ريم الفيصل وتأملات بالعدسة في «الحالة الإنسانية»

معرضها الحالي «أحوال النور» في جدة يقدم نظرة استعادية لمشوار عمر من التصوير

المسجد النبوي (ريم الفيصل)  -  بصمة الإنسانية (ريم الفيصل)   -   لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
المسجد النبوي (ريم الفيصل) - بصمة الإنسانية (ريم الفيصل) - لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
TT

ريم الفيصل وتأملات بالعدسة في «الحالة الإنسانية»

المسجد النبوي (ريم الفيصل)  -  بصمة الإنسانية (ريم الفيصل)   -   لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
المسجد النبوي (ريم الفيصل) - بصمة الإنسانية (ريم الفيصل) - لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة

في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، وجدت صور الحجاج القادمين للأماكن المقدسة التي التقطتها عدسة المصورة ريم الفيصل مكانها الطبيعي، فموضوع البينالي هو «أول بيت» ويدور حول الحج والمقدسات، وتوجت صورة التقطتها ريم الفيصل لأحد الحجاج وهو يجلس القرفصاء على إحدى المنصات الحجرية بصالة الحجاج الشمالية بمطار الملك عبد العزيز، العروض الخارجية، فهي تختصر المكان والموضوع والحالة الإنسانية الكامنة خلف مفهوم البينالي.
وإلى جانب البينالي، تقيم ريم الفيصل معرضاً ضخماً تعده استعادياً لأعمالها في مركز «جدة بارك»، تقدم من خلاله صوراً لم تعرض من قبل، سافرت من خلالها وعبر العدسة عبر بلاد كثيرة من السعودية لمصر وتركيا وسوريا والمغرب وإيران والولايات المتحدة واليابان وغيرها. أطلقت على معرضها عنوان «أحوال النور» ويدور حول الإنسان في أحواله المختلفة.

وحيد على شاطئ البحر لقطة بعدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة

- عشق التصوير
تصحبني في جولة بين أعمالها، تتحدث عن الأماكن التي التقطت فيها وتصف الناس والطبيعة، تقول إن المعرض يضم الكثير من صورها التي لم تعرض من قبل وكان من الطبيعي أن أسألها «لماذا لم تعرض؟» تجيبني ببساطتها المحببة: «99 في المائة من أعمالي لم تعرض من قبل». الإجابة محيرة بالفعل، فالفيصل شقت طريقها كأول مصورة فوتوغرافية في المملكة تلتقط صوراً للحجاج في ميناء جدة وفي المشاعر المقدسة، وسافرت مع عدستها لأنحاء العالم لتسجل لقطات تسجل الحياة الإنسانية بكل بساطتها وعمقها. لا تحب العرض كثيراً، وتشير إلى أن معرضها الحالي كان بتشجيع من الفنان العراقي محمد الشمري الذي أعد معها المعرض ويساعدها حالياً في إعداد كتاب قادم. بالنسبة للفيصل فالأمر يتلخص في أمر واحد: «أحب التقاط الصور وما يحدث بعد ذلك لا يهمني كثيراً».

لا تعطي ريم الفيصل عناوين لصورها لتمنح حرية للمتلقي في اختيار التأويل

- المملكة بالألوان
خلال فترة الجائحة، قررت ريم الفيصل القيام برحلة بين ربوع المملكة بالسيارة: «أردت أن أصور جميع أنحاء المملكة ولكن بالألوان هذه المرة، وسأنشر الصور في كتاب». لمن يعرف أعمال الفيصل يعرف أنها مخلصة للتصوير بالأبيض والأسود، هل كان التحول أمراً صعباً؟ تقول: «لا، لكنه مختلف، عندما أصور بالأبيض والأسود فأنا أتعامل مع الضوء والظل وأيضاً مع (نسيج) الصورة، فهذه هي الطريقة التي أرى بها اللقطة وكيف أترجمها للرائي. أثناء رحلاتي في السعودية حاولت استخدام ذات الوسيلة ولكنها لم تناسبني، كان هناك شيء لم أستطع رؤيته وهكذا بدأت التركيز في التصوير بالألوان وكان أمراً مختلفاً. في السابق، كنت أرى الأشياء بالأبيض والأسود، أما مع الألوان فأنا أرى اللون نفسه وليس المنظر أو الأشياء، أصبحت الألوان هي موضوعي الأساسي». هل تجذبك الألوان أكثر من الأشكال؟ أسألها وتجيب: «لا، عيني تتجه مباشرة لشكل اللون والمزيج بين اللون والمساحات وطبقات اللون».
الألوان التي تتحدث عنها الفيصل ألوان هادئة: «لا أحب الألوان الفاقعة، ألواني المفضلة هي درجات (الباستيل)».
تعد حالياً الكتاب الذي يضم رحلتها المصورة في السعودية: «اخترت له عنوان (ومضات سعودية)، هو عن روح المكان».
تعتبره بمثابة توثيق «لمن سيأتي بعدي، لست مغرورة ولكني أصعب ناقد لفني، أريد أن أقدم الأفضل للجمهور، لأحس بأني وفيت». هل يهمك سماع آراء المشاهدين لأعمالك؟ تقول: «بالطبع يهمني، قد يرى البعض ما أريد نقله عبر الصور، لا شيء يسعدني أكثر من ذلك».

- روح المكان
الرحلة والمشروع استغرقا ثمانية أشهر، بحسب ما تقول، تصف الفترة بأنها كانت «من أكثر اللحظات إمتاعاً في حياتي. السعودية بلد مدهش، كبير المساحة ومختلف. يتصور الناس أن السعودية لها وجه واحد، صحراء ضخمة. لكن الأمر مختلف، حتى الصحراء ليست متماثلة من مكان لآخر، بل هي صحراوات متعددة كل منها لها «حالة خاصة»، وضوء مختلف ولون مختلف. أماكن كثيرة ساحرة مثل تبوك وجبل اللوز وتيماء! هناك أيضاً الجوف وحائل وقرية حاتم الطائي والباحة وذي عين... وغيرها. إنها روح الأرض والناس».
أسألها: «هل جذبتك الأماكن الأثرية أكثر أم الأجواء والطبيعة؟» تقول: «نحن نتوه في المدن، نفقد هويتنا ولكن عندما نخرج منها للمدن الصغيرة نرى روح المكان، أمر مختلف... المدن تتغير وتذهب لكن تبقى روح المكان... هناك هوية تبقى».

عدسة ريم الفيصل تعكس روح المكان

- أحوال النور
نلتفت حولنا للصور الموزعة في القاعة وموضوعاتها المختلفة، منها ما عرض من قبل ومنها ما لم يعرض، وبينهما لقطات مدهشة بالفعل، تختطف لحظات ونفحات إنسانية، من ذلك الشاب الذي يمشي في احتفال فلكلوري في مراكش بالمغرب وخلفه تبدو دمية ضخمة بعينين براقتين تنفذان من إطار اللوحة للمتلقي مباشرة، نرى نفس الدمية في صورة أخرى على جدار آخر من القاعة، مع مجموعة أخرى من الصور. في صور الحجاج هناك دائماً اللمعة في العين والبسمة التي تتوج الشفاه، الحاجة التي تحمل على رأسها كيساً يضم متاعها وعلى وجهها ترتسم السعادة، هناك المصلون الذين يقفون على تراب أرض عرفات بحراماتهم. تاجر في جدة يجلس على كومة من السجاد في دكانته ويدخن من أرجيلة، أو سكان منطقة البلد بجدة الذين يجلسون على المقاعد الخشبية العالية أمام إحدى البنايات بديعة الشكل. «هذه البناية تهدمت منذ فترة!»، تشير الفيصل وتصرف نبرة أسى صدرت مني بعبارة حكيمة: «لا شيء يدوم على هذه الأرض». تعترف بأنها لا تحمل ما يسمى الحنين للماضي، ترى الأشياء بواقعية، ويهمها فقط الإنسان: «صوري لا تحمل الحنين للماضي، لأن الأمر المؤكد هو أن لا شيء يبقى كما هو، كل شيء يتغير و(دوام الحال من المحال). هناك شيء واحد فقط دائم وهو الروح. أريد أن أظهر الحالة الإنسانية في عالم دائم التغير». أعود لسؤالها عما تراه في الأماكن، مثالنا هنا كان صوراً لمنطقة البلد بجدة: «ما الذي ترين في مكان كهذا؟» تقول: «هو جانب من الحالة الإنسانية، لا شيء يبقى، كله يمضي. هنا بالطبع أرى مبنى جميلاً، كان جزءاً من التاريخ، ما يهمني هنا هو مَن الناس الذين سكنوه فقط».

- هشاشة الإنسان وضالته
الصور الموزعة على جدران القاعة الضخمة تختلف في خلفياتها، في سنوات التقاطها وفي الأماكن التي تصورها، ولكنها تشترك في عامل أساسي وهو الإنسان. تقول إن صورها يمكن اعتبارها تحية للإنسان... للمعاناة، و«لما يمر بنا عبر الحياة. الناس هم الأبطال الحقيقيون، قد لا ترينهم في الصور ولكنهم دائماً هناك. هذا ما يقدمه عملي: بطولة العيش، الحياة وطقوسها البسيطة».
تعدد البلدان والمدن التي التقطت فيها الصور «المغرب ومكة والمدينة وجدة ومصر وسوريا وأميركا والصين واليابان والإمارات»، خلاصة أكثر من 30 عاماً. تلفتني بعض الصور ويبدو من خلالها أن هناك قصصاً وحكايات ضمن ثناياها، منها صور لأشخاص يتضاءلون لجانب أبنية ضخمة أو أمام بحر ممتد، شخص يجلس في أحد المساجد، يبدو مثل النقطة الصغيرة تحت سقف مهيب متعدد الأقواس، هناك دائماً الإحساس باتساع المكان وصغر حجم الإنسان حياله، تقول: «دائماً أتحدث عن هشاشة الإنسان وضالته».

من الممكن لصور ريم الفيصل أن تكون في أي مكان

- روح الأماكن وهويتها
رحلات كثيرة تجسدها الصور في بلدان تحمل لها الفيصل الكثير من المودة والحب، تشير لها وتقول إن ما يبقى من الأماكن هو الهوية: «أرى الأماكن كأشخاص لكل منها هوية وشخصية. لا تتغير المدن كثيراً»، تضيف: «في السعودية الشخصية والهوية دائماً موجودتان، نحن بلد عريق بالتقاليد وبالقبائل ولنا تاريخ يعود لآلاف السنين. مصر تظل هي مصر رغم الاحتلال والثقافات، والعراق والشام أيضاً، ما يبقى عبر الزمن هو الهوية».
«هل هذا ما تحبين التقاطه بعدستك؟» تجيب: «أتحدث دائماً عن الأبدية، عن الإنسان». تشير لصورة حاج يجلس القرفصاء في مطار جدة: «هذا الرجل يمكنك تخيله جالساً في منطقة جبلية في أفغانستان، سيجلس بالطريقة نفسها، أتى لهنا في مطار الحجاج وهذه هي هويته، يمكنك رؤية الثقافة التي انحدر منها». في صور الحج نرى التشابهات والاختلافات، ولدينا من المتشابهات ما يفوق الاختلافات، الحالة الإنسانية واحدة، انظري له عندما يصلي أو يجلس أو عندما ينظر، هي نفس الحالة الإنسانية».
تبدو بعض اللقطات متفردة: «بماذا تشعرين عندما تلتقط عدستك اللحظة التي تريدينها؟»، ترد: «أشعر بالسعادة، لأنها ثانية، وأيضاً بأني محظوظة باقتناص تلك اللحظة». نقف أمام صورة لشخص جالس ورأسه منحنٍ، بيننا وبينه حاجز وقضبان معدنية: «هنا كنت محظوظة باقتناص اللحظة».
«هل تفاجئك بعض اللقطات؟» تجيب: «لا، بشكل ما لا أفاجأ، فأنا أبحث عن هذه اللحظة. ومن عادتي إقصاء الكثير من الصور». تلك الصور التي تقصيها هل ستجد طريقها للعرض في يوم من الأيام؟» إجابتها حاسمة: «لا، سأحرقها، هناك مصورة مشهورة حرقت جميع النيجاتيف الخاصة بها قبل وفاتها حتى لا يرى أحد ما لم ترد نشره، أيضاً المصور الشهير كارتييه بريسون حرق جميع النيجاتيف قبل وفاته».

- صور بلا عناوين
يلفتني أن الكثير من الصور من الممكن أن تكون في أي مكان، تعلق: «من أجل ذلك لا أضع عناوين لصوري، كثيرون سألوني عن ذلك، الأمر ليس عن المكان على الإطلاق ولا عن الموضع، بل عن أحوال النور، عن الإنسان وهو عالق بين النور والظل، حياتنا كلها كذلك، ليست عن المكان ولا الزمان».
«هذا يجعل الناظر هو من يكتب الحكاية لكل صورة؟» بالضبط، هذا ما أريد، أن أمنحه الحرية لا أريد أن أفرض عليه، أنا لدي موضوع عام (أحوال النور)».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended