ريم الفيصل وتأملات بالعدسة في «الحالة الإنسانية»

معرضها الحالي «أحوال النور» في جدة يقدم نظرة استعادية لمشوار عمر من التصوير

المسجد النبوي (ريم الفيصل)  -  بصمة الإنسانية (ريم الفيصل)   -   لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
المسجد النبوي (ريم الفيصل) - بصمة الإنسانية (ريم الفيصل) - لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
TT

ريم الفيصل وتأملات بالعدسة في «الحالة الإنسانية»

المسجد النبوي (ريم الفيصل)  -  بصمة الإنسانية (ريم الفيصل)   -   لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة
المسجد النبوي (ريم الفيصل) - بصمة الإنسانية (ريم الفيصل) - لقطة من عدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة

في بينالي الفنون الإسلامية بجدة، وجدت صور الحجاج القادمين للأماكن المقدسة التي التقطتها عدسة المصورة ريم الفيصل مكانها الطبيعي، فموضوع البينالي هو «أول بيت» ويدور حول الحج والمقدسات، وتوجت صورة التقطتها ريم الفيصل لأحد الحجاج وهو يجلس القرفصاء على إحدى المنصات الحجرية بصالة الحجاج الشمالية بمطار الملك عبد العزيز، العروض الخارجية، فهي تختصر المكان والموضوع والحالة الإنسانية الكامنة خلف مفهوم البينالي.
وإلى جانب البينالي، تقيم ريم الفيصل معرضاً ضخماً تعده استعادياً لأعمالها في مركز «جدة بارك»، تقدم من خلاله صوراً لم تعرض من قبل، سافرت من خلالها وعبر العدسة عبر بلاد كثيرة من السعودية لمصر وتركيا وسوريا والمغرب وإيران والولايات المتحدة واليابان وغيرها. أطلقت على معرضها عنوان «أحوال النور» ويدور حول الإنسان في أحواله المختلفة.

وحيد على شاطئ البحر لقطة بعدسة ريم الفيصل في معرضها «أحوال النور» بجدة

- عشق التصوير
تصحبني في جولة بين أعمالها، تتحدث عن الأماكن التي التقطت فيها وتصف الناس والطبيعة، تقول إن المعرض يضم الكثير من صورها التي لم تعرض من قبل وكان من الطبيعي أن أسألها «لماذا لم تعرض؟» تجيبني ببساطتها المحببة: «99 في المائة من أعمالي لم تعرض من قبل». الإجابة محيرة بالفعل، فالفيصل شقت طريقها كأول مصورة فوتوغرافية في المملكة تلتقط صوراً للحجاج في ميناء جدة وفي المشاعر المقدسة، وسافرت مع عدستها لأنحاء العالم لتسجل لقطات تسجل الحياة الإنسانية بكل بساطتها وعمقها. لا تحب العرض كثيراً، وتشير إلى أن معرضها الحالي كان بتشجيع من الفنان العراقي محمد الشمري الذي أعد معها المعرض ويساعدها حالياً في إعداد كتاب قادم. بالنسبة للفيصل فالأمر يتلخص في أمر واحد: «أحب التقاط الصور وما يحدث بعد ذلك لا يهمني كثيراً».

لا تعطي ريم الفيصل عناوين لصورها لتمنح حرية للمتلقي في اختيار التأويل

- المملكة بالألوان
خلال فترة الجائحة، قررت ريم الفيصل القيام برحلة بين ربوع المملكة بالسيارة: «أردت أن أصور جميع أنحاء المملكة ولكن بالألوان هذه المرة، وسأنشر الصور في كتاب». لمن يعرف أعمال الفيصل يعرف أنها مخلصة للتصوير بالأبيض والأسود، هل كان التحول أمراً صعباً؟ تقول: «لا، لكنه مختلف، عندما أصور بالأبيض والأسود فأنا أتعامل مع الضوء والظل وأيضاً مع (نسيج) الصورة، فهذه هي الطريقة التي أرى بها اللقطة وكيف أترجمها للرائي. أثناء رحلاتي في السعودية حاولت استخدام ذات الوسيلة ولكنها لم تناسبني، كان هناك شيء لم أستطع رؤيته وهكذا بدأت التركيز في التصوير بالألوان وكان أمراً مختلفاً. في السابق، كنت أرى الأشياء بالأبيض والأسود، أما مع الألوان فأنا أرى اللون نفسه وليس المنظر أو الأشياء، أصبحت الألوان هي موضوعي الأساسي». هل تجذبك الألوان أكثر من الأشكال؟ أسألها وتجيب: «لا، عيني تتجه مباشرة لشكل اللون والمزيج بين اللون والمساحات وطبقات اللون».
الألوان التي تتحدث عنها الفيصل ألوان هادئة: «لا أحب الألوان الفاقعة، ألواني المفضلة هي درجات (الباستيل)».
تعد حالياً الكتاب الذي يضم رحلتها المصورة في السعودية: «اخترت له عنوان (ومضات سعودية)، هو عن روح المكان».
تعتبره بمثابة توثيق «لمن سيأتي بعدي، لست مغرورة ولكني أصعب ناقد لفني، أريد أن أقدم الأفضل للجمهور، لأحس بأني وفيت». هل يهمك سماع آراء المشاهدين لأعمالك؟ تقول: «بالطبع يهمني، قد يرى البعض ما أريد نقله عبر الصور، لا شيء يسعدني أكثر من ذلك».

- روح المكان
الرحلة والمشروع استغرقا ثمانية أشهر، بحسب ما تقول، تصف الفترة بأنها كانت «من أكثر اللحظات إمتاعاً في حياتي. السعودية بلد مدهش، كبير المساحة ومختلف. يتصور الناس أن السعودية لها وجه واحد، صحراء ضخمة. لكن الأمر مختلف، حتى الصحراء ليست متماثلة من مكان لآخر، بل هي صحراوات متعددة كل منها لها «حالة خاصة»، وضوء مختلف ولون مختلف. أماكن كثيرة ساحرة مثل تبوك وجبل اللوز وتيماء! هناك أيضاً الجوف وحائل وقرية حاتم الطائي والباحة وذي عين... وغيرها. إنها روح الأرض والناس».
أسألها: «هل جذبتك الأماكن الأثرية أكثر أم الأجواء والطبيعة؟» تقول: «نحن نتوه في المدن، نفقد هويتنا ولكن عندما نخرج منها للمدن الصغيرة نرى روح المكان، أمر مختلف... المدن تتغير وتذهب لكن تبقى روح المكان... هناك هوية تبقى».

عدسة ريم الفيصل تعكس روح المكان

- أحوال النور
نلتفت حولنا للصور الموزعة في القاعة وموضوعاتها المختلفة، منها ما عرض من قبل ومنها ما لم يعرض، وبينهما لقطات مدهشة بالفعل، تختطف لحظات ونفحات إنسانية، من ذلك الشاب الذي يمشي في احتفال فلكلوري في مراكش بالمغرب وخلفه تبدو دمية ضخمة بعينين براقتين تنفذان من إطار اللوحة للمتلقي مباشرة، نرى نفس الدمية في صورة أخرى على جدار آخر من القاعة، مع مجموعة أخرى من الصور. في صور الحجاج هناك دائماً اللمعة في العين والبسمة التي تتوج الشفاه، الحاجة التي تحمل على رأسها كيساً يضم متاعها وعلى وجهها ترتسم السعادة، هناك المصلون الذين يقفون على تراب أرض عرفات بحراماتهم. تاجر في جدة يجلس على كومة من السجاد في دكانته ويدخن من أرجيلة، أو سكان منطقة البلد بجدة الذين يجلسون على المقاعد الخشبية العالية أمام إحدى البنايات بديعة الشكل. «هذه البناية تهدمت منذ فترة!»، تشير الفيصل وتصرف نبرة أسى صدرت مني بعبارة حكيمة: «لا شيء يدوم على هذه الأرض». تعترف بأنها لا تحمل ما يسمى الحنين للماضي، ترى الأشياء بواقعية، ويهمها فقط الإنسان: «صوري لا تحمل الحنين للماضي، لأن الأمر المؤكد هو أن لا شيء يبقى كما هو، كل شيء يتغير و(دوام الحال من المحال). هناك شيء واحد فقط دائم وهو الروح. أريد أن أظهر الحالة الإنسانية في عالم دائم التغير». أعود لسؤالها عما تراه في الأماكن، مثالنا هنا كان صوراً لمنطقة البلد بجدة: «ما الذي ترين في مكان كهذا؟» تقول: «هو جانب من الحالة الإنسانية، لا شيء يبقى، كله يمضي. هنا بالطبع أرى مبنى جميلاً، كان جزءاً من التاريخ، ما يهمني هنا هو مَن الناس الذين سكنوه فقط».

- هشاشة الإنسان وضالته
الصور الموزعة على جدران القاعة الضخمة تختلف في خلفياتها، في سنوات التقاطها وفي الأماكن التي تصورها، ولكنها تشترك في عامل أساسي وهو الإنسان. تقول إن صورها يمكن اعتبارها تحية للإنسان... للمعاناة، و«لما يمر بنا عبر الحياة. الناس هم الأبطال الحقيقيون، قد لا ترينهم في الصور ولكنهم دائماً هناك. هذا ما يقدمه عملي: بطولة العيش، الحياة وطقوسها البسيطة».
تعدد البلدان والمدن التي التقطت فيها الصور «المغرب ومكة والمدينة وجدة ومصر وسوريا وأميركا والصين واليابان والإمارات»، خلاصة أكثر من 30 عاماً. تلفتني بعض الصور ويبدو من خلالها أن هناك قصصاً وحكايات ضمن ثناياها، منها صور لأشخاص يتضاءلون لجانب أبنية ضخمة أو أمام بحر ممتد، شخص يجلس في أحد المساجد، يبدو مثل النقطة الصغيرة تحت سقف مهيب متعدد الأقواس، هناك دائماً الإحساس باتساع المكان وصغر حجم الإنسان حياله، تقول: «دائماً أتحدث عن هشاشة الإنسان وضالته».

من الممكن لصور ريم الفيصل أن تكون في أي مكان

- روح الأماكن وهويتها
رحلات كثيرة تجسدها الصور في بلدان تحمل لها الفيصل الكثير من المودة والحب، تشير لها وتقول إن ما يبقى من الأماكن هو الهوية: «أرى الأماكن كأشخاص لكل منها هوية وشخصية. لا تتغير المدن كثيراً»، تضيف: «في السعودية الشخصية والهوية دائماً موجودتان، نحن بلد عريق بالتقاليد وبالقبائل ولنا تاريخ يعود لآلاف السنين. مصر تظل هي مصر رغم الاحتلال والثقافات، والعراق والشام أيضاً، ما يبقى عبر الزمن هو الهوية».
«هل هذا ما تحبين التقاطه بعدستك؟» تجيب: «أتحدث دائماً عن الأبدية، عن الإنسان». تشير لصورة حاج يجلس القرفصاء في مطار جدة: «هذا الرجل يمكنك تخيله جالساً في منطقة جبلية في أفغانستان، سيجلس بالطريقة نفسها، أتى لهنا في مطار الحجاج وهذه هي هويته، يمكنك رؤية الثقافة التي انحدر منها». في صور الحج نرى التشابهات والاختلافات، ولدينا من المتشابهات ما يفوق الاختلافات، الحالة الإنسانية واحدة، انظري له عندما يصلي أو يجلس أو عندما ينظر، هي نفس الحالة الإنسانية».
تبدو بعض اللقطات متفردة: «بماذا تشعرين عندما تلتقط عدستك اللحظة التي تريدينها؟»، ترد: «أشعر بالسعادة، لأنها ثانية، وأيضاً بأني محظوظة باقتناص تلك اللحظة». نقف أمام صورة لشخص جالس ورأسه منحنٍ، بيننا وبينه حاجز وقضبان معدنية: «هنا كنت محظوظة باقتناص اللحظة».
«هل تفاجئك بعض اللقطات؟» تجيب: «لا، بشكل ما لا أفاجأ، فأنا أبحث عن هذه اللحظة. ومن عادتي إقصاء الكثير من الصور». تلك الصور التي تقصيها هل ستجد طريقها للعرض في يوم من الأيام؟» إجابتها حاسمة: «لا، سأحرقها، هناك مصورة مشهورة حرقت جميع النيجاتيف الخاصة بها قبل وفاتها حتى لا يرى أحد ما لم ترد نشره، أيضاً المصور الشهير كارتييه بريسون حرق جميع النيجاتيف قبل وفاته».

- صور بلا عناوين
يلفتني أن الكثير من الصور من الممكن أن تكون في أي مكان، تعلق: «من أجل ذلك لا أضع عناوين لصوري، كثيرون سألوني عن ذلك، الأمر ليس عن المكان على الإطلاق ولا عن الموضع، بل عن أحوال النور، عن الإنسان وهو عالق بين النور والظل، حياتنا كلها كذلك، ليست عن المكان ولا الزمان».
«هذا يجعل الناظر هو من يكتب الحكاية لكل صورة؟» بالضبط، هذا ما أريد، أن أمنحه الحرية لا أريد أن أفرض عليه، أنا لدي موضوع عام (أحوال النور)».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.