي في المعتقل وثالثة في درجات البياض، وهو يتمسك بالفن ثابت كالشجر وكنخيل سيوة الذي عشقه ومن ثم لا تستميله شهرة أو بريق خادع، بل يظل في أعماله ومسيرته الفنية صامداً كالحجر لا يتبدل ولا يتغير»، مؤكداً أن معرضه الاستعادي يوضح أن «عز الدين نجيب سيظل قبضة من تراب مصر... عشق هائم كالسحاب وكارتحال الأزاهير في العطر واللون».


مغامر بريطاني يختتم رحلة استمرت 28 عاماً من دون وسيلة نقل

 كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة استمرت 28 عاماً من دون وسيلة نقل

 كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)

بعد رحلة استمرت 28 عاماً قطع خلالها 50 ألف كيلومتر وعبر خلالها 4 قارّات من دون استخدام أي وسيلة نقل، وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي إلى بلاده، الاثنين.

وتمسّك بوشبي الذي انطلق من أميركا الجنوبية عام 1998 بقاعدتين ذهبيتين طوال الرحلة: تجنب جميع وسائل النقل، والامتناع عن العودة قبل إكمال التحدي، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستُقبل، الاثنين، وسط مدينة هال في شمال غربي إنجلترا، حيث كان بانتظاره جمع من نحو 100 شخص، وتوجّه بالشكر لجميع من دعموه في أثناء رحلته.

وقال: «لم أقم بذلك وحدي»، مشيراً إلى أن الإنجاز كان ثمرة «جهد عالمي»، بعدما أشادت به رئيسة بلدية هال ماريا كاورد.

وأضاف: «لن تصدّقوا عدد الأشخاص الذين أسهموا في ذلك، لمساعدتنا على تخطي مختلف العراقيل التي واجهتنا. واجهنا حكومات وتحديات تعد من بين الأصعب».

وفي طريق العودة إلى مدينته، قطع الأميركيتين، وعبر مضيق بيرنغ المجمّد من ألاسكا إلى روسيا وأجزاء من آسيا الوسطى وأوروبا بين أدغال وجبال وصحارى.

وقوبل بالتصفيق، الأحد، في أثناء عبوره جسر هامبر الشهير بالقرب من هال وسط ضباب كثيف، قبل وصوله أخيراً إلى وسط المدينة ومتابعة طريقه إلى منزل والدته.

وحظي المظلي السابق البالغ 57 عاماً والذي جر أمتعته معه على متن عربة ذات إطار معدني، باستقبال رسمي، الاثنين.

ومن المقرر أن يلتقي بوشبي، الاثنين، والدته أنجيلا ونجله آدم البالغ 36 عاماً وحفيدته البالغة 12 عاماً والتي لم يسبق أن التقاها.

بدأ مغامرته عندما كان في التاسعة والعشرين من عمره عقب انهيار زواجه وعودة زوجته إلى آيرلندا الشمالية برفقة ابنهما.

وأُجبر على التوقف مرّات عديدة، بما في ذلك عندما رفضت موسكو منحه تأشيرة. كما عطّلته الأزمة المالية عام 2008، ومن ثم وباء «كوفيد - 19».

وأمضى تلك الفترات في المكسيك قبل أن يستأنف رحلته من النقطة نفسها التي توقف عندها فور حل كل مشكلة واجهته.

وقطع المانش سباحة مطلع أكتوبر (تشرين الأول) للعودة إلى المملكة المتحدة.

وقال في بيان لاحقاً: «إنه شعور جيّد بأن أكون على تراب المملكة المتحدة بعد كل هذه السنوات»، مؤكداً أن رحلته «لم تكن سهلة». وأضاف: «نستطيع جميعاً تحقيق أكثر مما يمكننا تخيّله».

وفي مقابلة معه من شمال فرنسا في سبتمبر (أيلول)، أعرب بوشبي عن بعض المخاوف من العودة إلى حياة أكثر طبيعية في بريطانيا، وقال «يتوجب عليّ التكيّف والاندماج مجدداً في عالم الكبار».


في تحدٍ للتصورات العلمية... اكتشاف بقايا دم في عظام ديناصور عمره 115 مليون سنة

صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
TT

في تحدٍ للتصورات العلمية... اكتشاف بقايا دم في عظام ديناصور عمره 115 مليون سنة

صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)

عثر فريق بحثي دولي على خلايا دم حمراء متحجرة وجزيئات حيوية مشتقة من الهيموغلوبين، إلى جانب أحماض أمينية من بروتين الكولاجين، داخل عظام ديناصور عاش قبل نحو 115 مليون سنة في البرازيل، في اكتشاف غير مسبوق يفتح آفاقاً جديدة لدراسة الحياة القديمة، ويعيد النظر في قدرة الحفريات على الاحتفاظ بمكوناتها البيولوجية لملايين السنين.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة كيرتن الأسترالية، أن البقايا اكتُشفت داخل عظام أطراف ديناصور من مجموعة الثيروبودات، يُعرف باسم «أراتاسوروس موسيوناسيونالي» (Aratasaurus museunacionali)، وعُثر على رفاته في شمال غرب البرازيل، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS).

وأظهرت التحليلات وجود أعداد كبيرة من خلايا الدم الحمراء المحفوظة داخل القنوات الوعائية في العظام. وتمكن الباحثون، للمرة الأولى، من إثبات وجود جزيئات كيميائية مشتقة من الهيموغلوبين داخل هذه الخلايا، بعد رصد مادة «الهيم» (Heme)، وهي المكوّن المسؤول عن حمل الأكسجين في بروتين الهيموغلوبين.

ويمثل ذلك دليلاً كيميائياً مؤكداً على وجود بقايا دم متحجرة، بخلاف دراسات سابقة رصدت تراكيب يُحتمل أنها تشبه خلايا الدم الحمراء في الحفريات، لكنها لم تتمكن من إثبات طبيعتها الكيميائية بصورة قاطعة.

وأثار الاكتشاف دهشة الباحثين؛ إذ إن بقاء مكونات بيولوجية حساسة، مثل خلايا الدم الحمراء وجزيئات الهيموغلوبين، محفوظة طوال 115 مليون سنة يتحدى التصورات العلمية بشأن المدة التي يمكن أن تصمد خلالها هذه المواد أمام التحلل.

وقال الباحثون إن العثور على جزيئات مشتقة من الهيم داخل خلايا دم حمراء بهذا العمر يمثل اكتشافاً استثنائياً ومحطة مهمة في دراسة الحفريات، مضيفين أن النتائج لا توسع السجل الأحفوري لبقايا الدم فحسب، بل توفر نافذة جزيئية مباشرة على الخصائص الفسيولوجية للحيوانات المنقرضة، بما يساعد العلماء على فهم طبيعتها والبيئة التي عاشت فيها.

وأوضحت الدراسة أن خلايا الدم الحمراء تمعدنت بفعل معدن «الهوسمانيت» (Hausmannite)، الذي عمل بمثابة كبسولة زمنية طبيعية؛ إذ ساعد على تثبيت التراكيب الخلوية والمكونات الحيوية، بما فيها الأحماض الأمينية المكونة لبروتين الكولاجين، وحمايتها من التحلل على مدى ملايين السنين.

ويرجح الباحثون أن هذا الحفظ الاستثنائي نتج عن دفن جثة الديناصور سريعاً بعد نفوقه، في بيئة منخفضة الأكسجين وغنية بالكائنات الحية الدقيقة، وهي ظروف ربما أسهمت في الحفاظ على المكونات البيولوجية داخل العظام.

وقال الباحثون إن النتائج تتحدى افتراضات علمية راسخة كانت تستبعد بقاء جزيئات حيوية، مثل الهيموغلوبين، خلال فترات زمنية جيولوجية طويلة. كما تفتح آفاقاً جديدة لدراسة تطور الدم وعمليات الأيض، وربما الاستدلال على مستويات النشاط لدى الحيوانات القديمة.

ووفق الفريق، فإن الدراسة تعيد تعريف حدود قدرة التراكيب الجزيئية على البقاء محفوظة عبر فترات زمنية طويلة، حتى في الظروف البيئية القاسية، كما أن لهذه النتائج أهمية محتملة في مجال علم الأحياء الفلكي؛ إذ قد تسهم في تطوير أساليب البحث عن أدلة على وجود حياة قديمة خارج كوكب الأرض.